آخر ما قاله الشيخ عدون
أ/ عيسى بن محمد الشيخ بالحاج
أستاذ بمعهد الحياة - القرارة

أيُّها القارئ الكريم، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
إنَّ الإنسان عندما يقف في أعقاب تاريخٍ حافل، ليقلِّب صفحات مجد آثل، ويرجع البصر في أمجاد مغوارٍ باسل، لَتَستوقفُه محطَّات رائعة، وتستفزه خبايا ناصعة، وتثيره ذكريات ذائعة، عبر حقب من الزمان، تولَّت من غير نسيان، لتبقى في أذهان الناشئة خالدةً، خلود مجد صانعها، وتستمرُّ في الآفاق مُشرقة إشراقة مُسرجها؛ تلكُمُ المعالم البهيَّة، والمغانم السنيَّة التي على السلف حفظُها للخلف، استمرارًا لِسَنَا نور الحياة خالدًا يُنير دروب السالكين، ودائبًا يُبهج نفوس الخالدين.
وإنَّ المرء ليتمثل نفسه على شفى جبل شاهق يُشرف من عليائه على روض غنَّاء، قد سقاه ماء الغوادي فهو ريَّان، مُزهر بجميل الورود، مونع بجليل الأثمار، يمدُّ فيه بصره ثم يُرجعه فلا يرى فطورًا، ويطير فوق أريجه فلا يشمُّ إلاَّ مسكًا، ويحطُّ على زهوره فلا يجني إلاَّ شهدًا. وقلَّ من يرقى هذا المقام السامق، ويعتلي هذا المجد الشاهق، إلاَّ من كان لربِّه تقيا، وعلى دينه وصيَّا، ولأمته وفيَّا، وما أقلَّهم في هذا الزمان الذي لانت مضاجعُه، ودانت مطامعُه، وكثُر بُـغاثُه، ونَزَر عُقابُه، وقد تغيرت الدنيا وكان أهلها يرون متون العيس ألين مضجع.

ولعلَّ من أبرز من يجب على الأمة جمعاء ترسُّم خطاه، والاستنارة بسناه؛ فقيد الإسلام والعربية فضيلة الشيخ شريفي سعيد بن بالحاج (الشيــخ عدُّون) رحمه الله، الذي بصر بالراحة الكبرى فلم يرها تُنَال إلاَّ على جسر من التعب، فقد عاش سرمدًا لربِّه نجيًّا، لدينه وفيًّا ولأمته أبيًّا، إلى أن مات بعد أن بلغ من الكبر عِتِيا، وخلف في الآخرين لسان صدق، وفي الخالدين في مقعد صدق.
وأنَّى لي في هذه العجالة أن أستوعب هذا العلم في صفحات معدودات، وأن أستجلي العبر من سيرته في نفحات محدودات، فذاك ما ستُبين عنه ضخام المجلَّدات، ممن يُحيُون ذكره في ديوان الخالدات. غير أنِّي وفي مساهمتي هذه في هذا العدد الممتاز الذي ركَّز على أن يَضُمَّ بين دفَّتيه ”ما قاله الشيخ أو ما قيل عنه“، رأيتني أنحو جانبًا ربما قد يَغفَل عنه الغافلون، أو يتقحَّمه العاجزون مثلي، فقصدتُ إلى آخر ما قاله الشيخ في آخر حياته، في عديد من المحافل والمناسبات -لا كلها - والتي كان يتبوَّأ صدارتها، ويرصِّع واسطة عقدِها، فاستنسختُها من الأشرطة العديدة، بعد تصحيحها، وإعادة شيءٍ من صياغتها، وحَـبْكِ ربطها، لتكون مقالات مقروءة بعد أن كانت كلماتٍ مسموعة، ولم أرد أن أُعمِل فيها فِكري، أو أُدمِع فيها قلمي حتىَّ لا أُفسِد روعتها، أو أُعكِّر نغمتها، أو ألوِّث فِطرتها، كي تفعل في نفوس قارئيها ما فعلت في نفوس سامعيها، كما أردتُها جواهر في أصدافها، وقوالب ذهب في خامها، يصوغُ منها الصائغون الماهرون أسنى الحُلَل، وفق مذاق رفيع، وشكلٍ بديع، وللناس فيما يعشقون مذاهب، كذا لآلـئ أفكار الشيخ أترُكُها نديَّة لمن يملكون أعنَّة البيان، وأزمة البرهان، ولمن أوتي الحكمة وفصل الخطاب، يطلعون عليها من فوق السحاب، وينظرون إليها بعين عقاب، ويستنبطون منها خفايا الصواب، إنَّ في ذلك لعبرة لأولي الألباب. ولعل فرصةً سانحة أخرى تسمح بقراءة متأنِّية فيما قال، في خطاب أو مقال، إن أنسأ المولى تعالى في الآجال.
وإليك عزيزي القارئ هذه الكلمات مرتَّبة حسب الترتيب الزمني، وبالعد التنازلي، إلى حين الوفاة، فاقرأها بقلبك قبل لسانك، وتأمَّل فيها ببصيرتك قبل بصرك، واسأل المولى جل في علاه أن يُلهمك الرشد والاعتبار، كما تسأله لمن تقرأ له المثوبة والاستغفار. ولقد أسميتُ هذه الكلمات: «آخر ما قاله الشيخ عدُّون» وتضمُّ ثماني كلمات:
1- الكلمة التي ألقاها بمناسبة حفل المعايدة في مقر البلدية.
2- الكلمة التي ألقاها في حفل مهرجان القرآن.
3- الكلمة التي ألقاها في ندوة الشيخ عبد الرحمن (رحمه الله).
4- الكلمة التي ألقاها في يوم المعايدة الذي يـجمع أعيان ميزاب ووارجلان.
5- الكلمة التي ألقاها في حفل توزيع الجوائز على طلبة معهد الحياة.
6- الكلمة التي ألقاها في لقائه بأساتذة معهد الحياة.
7- الكلمة التي ألقاها في الاجتماع السنويِّ العامِّ مع طلبة معهد الحياة.
8- الكلمة التي ألقاها في الاجتماع العام مع طالبات متوسطة وثانوية الحياة.
1) الكلمة التي ألقاها فضيلة الشيخ عدُّون رحمه الله في حفل المعايدة الذي تقيمه بلدية القرارة كل عيد لأعيان البلدة ومسؤوليها في مقر البلدية
يوم: 2 شوال 1423هـ / 6 ديسمبر 2002م
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيــم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله:
كلمتان أفتتح بهما هذا الحفل المبارك:
أولا: أعتذر أن كنت آخر من يلتحق بالحفل، لأن الموعد على حسب الاستدعاء كان على الرابعة والنصف، وقد كنت جاهزا للمجيء في الوقت لولا قدوم بعض الأضياف من بعيد لزيارتي، ولكنني صرفتهم من أجل الحضور إلى الموعد، ثم جاء بعض الإخوان من البلدة لتقديم التهنئة فتأخرت هذه المدة الوجيزة، ولما حضرت وجدت الحفل ينتظر حضور هذا الشخص الضعيف، وهذا ما يُلزِم علي تقديم الاعتذار.
ثانيا: كان الواجب أن أتتبع جميع الحاضرين واحدا واحدا بالمصافحة والمعايدة، ولكنني تعلمون ضعفي، وتُغنيني عن ذلك الكلمة التي سألقيها عليكم مختصرة جدا، فأقول في هذا الجمع المبارك:
أيها الأبناء الأعزاء، ولا بأس أن أعتبر نفسي أبا الجميع لأنني أعد نفسي أكبركم سنا، ومن هذه الناحية فقط أكبُرُكم، وليست لي ناحية أخرى أتميز بها عنكم إلا َّّهذا العمر الطويل الذي أرجو أن يكون الله تعالى قد بارك فيه، وبارك في عقلي لأنه من العادة أنه إذا ضعف الجسد ضعف معه العقل، ولكن والحمد لله العقل كامل وعادي، وهذه نعمة كبرى من نعم الله تعالى، لهذا أعتبر نفسي أبا الجميع كما يعتبرني الكثير أبا لهم.
أبنائي الأعزاء: حقيقة أنتم أعزاء وجميع المسلمين، وبخاصَّة سكان هذه البلدة، وبخاصة الحاضرون في هذا الاجتماع من أعيان البلدة، رئيس الدائرة، رئيس المجلس الشعبي البلدي، رئيس الدرك، ورئيس الأمن، وجميع الموظفين، وجميع الإداريين، والعزابة، والمشايخ والأساتذة والحاضرين من كل الطوائف التي تمثل القرارة، فالقرارة اجتمعت كلها في هذه الوجوه، في هذه العشية المباركة للمعايدة، وفي المعايدة تأليف للقلوب.
نحمد الله تعالى على هذا العيد الذي جاء بعد موسم رمضان المعظم الذي أ نزل فيه القرآن، أعظم كتاب في الدنيا، وأعظم سعادة نزلت إلى البشر إنما نزلت في هذا الشهر المبارك، فنرجو أن نكون قد قمنا فيه بمختلف أعمال البر من صلوات وصدقات وسبحات خالصة لوجه الله تعالى، وختمناه بهذا بالاحتفال بعيد الفطر المبارك أمس. والحمد لله أن كان يوم العيد في أغلب العالم الإسلامي موحدا يوم الخميس إلاَّ قليلا ممن شذ. وللعيد مقام محمود عند الله وعند الملائكة، فنرجو أن يكون الله تعالى قد تقبله منا قبولا حسنا، وها نحن نجتمع ليهنئ بعضنا بعضا تهاني قلبية صادقة، فكلنا مسلمون، وكلنا يحب الخير لأخيه، وكلنا قلب واحد ويد واحدة تسعى إلى الخير، وتعمل الخير، وتجتمع على كلمة الخير والحمد لله، وهذه نعمة من أعظم النعم أن تكون القرارة مجتمعة بجميع هيئاتها، وجميع فئاتها في مكان واحد، وكلهم على قلب رجل واحد، يتوادون ويتحابون ويرحب بعضهم ببعض، وهذا مكسب عظيم، ومثل هذا المنظر لا يوجد في غير القرارة - فيما أحسب وأظن-.
لابد أن تكون هناك سلبيات، ونحن جميعا نسعى لإزالتها، وهي شيء طبيعي في البشر، وإنما قصارى جهدنا شكر الله على هذه النعم التي أنعم الله بها علينا، ومِن شُكرِ ها إصلاحُ ما في هذا الوسط من بعض المفاسد والسلبيات، وأقول بعضا لأن الإيجابيات وما يرضي الله تعالى هي السائدة الغالبة، فالمساجد عامرة، والعشائر عامرة، والمشاريع سائرة في التعليم العام والحر، وهذه نعمة نشكر الله تعالى عليها.
لا أطيل عليكم أكثر، وأرجو أن تكونوا كلُّكم على هذا النمط، وإنما أحقق وأقول إن جميع الحاضرين والغائبين على قلب رجل واحد. وبعد هذا أرجو من بعض الإخوان خاصة الشيخ الناصر أن يزيدنا كلمة في الموضوع، وأنتم تعرفونني قاصرٌ جدًّا في الكلام، واعذروني فيما قصًّرت. والحمد لله رب العالمين.
2) كلمة الشيخ عدّون (رحمه الله) في حفل مهرجان القرآن الذي أقيم بعشيرة البلات بالقرارة لمستظهري كتاب الله العزيز
يوم الثلاثاء: 3 ربيع الثاني 1424هـ الموافق لـ03 جوان 2003م

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ربّ العالمين، وصلّى الله على سيّدنا محمّد وعلى آله وصحبه وسلّم:
ليس عندي ما أقوله، وكلّ ما زورته في نفسي أو تذكّرته إلاّ وقد سبقني إليه مَن تحدث قَبلي وأجاد، فلا أجد ما أقول إلاّ أن أقول:
أبنائي الأعزّاء ! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
خذوا من هذا العجوز الماثل أمامكم ما يجود به من كلمات قصيرة مقتضبة في هذا الوقت الضيّق.
نحن في نعمة كبرى، وحفل عظيم، ويوم مبارك، وما كنّا نتوقّع أن يكون الحفل على هذه الصورة البديعة، خاصّة ما تمّ من وضع الحجر الأساسي لمشروع الحياة العظيم، الذي نسأل الله تعالى أن يعيننا ويوفّقنا لإتمامه، بصورة تعجب وتسرّ الجميع.
إنّنا نقوم بهذا الاحتفال العظيم، احتفاء بالقرآن الكريم، وبالمستظهرين لكتاب الله، وكلّ كلمة تقال في هذا المجال قليلة، لأنّه احتفال بالقرآن وحفظته، ولا أرى مقارنة بين هذا الاحتفال وغيره من الاحتفالات الأخرى، وإنّه الاحتفال بالكتاب الذي طبق السماوات والأرض ذكره، ولا أحد يستطيع أن يصف قيمة الكتاب.
إنّنا في نعمة كبرى لما نراه من مبرّات ومباهج تثلج الصدور، وتطلق الألسنة بالثناء والحبور، وإن كنّا في حزن شديد، بسبب الزلزال الذي ضرب الجزائر يوم 21 ماي، والذي تأثّرت به كلّ قلوب الجزائريّين، وقام الناس جميعهم للمواساة، ولكن رغم شدّة المحنة، فنحن صبورون، وشأن المؤمن الصبر والشكر، وبالصبر الجميل تنقلب المصيبة نعمة، لذا يثيب الله الصابر على صبره أجرا بغير حساب، ومن ثمّ عجب الله لشأن المؤمن إذ أمرُه كلّه خير، وليس ذلك إلاّ للمؤمن. إذا أنعم عليه شكر فكان خيرا له، وإذا ابتلي صبر فكان خيرا له، ولنشكر الله تعالى على كلّ حال، ولنعلم أنّه ما من مصيبة إلاّ وهناك مصيبة أعظم منها، وأعظم المصائب أن يصاب المرء في دينه.
وبعد هذا لا بدّ من كلمة أقولها لأبنائي الأعزّاء، المستظهرين لكتاب الله العزيز اليوم أو قبله.
عليكم بالمحافظة على هذا الكنز العظيم، الذي تحصّلتم عليه، داوموا على مدارسته وقراءته، واعلموا أنّ من قرأ القرآن، فله بكلّ حرف حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، فكيف بمن كرّره ويكرّره مرّات ومرّات.
إنّها نعمة عظيمة أنعم الله بها عليكم، فحافظوا عليها حتّى لا تندموا كما نحن نندم على ما ضيّعنا من المحافظة على هذا الكنز، فاعتبروا بنا، فلقد كنّا نحفظ القرآن عن ظهر قلب، حفظا جيّدا، ولكنّا ضيّعناه، فإيّاكم والتضييع، وإنّ أوّل ما يوصَى به المستظهر، المحافظة على ما حفظ، ولكنّا لم نعمل بالنصيحة.
لا تقتصروا على الحفظ فقط، فالحفظ يقتضي الفهم، والفهم يقتضي العمل، ولا يتحقّق الفهم إلاّ باكتساب آلاته، بالعربيّة وعلومها، وهذا ما تجدونه في معهد الحياة، ثمّ عليكم بالعمل بمقتضى هذا الفهم، وذلك بالإتيان بالأعمال الصالحة، والتزوّد للآخرة، وخير الزاد التقوى، فنرجو الله تعالى أن ييسّر أمورنا ويحفظنا من كلّ بلاء.
كما نشكر الحاضرين الذين وفدوا إلينا من بعيد، تاركين أهليهم وأشغالهم، وليعذرونا فيما قصّرنا في حقّهم، فهم يستحقّون منّا كلّ حفاوة وإكرام، ولا نستطيع مكافأتهم إلاّ بالدعاء إلى الله تعالى، أن يجازيهم أحسن الجزاء في الدنيا والآخرة. والحمد لله ربّ العالمين.
3) كلمة فضيلة الشيخ عدّون (رحمه الله)
في آخر جلسة حضرها في ندوة الشيخ عبد الرحمن (رحمه الله) وذلك في الجلسة الختامية بدار السيد الكريم بكلّي صالح بن عبد الرحمن
يوم الأربعاء 04 ربيع الثاني 1424هـ/ 04 جوان 2003م

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله.
مجمع مبارك وخيّر إن شاء الله، ومشروع كبير وضروري في هذا الوقت خصوصا.
نترحّم على فضيلة الشيخ عبد الرحمن الذي كوّن هذه الندوة الخيّرة، وأسّس هذا المشروع العلميّ الهام، كما نذكر بالفضل الشيخ أحمد أوبكة الذي كان أوّل من لازم الشيخ عبد الرحمن رفقة الشيخ بكير أرشوم - رحمه الله – كما أشكر كلّ الذين جاؤوا من بعدهم وانضمّوا إلى ركب الندوة ورحاب هذه الجلسة.
إنّ هذه الندوة الشرعية ضرورة ملحّة، وأعدّها من المؤسّسات الكبرى، وإنّني أدعّمها بكلّ قواي، وأدعو بعض الغائبين لحضورها، خاصّة من له ثقافة شرعية، فحافظوا على هذه الندوة، وإيّاكم والتخلّي عنها في موعدها من كلّ أسبوع، ومن كان لا يرغب في الحضور فليترك مكانه لغيره، وإذا كان في الإمكان أن يحضرها بعض إخواننا المحافظين فليحضروا، توحيدا للصفّ والفتوى، كما هو الشأن في مجلس عمّي سعيد ومجلس باعبد الرحمن الكرثي.
كما نشكر آل بريّان الذين يعود إليهم الفضل في احتضان هذه الندوة ورعايتها والحفاظ عليها.
أمّا ما يقع في هذه الندوة من فتاوى، فأرى ضروريّا تسجيلها بعد تلخيصها وتمحيصها، ولو بتعيين موظّف يقوم بها، ولا مانع من طبعها وإصدارها للعالم الإسلامي للاستفادة منها، لأنّ المسائل التي تبحث معيشة في ميدان الواقع، وكلّها تستدعي حلولا.
فأوصيكم جميعا بالإخلاص والصدق، وبالمواظبة وعدم التفريط في هذه الندوة، فهي مشروع حياة أو ممات، وليكن مجلسكم هذا مجلسا إسلاميا خالصا، وإنّنا لنرى ثمار هذا المجلس يانعة.
كما أشكر صاحب المحلّ الابن صالح بكلّي وإخوته جميعا، على استضافة الندوة الختامية السنوية في محلّهم، وإنّني لأرى روح والدهم ترفرف علينا في هذه الجلسة الطيّبة، والله تعالى نسأله العون والتوفيق، والحمد لله ربّ العالمين.
4) كلمة فضيلة الشيخ عدّون (رحمه الله)
في يوم المعايدة الذي يجمع أعيان ميزاب ووارجلان
ثالث يوم كل عيد فطر أو أضحى بالقرارة
بدار عشيرة أولاد جهلان
صبيحة الخميس 03 شوال 1424هـ / 27 نوفمبر 2003م

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله.
أيّها المشايخ الأفاضل !أبنائي الأعزّاء ! أعيان الوادي ووارجلان، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، عيد مبارك، وهنيئا لنا هذا العيد السعيد، في هذا اليوم المبارك.
إنّه حقّا لمجمع عظيم، ضمّ هذه النخبة الممتازة، سعادة كبرى تغمرنا في هذا المقام، وفي هذا اليوم السعيد، بوجود هذه الوجوه النيّرة التي جاءت للتهاني والتزاور والتناصح والمحبّة، وأوّل ما يجمعنا في هذا المقام، محبّة الله ورسوله، مصداقا لقوله صلَّى الله عليه وسلَّم : « وجبت محبّتي للمتحابّين فيّ، والمتزاورين فيّ، والمتجالسين فيّ» وإنّني لأرى هذه الخلال كلّها حاضرة وموجودة بأجلى مظهر في هذا المقام.
وددت لو كان لي لسان فصيح، أستطيع أن أعبّر به عمّا يجيش في صدري من الخوالج والشعور والأحاسيس، وإذن لسمعتم كلاما عجيبا، ولكن اعذروني، فأنتم تعرفون قصوري وتقصيري، وهذا شيء طبيعي فيّ، ويكفيكم هذا التعبير الصادر من أعماق القلب، موجّهة للجميع، وفاء ومحبّة وصدقا، ووفاء لهذه العزائم، وهؤلاء الرجال الموفّين بالعهود، الذين دأبوا على هذه العادة الطيبة، جعلها الله سنّة حميدة.
بارك الله في الجميع، وأثابكم بكلّ خطوة خطوتموها في هذا السبيل، جنّات الفردوس الأعلى.
لا أستطيع أن أزيد أكثر من هذا، والله تعالى أسأله أن يحفظكم ويجمعنا وإيّاكم في رحمته الواسعة، ويشملنا بالسعادة والاستقرار في وطننا العزيز الجزائر، وأن يرفع هذا البلاء المسلّط على العالم الإسلاميّ والعالم العربي خصوصا، وبالأخصّ في الجزائر، وأن يعمّنا الله بالهناء والسرور، ويجعل كلمة الله هي العليا، وينصر المسلمين حيثما كانوا، ويردّ كيد الأعداء والكافرين في نحورهم.
ولنصدق لله الدعاء، وإنّه متى اجتمعت هذه الدعوات وارتفعت صادقة، كانت من الله الاستجابة.
إنّ في قلبي شجونا وفنونا، ولكن لا ينطلق بها لساني، فاعذروني ولكم الشكر، والحمد لله ربّ العالمين.
5) كلمة الشيخ عدّون (رحمه الله) في حفل توزيع الجوائز على طلبة معهد الحياة
في حفل الجوائز المقام بصحن المسجد الكبير بالقرارة
مساء الأربعاء 27 ربيع الثاني 1425هـ / 16 جوان 2004م


بسم الله الرحمن الرحيم،الحمد لله ربّ العالمين، وصلّى الله على سيّدنا محمّد وعلى آله وصحبه.
أبنائي الأعزّاء ! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
لا أخصّ شيخا بعينه ولا أستاذا ولا معلّما ولا طالبا، وإنّما كلّكم أبنائي الأعزّاء، أقولها مفعمة بصادق الحبّ من أعماق قلبي، وقد اعتبرني كثير من الناس أبا روحيّا لهم، وإنّني لأشكرهم على هذه العاطفة الطيّبة، وهذا التقدير الذي لا أستحقّ منه شيئا، ولكن النفوس الكريمة تأبى إلاّ أن تعتبرني أبا لها، أرجو الله تعالى أن يحقّق لهم رجاءهم وأمانيهم.
أريد أن أركّز على كلمة واحدة تخصّ الجميع، وهي نعمة الله تعالى التي أنعمها علينا، والتي لا توجد في الدنيا أصلا على هذه الطريقة من التنظيم والعمل الصالح، ألا وهي نعمة هذا التعليم الحرّ، الذي نتمتّع به والحمد لله، رغم النكبات والعراقيل، ولكن الله تعالى معنا، يؤيّدنا بنصره ويمدنا بعونه وتوفيقه، وإنّها لعمري لمن أعظم النعم، فهي أكبر من أيّ نعمة بعد نعمة الإيمان والحياة.
ولذلك يجب علينا شكر الله تعالى على هذه النعمة، وذلك بالمواظبة على العمل والإخلاص لله تعالى، فلله الشكر الجزيل في الدنيا والآخرة.
أمدّكم الله بعونه وتوفيقه، وزادكم إيمانا على إيمان، وإخلاصا على إخلاص، هذا ما أستطيعه، واعذروني فيما قصّرت من الكلام في هذا المقام، لما أعانيه من التعب والضعف. والحمد لله ربّ العالمين.
6) كلمة الشيخ عدّون (رحمه الله)
في لقائه بأساتذة معهد الحياة
بالقاعة السفلية من عشيرة أولاد جهلان
مساء السبت 11 شعبان 1425هـ / 25 سبتمبر 2004م

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله.
أبنائي الأعزّاء، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
إنّني جدّ مسرور بالاجتماع إليكم، في أوّل افتتاح السنة الدراسية، هذا الاجتماع الذي يجمع أساتذة المعهد من أجل تقويم ما تقدّم والنظر والتفاؤل في المستقبل الذي يتقدّم.
إنّها لمبرّة كبرى، أن يعقد اجتماع للمعلّمين بمناسبة افتتاح السنة الدراسية في هذه المؤسسة العتيدة.
و إنّها لنعمة كبرى أنعمها الله تعالى بها على القرارة وعلى المسلمين أن يوجد في هذه البلدة مثل هذه المؤسّسة ومثل هذا المشروع. وهل يوجد في العالم مثل هذا المجتمع ومثل هذه المؤسسة التي تعمل من أجل السعادة الأخروية والدنيوية بالروح التي تلقّن للدارسين في المعهد، ونراها مجسّدة بالمحسوس في كلّ منتمٍ إلى هذا المعهد.
وإنّه لمن أكبر المنن والنعم أن نكون هداة مبشّرين ومنذرين متحمّلين لرسالة الأنبياء والرسل وإنّه لتشريف لنا في الحياة الدنيا رجاء التشريف الأعظم في الحياة الأخرى.
إنّني أعتبر جلسة افتتاح المعهد كأنّها باب الجنّة فتح لنا، فلندخل الجنّة بقلوب ملؤها المودّة والمحبّة، وليست سمعة المعهد مقتصرة على ما كان يتمتّع به بالأمس فقط، بل هو يزداد في كلّ يوم سمعة وانتشارًا في جميع المؤسّسات العالمية، فصار يفتخر به العالم الإسلاميّ بأسره، وأعظم بها نعمة تتميّز بها القرارة.
وهذه النعمة الكبرى تستحقّ منّا كلّ الشكر، والشكر الحقيقيّ إنّما يكون بالعمل والاجتهاد والنصيحة والتضحية، ونحن نريد أن نعمل أكثر ونجتهد أكثر ونضحّي بكلّ شيء في هذا السبيل حتّى يتضاعف عدد الناجحين.
إنّ عملنا لا يقوم على أساس اعتبار النجاح في الشهادة فقط، فالشهادة جوهرة في الطريق.
ولو كانت لنا إمكانيات ووسائل لكان عدد الطلبة في المعهد آلافا وملايين، ولكن في وسع هذه الكوكبة من أبناء المعهد أن تكون ذلك العدد: الواحد كألف، فعوّلوا على أنفسكم، فالأنظار متّجهة إليكم، فالنجاح في الشهادة نجاح ظاهريّ، إنّنا نريد الوصول إلى ما هو أكبر وأسمى من ذلك،إلى مرضاة الله تعالى، فهنالك مسافات كبرى علينا أن نقطعها.
إنّنا لا نحقّق آمالنا إلاّ بالتضحية الكاملة والعمل الخالص لله، ومن لم تكن له روح التضحية والعمل في سبيل الله فليترك المجال وليغادر إلى حيث الكسب المادّي الدنيوي.
نحن مسرون جدّا بالنتيجة التي حقّقها المعهد في شهادة البكالوريا هذا العام، إذ بلغت نسبة النجاح 64 % وتحصّل على المرتبة الأولى على مستوى ثانويات الولاية، وهي أوّل نتيجة يحصل عليها منذ تأسيسه، وإذا كان هذا النجاح يخصّ التلاميذ النجباء والأذكياء، فإنّ المعهد في استطاعته إنجاح كلّ تلاميذه من ناحية الروح والدين والأخلاق والتربية، وهذا هو الأساس والأصل في رسالة المعهد، ولا يتأتّى ذلك إلاّ بإصلاح أنفسنا أوّلا، ثمّ إصلاح تلاميذنا ثانيا، ولتكن لنا عزيمة صادقة وإرادة قويّة وتضحية خالصة في كلّ مسلك وسبيل، بالنفس والمال والأفكار.
إنّكم أيّها الأساتذة جئتم لتدرّسوا لوجه الله لا لأجل المال، كما كان الحال بالنسبة لمشايخنا الذين تقدّموا، إذلم يكن أحدهم يأخذ راتبا، ومن بينهم الشيخ الحاج عمر بن يحيى، الذي كان يلقي حوالي عشرين درسا في اليوم ولا يأخذ أجرًا، وهناك من يوفّر له شيئا من ضروراته وحاجياته، ولذلك بارك الله في علمه فخلف رجالات الأمَّة الأفذاذ الشيخ بيّوض والشيخ أبا اليقظان وغيرهم.
والرجال الذين أسّسوا معهد الشيخ الحاج عمر بن يحيى لم يكن لهم علم كثير، لكن كان لهم إخلاص كبير وإيمان راسخ، وما معهد الحياة إلاّ امتداد لمعهد الحاج عمر.
ولقد أدركت الشيخ الحاج عمر سنة واحدة، وكان عمله تعليميا واجتماعيا، وحّد البلدة وأصلح ما فيها من فساد وذابت العشائرية والجهوية، وكانت هناك أفكار مغرضة مفرّقة قُضِيَ عليها بفضل إخلاص المشايخ.
وإنّنا في هذا الوقت لفي نعمة كبرى، ولا يدرك عظمتها إلاّ المخضرم الذي عاش الزمانين مثلي، وإنّ الفرق بين العهدين لكبير.
أرونا الفخر في الدنيا والآخرة، وليكن عزّنا الفخر في الآخرة وهذه غاية المنى، ولنستمرّ في هذه الطريق ولا نرتب، ولنـزد لله شكرا وذكرا، ولنجاهد أنفسنا ونحملها على ما تكره، ولنسلّط عليها قوّة العقل الفطريّ الرشيد الذي يقودها إلى الطريق القويم.
وإنهَّ لمن النعم الكبرى أن نعمل في أمَّة مثل هذه، أمَّة خيِّرة مطواعة وأنا منذ سنة 1939م أجول لجمع الاشتراكات والتبرّعات للجمعية، وإنّني أشعر والحمد لله بالزيادة عاما فعاما، رغم اشتداد الأزمة المالية والاقتصادية في السنوات الأخيرة، ولكن تضحيات المحسنين كانت الأقوى والأغلب، ولقد تخلّفت عن الجولة هذا العام بسبب المرض والعجز، وكنت أخشى أن تتأخّر الجولة أو يبخل الناس بعدم وجودي، ولكن والحمد لله لم يزدد الناس إلاّ نشاطا وتضحية؛ لأنّهم إنّما ينفقون في سبيل الله وابتغاء مرضاته لا من أجل فلان أو فلان.
ومشروع الحياة العظيم الذي يشمل المعهد والداخلية مشروع لا تقوى عليه إلاّ الدول، ولكن الأمّة تقوم به، وسيقوم بإذن الله وبفضل سخاء المحسنين من الأمّة، وإنها لنعمة كبرى ولنقابلها نحن الأساتذة بشكر أعظم، بالتضحية ببعض أوقاتنا، والجنديّ المثاليّ هو الذي يقوم بواجبه أحسن قيام في الميدان.
إنها كلمات صادقة أنحتها لكم من صميم الفؤاد، وأقولها لكم خالصة من أعماق قلبي، وربّما لا ألقاكم بعد لقائي هذا، وهي ذكرى أذكّركم بها والذكرى تنفع المؤمنين.
نرجو الله تعالى أن يوفّقنا إلى كلّ خير وييسّر لنا كلّ أمر عسير، وأن نكون نحن الأساتذة وأبناؤنا التلاميذ مباركين في كلّ أعمالنا، ربّنا هب لنا من أزواجنا وذرّياتنا قرّة أعين واجعلنا للمتّقين إماما.
7) كلمة الشيخ عدّون (رحمه الله)
في الاجتماع السنويّ العام مع طلبة معهد الحياة
وذلك بالناحية الشرقية من المسجد الكبير
صبيحة الأربعاء 06 رمضان 1425هـ / 20 أكتوبر 2004م

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم،الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على رسول الله.
أبنائي الأعزّاء: إنّني دائما أخاطبكم بهذه الكلمة العزيزة عليّ، وإذا قلت لكم أبنائي الأعزّاء فأنتم أعزّاء لديّ، لأنّكم تحملون أمانة الله العظمى التي عرضها على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها. إنّني أحبّكم لوجه الله تعالى خالصا كما قال الشاعر:
والله يعلم أنّي لا أحبّكم إلاّ   لوجهك دون العمِّ والخال
أحبّكم حبّا عقليّا لا حبّا عاطفيّا، لأنّكم القائمون بأمانة الله، وأحبّكم لأنّكم القائمون خير قيام بمشروع قلّ مثله في العالم، وأنا أبذل كلّ جهد أستطيعه في سبيله.
إنّها لنعمة كبرى لا تقدّر بعد نعمة الإيمان بالله ورسله وكتبه وما يجب الإيمان به، إنّها نعمة العلم وخدمة العلم، لا العلم التقني المادّي المعروف في العالم، وإنّما العلم الحقيقي الأوّل والأولى، إنّه علم الله، ومن بعده العلوم الأخرى التي تأتي عرضا امتثالا لقوله تعالى: {وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا}.
فالعلم الذي نزاوله في المعهد هو العلم الذي قال الله تعالى في أصحابه: {هَلْ يَسْتَوِي الذِينَ يَعْلَمُونَ وَالذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ }، وقال فيهم: { يَرْفَعِ اللَّهُ الذِينَ ءَامَنُوا مِنكُمْ وَالذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ }، هذا العلم الذي يرفع به الله الإنسان إلى درجة الملائكة، العلم الذي يجعل أصحابه شهداء على الله بالقسط.{شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لآَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلآَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمًا بِالْقِسْطِ لآَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}، هذا هو العلم الذي نشأ عليه سلفنا الصالح ونشأنا عليه، فمن منكم جاء إلى هذا المعهد طالبا لغير هذا العلم فليخل السبيل لغيره.
إنّه العلم الذي يوصل إلى الجنّة، إنّه الطريق المحفورة إلى الركبة نسلكها لا نحيد عنها لنصل الجنّة.
وعلى كلّ طالب جاء إلى المعهد أن يعتقد عقيدة راسخة أنّه إنّما جاء ليعرف الله حقّ المعرفة، ويؤمن به حقّ الإيمان، ويعمل من أجله كلّ عمل صالح، إنّه علم زاخر وبحر لا ساحل له ويا سعادة من رزق هذا العلم، ويا سعادة من رزق هذا السبيل، لنكون بعد ذلك خالدين مخلّدين في جنان الفردوس.
هذه غايتنا الأولى والمثلى والقصوى من هذا العلم، معرفة الله والعمل بما يأمر، القرآن وحفظه وفهمه والعمل به، السنة المطهّرة فهمها والعمل بمقتضاها، وإنّني أكرّر وأؤكّد هذه الحقيقة والكلام في هذه النقطة يستحقّ الإطالة أكثر.
ألا فلتعلموا جميعا أيّها الطلبة، وخصوصا الذين التحقوا بالمعهد جُدُدًا، أنّكم إنّما جئتم لطلب هذه الغاية لا لنيل الشهادات، وإنّما الشهادات جواهر في الطريق المرسوم، نتوصّل بها إلى الحياة العليا في الدنيا - إن كانت في الدنيا حياة عليا - وعلينا أن نبذل كلّ الجهد في هذا العام بالفوز بنجاح أكبر في الشهادات، ولكن الجهد الأكبر إنّما نبذله في العلم الذي يوصلنا إلى الجنّة وإلى مرضاة الله، في العلم الذي يزيدنا إيمانا بعد إيمان، ويزيدنا حبّا لله {وَالذِينَ ءَامَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ}، فلنكن ممّن يحبّ الله، وحبّ الله يتجسّد بتقواه والعمل بما يحبّ، ومن اتقى الله حقّ تقاته فقد أحبّ الله وأحبّ رسوله ولنحمل نفوسنا على هذا السبيل.
إنّ للطلبة لشرفا كبيرا بالتحاقهم بهذا المعهد، وللأساتذة الذين بذلوا كلّ جهد لترقية المعهد، وإنّنا لنقدّر مجهوداتهم ولا ننكر فضلهم أبدا، وقد تكون منهم بعض زلاّت تعدّ في حقّهم صغائر وهي لا ينجو منها أحد، وهي الصغائر التي تمحى بالحسنات، ولعلّه من كمال الإنسان أن يلم ببعض الصغائر ثمّ يتوب منها {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّـيِّـئَاتِ}.
على الطلبة أن يعلموا أنّهم يطلبون نفيسا لا يوجد في غير هذا المعهد، وأقولها جازما، قد يوجد مثل هذا في بعض النفوس الطيّبة، أو في بعض الكتب القيّمة، ولكن أن يوجد مثل هذا المجتمع، ومثل هذه المشاريع العلمية، والكفاءات المهنيّة، والنوايا الصادقة فهذا ما لا أظنُّ وجوده.
أيّها الميزابيّون ويا أيّها القائمون على هذه المشاريع العلمية، إنّنا لا نفرّق بين مزابي وغيره، ولا بين إباضي وسواه، فالمعهد للجميع وهو يعلّم الجميع الإسلام الصحيح الخالي من كلّ غثّ، إنّه الإسلام الذي نطبّقه وندعو إليه.
هذا هو المعهد الذي جئتم لتتزوّدوا منه خير زاد، خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى، ولتعلموا أنّه سواء كان مجيئكم برغبة منكم أو برغبة أوليائكم فأنتم سعداء، لأنّكم ـــ من اليوم ـــ في بحبوحة الجنّة بطلبكم هذا العلم، فأعظم بها من نعمة سابغة عليكم وعلى أوليائكم.
للأساتذة الفضل الكبير في تحمّل هذا الثقل العظيم، وهذه الأمانة العظمى، فبارك الله فيهم وفي صحّتهم وعائلاتهم وأولادهم، إداريين وغير إداريين قدماء وجددا.
أمّا هذا العاجز الماثل أمامكم فإن هو إلاّ واحد منهم، تحمّل ما تحمّل ولا يزال، أرجو أن يكون من الذين كان يصفهم، وأرجو أن يكون قد قام بواجبه أحسن قيام.
كنت أرجو أن تكون جلسة أخرى معكم، أجد فيها نشاطا أكبر، ومجالا للكلام أوسع، ولكن حالتي الصحية لا تسمح بذلك، وأنا أرى الاهتمام بمثل هذه الجلسات واللقاءات من أعظم الواجبات والضروريات، ومن أفضل القربات التي أتقرَّب بها إلى الله تعالى، أرجو أن يتقبّلها منِّي.
والمشاريع العلمية والاجتماعية بقدر ما هي قائمة على الأساتذة والطلبة، ولكنّها قائمة كذلك على مجهودات المحسنين المساهمين بأموالهم، والذين يضمنون سير الجمعية ومؤسّساتها مثل المعهد والمدرسة، والداخلية والنادي...
إنّها حقّا لَلحياةُ السعيدة التي دعا الله تعالى إليها ورسوله، {يَآ أَيـُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ}، فاللهمّ إنّنا نستجيب لما دعوتنا ولما يحيينا، فتقبّل منّا هذا العمل واجعله في ميزان حسناتنا، ويا سعادتنا إن تقبل منّا هذه الأعمال الصالحة التي نعدّها من أعظم القربات.
وإنّ أعظم عمل نتقرّب به إلى الله تعالى تلقين أبنائنا معرفة الله، وهي قربة تحتاج إلى تديّن وفقه وإخلاص محض، نرجو أن نحيا جميعا هذه الحياة لتصفو القلوب من الأدران، والأعمال من الرياء وحبّ المحمدة وحبّ التقدّم بغير حقّ وسبب، وغير ذلك من المثالب التي تذهب بالمشاريع وتقضي عليها.
ما أكثر المشاريع التي كانت قائمة وظاهرة قضى عليها الرياء وحبّ المحمدة وحبّ الزلفى، وما قام مشروع وسقط إلاّ وسببه الرياء وعدم الإخلاص لله، إذ لو كان الإخلاص قائمًا لما وقع شنآن، ولولا الآفة الماحقة للحسنات لكنّا في سعادة وهناء، {أَلاَ لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ}، والدينُ غير الخالص هو الذي يشاركه الرياء وحبّ المحمدة، وهما السوس الذي يأكل المخزن، كما قال ذلك العابد في حال الاحتضار، وقد قال له من كان معه، لقد فعلتَ الخيرات وقدّمتَ أعمالاً فلا تخش، فقال: أخاف من المخزن أن يأكله السوس، وسوسةٌ واحدةٌ كافية للإتيان على المخزن.
هذه مبادئي أرجو أن أركّز عليها، أيّها القاصدون المعهد، وفي النفس كلام طويل ونقاط أخرى ولكن بعضها حضر وبعضها لم يحضر، وقد ابتليت بآفة النسيان وما أنسانيها إلاّ الشيطان لعنه الله.
أيّها الطلبة الأعزّاء، إنّنا في حاجة ماسّة إلى التزوّد من العلم، والتفاني في تحصيله، وبذل كلّ جهد عملي وبدني، فاحرصوا واجتهدوا وإلاّ فما ينفع الأساتذة إذا لم تحسنوا التلقّي عنهم، وتحسنوا السؤال وتحفظوا الجواب، فعلى التلميذ إذا أشكل عليه أمر أن يسأل، وفي سؤاله فائدة لنفسه ولزملائه ولأستاذه، والعلم إنّما يحصل بالمناقشة بين الطرفين، والحقيقة بنت البحث، وما فائدة الطالب جالسا جامدا في القسم كالصنم لا يسأل ولا يعي، وجوده ضرر ومضايقة لغيره.
أحسنوا المراجعة والمطالعة، طالعوا الكتب التي تدرسونها وغيرها، خاصّة كتب اللغة العربية التي تحتاج إلى إحياء وبعث من جديد، وقد كانت العربية في المعهد قوية، وإنّني لأرى لها اليوم ضعفا، ويجب أن يعود إليها مجدها من أساتذة أكفاء يتقنونها، فنّا وإلقاء، وكلّما ازداد الأستاذ بحثا كلّما أتقن درسه واستفاد التلميذ.
ولقد اشتهر المعهد بالأدب واللغة العربية، وأرى هذه الشهرة بدأت تضمحلّ وتتقهقر، وعلى المعهد أن ينهض ويتقدّم بالتركيز على كتب الأدب والنحو ودواوين الشعر، ولو سئل تلميذ في مستوى البكالوريا عن بعض الشعراء لتلعثم، وهذا ضعف كبير.
لقد فتحنا القسم العلميّ في المعهد، وهذا أمر حسن، ولكن علينا أن نركّز في المعهد على رسالته الأولى، على العقيدة والعربية أوّلا.
علينا أن لا نغترّ بالنسبة المرتفعة التي حصل عليها المعهد، إذ الشهادة وسيلة لا غاية، وإنّما الغاية معرفة الله حقّ المعرفة - وعلى المرء كلّما ازداد علما أن يزداد إيمانا – ولعلّ نجاح هذا العام كان فلتة من فلتات الزمان، أن تبلغ 64% .
إنّنا نريد أن يزداد المعهد نجاحا واشتهارا، ولكن لتلقين مبادئ المعهد الأساسية، وهي معرفة الله حقّ المعرفة والإيمان به.
ولقد كثر الدكاترة وحاملو الشهادات الذين يتربّعون على مناصب عليا، وكلّ ذلك إنّما هي وسيلة لا غاية. فعلينا ببذل جهدٍ أكبر، للوصول إلى مصاف الرقيّ والتقدّم، فأرونا منكم إرادة ًوعزيمة ًونجاحًا في سبيل الله أكبر.
يبدو في هذا كفاية، أرجو أن يكون لهذه الكلمة أثر في الظاهر والباطن، إنّها كلمة صدرت من القلب، وستقع في القلب، وتنشّطها الجوارح، وفي ذلك سعادتنا الدنيوية والأخروية، ويا سعادتنا لو اتبعنا هذه المبادئ.
إنّني لا أظنّكم تشعرون بما أشعر به من الغبطة والبهجة، وإنّني لآسف كلّ الأسف أن أفارق هذا المشروع، وأرجو أن أكون قد أخذت حظا من الحياة، وأدعو الله تعالى أن يتقبّل عملي إن كان هناك عمل صالح، وأن أكون من المتّقين الذين يتقبّل الله منهم {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ}.
قلبي يجيش بالعواطف،كيف أفارق المعهد وهذه الجلسات معكم، وجلسات الإدارة، خاصّة مثل هذا الاجتماع الذي أراه أعظم المجالس، نرجو أن يتقبّله الله تعالى منّا.
لقد وقفت سنة 1948م بعد عودة زعيم الأمّة الشيخ بيّوض من سفر طويل، وقد احتشد الجمع، بصحن المسجد، وألقيت خطابا كبيرا، وقمت أمام الجميع مبايعا الشيخ بيّوض، وقلت له: أعاهدك باسم المعهد والمدارس في قرى ميزاب ووارجلان وبسكرة وباتنة وحيثما كانت مدرسة أفتّشها، أبايعك على التفاني في خدمة العلم والإصلاح، وبكى الناس كلّهم ممّا سمعوا، ولقد تحقّقت هذه المبايعة، فازداد طلبة المعهد، وتوسّعت المدارس إلى آلاف التلاميذ، ونشط الإصلاح والحركة العلمية والحمد لله، والله تعالى يتقبّل منّا، نرجو أن يجمعنا الله تعالى في رحمته الواسعة على سرر متقابلين، كما جمعنا اليوم في الدنيا في رحاب هذا السجد العامر.
إنّكم كلّكم تعرفون الأستاذ الكبير محمّد الهادي الحسني، إنّه يحبّ الإباضيّين والميزابيّين أكثر ممّا يحبّ الميزابيّون أنفسهم، إنّني أقرأ دائما كتاباته، خاصّة ما ينشره في البصائر والشروق اليومي والأسبوعي، وقد نشر مقالات عديدة عن الإباضية، خاصّة مقاله الذي سمّاه – حبّ عقلي – إذ هو يحبّ الإباضية عقلا لا عاطفة، إذ ما نفعه الإباضية بشيء مادّي ولا بخير، إنّه صديق لبعض الذوات والمثقّفين، خاصّة الدكتور محمد ناصر.
له مقالات ممتعة، من أمتع ما يقرأ ويطالع الإنسان، منشورة في كتابه الصادر له هذا الأسبوع تحت عنوان (من وحي البصائر) أكثرها صدر في هذين العامين الماضيين، وكلّ مقال يجتذبك إلى قراءة المقال الموالي، كما قال مقدّم الكتاب الدكتور محمّد ناصر الذي قدّم له بمقدّمة نفيسة، ومطالعة الكتاب تبيّن مقام الكاتب، وإنّني أقول هذا الكلام في حقّ صاحب الكتاب عقلا لا عاطفة، إنّه كتاب عزّ له نظير، ويجب علينا أن نمدّ لهذا الشخص يد العون، بشراء هذا الكتاب وترويجه، وهو في غاية الأناقة من حيث التجليد والصفحات والكتابة، وأسلوبه من أروع الأساليب، إذ هو صادر من كاتب من أعظم الكتّاب في الجزائر، ولقد كنت أقرؤه، ولكن سرعان ما يتملّكني التعب أو يطرأ شغل يشغلني،كتاب نفيس، فيه تاريخ، فيه سياسة، فيه أدب، فيه أخبار.
إنّني لا أفرض الكتاب على الطلبة، ولكن لي كلّ الثقة في الأساتذة أنّهم لا يردّون طلبي، فأسجّل في حساب كلّ واحد منهم قيمة الكتاب، وإن كنت لا أدري إلى الآن سعره، ولست بهذا مرغما أحدا، ومن لم يقبل فله الخيار، ولا يؤثّر ذلك في نفسي شيئا، وإنّما أريد أن يأخذ كلّ واحد الكتاب عن رضا وطيبة نفس، وهذا أحسن ما يهدى ويكافأ به الأستاذ الفاضل، وفي الحقيقة هذه إعانة لنا للتمتّع بالكتاب، لا إعانة مادّية للأستاذ، وبودّنا لو قمنا نحن بتوزيع وترويج الكتاب، ويا سعدنا لو كنّا نحن القائمين بذلك.
.و الحمد لله رب العالمين.
8) كلمة الشيخ عدّون (رحمه الله) في الاجتماع العام
مع طالبات متوسطة وثانوية الحياة
المنعقد بعشيرة البلات بالقرارة
صبيحة الأحد 17 رمضان 1425هـ / 31 أكتوبر 2004م

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله.
أبنائي الأساتذة الأعزّاء! بناتي الطالبات العزيزات! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
تحية من عند الله مباركة طيّبة، أزفّها إليكم من صادق صاف يودّ السعادة لبنيه وبناته، سلام عاطر من قلب يحبّ الجنّة لكلّ الناس، خصوصًا من كان تلميذا في دائرة العلم، وبالأخصّ في دائرة هذا التعليم الحرّ الذي حبانا الله تعالى به، وهو من أعظم نعم الله، قلّ من ينعم بها، نعمة لا نقدّر قدرها ولا نؤدّي شكرها إلاّ بالتفاني في سبيل هذه النعمة.
فاشكروا الله تعالى أيّها الأعزّاء، فإنّكم لتسبحون في رياض الجنّة، تقطفون أزهارها وتأكلون ثمارها، واسألوا الله أن يتمّها عليكم.
وإنّني لأكرّر وأعيد وأؤكّد على شكر الله على هذه النعمة، ولا تشعر واحدة منكنّ بعظم هذه النعمة إلاّ إذا قارنت نفسها بمن حرم مثل هذا التعليم.
أيّتها البنات الفضليات! إنّكنّ لم تخلقن لهذه الحياة الدنيا، وإنّما لحياة أخرى دائمة، ولا تعتبر الحياة الدنيا بالحياة الآخرة شيئا، وهذا ما يجب أن يرسخ في القلوب، والعلم الذي يضمن لنا المستقبل الدائم إنّما هو علم الله تعالى ومعرفته حقّ معرفته، والإيمان به وبكتبه ورسله واليوم الآخر وكلّ ما يجب الإيمان به من أصول الدين، هذا الذي يجب الإيمان به والعمل بمقتضاه { يَآ أَيـُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ}، والحياة التي نستجيبها لله وللرسول إنّما هي الحياة الحقيقية التي نعيشها في الآخرة، وذلك بسلوكنا وخلقنا، ومعرفة الله حقّ المعرفة خالقا مدبّرا حكيما محييا مميتا.
هذا هو العلم الذي أريد أن أركّز عليه، والذي يجب أن يتعلّمه كلّ واحد، وكلّ علم خلا من هذا العلم فإنّما علمه يضرّه ويخلد صاحبه في النار.
لقد خلقنا للبقاء والحياة، ولكن لا في الدنيا وإنّما في الآخرة، ولقد مضت القرون ولم يبق منهم أحد، وكلّ من ولدوا إلاّ وقد ماتوا وقضوا وصاروا إلى الله.
خُلِق الناسُ للبقاءِ فضلَّت  أُمَّة ٌ يحسبونهم للنَّفَـادِ
إنَّما يُنقَلُون من دَارِ أَعمالٍ إلى دَارِ شَقْوَةٍ أو رَشَادِ
هذا العلم الذي يجب أن يأخذ جزء كبيرا من حياتكم، وهذا الذي نطلبه من الأبناء الأعزّاء، وما تقوم هذه المشاريع كلّها إلاّ لأجل هذا العلم، ولأجل هذه الحياة، والناس الذين يبذلون الملايير في سبيل هذا العلم، كان بإمكانهم أن ينفقوها في سبل أخرى، لكنّهم آثروا الإنفاق في سبيل علم الآخرة، بارك الله فيهم وأثابهم أجرا كبيرًا.
أيّتها البنات! إنّ ما قلته أو أقوله قد سمعتــُـنَّه مرارًا في لقاءات سابقة، وإن هو إلاّ تكرار، ولكن لا بأس بالتكرار، والله تعالى يقول: {وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُومِنِينَ}، فهو يدعو إلى التذكير والتفكير والتدبُّر، وما نزل القرآن إلاّ لـيُتدبَّر.
جئتـنَّ إلى هذه المؤسّسة لتتعلَّمن العلم الدينيَّ أوَّلا، ثمّ مختلف العلوم الدنيوية الأخرى والمهنية، والعلم الدنيويُّ إذا أردناه لوجه الله كان عبادة لله، بشرط العمل بما نتعلَّم، وهذا ما نريده بقولنا دائما: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}، أي إنّنا نخضع لألوهيتك وإرادتك، ونستعين في كلّ الأمور وفي هدايتنا للسير في الطريق المستقيم.
أيّتها البنات العزيزات! ويا نساء المستقبل! إنّ هذا المجتمع لا يقوم إلاّ عليكنّ، نعم هو يقوم على جناحين، على الرجل والمرأة، ولكن على المرأة أكثر.
فخدمة البنت في دارها عبادة.عملها في المجتمع عبادة إذا كانت أحسنت التعلّم وأحسنت التعليم، وإنّها متى تتزوّج تأتي بأولاد ذوي أخلاق وإدراك يكونون من عمّار الحياة السعيدة الفاضلة، يقومون بواجبهم في المجتمع، حتّى إذا قيل ممّن الرجال؟ فيقال من بنات تعلّمن في مدرسة الحياة. فالأمّ إذا قامت بواجبها فلأنّ مدرسة الحياة قد قامت بواجبها نحوهنّ، وبذلك يصبح المجتمع كلّه مدرسة يعلّم ويتعلّم.
هناك تضحيات كبرى تبذل لإقامة هذه المشاريع، ومنها مشروع الحياة العظيم الذي يقام من أجل هذا العلم، لأجل أن تكون هناك قوّة عقلية وروحية عظيمة، وبهذه القوى نسعد في الحياة.
حافظن على الواجبات المدرسية، وعلى أوقات الدراسة، فهي بالنسبة إليكنّ قليلة إذا ما قيست بالنسبة للذكور، فللذكور أوقات طويلة في التعليمين الرسميّ والحرّ، وأمّا أنتنّ فلكنّ وقت في التعليم الحرّ فقط، فحافظن عليه، ولنستثمره ونربحه ونعمل كلّ عملنا بجدّية للتحصيل ولتتفتّق القلوب، ولننكبّ على المطالعة والمدارسة، إنّكنّ لا تكسبن من هذا ذهبا ولا فضّة، ولكن تكتسبن أغلى من ذلك، عزَّ الحياة وعزَّ الممات.
لا تضيِّعين الوقت في القيل والقال، ركِّزن على الاستماع وقت التحصيل، لا تخونن أوقاتكنّ بالالتفات وعدم الإصغاء، ثمّ قمن بواجبكنّ لا بالإكثار من المعلومات، وإنّما باستعمالها فيما يَصلُح ويُصلِح.
حسِّنَّ أخلاقكنّ مع أنفسكنّ، مع والديكنّ، وهذا أمر واجب، وطاعة الوالدين من طاعة الله، ثمّ مع المجتمع كلّه.
على الفتاة أن تقوم بكلّ واجباتها، سواء هي في بيت أبويها أو بيت زوجها، وندعو الله تعالى أن يرزق كلّ واحدة منكنّ بعائلات طيّبة جديدة، فأحسنوا العشرة بأخلاقكنّ الطيّبة، وهذا ما تتعلّمنه هنا.
هذه كلمة صادقة أرجو أن تعملن بها، وإنّني متعب كثيرا ولا أستطيع أكثر من هذا، ولولا إلحاح من الإدارة واستجابة لنداء الواجب، فافتحن قلوبكنّ لله يفتح لكن باب الرّزق والعلم والسعادة في الحياة.
و الحمد لله رب العالمين.

----------------
شهادة للتاريخ
قال الشيخ إبراهيم بن عمر بيوض: «إن كل ما أنجزته من أعمال في الميدان التربوي والاجتماعي يعود فيه الفضل إلى الشيخ عدون».
وكان يوصي في كل مرة يجدد فيها مكتب جمعية الحياة: «غيروا من شئتم إلا الشيخ عدون».
---------------

نشر المقال في دورية الحياة، العدد: 10، 1427هـ/2006م، ص205-230.

اسم الكاتب