الشيخ عدون الأستاذ المربي
د/ محمد صالح ناصر
باحث مؤلف، ورئيس جمعية التراث (سابقا)

ينقسم الأساتذة ـ فيما أحسب ـ إلى أربعة أقسام؛ قسم يربي ويعلم، وقسم يربي ولا يعلم، وقسم يعلم ولا يربي، وقسم لا يربي ولا يعلم. وقد نجد في المؤسسة التعليمية الواحدة ـ ولا سيما في الثانويات والجامعات ـ هذه الأقسام كلَّها.
وقد عرفت مؤسساتنا التعليمية في الجزائر هذه الأنواع كلَّها، ولا سيما بعد الاستقلال، حين غدت تلك المؤسسات حقلاً للتجارب، ومشتلة للأيديولوجيات الشرقية والأفكار الحزبية، والتجاذبات الفكرية؛ ما بين إسلامية وعلمانية، ولست بهذا المقال لأحلل تلك الأوضاع، فليس هنا مجال ذلك، ولست أهلا له، ولكني أحببت أن أتخذ هذه الأسطر مدخلاً للتحدث عن أبينا الروحي وأستاذنا المربي الشيخ عدون (رحمه الله)، الذي لم أر من العناوين ما يليق بشخصيته بصدقٍ وحق مثل القول عنه: إنَّه «الأستاذ المربي».

لقد كان الشيخ عدون من السابقين لإصلاح نظام التعليم بوادي ميزاب عمومًا والقرارة خصوصًا، وقد استفدت من رسائله للشيخ أبي اليقظان وأجوبة الشيخ أبي اليقظان له، كيف كانوا يفكرون في طرق ذلك الإصلاح، منذ بداية العشرينيات، ويتململون في تحسس الطرق المؤدية إليه، لما يجدونه من معارضة عامة وخاصة، ولا أحسب أحدًا من عارفي الشيخ عدون عمومًا وطلابه خصوصًا، يجادلني القول فيما ذهبت إليه.
وسأحاول هنا أن أوضح ما ذهبت إليه من خلال علاقتي به طالبًا بمعهد الحياة مدَّة ست سنوات (1954 ـ 1959) وأستاذًا خمس سنوات (1966 ـ 1971)، وسأدلل على خصائص هذه الأستاذية عند شيخنا من خلال مواقفه وآرائه.
إنَّ الذين تخرَّجوا في معهد الحياة ـ هذه المؤسسة العلمية العظيمة من لدن تأسيسها سنة 1925 حتى يومنا هذا ـ يعترفون ولا شكَّ بالآثار الروحية والمعنوية التي تركتها في أعماق نفوسهم شخصية أستاذنا الشيخ عدون المهيبة إخلاصًا وورعًا، وتفانيا وتضحية، وحبًّا وغرامًا بلغة القرآن الكريم، وهدي الدين الإسلامي الحنيف؛ لقد كان المبدأ الذي ما فتئ الشيخ عدون يغرسه في أبنائه الطلاب منذ يومهم الأول من التحاقهم بهذه المؤسسة وهم يجلسون أمامه في (درس الأخلاق العام) حتى حفلة تخرُّجهم، هو: أنَّ طلب العلم ينبغي أن يكون الهدف الأسمى منه رضا الله سبحانه وتعالى أولاً، ونفع المجتمع الإسلامي، والنهوض به ثانيًا. وما كان الشيخ في حاجة إلى تأكيد ذلك بلسان فصيح، أو أدب بليغ، أو شعارات تعلَّق في الردهات والجدران، لأنه كان يعظ الطلاب بسلوكه وأخلاقه، قبل أقواله ومواعظه.
لقد تجسَّد في شخصيته بحقّ ذلك الشعار الذي كان يُحفِّظه للطلاَّب ويروضهم عليه في جمعياتهم الأدبية والتربوية وهو : «الأخلاق قبل الثقافة، ومصلحة الجماعة قبل مصلحة الفرد»، وهما الشعاران اللذان يهدفان أساسًا إلى غرس الفضائل الإسلامية في نفوس النشء الصاعد؛ حتى يتوجَّه في كلِّ أعماله إلى العبادة والعمارة، إذ الشعار الأول يدعوه إلى إصلاح نفسه قبل إصلاح غيره، ليكون القدوة والمثل، كما يدعوه الشعار الثاني إلى التعالي عن الأخلاق الفردية الأنانية، وليكون بعلمه وثقافته نافعًا لأمته ومجتمعه، قبل أن يكون الغرض من ذلك نفع نفسه.
إنَّ من أهم عوامل نجاح هذه المؤسسة التعليمية التي تجاوزت في عمرها الثمانين سنة حافلةً بالمآثر والمفاخر، أن يكون فضيلة المرحوم الشيخ عدون مديرًا لها، ثم مشرفًا عليها حتى آخر أيام حياته، فإنَّ الخصال التي تحلَّى بها بوَّأته ليكون ـ بحق ـ المعلِّم القدوة، والأستاذ المربي؛ إخلاصًا وانضباطًا، حزمًا ونظامًا، جدًّا واجتهادًا، تسييرًا وتطويرًا، فقد أعطى لها كلَّ ما يملك من نفسٍ ونفيس، حتى غدت جزءًا من نفسه، وكائنًا حيَّا، اسمُ الشيخ عدُّون أحدُ أسمائها، ومَعْلَمًا إسلاميا حضاريًّا شريفي سعيد في مقدِّمة بُناته.
وما زلت أتذكر ـ وكل إخواني الأساتذة يتذكرون ـ ذلك اليوم من سنة 1995 حين استنفرنا للنظر والبحث في النهوض بمعهد الحياة؛ مناهج وبرامج، وقال لنا بالحرف الواحد: «لو أموت والمعهد على هذه الحال فإني أموت بغصَّة».
ومن هنا كان طلاَّب المعهد يرون فيه الأب الحاني حبًّا وإخلاصًا، والمدير الحازم انضباطًا ونظامًا، والمربي الناجح سلوكًا وأخلاقًا، فما هي خصائص هذا المربي العظيم؟
أولاً: الإخـلاص:
لو يُسألُ آلاف المتخرجين من الطلاب أو من الناس الذين يعرفون الشيخ عدُّون، وقد أفضى إلى ربه بعد عمر حافل جاوز المائة سنة، لو يُسألون عن أبرز خصال الشيخ عدون لما اختلفوا ـ على كثرتهم ـ حول القول بداهة: إنَّه الإخلاص.
إنَّ هذه الصفة في حدِّ ذاتها هي مفتاح شخصيته، ونواة نفسه، وحبة قلبه، عليها تدور كلُّ صفاته المتجلية الأخرى، ومنها تستمد إشعاع الورع والتقوى، فتضيء كل جوانب نفسه، وتشيع هالات نورانية من حوله، فتحببه إلى قلوب الناس من معاشريه وعارفيه وإخوانه وأبنائه.
إنَّ الإخلاص، وصفاء القلب، وعفَّة الضمير، وسلامة المقصد، جعلت الشيخ عدُّون يحتل من القلوب شغافها، ومن النفوس أعماقها، حتى قال فيه المرحوم شيخنا بكلِّي عبد الرحمن قولته الحكيمة: «إنه الإخلاص يمشي على رجلين».
كنَّا ندرك ونحن طلاَّب صغار خصلة نكران الذات التي تميَّز بها الشيخ عدُّون ونحن نسمع ونرى تلك الشهرة الواسعة التي اكتسبها أستاذنا الإمام الشيخ بيوض (رحمه الله) في مجال الحركة الإصلاحية، إنَّ الناس داخل ميزاب وخارجه منبهرون بشخصية الزعيم القائد الإمام الشيخ بيوض، ولكن القليل منهم فقط هم الذين يعرفون الجندي المجهول الشيخ عدُّون، الذي رابط معه طوال حياته في الصف الأمامي، يجود بدمه وأنفاسه، ويسخو بمهجته وحشاشة قلبه، ويُزجي الكتائب واحدة تلو الأخرى في هذه المؤسسة، ويصل ليله بنهاره في سبيل متطلباتها المادية والمعنوية، ويقطع من أجلها المسافات من شرق إلى غرب، ومن شمال إلى جنوب، وهو حين يسلك هذا المسلك الإنساني الإسلامي الرائع يقدِّم أمام أعيُننا نحن الطلاَّب مثلاً ناصعًا لما يجب أن يكون عليه الطالب من أستاذه؛ تبجيلاً وتقديرًا، إخلاصًا ووفاءً.
كنَّا صغارًا ولكننا كنا ندرك بعمق هذه المكانة التي يحتلها الشيخ عدون من المجتمع الإسلامي الجزائري عمومًا، والحركة الإصلاحية خصوصًا، فيزداد في نفوسنا إجلالا وحبًّا، ويكبر في أعيننا احترامًا وتشريفًا.
ثانيًا: الاستقامة:
الأستاذ المربي المسلم الناجح هو الذي يجسد بسلوكه مصداقية الآية الكريمة: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ إِسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الاَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} (سورة الأحزاب: 21) أي هو الذي يُصلح نفسه أولاً ثم يُصلح غيره، فقد دلَّت تجارب المربين على أنَّ التربية الناجحة هي التربية بالقدوة، وذلك هو السر الذي جعل الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وصحابَتَهُ الأبرار يؤثِّرون في الناس، ويبنون حضارة أصيلة شعَّت بأنوارها على بقاع العالم.
ولقد كان شيخنا (رحمة الله عليه) حريصًا كل الحرص على أن يجسد الاستقامة بسلوكه العملي قبل أن يدعو إليها بدروسه ومواعظه، ومن ثمَّ كانت لدروسه فعل السحر لدى تلامذته، على أنَّه لم يكن ـ مقارنة بغيره ـ يملك أسلوبًا وعظيا راقيا أو فصاحة آسرة، أو بيانًا عاليا.
ولقد عُرف الشيخ عدُّون واشتهر بهذه الاستقامة التي بوَّأته تلك المنزلة الرفيعة في المجتمع، ولا أدلَّ ولا أصدق من شهادة من عاشره وخَبَرَهُ سنين طويلة عن قرب، واحتكَّ به على بصيرة في الميادين العلمية والعملية معًا، من أمثال الشيخ أبي اليقظان، حيث يعرِّفه قائلا:
«أوتي حظًّا موفورًا من الخلق الكريم؛ من تواضع، وصبر، وثقة بالله واتِّكال عليه وتقوى له، وإيمان كامل به، وعزَّة نفس، وهمَّة عالية، ولين عريكة، وحسن نية، وصفاء قلب، وصدق وإخلاص، وورع وزهد، ومحافظة على سمت السلف الصالح، وحزم وعزم واقتدار على إدارة ما يناط به من المهام بأمانة وجد لا يعرف كللا ولا سأمًا ولا تزعزعًا في ميدانه»(1).
ومن الأمثلة الحية الواقعية على هذه الخصوصية عند الشيخ عدُّون دعوته المستمرة إلى المحافظة على صلاة الجماعة؛ ما ينفكُّ يدعو إليها في دروسه العامة والخاصة، ولا يتردَّد في اتخاذ طرق عملية تنفيذية لمن لا يستجيب لهذه الدعوة ولا يقيم لها وزنًا. فكل تلامذته يتذكرون كيف كان يعاقب بالضرب المتخلِّفين عن صلاة الجماعة، ولا سيما صلاة الفجر، ولكن الشيخ عدون كان قبل هذا وذاك مثلاً حيًّا لهذه المحافظة، وهذا الدأب المستمر على أن يكون في الصف الأمامي دومًا في كل الصلوات. والعجيب في الأمر أنه قد يسهر حتى الثانية صباحًا، ولكنه لا يتخلَّف عن صلاة الفجر في المسجد أبدًا، وما زال منظره ـ وهو يخفُّ سريعًا في شارعهم صعدًا إلى المسجد ـ محفورًا في ذاكرتنا، كنا نراه كذلك بردائه الأبيض الزاهي ونحن صغار حيث نصادفه ذاهبين أو آتين إلى مدرسة الحياة.
ومن مظاهر استقامته، التزامُه بالسمت الإسلامي سلوكًا وأخلاقًا، فهو طالما وقف مواقف صارمة حازمة ضد بعض المنحرفين من الطلبة، وقد كان يتَّخذ لمعاقبتهم ـ إن لم ينفع معهم التذكير والنصح، ولا سيما إذا كان الانحراف كبيرة من الكبائر ـ قلت كان يتَّخذ للمعاقبة مناسبة خاصَّة يجمع فيها كلَّ الطلبة من كلِّ السنوات في قاعة المعهد الكبرى (قاعة إيروان) كما كانت تُسمَّى، ليكون الطالب المُعاقب عبرة للطلاَّب الآخرين. وعلى الرغم من أنَّ هذه المواقف كانت معدودة على الأصابع، إلاَّ أنها ـ فيما أحسب ـ كانت تترك أثرًا بالغًا في نفوس الطلبة قبل المُعاقَب نفسه.
ومن مظاهر استقامته عزَّة نفسه، وعفَّة يده، لأن الاستقامة تتجلَّى عند الفرد المؤمن في عدم انصياعه للرغبات الدنيوية المغرية، جاهًا أو نفوذًا أو مالا، وكل من درس حياة الشيخ عدُّون ولا سيما في العشرينيات والثلاثينيات والأربعينيات، يدرك كيف كان يواجه قلَّة ذات اليد بعزَّة وورع وتقوى. ويكفي أن نعلم أنه درَّس ثلاث عشرة سنة دون أن يتقاضى أجرًا على ذلك!.
فقد حدَّثني في آخر جلسة معه في بيته بالقرارة عن هذه النقطة بالذات، حيث قال: «لقد مررت في حياتي بمراحل صعبة مواجهًا شظف العيش(2) بصبرٍ وإيمان، ولكن الله فتح عليَّ أبواب رزقه منذ بداية الخمسينيات إلى اليوم، وإنَّي والله لأخشى أن يحاسبني الله على هذه النعم التي تترى عليَّ من كلِّ جانب».
قلت له إني أتذكر كلمتك في عرس ابنك بكير التي قلت فيها: «إني أخاف أن ألقى الله فيقول لي: {أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا} (الأحقاف: 20)؛ وها أنت تكرر نفس التوجُّس يا شيخ، اطمئن بالا واهدأ خاطرًا، فإنَّك المثل الذي نحتذيه، استقامة سلوكٍ، ورجاحة إيمانٍ، لأنك ممن استطاع أن يجمع بين العمل الدنيوي والأخروي، ولا أحسب إلاَّ أن جزاءك عند الله سيكون جنة الفردوس بحول الله، فإنَّ ألسنة الخلق أقلام البارئ..
ثالثًا: الأبوة الحانية:
من أهم الخصائص التي تميَّز بها الشيخ عدُّون المربي، أبوَّتُه الحانية التي أكسبته محبَّة أبنائه الطلبة، وأزعم لو أنَّك سألت المئات من الذين تخرجوا على يديه ما اختلف واحد منهم في الاعتراف بهذا الفضل، وخصيصته هذه هي التي جعلت أولئك التلاميذ يتعلَّقون به ويقدِّرون فضله، ويسبغون عليه آيات الاحترام والتبجيل، فقد كان (رحمه الله) لأبنائه الطلبة أبا حقيقيًّا بكل ما تحمل كلمة الأبوة من معان، وكنَّا حريصين على أن ندعوه «الأب الروحي»، وكان هو حريصًا على أن يخاطبنا بـ«أبنائي الأعزاء»، ولقد كان ذلك تعبيرًا عن هذه العاطفة الجياشة حيث يضفي على كلِّ أبنائه الطلبة من حنانه الفياض، ويعطف عليهم باهتمام شديد ومتابعة دائمة، سواء كانوا متمدرسين بالمعهد أو مشايخ وأساتذة في ميدان الحياة العلمية والعملية بعد تخرُّجهم.
ويتجلَّى هذا الحنو الأبوي من خلال مراسلاته التي كانت بينه وبين أبنائه الطلبة وهي تفيض عواطف ومحبة وتوجيهات ونصائح.
لقد كان دومًا الأب الحاني الذي يلجأ إليه الطلاَّب على مختلف السنوات والأعمار ليحل مشاكلهم التربوية والعائلية، متعاليا على الخلافات والنزاعات العشائرية في سبيل هدف نبيل وغاية مثلى.
ومن مظاهر هذا الارتباط الروحي بينه وبين أبنائه الطلبة حرصه على حضور أفراحهم وأعراسهم، ومناقشات أطروحاتهم، وهو حتى إذا حال بينه وبين تلك المناقشات ـ التي غالبًا ما كانت في شمال الوطن ـ حائل فإنه لم يكن ليفوِّت فرحة التهنئة برسالة أو مكالمة هاتفية، وغالبًا ما تكون هذه المحطات فرصة للتذكير بمبادئ المعهد عقيدة وسلوكًا وأخلاقَا والتأكيد على الروابط الاجتماعية والعلاقات الحميمية.
ومن مظاهر أبوته الحانية حضوره الدائم في ندوات أبنائه الطلبة التي يقيمونها هنا وهناك، فيكون ذلك الحضور دليلا على تواضعه، وعلامة على تشجيعه، ورافدًا لأولئك الأبناء ليستمروا في عطائهم العلمي، ويواصلوا مسيرتهم الثقافية قدمًا إلى الأمام.
وما كان يغفل عند تلقِّي ما يهديه له أبناؤه من مؤلفاتهم ليصمت فلا يردُّ التحية بأحسن منها كما يغفل الكثير، بل كان يغتنم هذه الفرص ليؤكد على الرابطة الأبوية القوية بينه وبينهم، ويذكر بالقيم والمبادئ التي نشَّأهم عليها معهدهم التي ربما يغفل عنها بعض الأبناء في زحمة المناصب والمراتب الدنيوية، والشهرة الآنية سياسية كانت أم اجتماعية.
يقول في رسالة بعث بها إلى أحد أبنائه بعد مناقشة أطروحة الدكتوراه: «نهنِّئك مبتهجين مستبشرين بهذا النصر العزيز الذي حباك الله بعد جهود مصنية بذلتها في سبيل خدمة العلم، وجهاد كبير ينوء بالعصبة أولي القوة قمت بها تشريفًا وتكريمًا للعاملين المخلصين، ورفعا لشأن قومك وأمتك على مستوى العالم العربي والإسلامي، وتضحيات جسام قدَّمتها في البحث والتنقيب بدون كلل أو ملل، ولقد زادك وزادنا عزًّا وشرفًا أن تتولَّى الجامعة طبع الأطروحة والإشراف عليها مـمَّا يزيد في قيمتها، ويرفع من مكانتها، وإنَّنا نترقب بكل شغف وبفارغ صبر صدورها في القريب العاجل.
رعاك الله وحفظك ومدَّ في أنفاسك وزادك عزًّا وعلما وشرفا وتوفيقًا وسدادًا، وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرًا، ودمت عزيزًا مشرِّفا لإخوانك الأساتذة الأوفياء، ولعزيزك الكاتب شريفي سعيد»(3).
رابعًا: الحلم والتسامح:
ويرتبط بهذه الأبوة الحانية ما يتصف به من حلم وتسامح، ومرونة وكياسة، لا تراه يحمل حقدًا، ولا يبيت على ضغينة لشخص، ولا يَزْوَرُّ عن أبنائه الطلاَّب حتى ولو عصوا أو تمرَّدوا، حرصا منه على أن يُبقِىَ شعرة معاوية بيده يجذبها متى شاء، ويرخيها كما شاء. ولقد أفلحت كياسته ومرونته هذه فجمع القلوب على حبه، وكان السبب في أن يؤوب كثيرون ممن نأوا عن الجماعة، أو شذُّوا عنها، وهذا لا يعني أبدا أنه لم يكن يتَّخذ من المهاجرين بالتمرد أو العصيان مواقف حازمة حاسمة وهو يختار لها الوقت المناسب والمكان المناسب.
وقد رأينا كيف كان يحافظ على تلك الشعرة التي تربطه بأبنائه، ولا سيما في الأوقات العصيبة والظروف المتأزمة التي تفعل فيها السياسة والأغراض الشخصية فعلها.
على أنَّ بعض المشايخ ـ الذين كانوا إلى القطيعة وقطع حبال الودِّ أسرع ـ قد ينتقدون على الشيخ عدُّون مرونته تلك، ويحسبها بعض المتسرعين من قبيل سياسة الكيل بمكيالين، والسكوت عن هذا والتنديد بذاك.
ولكنهم بعد مرور الأيام يُسَلِّمون له بما رأى ويوافقونه على ما ذهب إليه؛ لأنَّ الشيخ (رحمه الله) كان يضع مصلحة الأمة والجماعة قبل مصلحة الأفراد، ويتَّقي فتنة التفرُّق والتحزُّب، بغضِّ النظر عن بعض الأخطاء والهفوات التي ترتكب، والكمال لله وحده.
وكان لهذه السياسة الرشيدة التي يتبعها في التعامل مع بعض المتمردين والناكثين الفضل في أن يعود كثير منهم إلى جادة الصواب، وينضووا تحت حمى الجماعة من جديد بعد أن بان زيف التقلبات السياسية، وبهرجة الكراسي الوظيفية(4).
أتذكَّر أننا كنا أساتذة معهد الحياة ذات عشية في آخر السنة الدراسية لمتابعة المقرَّرات استعدادًا للسنة الموالية، ودار نقاش حاد بين الأساتذة حول إنقاص حصَّة بعض المواد، وكان رأي الأغلبية ومنهم الشيخ عدُّون مع إجراء ذلك التعديل الذي طال مادة أحد الأساتذة. وقال الشيخ إنَّ ساعتين لتلك المادة تكفيان ولا حاجة لأربع ساعات، فما كان من أستاذ تلك المادة أن قهقه ضاحكًا بصوت عالٍ لفت إليه أنظار كل الحاضرين، وسأله الشيخ عدُّون عمًّا يُضحكه؟ فأجاب: «إني أضحك على من يقول إنَّ ساعتين لهذه المادة تكفيان»، هنا تغيَّر وجه الشيخ عدُّون وتهدَّج صوته، وقال بتأثُّر شديد: «عوض أن تضحك عليَّ يا فلان وأنا ذو شيبة، فإنَّ الأولى بك أن تُقنعني أو تقتنع برأي الجماعة».
ووالله ما زلت أتذكر تلك اللحظة الحرجة التي أصابت الجميع بالوجوم والخرس تأثُّرًا بهذا الموقف، فما نبس أحدٌ ببنت شفة، ولا علَّق بحرف، هيبةً من الشيخ عدُّون. ورُفعت الجلسة على هذا النحو المؤثر، حتى إذا كانت عشية الغد لاستئناف الأعمال كان أول من تكلم هو ذلك الأستاذ نفسه مقدِّمًا عذره إلى الشيخ عدُّون عمَّا بدر منه أمس.. وإذا بالشيخ يجيب قائلا: «إنَّ ما مضى في جلسة أمس طويته معها، هاتوا أعمال اليوم...»!.
وكان هذا الموقف من الشيخ مـمَّا زاد له في نفوسنا تعظيمًا وتبجيلاً، ورفعة وتقديرًا، ولم أدر أكان إعجابنا لحكمته أم لتسامحه، غير أني أدركت شخصيًّا سببًا آخر من أسباب محبة أبنائه له، ومهابتهم لشخصه، واعترافهم بفضله، وتقديرهم لسجاياه وأخلاقه.
خامسًا: التواضع:
عادة ما يكون التواضع صفة مرتبطة بالإخلاص، لأنَّ التكبر الذي هو مضاد للتواضع مرض نفسي، ويعاني منه مرضى القلوب فقط، ومن ثم فإنَّه مـمَّا يلفت النظر في خلال الشيخ عدُّون تواضعه المذهل أمام أبنائه وتلامذته، دون افتعال أو تكلُّف؛ لأنَّ تصرفاته معهم تنمُّ عمَّا يحمله في قلبه من الأبيض النقي الصافي، من حبٍّ وود لكل مسلم، ولأنه يصدر في ذلك عن أخلاق إسلامية عالية، وإذا كان هذا ديدنه مع تلامذته فأولى أن يكون ذلك مع أساتذته وزملائه كما يدلُّنا ذلك من خلال رسائله إلى الشيخين بيُّوض، وأبي اليقظان(5).
ومن تواضعه باعتباره أستاذًا مربيا أنه كان في اجتماعاته لا يرفض رأيًا، أو يتشبث بقرار إلاَّ بعد أن يستمع إلى آراء كل الحاضرين، رأينا ذلك منه وعرفناه في إدارة معهد الحياة، وقدماء التلاميذ، وجمعية التراث، وحلقة العزابة، وغيرها من المجالس. والأعجب في الأمر أنه كان لا يتمسَّك برأيه إذا رأى الأغلبيةَ لا توافقه، بل كان يقول صراحة: أنا مع الجماعة فيما ترى ولو خالفت رأيي الشخصي، ومن ثمَّ نفهم نقده الشديد وتوبيخه المتكرر لبعض أبنائه الطلبة والأساتذة الذين يتمسَّكون بآرائهم الشخصية، أو يستنكفون عن الخضوع لرأي الأغلبية، أو يعجبون بمواقفهم الانفرادية.
ومن مظاهر تواضعه أنه كان كثيرًا ما يعرض ما يكتب من مقالات أو رسائل على تلامذته، ويستمع بكل اهتمام لما يبدون من ملاحظات، بل إنه كثيرًا ما كلف أبناءه الطلاب للرد على بعض مراسليه مفوضا لهم الأمر في الرد بما يرون، ثقةً منه في أبنائه، وتواضعًا صار جِبِلَّة في أحنائه.
أتذكر جيدًا يوم دعاني إلى منزله بالقرارة ليضع بين يدي مخطوطة عن نشأة الحركة التعليمية بوادي ميزاب، وطلب مني أن أطلع على المخطوط وأجري عليه ما يجعله جاهزًا للطباعة. وقال لي: «اعتبر هذا المؤلِّف ـ إن جاز التعبير ـ من تأليفك، وإنِّي فوضتك أن تُصلحه على النحو الذي تراه إضافة أو حذفًا، أو تقديمًا أو تأخيرًا، وحبَّذا لو تكتب له تقديمًا». سمعت ذلك من شيخي وأستاذي وشعرت بشعورين مختلفين؛ خجلي من مسؤولية ما حُمِّلت، وإعجابي الشديد من تواضع شيخ أمام تلميذه. وزاد خجلي أكثر يوم أنهيت العمل وعرضته عليه على النحو الذي طلبه مني، فقال متهللا بعد الاطلاع عليه: «إنَّ قيمة التقديم في نظري أحسن من محتويات الكتاب نفسه، وأراك قد بالغت في تقديرك لهذا العبد الضعيف»! قلتُ: «سبحان الله لهذا التواضع المخجل!، وما كنت أحسب أنَّ من التواضع ما يُخجِل»!.
سادسًا: الحزم والانضباط:
من أهم خصائص المربي الناجح أن يكون حازمًا في أوامره، منضبطًا في أموره، وإلاَّ ساد المؤسسة التي يقودها الفوضى والتسيُّب، فنحن نرى اليوم أنَّ من أسباب ضعف المردود الثقافي ، والتحصيل العلمي في مؤسسات التعليم في الجزائر، بل إنَّ التذبذب الاقتصادي والانحراف الاجتماعي يعود إلى عدم أخذ ولاة الأمور بزمام مؤسساتهم بالحزم والانضباط، لا لشيء إلاَّ لأنهم يفقدون هذه الخصائص في أنفسهم.
وقد نلحظ وجود نوعين من الأساتذة في المؤسسة الواحدة، هذا ناجح وهذا فاشل، وعندما نبحث عن الأسباب نجدها في الأغلب الأعم تعود إلى وجود هذه الخصيصة أو فقدانها، أما إذا كانت الإدارة لا تتحلَّى بها فإنَّ المؤسسة غالبًا ما تكون مجالاً للاَّمبالاة، أساتذةً وطلابًا، مـمَّا يؤثر سلبا على نتائجها العلمية والأخلاقية.
وفي معهد الحياة طالما لاحظنا وجود هذين النوعين من الأساتذة في وقت واحد، مـمَّا يجعل الحازم المنضبط مثار الإعجاب والتقدير للطلاب، ويكون الثاني مثار السخرية والنكتة، ولولا أن بعض هؤلاء قد أفضَوا إلى ربهم لضربت لذلك الأمثال، وهي على كلِّ حال محفورة في ذاكرتنا نحن الطلبة إلى يوم الناس هذا.
وكان شيخنا عدُّون يستحوذ على إعجابنا لاتصافه بالحزم والانضباط.
فهو في الفصل عند بداية الحصة لا يتأخر دقيقة عن موعد الدرس، كما كان لا يتخلَّف عن دروسه إلاَّ لضرورة قصوى، وهو قلَّما يفعل ذلك. وكنَّا نعجب كيف يحضر إلى المعهد للتدريس وقد عاد من سفره توًّا ! ودع عنك انضباطه في التوقيت بداية ونهاية، فهو أول من يحضر إلى المعهد وآخر من يغادره. وما كان من عادته أن يتخلَّف عن درس من أجل سفر أو حضور عرس هنا أو هناك، كما يفعل بعضهم، وحرصه هذا على قدسية التدريس هو الذي جعله لا يسمح للطلبة أن يُقيموا أنشطتهم الثقافية إلاَّ خارج أوقات الدراسة، فإنَّ الجمعيات الأدبية، ما كانت تقام إلاَّ ليلا، والأنشطة الرياضية والكشفية إلاَّ أيام العطلة الأسبوعية.
وهذه الخصيصة فيما أحسب، من أهم ما أكسب المعهد في ذلك العهد الاحترام والتقدير في الأوساط الاجتماعية، بل وأعان المؤسسة على أن تحقق النتائج العلمية والثقافية والأخلاقية الباهرة، وما زلنا نحن المتخرِّجين في الجامعات نحمل الامتنان لتلك الجمعيات، ونتذكَّر أيامها باعتزاز وفخر.
سابعًا: الدعابة والظرف:
من سمات الأستاذ المربي أن يكون اجتماعيًّا، متفتِّحا على الآخر، ميَّالاً للتظرُّف والتفكُّه والمباسطة، وتلك صفات كان شيخنا متَّصفًا بها، معروفًا بالارتياح لها، والحقَّ إنَّ أغلب مشايخنا من ذلك الجيل النقي الصفي كانوا كذلك، لا ترى في مجالسهم إلاَّ أسارير متهلِّلة، ووجوهًا مشرقة، ولا تسمع إلاَّ نكتا أدبية طريفة، أو مداعبات حميمة أنيسة، يحب بعضهم بعضًا، ويخفضون جوانحهم للأخوة الإسلامية التي تربط علاقاتهم، يتفقَّدون أُسرهم، ويزورون مرضاهم.
ومن منَّا لا يتذكر مجالس الشيخ بيُّوض والشيخ أبي اليقظان ولقمان وتاعموت عيسى والشيخ عبد الرحمن بأدبها الرفيع وأسلوبها العالي؟ ومن منَّا ينسى مجالس الظرف والفكاهة مع الشيخ القرادي والشيخ حمو فخار والشيخ بوحجام عيسى والشيخ محمد علي دبوز وإخوان الصفا من معلمين في دائرة مدرسة الحياة ومعهد الحياة؟.
وقد عرفنا شيخنا في مجالسه كيف كان يمازح بعض أبنائه الطلبة الذين عُرفوا بالمفاكهة والدعابة وخفَّة الروح، من أمثال المرحوم تاعموت إبراهيم، وطيِّب الذِّكر باجو صالح، فقد كانت تلك الممازحات تُضفي على الجلسات الجدية غلالة لطيفة من الانبساط، وتلقي على المجلس رذاذًا لطيفًا من الألفة والمحبة.
وما زلنا نتذكر كيف كان أستاذنا يعقد جلسات خاصة ليروِّح عن نفسه مع من يأنس فيهم هذه الروح، وربما عقد لذلك رحلة خلوية في مراح صحراوي أو روضة بهيجة بين أحضان الطبيعة. ومن منَّا لا يتذكر جلساته مع المرحوم أحمد فرصوص، ومداعبته للحاج محمد الخياط، وارتياحه لمطارحات الدكتور صالح الخرفي (رحمهم الله جميعًا).
وهكذا فإنَّه عندما يكون الشخص اجتماعيًّا متوازنا ترى من سماته انطلاقة أساريره، وبشاشة وجهه، يحبه الناس ولا يملُّون مجالسته، وغالبًا ما يكون هذا الشخص ميَّالاً إلى المداعبة والملاطفة مع معاشريه وجلسائه، يحبُّ النكتة ويطرب لها، ويضحك لها من أعماقه، كما يفعل الأطفال البريئون.
ذلك لأنَّ هذا الشخص عادة لا يضيق قلبه بالحسد والظن السيئ، إذا علم الله من مؤمن صفاء الطوية ألقى محبته في القلوب فأنست لمعاشرته ومالت إلى مجالسته.
وما كان شيخنا في هذا إلاَّ مقتديا برسول الله صلى الله عليه وسلم الذي تروي عنه كتب الحديث والسيرة أنَّه كان يمازح الصحابة، ويبسم للطرفة، ولا يقول إلاَّ حقًّا.
ثامنًا: حب القراءة والتفتح على الآخر:
لم أر فيمن عرفت من المشايخ أستاذًا محبًّا للكتاب مدمنا على القراءة بعد ـ الشيخ محمد علي دبوز ـ مثل الشيخ عدُّون؛ فقد كان له غرام بالمطالعة شديدًا، كنَّا لا نراه خارج حصص التدريس إلاَّ منكبَّا على كتاب أو مجلَّة، وحرصه هذا كان خصيصة من خصائصه، وحصة مقدَّسة في برنامجه اليومي لا يصدُّها عنه إلاَّ ضرورة قصوى، وظلَّ مداومًا عليها طوال حياته المباركة، ونلحظ في مراسلاته للشيخ أبي اليقظان كيف كان حريصًا على أن يطلب منه أن يرسل إليه الجديد الصادر من المشرق كتبًا ومجلات ودوريات، ويعتبر نفسه بحكم وجوده الأغلب في القرارة محرومًا من هذه النعمة التي يسمِّيها «تُحَف المشرق»(6).
وقد أدركنا نحن الطلبة هذا الحرص منه، إذ كان يسأل دوما عن الجديد في عالم الفكر والثقافة كلما عاد أحدنا من سفر، وكان يبتهج أيما ابتهاج حين تكون الهدية المقدمة إليه كتابًا جديدًا أو مجلَّة ذات قيمة علمية.
وأتذكر كلَّما زرته بعد سفر كان أول سؤال يبادرني به: «ما الجديد من تأليفك؟»، بل ويسألني أحيانًا عمَّا أنوي التأليف فيه، حبًّا منه للاستزادة المعرفية، وتشجيعًا على متابعة التأليف والبحث، وأشهد أن ذلك منه كان لي زادًا معنويا ونفسيًّا كبيرًا. إنَّ حرصه على متابعة ما يجِدُّ في عالم الفكر والثقافة يدفعنا إلى ذكر حقيقة قد يجهلها الكثير وهو ما يتميز به شيخنا من تفتُّح على كلِّ جديد مفيد، وكرهه للتحجر والتزمُّت، لقد كان يملك من الخصال ما ساعده على السير قدما بمعهد الحياة في طريق التطوير والتجديد، والمتتبع البصير يدرك بجلاء كيف كان الشيخ عدُّون يقف أبدًا وراء ذلك التطور المستمر بما يملكه من ذهنية متفتحة، ونفس مرنة، ورغبة ملحاح في أن يكون المعهد أبدًا في مصاف الثانويات الناجحة التربوية تثقيفًا، لا على مستوى القطر وحسب، بل على صعيد العالم الإسلامي، لِيؤدي رسالته المنوطة به.
وهو على الرغم من تقدُّمه في السن ظلَّ محافظًا على تلك العادة الشريفة، وكأنَّ الله حين علِم منه صدق النية وثبات العزيمة حباه نظرًا قويًّا وبصرًا حديدًا يساعدانه على القراءة والمطالعة بدون نظَّارة وقد تجاوز المائة من عمره، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء!.
وحرصه هذا يتجلَّى في إدراجه مادَّة (المطالعة) الحرَّة والمقيَّدة في برنامج الدراسة بالمعهد، وتُعدُّ من أوليات المواد في الامتحانات لجميع السنوات.
فكان يحاسبنا نحن الطلبة على أنشطتنا تلك من خلال ما نستعيره من كتب من مكتبة المعهد التي كان يشرف على شراء كتبها بنفسه، وهو ما أضفى على مكتبة الحياة قيمة علمية وثقافية كبيرة، كما كان يحاسبنا محاسبة شديدة على الأخطاء النحوية واللغوية أثناء امتحاناتنا في هذه المادة، وكان لا يتسامح إطلاقًا، فكلُّ خطأ بنقطة، فإن كانت الأخطاء عشرًا جاءت الحصيلة صفرًا.
تلك هي أهم خصائص الأستاذ المربي القدير الأب الروحي الشيخ عدُّون (رحمه الله) ولا أحسبني أتيت عليها أو فيها بالشمول والتفصيل، وحسبي أن أقول بكل تواضع، لقد خبرت أستاذي الشيخ عدُّون وأنا طالب بمعهد الحياة ست سنوات، واقتربت منه أكثر وأنا أستاذٌ به خمسًا أخرى، فما عرفت منه طوال هذه المدَّة إلاَّ أنه المشجِّع الأقوى لكل المبادرات الساعية إلى الرفع من مستوى المعهد، ماديًّا ومعنويًّا، مناهج وبرامج، لا يتحجَّر على طريقة تقليدية متبعة، ولا يجمد على مقرر معيَّن، ولا يتصلَّب لرأيه ونظريته، بل كان يشجع بكل حماسة كل المبادرات الرصينة التي يتقدم بها الطلاب والأساتذة، واقفا أبدًا إلى صفِّ المجدِّدين ضدَّ كلِّ متعنت معاند، عاملا دومًا بالمثل القائل: «دع الزهور تتفتح»، ولكنه بقدر تفتحه ذاك على التطور والمعاصرة بقدر ثباته أمام كل ما يُشتمُّ منه ريح المساس بالمقومات الإسلامية الأصيلة، لغةً ودينًا، رافضًا كلَّ فتنة تؤدي إلى تمزيق وحدة الصف الوطني، يصحبه دومًا إيمان قوي بالقيم والثوابت، ورأس شامخ أمام العواصف السياسية التي كثيرًا ما هبَّت من هنا وهناك.
وبهذه الخصال العالية، وبهذه النفس المسلمة الكريمة، نجح في تخريج آلاف الطلبة في مدرسة محمد صلى الله عليه وسلم ، وبثَّهم في نواحي القطر الجزائري، بل والعالم الإسلامي، يبلِّغون الأمانة، ويجاهدون في سبيل الدعوة إلى الله على بصيرة.
وقد سلَّم الأمانة كاملة إلى أبنائه الشباب ليتحمَّلوا المسؤولية من بعده، ويرفعوا الراية خفَّاقة في مسيرته، وتلك أمانة ثقيلة تلقى اليوم على عاتق المعهد الجديد في مشروعه الجديد (بحول الله)، فهل يعيها المسؤولون إدارة أساتذة، ويقدروها حقَّ قدرها، ذلك هذا السؤال الذي لا يجيب عنه إلاَّ المخلصون الأوفياء، الصابرون الأمناء، بأعمالهم العلمية والثقافية والسلوكية في الميدان، وليست كلُّها في الهياكل والجدران، والتعالي في البنيان.
نسأل الله التوفيق والسداد للخلف الصالحين، والرحمة والرضوان للسلف المرحومين.
--------------------
الهوامش
1- ملحق السير، ج3، مخطوط، 445.
2-يمكن الرجوع إلى بعض رسائله إلى الشيخ أبي اليقظان؛ حيث يذكر فيها أنه لا يملك حقَّ طابع البريد، وإنَّما استعاره من أحد أصدقائه. انظر مجلَّة الحياة، نشر جمعية التراث، العدد 9، نوفمبر 2005، ص: 141.
3- الرسالة مؤرخة بـ أكتوبر 1983 في حوزة الباحث.
4-لست بحاجة لذكر أمثلة حتى لا نُحرج من لا يزالون أحياء.
5-يراجع، الباحث: من رسائل الشيخ عدون إلى الشيخ أبي اليقظان، مجلَّة الحياة، العدد9، (مصدر سابق)، ص: 122.
6-يراجع مجلة الحياة، (مرجع سابق)، ص: 129.

نشر المقال في دورية الحياة، العدد: 10، 1427هـ/2006م، ص189-204.

اسم الكاتب