إخواني الأوفياء، شباب خنشلة الأصفياء، حفظكم الله ورعاكم، وسدّد خطاكم، وطيّب ممشاكم، وشكر مسعاكم، وجعل الجنّة مثواكم. السّلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
لقد تركت زيارتنا لكم آثارها العميقة في قلوبنا، فقد حرّكت وجداننا وهيّجت مشاعرنا، وهزّت كياننا. إنّنا فوجئنا بنشاط كبير، يبشّر بنهضة كبيرة، بدايتها عمل بسيط مخطّط، وحركة مدروسة مؤسّسة. اندهشنا للمبادرة الطّيبة المباركة، التي قمتم بها، بإمكانات بسيطة، وبفئة قليلة من العاملين، وسط ظروف غير مواتية، وأجواء غير ملائمة...
كانت منكم المبادرة والمثابرة والمغامرة، فأقمتم أسبوعًا ثقافيًا، اعتمدتم في تنشيط ندواته على الطّاقم المحلّي، رغم المستوى العلمي المتواضع التي يتمتّع به أغلبكم، بيدَ أنّه ظهر كبيرًا، بإرادتكم وإخلاصكم وإصراركم على تخطّي وضعكم وحظّكم من العلم ونصيبكم من التّجربة؛ إيمانًا منكم بضرورة رفع التّحدّي، والقيام بواجب النّهوض بالمدينة وإخوانكم الذين هم في حاجة إلى من يأخذ بأيديهم بالعوالي إلى المعالي، ويبعد عنهم مظاهر التّخلّف والتّأخّر. تمثّل فيكم قول أبي نصر المَلُوشائي النّفوسي:
أحبّ فتًى ماضي العزيمة حازمًــا لدنيا وأخرَى، عاملاً بالتّشَمُّــرِ
أعددتم معرضًا، تعاونتم فيه مع التّلاميذ والطّلبة والعمّال، أشركتم الجميع، لتوفّروا لهم فرصة المشاركة في أداء الواجب الاجتماعي نحو أمّتهم ووطنهم، ولتدرّبوهم على العمل الجماعي المثمر، ولتروّضوهم على الاندماج في المجتمع بالتّدريج، ولتعوّدوهم على تحمّل المسؤولية في الأوساط التي يوجدون فيها.
معرضكم تنوّع في أجنحته، وتفنّن في زينته. عَرَضَ موضوعات عن الشّخصيات العلمية التي عملت في مجال الدّعوة والإصلاح. وأخرى عن التّاريخ القديم والحديث، والتّراث العمراني والدّيني والاجتماعي الذي يربط الأخلاف بالأسلاف، ويدعوهم إلى الارتباط به، والمحافظة عليه، والعمل على الإضافة إليه. كما اشتمل على أجنحة لعرض إبداعات الطّلبة والطّالبات في مجالات الكتابة والرّسم والخطّ والبحث... وكلّها ميادين مطلوبة في التّكوّن والتثقّف...
هذا النّشاط يحرّركم من تباعة التّقصير في أداء الواجب الدّيني نحو مجتمعكم. ويمنحكم فرص ملء فراغ النّاشئة بما يصلحها، ويمنعها ويحصّنها ممّا يفسدها. في الوقت نفسه يعين المسجد أن يعيدَ هيبته ودوره في الدّعوة والأخذ بأيدي الشّباب ومن هو في حاجة إلي تفقيه وتعليم وتربية وتوعية...
احرصوا على المضيّ قدمًا في هذا السّبيل، واعمدوا إلى مضاعفة الجهود في هذا الطّريق، واعملوا بتخطيط ومنهجية، واستعينوا بمن له تجارب رائدة في حقل العمل الاجتماعي والدّعوي، واستلهموا تراث آبائكم وأجدادكم، الذين ينهلون من القرآن والسّنّة، واقرؤوا التّاريخ جيّدًا لتعتبروا وتفيدوا منه، فإنّ من يقرأ التّاريخ يزيد عقله، ويتحسّن عمله، ويكثر نفعه، ويقلّ خطِؤه، ويقتصد جهدُه ويتسارع خَطْوُه...
سيروا في أعمالكم بقدر إمكاناتهم، وتحرّكوا بالتّدريج، ولا تتعجّلوا النّتائج، وتحلّوا بالصّبر والأناة والرّويّة. احتضنوا كلّ فئات المجتمع، وخصّوا النّاشئة والشّباب برعاية خاصة، فهم أكثر عرضة للغواية والتّضليل، وهم المعنيون في الدّرجة الأولى بالإعداد والتّكوين والبناء، لا تغفلوا عنهم، عاملوهم بما يليق بهم دينيًا واجتماعيًا وتربويًا ومرحليًا...
لا تحقروا أعمالكم مهما تكن من الصّغر والبساطة، ولا تنقصوا من حجم المدينة التي أنتم فيها من حيث مكانتُها؛ مقارنة ببقية المدن التي يوجد فيها إخوانكم: عددًا وعُدّة ونشاطًا ووفرةَ إمكانات... فالعبرة بالعمل الدّؤوب، والنَشاط المستمر، والنّتائج التي تحصل في الميدان. فإذا كان الرّسول صلَى الله عليه وسلّم يقول: لا تحقرنّ من المعروف شيئًا، ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق. فإنّنا نقول لكم لا تحقروا من الأعمال شيئًا ولو أن تقدّموا نصيحة قصيرة لإخوانكم، تنفعهم في دنياهم وأخراهم، فكلّ ما تقومون به هو دعوة وإرشاد، وهو تكوين وإعداد.هو كالغيث أين و قع نفع.
أذكّركم بما خاطب به فضيلة الشّيخ إبراهيم بن عمر بيّوض أهل مدينة " بنورة " سنة 1944م: " يظنّ كثيرٌ من النّاسِ أنّ بذرة العلم لا تنبت في بنورة، وأنّ زهرتها لا تتفتّح في جوّها، وأنّ أهل بنورة لا يكونون متعلّمين ولا علماء...وفاتهم أنّ بذرة العلم إذا زرعت في نفس طيّبة أزهرت وأثمرت، وكلّ من تصدّى لطلب العلم أدرك بغيته حسب اجتهاده ونيّته الحسنة في طلبه، وكل من سار على الدّرب وصل...فربّ بلد ضعيف في حاله، قويّ في استعداده، أنجب الرّجال العظماء والعباقرة في العلم، الذين لا تستطيع أن تنجبهم الحواضر الرّاقية، والعواصم المتعلّمة..." ( أعلام الإصلاح في الجزائر، ج4، ص: 138)
تأمّلوا في هذا القول، وقارنوا حالكم بما ذكره الشّيخ بيّوض عن مدينة بنورة، وتأكّدوا أنّكم تملكون مقوّمات العمل المنتج الهادف الباني...ففيكم الإخلاصُ والإرادة وَفَهْمُ رسالتكم في الوجود، وفيكم الوعيُ بما يحيط بالمدينة التي أنتم موجودون فيها، وبالشّباب الذين ترون مسؤولية رعايتهم منوطة بكم.
افقهوا جيّدًا أنّ العمل أساسه ومنطلقه التّقوى، وقوامه الصّدق، وعماده سلامة القلب وصفاء الطّوية، وأُوكسيجينه الإخلاص، وسياجه الوَحدة، وحقيقته: إنّ أصله ثابت وفرعه في السّماء، ونتائجه ثمار طيّبة تنال كلّ من يسّر الله له الإفادة منهُ... فاعملوا وتحرّكوا، وتوكّلوا على ربّكم؛ فإنّ عنايته تكلؤُكم، وعينه ترعاكم، وإرادته تحفظكم.
وإذا العناية لا حظتك عيونــها نَمْ (أو سِرْ ) فالمخاوف كلّهن أمانُ
اعلموا أنّ الله مع العاملين المجاهدين الصّابرين المحسنين المحتسبين أجرهم عند الله ( والذّين جاهدوا فينا لنهدينّهم سبلنا وإنّ الله لمع المحسنين)
هذه أبيات بسيطة أهديها لكم:
جزاك الله يا خير الشّبــاب ثوابًا وافرًا يوم الجــزاءِ
على جُهدكَ في توجيه نـشءٍ تُقيمه بالنّصيحةِ والبنـاءِ
تقوم على شؤونه ساهـرًا في حُبورٍ وابتهاج وانتشــاءِ
على سَنَنِ الشّريعةِ والقُـرانِ تُحيطُهُ بالرّعايةِ والنّمــاءِ
فسِرْ لا تنثَنِي ضَجَرًا على ما ينالُكَ في طريقِك من عناءِ
فلا تنسَ احتسابَ الأجرِ عندَ كريمٍ، لا يُضاهَى في العطاءِ
تذكّرْ في جهادِكَ ما القُـرانُ أعدّ لِمن يُجاهدُ من هُداءِ
حليفُك نَصْرُ ربّ العزّ، وعْدٌ إليك، فلا تُفرّطْ في الفداءِ
وفٌقكم الله إلى ما يحبّه ويرضاهُ، دمتم في رعاية الله وحفظه، والسّلام عليكم ورحمة الله.
الجزائر يوم السّبت: 27 من ربيع الثّاني 1429هـ / 03 من أفريل 2008م
أخوكم: محمد بن قاسم ناصر بوحجام
ملاحظة:
- كانت زيارتنا إلى مدينة خنشلة، للمشاركة في ملتقى الأوراس الأوّل، الذي نظّمته جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، شعبة خنشلة, وهو ملتقى وطني. كنّا ثلاثة: الدّكاترة المحمّدون: محمد بن موسى بابا عمّي، محمد صالح حمدي، محمد بن قاسم ناصر بوحجام.
- كلمة ( سر ) التي وردت في البيت المذكور، هي من كلام الشّيخ إبراهيم بيّوض، خاطب بها تلميذه الشّيخ حمو بن عمر فخّار. فيريده أن يسير، لا أن ينام؛ ليواصل المسيرة والنّهضة. كما ينتظر منكم أيّها الشّباب الرّاشد النّاهض، فاسمعوا وعوا.