من فقه المراسلـة إلى فقه المواجهة
( مسيرة الإمام الشيخ حمُّو بن عمر فخَّار)
د. محمد بن موسى باباعمي
معهد المناهج، الجزائـر
تمهيد:
إنَّ الحركات التغييرية إذا افتقدت المواجهة، وعدمت خوض غمار الحياة، تحوَّلت إلى قطعان من البشر لا خير فيها، ولا أمل جرَّاءها، ولقد عانى وادي ميزاب – في السنين الأخيرة – من دعوة للوحدة قاتلة للمبادرة، ومن اعتبارات ولَّدت عبارات كلُّها مداهنة، فصدق في بعضها قوله تعالى: {وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ} (سورة القلم: 9)...
لا خير في إصلاح لا يبدع الجديد بلا توان، ولا يحارب القديم بلا هوادة، ذلك أنَّه إذا لم يفعل فقَدَ مبرِّر وجوده، وخسر مساحته ومكانته... ولا خير في محافظة لا تدافع عن الثوابت والأصول، ولا تنصِّب نفسها حامية للقديم، ومحامية على التراث.
ولا يخلو بلد من البلدان المتقدِّمة في عالم اليوم من حزبين رئيسين هما: حزب المحافظين، وحزب الإصلاح؛ ذلك أنَّ التوازن يولد من رحم الاحتكاك، وأيُّ إقصاء لطرف لحساب آخر سيدفع بالأمم – لا محالة – إمَّا إلى جمود وركود، وإمَّا إلى اندفاع وانسلاخ؛ فيا مرحبا بالاختلاف في ربوع وادينا، ويا مرحبا بروح النقد تزهر وتورق فتثمر حضارة فريدة، وتدفع التخلف والانهزام...

بل إنَّ الدارس لسيرة الصحابة رضوان الله عليهم، ولتاريخ الأمَّة الإسلامية في أعلى مراقيها، ليتعجَّب من الاختلاف الذي يميز الناس ويسم حياتهم كلَّها بسمة من الإبداع، فولدت بذلك المذاهب الفقهية، والحركات السياسية، والتيارات الفكرية... ولا عيب في ذلك البتة؛ بل العيب والعار في حشر الناس تحت راية واحدة، ونشر الفرعونية في سياسة البلاد والعباد، ألم يقل فرعون في الغابرين: «ما أريكم إلاَّ ما أرى وما أهديكم إلاَّ سبيل الرشاد».
فالمطلوب بحقٍّ هو روح المرأة العظيمة بلقـيس، الـتي لـو كان لنا اليوم من أمثالها امرأة لعيناها – على رأي الإمام محمد الغزالي – إماما على المسلمين، ولوليناها الإمامة الكبرى، لا الصغرى كما قد يظنُّ البعض خطأ... ألم تقل لقومها في صراحة لا مثيل لها: {مَا كُنتُ قَاطِعَةً اَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ} (سورة النمل: 32)... فطلبت رأيهم، واعتبرت رؤاهم، فما كانت النتيجة إلاَّ أن قالوا: {قَالُوا نَحْنُ أُوْلُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالاَمْرُ إِلَيْكِ فَانظُرِي مَاذَا تَامُرِينَ} (سورة النمل: 33).
نعم، إنَّ الرأي الحصيف لا يعني إقصاء الآخر، ولا التملق للآخر، بل الرأي الحصيف هو احترام وسماحة، وهو مواجهة وصراحة...
ومما اشتكى منه الشيخ حمو بن عمر فخَّار في نهاية عمره، هذا الركون إلى الوَحدة المزيفة، وذلكم السكوت عن الباطل باسم «مراعاة العواطف»، ولَكَم اشتكى لي في الخلوات همَّه هذا، ولكم آسفه ما آل إليه بعض المصلحين في أواخر أيامهم، حتى صار البعض منهم، حسب تعبيره: جامدين فوق اللزوم...
ولقد آثر الشيخ حمُّو فخَّار المواجهة والصراحة، وكان واضحًا في مواقفه، مخلصا لاختياراته، لا يرى في ذلك ظلما ولا حيفا، بل إنَّ ما يفعله هو عين الحقِّ ولبُّ الصلاح... أمَّا الوحدة المزيفة فهي الفساد بعينه، والانهزام بروحه...
علينا أن نفرِّق – بدقَّة – بين الوحدة الحقَّة الصادقة، والوحدة الزائفة الكاذبة؛ أمَّا الأولى فتبنى على الدفاع عن المواقف، واحترام مواقف الآخرين، وتؤسَّس على روح من الخُلق الحميد، والحوار الرصين... ولا يعني الاختلافُ أن يؤول الناس إلى شقاق أو نزاع مذموم، قال تعالى: {وَلاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} (سورة الأنفال: 46).
أمَّا الوحدة الزائفة، فأساسها السكوت عن مواطن الاختلاف، وغضُّ الطرف عن مواضع التباين، مراعاةً للعواطف حين الاجتماعات واللقاءات، أمَّا إذا غادر المتوحِّدون مجالسهم فإنهم يتحولون إلى أعداء ألِدَّاء، ويصرِّحون تصريحات خطيرة في الحكم على بعضهم البعض، ولا يراعون في ذلك إلاَّ ولا ذمَّة...
وحسب تقدير الشيخ، وإنَّا لنوافقه في ذلك، فإنَّ بعض الهيئات في وادي ميزاب، وبعض الأشخاص في تلكم الهيئات، يعملون تحت مظلَّة النوع الثاني من الوحدة، وهم في ذلك مخطئون ومنحرفون...
ولا ينفي هذا الحكم وجودَ العديد من العلماء والسياسيين ممن صدق في موقفه، وآثر الوحدة بمدلوها الإيجابي البنَّاء، غير أنَّ منهم من استطاع أن يتناسق مع اختياره، ومنهم من لم يستطع...
وقراءة متأنية لتراث الشيخ حمُّو فخَّار، تفتح لنا آفاقا واسعة في معنى الوحدة، وفي مدلول الجهاد والاجتهاد، نُصرة للفكرة وللحركة...
ولعلِّي أكتفي في هذه العجالة بما ورد في مراسلاته، التي هي طور الطبعِ، ولقد توفي رحمه الله تعالى وهي تنتظر التصحيح الأخير منه، ومن حسن القدر أنَّه قد كتب مقدَّمة لها، أدعو الله أن ييسر السبل لطبعها في أقرب الآجال...
ولقد برز الشيخ حمُّو فخَّار أديبا ومفكِّرا في رسائله، وكان أستاذًا فريدًا في فقه المراسلة، ولم يكن أقلَّ قدرا في فقه المواجهة والمنافسة، صادقا في مواقفه، واضحا في أفكاره، يكره الغموض، ويهزأ بالمترددين، يحبُّ الصدق والصفاء، ويمقت المتلوِّنين الإمَّعات، فنَذَر حياتَه كلَّها لهذا السبيل، فلقي الله تعالى عليه، فلم يبدِّل قيد أنملة، ولم يغيِّر شرو نقير...
وسنحاول في هذه العجالة أن نسبر غور هذه المراسلات، بحثا عن مواطن المواجهات، في موضوع اخترنا له عنوانًا يحمل بعض الإثارة، وهو: «من فقه المراسلة إلى فقه المواجهة».
جـهاد الفحول:
في المقدَّمة التي أعدَّها الشيخ لكتاب المراسلات، أبان الشيخ عن الغرض الذي من أجله خطَّ تلك الكتابات، ومن أجله سعى وحرص على طباعتها، وإفادة الناشئة بها، فقال: وغرضها – أي المراسلات - «أن ترفع الحجاب عن جهاد الفحول ومعاناتهم في مضمار الحياة المليئة باختلاف الغايات وتشابك الأهداف، حتى صاح رائدُهم:
فلا تحسبنَّ المجدَ زِقًّا وقينةً .:.:. فما المجدُ إلاَّ السيفُ والفتكةُ البكرُ
وتضريبُ أعناقِ الملوكِ وأن تُرى .:.:. لك الهبواتُ السُّودُ والعسكرُ المجرُ
وتركُك في الدنيا دويًّا كأنَّما .:.:. تَدَاوَلَ سمعَ المرءِ أنملُه العشرُ
وكم في تاريخ أوائلنا الأقربين والأبعدين من مواقف حافلة بالرجولة الحقَّة، مليئة بالروائع الأدبية التي تستحق السجود، سجود الاعتراف للمخلوق، لا سجود العبادة للخالق. لكنها لا تزال مطمورة تحت رُكام الإهمال والنسيان، كالكنوز المدفونة تحت رمال وارجلان، من مخلفات الدولة الجزائرية الذائعة الصيت في تيهرت. والتي لا عيب فيها ولا في ملوكها الأفذاذ إلاَّ ما سجله الشاعر القديم عن قومه حيث قال:
وَلاَ عَيبَ فِيهِم، غَيرَ أنَّ سُيُوفَهُمْ .:.:. بِهَا مِن قِرَاعِ الدَّارِعِينَ فُلُـولُ
فأيُّ تهاون في إبراز تلك الكنوز -حيثما كانت -يعرِّضها حتمًا لدابَّة الأرض التي أكلت منساة سليمان، وللجاهلية تمزِّقها وتحرِّقها. فما أجدر بنا أن نتخلَّق بالحكمة المشهورة الذائعة: «غرسوا فأكلنا ونغرس فيأكلون». بل ما أحرانا أن نرقى إلى سماء الحكماء ولب الحكمة، فينادي خلفُنا مباهيا بعصره: «كم ترك الأوَّل للآخر»، وعندها يسلَم ونسلم معه من معرة المعرات «ما ترك الأول للآخر»».
وإنَّ اختلاف الغايات، وتشابك الرؤى والأهداف، طبيعةٌ في الحياة، وهي لعمري مسيرة الأنبياء والمرسلين، من لدن آدم عليه السلام، إلى خاتم الأنبياء والمرسلين، محمَّد عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم... ولولا هذا التنازع، والاختلاف، والمواجهة، لما كان لإنزال الأنبياء والرسل معنى، ولما احتاج العالم إلى مصلحين ومغيرين، ولاستحالت الحياة إلى رتابة قاتلة، وخمود مهين... وهذا الذي سمَّاه القرآن الكريم "سنَّة التدافع"، فقال جلَّ من قائل: {وَلَوْلاَ دِفَاعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الاَرْضُ} (سورة البقرة: 251) وفي آية أخرى: {وَلَوْلاَ دِفَاعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا} (سورة الحج: 40)...
الهجـمات النووية... (إلى الشيخ أبي اليقظان):
وهذا أنموذج آخر لروح المواجهة، برز في مراسلة بعث بها الشيخ حمُّو فخَّار إلى أستاذه ومرشده، العلامة الشيخ أبي اليقظان إبراهيم، جاء فيها:
«أستاذي الكريم، لا شيء يُذكر، فالأهداف هي نفس الأهداف، فلتوالُوا الهجمات النووية، فنصر الله قريب، وهزيمة القوم الظالمين قاب قوسين أو أدنى. شاهت الوجوه، إنَّا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذَرين.
وتفضلوا بقبول أحر دعواتنا لكم ولنا بالعون والتوفيق. وإلى لقاء آخر. ابنكم البار، فخَّار حمُّو بن عمر».
وممَّا يلاحظه القارئ استعمال الشيخ لمصطلح الأهداف، على أنها هي محلُّ الاختلاف، فإن اتفقت الأهداف بين إنسان وآخر، وبين جماعة وأخرى، كان الجميع في صيغة وفاق واتساق، أما إذا تباينت الأهداف فهي الدليل على أنَّ الاختلاف بات ضرورة، وذلك ما رمزنا إليه في كتاب «فيكوس» "veecOs" بالحرف "O"، ولقد أثبتنا علميا أنَّ الرؤى vision (v)، والجهود effort(e)، وطرق التقييم evaluation (e)، والاتصال communication (c)، والنظام system (s)... كلُّها متغيرات، وليست باعثًا من بواعث الاختلاف، وإنما الواجب أن تكون متباينة متكاملة، أمَّا إذا كانت الأهداف غير متوافقة، فهنا وجب الحسم: إمَّا أن توحَّد بعمل علميٍّ شاقٍّ، وإمَّا أن يفترق الجمعان...
وهذا ما طبَّقه الشيخ رحمه الله في جميع أطوار صراعاته ومواجهاته، فنجده يحترم الرؤى، ويقدِّر الجهود، ويسعى إلى الاتصال؛ ولكنه يقف وقفة رجل شامخ أمام الاختلاف في الأهداف؛ لأنـَّه يعلم أنَّ السكوت في هذا المقام سيأتي على الأخضر واليابس، وسيترك الجماعة في حيرة واضطراب... وفي مثل هذه الحال يجب اتخاذ الأسباب لتحمُّل أتعاب المجابهة، وتبعات المواجهة... وهذا بحقٍّ ما نفتقده في بعض القضايا المصيرية لأمتنا اليوم، جراء زرع روح الوحدة الزائفة التي شرحنا مدلولها وأبعادها من قبل.
الشعر سيفٌ في رقاب العِدا:
ومن أبرز مظاهر المواجهة، ما يفرِّق بين الإباضية والمنصفين للتراث والفكر الإباضي من جهة، والمتعصِّبين الناقمين على كلِّ ما له صلة بالإباضية، من جهة ثانية، فلا يقبل الشيخ، -شأن الحركة الإصلاحية بعامَّة-أيَّ نوع من أنواع التعصُّب المذهبيِّ، لكنَّه مع ذلك، لا يسكت عن حملات التشويه والتزييف التي يتعرَّض إليها الإباضية من عصر لآخر، ومن مصر لآخر... ففي رسالة بعث بها إلى زميله في الدراسة العلاَّمة «علي يحيى معمَّر» نقرأ قوله في هذا الصدد:
«لقد أكبرتُ والله غيرتكم على الحقِّ المهضوم، ومنافحتكم على التراث الإسلامي والإباضيِّ بالتبع، بكلِّ ما تملك من بديع السحر والحجة والبيان، حاشا الشعر فقد هضمت جانبه، وأضعت حقَّه، وأحسبه ينشد مع القائل قوله:
أَضَاعُونِي وَأَيُّ فَتًى أَضَاعُوا .:.:. لِيَوْمِ كَرِيهَةٍ وَسَدَادِ ثَغْـرِ
وله الحق أن يندب حظَّه معك، لأنَّـك لم تكن ممَّن يشكو شرود رئيِّه عنه، ولا كان نزع ضرس أحبَّ إليه من قول بيت... لقد أسلس لك المسكين قياده، وألقى بين يديك زاده وعتاده، ولكنك أنت هجرته من غير ما ذنب جناه...».
ويدعو الشيخ حمُّو فخَّار صديقه إلى أن يسلَّ سيف الشعر مرَّة ثانية، ذلك أنه الفرس المقدام في ساح الوغى، والبطل الباسل يوم الكريهة، فقال له بأدب رفيع، وتسامٍ بالنقد بديع: «إنّي أُجلّك فقيها ومؤرخا، لكنِّي إلى أدَبِك أشدُّ حنينا، وأعظمُ شوقًا، لأني كذلك عرفتُك... وما تزال أناشيدُك البليغة الرائعة زينةَ حفلاتنا...
فهل أنت مُصرٌّ حتَّى الآن على الصدود والهجران؟ لا يحلُّ لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال. لا أقول: «... فكأنما قتل الناس جميعا». ولكن: «ومن أحياها فكأنما أحيى الناس جميعا».
حقَّا، إن أعظم سلاح غزونا به حزب العوام، ودفعنا به في صدورهم، وألفتنا به أنظار الجمهور إلى حزب الإصلاح حتى تمركز فشقَّ طريقه، إنما هو الأناشيد بمعانيها الرائعة، وألحانها الرائقة، وفي مقدِّمتها أناشيدك التي لها طابع خاصٌّ، وطابعها هو أنها لا تُملُّ، وأنا إذ أكرر القول في هذا وأعيد، وإن كنت أعلم أنك تضحك ملء أشداقك على هذه الرجعية التي أحملك عليها، إنما أسدي جميلا لليبيـا والجزائر، وللجبل وميزاب كليهما؛ لأنَّ النهوض بقوم إلى المكارم ومعالي الأمور، قد يتاح بترنيمة في بيت شعريٍّ أكثر بكثير مما يتاح بخطبة جمعة أو درس جامع.
وإذا كان هذا فأيُّ خير أضعناه بطمس مورد عذب زلال، وكسر قيثارة طالما هدهدت فأنامت، وغرّدت فأقامت وأقعدت. وأشعلت حربا وأطفأت..؟»
رحم الله الأديب، فقد كان صادقًا وصريحا وواضحا، حتى مع أعزِّ أصدقائه، فلم يركن إلى التبرير والتزوير، وإنـَّما وقف له بالمرصاد مذكرا وموجها، ذلك أنَّ الودَّ لا يدوم مع المداهنة، وأنَّ النقد هو بحقٍّ وقود الحضارة ومحرِّكها، فبه تنمو الأمم وترقى الحضارات، وبدونه يستمرئ الناس السكون والركون والهوان...
فهل نعي – نحن كذلك – هذه المعاني الرفيعة، أم أننا سندافع عن وحدة لا تخدمنا، وعن حوار للطرشان لا ينفعنا، بل -والله - يضرُّنا؟
الأيام كفيلة بالإجابة على هذا السؤال الصعب والعميق...
التـمرُّس بـالآفـات ...
ومن أشدِّ ما كان الشيخ يخشاه، أن ينشأ الشباب ضعافا، لا يقدرون على شيء، وهم كلٌّ على مولاهم، أينما يُوجَّهون لا يأتون بخير، ولطالما ردَّد قول الشاعر في خطبه ومحاضراته، وهو يصف هذا النوع من الشباب:
خَطَرَاتُ النَّسِيمِ تُدمِي خَدَّيْهِ .:.:. وَلمسُ الحَرِيرِ يُدمِي بَنَانَه
فبات هذا البيت من شواهده، ومن أكثرها ورودا في مؤلفاته؛ وإنه لدليل على كرهه للدعة والرفاهية والسكون، وحبه للبطولة والإقدام ومقارعة السِّنان...
وهو مع هذا يعتذر إلى هؤلاء -الشباب -بأنه ينقُدهم حتى لا يتحولوا إلى ملهاة للهجَّائين، وعرضة للمتندِّرين...
وفي رسالة بعثها الشيخ إلى طلبة العلم، يقول فيها: «ما أحوج شبابَنا إلى التمرس بالآفات، حتى يسلموا في زمنهم من العثرات، والنكسات... ولن يسلموا – ورب العرش العظيم- من الأزمات، ما لم يصطحبوا في حلِّهم وترحالهم زاد التقوى، ويتدثَّروا ويتمنطقوا بتاريخ الرسل والأنبياء، والصحابة وأفذاذ العظماء والنبغاء، من كلِّ جنس في كلِّ حين.
أولئِكَ الذِينَ مِن نَارِهِم .:.:. نَأتِي بِالقَبَسِ لَدَى الغَلَس
وَعَلَى نُورِهِم نَجِد الهُدَى .:.:. فَلاَ تَخمِين وَلاَ حَدَس
فإن فعل خلائفنا ما يؤمرون به، هتفت الدنيا بأجمعها معهم:
زَعَمَ الفَرزْدَقُ أَن سَيَقتُلُ مَربَعًا .:.:. أَبشِرْ بِطُولِ سَلامَةٍ يَا مَرْبَـعُ
وإن لم يفعلوا، غدوا -لا قدّر الله-أضحوكة زمنهم بين معاصريهم، وسخرية وألعوبةً بين لِداتهم وأقرانهم، ومضغة في أفواه منافسيهم من شانئيهم. وعندها -والدهر ليس يصاحب من لم يقرأ العواقب - يحقُّ فيهم قول أبي فراس:
سيـذكُرُني قَومِي إذَا جَدّ جدّهُمُ .:.:. وَفي الَّليلَةِ الظَّلْمَاءِ يُفتَقَدُ البَدْرُ
فَلَو سَدَّ غَيرِي مَا سَدَدْتُ اكْتَفَوا بِهِ .:.:. وَمَا كَان يَغْلُو التِّبْرُ لَو نَفَقَ الصّفْرُ
وَنَحنُ أُنَاسٌ لاَ تَوَسُّطَ بَيْنَنَـا .:.:. لَنَا الصَّدْرُ دُونَ العَالمَينَ أَوِ القَبْـرُ»
فما أعلى هذه الهمَّة، وما أعظم صاحبها!! وحريٌّ بشبابنا اليوم أن يقتفوا آثارها، ويصبروا في تحصيلها، ويدافعوا عن حصنها، فالخير كلُّ الخير في شباب قويٍّ، تخذ العلم سلاحا، والتقوى زادا، والجهاد في سبيل الله منهجا، والحبَّ في الله عقيدة، والبغض لله وسيلة... أولئك مستقبل الأمَّة وأملها، وهم عينها وفؤادها، فأولى بها ثم أولى أن تعمل في تكوينهم وتدريبهم ليوم الكريهة، وسداد الثغر...
محنة علي يحيى معمَّر :
في سنة 1393هـ/1973م أصاب الشيخ علي يحيى معمَّر عَنَتٌ شديد، وابتلاه الله بمحن عصيبة، فكان مثالا للصبر، وقدوة في الثبات على المبادئ... وبهذه المناسبة أرسل إليه الشيخ حمُّو فخَّار رسالة يواسيه فيها، ويوجِّهه إلى ما يراه صلاحا في سبيل الدعوة، وإنها بحقٍّ لرسالة تاريخية، وقطعة أدبية في أدب الدعوة إلى الله، وفي فنِّ الجهاد والاجتهاد في سبيل الله، ومما جاء فيها قوله: «أخي، لقد أسِفت لِما أصابك بعدنا من تعب وإرهاق، جعله الله في ميزان الحسنات. ورثيت لحال شعرك ومأساته التي هي مأساة لنا، ولو كنتُك لتفجرت باكيا عليه نادبا في إلياذة أين منها إلياذة هوميروس، ونُحتُ عليه نواح الخنساء على صخر:
يُذكِّرُنِي طُلُوعُ الشَّمْسِ صَخْرًا .:.:. وَأذْكُرُهُ لِكُـلِّ غُرُوبِ شَمْسِ
لكنَّك آثرت التجلد للشامتين، فرحت تتمثَّل بقول الشريف الرضي ـ فيما بقي بذهني ـ للمطوقة:
لقد كُنتُ أُولِي مِنكَ بِالدَّمعِ مُقلَةً .:.:. وَلَكِنَّ دَمعِي فيِ الحَوَادِثِ غَـالَي
فهنيئا لك المنحة الغالية، الرضا بالمقدور، ولْنَلْوِ عنان الأمل في شعرك إلى نثرك الفني، ففيه كلُّ الغُنية، سائلين المولى عز وجل أن يبارك في ذلك القلم السيال، حتى يترك للأجيال ما ينقع الغُلة من بليغ العظة والسحر الحلال.
غير أني هذه المرة أحب أن ألفت نظرك إلى استعمال لسانك بالإضافة إلى يراعك، وأعني بذلك العملَ على تكوين حلقة دروس لثلة من الطلبة تطبعها بطابعك الإسلامي الحنيف، تستقل معهم في زاوية مسجد، أو منـزل ناءٍ، أو غار كغار مجماج أو غار أبي عبيدة، فيتفرَّقون على القطر الليبي وفي قرى الجبل، ثم على سائر البلاد الإسلامية، مثلما تفرَّق طلبة الشيخ بيوض الذين أنت واحد منهم في الحاضر، وتفرق تلاميذ أبي عبيدة في الغابر. وقد تكون أو أكون من سلالة أولئك الفحول الأمجاد.
هكذا تنشأ الخلائف وتشاد النهضات، فلا بد من مريدين يا أخي علي، يتسلَّمون الراية بجدارة وحماس، ولن يعجزك تكوين باقة تنتخبها من سائر قرى الجبل، كخطوة أولى، تضمن لهم جماعةٌ خيرية السكنَ بطرابلس، فتُفرِغ في روعهم أنهم أبناء أولئك الشراة، وأنهم المؤتَمنون بعدنا على التراث، وأنَّ الإسلام وشيك العودة إلى الظهور، فليكن إبراقه على أيديهم الكريمة، وازدهاره على منارتهم السامقة، منارة المذهب الإباضي الراسخ الشامخ، على مرِّ الأجيال والقرون، أين منه أبو الهول الذي خلَّده شوقي بقوله:
أَبَا الهَولِ طَالَ عَليكَ العَصْرُ .:.:. وَبَلَغتَ في الأَرْضِ أَقْصَى العُمُرْ
إِلاَمَ رُكُوبُكَ مَتْنَ الرِّمَـالِ .:.:. لِطَيِّ الأَصِيلِ وَجَوْبِ السَّحَرْ
تُسَافِرُ مُنتَقِلاً في القُـرُونِ .:.:. فَأَيَّـانَ تُلقِي غُبَارَ السَّفَـرْ
قل لأهل مصرك وعصرك: إنَّ قرية «بريان» لما عقدت العزم على أن تحيى، آل قادتها أن يهَبُوا أبناءهم للعلم، فكان بُودي، وأوراغ، ومحمد علي، وتربح، وبرياني، وصفوف رديفة من بعدهم، روح القرية وريحانه، بحيث لم يبق بها أثر للجمود ولا للأمية، فليكونوا كذلك أو لا يكونوا.
ثم قل لعقلك وفكرك، أو لقلمك ولسانك، إنَّ أحدكما للدعوة بمثابة صحف أبي اليقظان، والآخر لتكوين الدعاة بمثابة أفلح، فكن كذلك أو لا تكن...»
ولقد كان الشيخ – رحمه الله – واعيًا أشدَّ الوعي بما يترتَّب عن هذا الاختيار من معاناة، ومن محن وإحن، لكن يفضل هذه المعاناة وتلك المحن على الاستكانة والخضوع، ويؤثرها على الذلة والركوع، ولذا راح يذكِّر علي معمر بهذا المعنى، في آخر الرسالة قائلا:
«أخي علي، إننا ذاهبون ولا محالة [وقد مات الاثنان اليوم، ولله الأمر من قبل ومن بعد]، ومن يدري لعلنا وشيكي الزوال، فلنحمل أثقالا مع أثقالنا اليوم أمراضا ومطاردات ومضايقات، حتى ننجوَ منها غدًا، وإلاّ بُؤْنا لا قدر الله بإثم المقصِّرين، وكلٌّ يحاسبه الله على قدر ما أولاه من نعم، وحباه من عطاياه اللدنية»...
وإلى كلِّ واحد منَّا يساق الحديث؛ فلنسأل أنفسنا، ولنصدق أمَّتنا، ولنتَّق في ذلك ربَّنا: هل نحن اليوم ممن يحمل الأثقال، ويُجهد النفس على الصبر وتحمُّل شديد المحال، عسانا – بعد أن نغادر دنيانا كما غادرها المحتفى به– ننالُ المغفرة والقبول والرضوان، من الملك العزيز الديان؟
فاللهمَّ لا تكتبنا في زمرة المخلَّفين والمتخلِّفين، واكتبنا مع الشهداء والمجاهدين... يا ربَّ العالمين.
خـاتـمة:
ما أضرَّ العالم الإسلاميِّ اليوم إلاَّ جهله لعدوِّه، أمَّا اليهود والأمريكان فأعلنوها صراحة: معنا أو ضدنا؛ فصنعوا عدوَّهم بإتقان، وعرفوه فحاربوه بغير توان...
وما أضرَّ الميزابيين اليوم إلاَّ اختلاط المواقف والأهداف، وتخاذل الكثير منهم عن قول الحقِّ، وخوفهم من التبعات، بحثا عن الدعة والراحة...
وكذلك يقال عن باقي الجزائريين، ممن استمرأ النفاق والمداهنة، وآثر المصلحة الخاصة والآنية، على المصلحة العامَّة والمتأنية.
فالقويُّ هو الذي يستطيع أن يقول: لا... وهو الذي يدافع عن حقوقه بجرأة وشجاعة وصبر، حتى وإن كلَّفه ذلك الكثير من التعب والعنت، أو أرداه مريضا في الماريستان، وألقى به وراء القضبان... وقد يسبب في موته في بعض الحالات؛ غير أنه لا يبيع عزَّته وعزَّة وطنه، ولا يساوم في كرامته وكرامة دينه...
ولننصت جميعا إلى الشهيد الفقيد، عمرو خليفة النامي، في قصيدته العصماء: أمَّاه... ومن خلاله إلى إمام الأدباء وواسطة عقد المجاهدين، الشيخ حمُّو فخَّار رحمه الله..
لننصت إليه وهو يقول في مطلع النشيد:
أُمَّاهُ لاَ تَجْزَعِي فَالحَـافِظُ اللهُ .:.:. إِنَّا سَلَكْنَا طَرِيقًا قَدْ حَفِظْنَـاهُ
في مَوكِبٍ مِنْ دُعَاةِ الحَقِّ نَتْبَعُهُم .:.:. عَلَى طَرِيقِ الهُدَى أَنَّى وَجَدْنَاهُ
إلى أن يقول:
إِنَّا شَمَخْنَا عَلَى الطَّاغُوتِ في شَمَمٍ .:.:. نَحنُ الرِّجَالُ وَهُمْ يَا أُمُّ أَشْبَاهُ
نُذِيقُهُم مِنْ أَسيَاطِ الصَّبْرِ مِحْنَتَهُمْ .:.:. فَلَم يَـرَوا لِلَّذِي يَرْجُونَ مَعْنَاهُ
أُمَّاهُ لاَ تُشْعِرِيهِمْ أَنَّهُمْ غَلَبُـوا .:.:. أُمَّـاهُ لاَ تُسْمِعِيهِمْ مِنْكِ (أَوَّاهُ)
فينهي القصيد بقوله:
أُمَّاهُ بَايعتُ رَبِّي وَاعْتَصَمْتُ بِهِ .:.:. مَا كُنْتُ أَعرِفُ دَربَ الخَيْرِ لَوْلاَهُ
أُمَّاهُ ذَلِكَ دَرْبِي قَدْ أَمُوتُ بِـِهِ .:.:. فَلاَ يَسُوؤُكِ كَأْسٌ إِنْ شَرِبْنَـاهُ
لاَ تَجْزَعِي لِفَتًى إِنْ مَاتَ مُحْتَسِبًا .:.:. فَالموتُ فيِ اللهِ أَسْمَى مَا تَمَنَّـاهُ
أُمَّاهُ لاَ تَجْزَعِي فَالْحَـافِظُ اللهُ .:.:. وَهُوَ الوَكِيلُ لَنَا بِالغَيْبِ أُمَّـاهُ
بمثل هؤلاء تسود الأمم، وتشاد الحضارات، وتنتصر المبرات، فتنمو الخيرات...

نشر المقال في دورية الحياة، العدد: 10، 1427هـ/2006م، ص18-29.

اسم الكاتب