ديوان الشاعر صالح بن إبراهيم باجو
من أعظم ما يحفظ تاريخَ الإنسان ما كتبت يداه، ففيه صورة نفسه وسجل عقله وفكره، وبيان معتقده ومشاعره. ومن هنا كان التراث الفكري أصدق ما خلف الأولون، وأنفس ما وجد الآخرون.
وقد يكون التراث نثرًا على عادة أغلب المؤلفين، كما قد يكون شعرًا يكشف عن مكنون النفس الدفين.
وبين يدينا هذا الديوان الشعري لوالدنا المنعم بإذن الله، مربّي الأجيال، صالح بن إبراهيم باجو، سِجلّ حافل ضمّ خطواته وخطراته، وآماله وآلامه، فهو صورة لمسار حياته، وكشّاف جلي لمشاعره وأنفاسه، وصورة صادقة لنفسه وطموحاته. وعليه، فلا يجوز أن يعدّ مجرد قصائد يحتجزها أهل الشعر لتقرأ بعيون الأدب، بل هو وثائق تاريخية توزن بميزان الذهب، وسيرة حياة وصفحات جهاد، ومبادئ وإيمان وأنفاس وزفرات، صاغها الوالد في وزن عروضي مألوف، ولكنها من عمق روحه وقلبه الملهوف، فقد قضى عمره حاملا لرسالة التَّربية وبناء الأجيال، مرابطا في معهد الحياة العامر، ينشّئ على قيم الإيمان والفضائل أبناء المسلمين على امتداد نصف قرن من الزمان، ما توانى فيه وما تقهقر، وما تأفف ولا تذمّر. بل ظل بلبلا صدّاحا، يرسل روحه في ألحانه وأشعاره، ويصوغها بصوته النَّدي وأوتاره. وقد منحه الله رقة صوت كانت سندًا له في رسالته التربوية بنغماته الندية وألحانه الشجية.
وهذا الديوان في الحقيقة شهادة مسيرة عمر حافل، ورسالة مؤمن صادق، ودعوة مرشد ناصح، فضلا عن كونه مرآة مجلوة تكشف عن هموم الفؤاد، وترسم آمال المرء في الحياة.
في ثنايا قصائد الديوان صورة الشاعر وما يحمله من أفكار ومشاعر، أرسلها عفو الخاطر منذ يفاعة عمره، وظل يرسم خطاه بشعره، ويوقّع ألحانه بصوته، فجاءت سجلاّ صادقا لمسيرة ميمونة، ورحلة حافلة امتدت خمسا وثمانين سنة من عمره المبارك.
وكانت أولى خطواته في مضمار الشعر في بواكير عمره الدراسي وهو لا يعدو المرحلة المتوسطة (الإعدادية) تلميذا بمدرسة الإصلاح بغرداية، ثم فتًى شابا في رحاب معهد الحياة، ثم بلبلا صداحا في رحاب الزيتونة بتونس، في خمسينيات القرن الماضي، وقد قضى بها سبعًا شدادًا، محكوما عليه بغربة قسرية، صحبة ثلة من رفاقه أبناء البعثة العلمية المزابية بالخضراء، حين أغلقت فرنسا الحدود على أبناء الجزائر، فلبثوا ضيوفًا احتضنتهم تونس الشقيقة حتى أشرق فجر الاستقلال على جزائرنا الغالية. ونهلوا من الزيتونة وأعلامها علمًا وافرًا، أهّلهم لتولّي مناصب قيادية في جزائر الاستقلال، في مختلف ميادين التعليم والإدارة والقضاء، والسياسة والتجارة أيضا.
وكانت سنوات تونس هي سنوات ثورة التحرير الكبرى، عاش والدي أحداثها ساعة بساعة، وتفاعل معها بشعر يفجِّر نارًا ويرسل شواظًا على المستعمر الغشوم. حتى أكرم الله جزائرنا بفجر الحرية العظيم بعد ليل الاستعمار البئيس البهيم.
وعاد الطائر إلى عشه ليقضي ديون الوطن، فرابط في ثغر التعليم بمعهده الغالي، معهد الحياة الذي أنشده نشيده الخالد «يا معهدي».
وقد دفعه الوفاء لمهد شبابه ولفضل شيوخه أن استجاب دعوة إمامه الشيخ إبراهيم بيوض بالرباط في المعهد، رغم عروض مغرية وافته من جهات عديدة لتولي مناصب رفيعة في القضاء والتعليم العام، إذ عاد من تونس متوّجا بثلاث شهادات جامعية في ثلاثة تخصصات: هي الأدب والشريعة والقانون. فلم تغره الشهادة ولا المناصب، وآثر الرباط في ثغر الجهاد رغم المتاعب، وقضى العمر في حصن التعليم مربيًا، وبلسان الشعر معبرًا، وبلحن الإخلاص منشدًا. حتى دعاه الـمنادي إلى دار البقاء، فأسلم الروح راضيًا مرضيًا بما سجل وما قدم، وما بنى للأمة وما علّم.
وتمضي اليوم قرابة عشر سنوات على أفول بدره، وسكون لحنه، فما خفَت ذكره ولا نُسي فضله، فهؤلاء طلبته، وقد تخرجوا في معهد الحياة، وغدوا رسل خير في طول البلاد وعرضها، وهؤلاء رفاقه في رحاب المعهد وفي مؤسسات المجتمع، منهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر، وهؤلاء محبو فنه ومَن تأوّد طربًا لألحانه؛ وقد كان ملء الأسماع والأبصار في الأعراس والمناسبات، وهؤلاء وهؤلاء، كلهم يرددون مجمعين: رحم الله الشيخ باجو، لقد كان وحيد نسجه، إخلاصًا وتواضعًا وصدقًا، وظرفًا وأدبًا وفناّ.
وتلك بعض بشائر المرء في الدنيا من شهادات المعاشرين، عسى أن يجعلها الله له لسان صدق في الآخرين.
لقد غاب شخص الشيخ باجو عن المشهد الثقافي، وظل تراثه الشعري كنزًا ينتظر الكشف والنشر حتى يضيف لصاحبه مزيد الذكر والأجر.
والحقيقة أن الأمل كان يرادني منذ حياة الوالد في خدمة هذا التاريخ وفاء وبرًّا وعرفانا بالجميل. استجابة لرغبة الوالد نفسه، إذ كان يحدّث نفسه مرارًا عديدة بأمل إخراج ديوانه إلى الوجود.
فاجتهدت لهذا الهدف القريب البعيد، وسعيت لذلك بعض السعي، حتى يسّر الله أن يرى والدي بعينيه باكورة هذه الخدمة في حياته، فتمّ نشر جزء من الديوان بعنوان «لبيك يا وطني»، تضمن قصائده التي واكب بها ثورة التحرير، مع مجموعة من قصائد في فضل العلم والعلماء. فكان لهذا النتاج أثر بالغ في نفسه، وزودني بدعوات خير صادقة، رأيت بركاتها في كل منعرج وضائقة، وفي كثير من المحطات الفارقة.
وظل الأمل يراودني لاستكمال الـمُهمة، فلبث العمل يسير وئيدًا لأمد قصير، ثم يتعثر زمنًا طويلاً يمتد لسنوات فضلاً عن الشهور، وتم بحمد الله حصر كل ما خطته يداه من شعر، وقد جمع معظمه في محفوظات أوراقه ودفاتره، بيد أنه لم يكن مرتبًا ولا منسقًا، فبعضه مرقون بالآلة الراقنة، وكان الوالد فيها فارسا لا يجارى، وتضمن ذلك معظم قصائد الثورة الجزائرية حين كان طالبا بالزيتونة بتونس. ومنها نصيب موفور مرقون بالحاسوب من قبل تلامذته وأبنائه، ونصيب آخر من مخطوط يده، في دفاتر قديمة وفي أوراق محفوظة وبعضه في قصاصات صغيرة، كما تعدد هذا الكشكول في أحجامه، سواء أكان قصائد مطولة، أم مقطوعات قصيرة أم أبياتا مفردة. فكان الحصاد وفيرًا، واجتمعت فيه أغراض الشعر العديدة، واجتهدت في التصنيف والترتيب. وتركت العمل يختمر بلا أجل وحدّ. وكنت أتحيّن سوانح الزمن لضبط هذه القصائد، وما وقع فيها من خلل عروضي بسبب خطإ النَّقل أحيانًا، إذ وجدت عددًا معتبرًا من القصائد قد تولّى رقنها بعض الشباب من أبناء الأسرة ومن الطلبة؛ إما بطلب من الوالد أو بمبادرات شخصية حرصًا على حفظها، وكانت في مجملها مرتجلة ووليدة مناسبات آنية، يخشى عليها من الضياع.
كما كان مستوى خط الشاعر في أخريات أيامه غير مريح للقراءة، رغم جمال خطه أيام شبابه. وهو ما تشهد به دفاتره الدراسية وبحوثه المحفوظة بعناية فائقة، ثم تقهقر رسمه حين قلّت كتابته مع ضعف البصر وتقدم العمر، وتلك سنة الله في خلقه.
وبعد تفكير في طريقة ترتيب هذه القصائد والمقطوعات، استقرّ رأيي أن أسير بصورة عفوية، وأتركها على سجية الوالد في ألوان المناسبات، وتفاديت الترتيب التاريخي، وكذلك الترتيب الألفبائي حسب قوافي القصائد؛ إذ رأيت أن ذلك يفقدها كثيرا من ارتباطها بالمناسبة التي قيلت فيها. واكتفيت بضم ما تناسب منها في محور واحد، وهو ما تكشف عنه عناوين القصائد في فهرس المحتويات.
وقد كانت فكرة جمع الديوان كما أسلفت مشروعا حاضرا في نفس والدي، يمنّي النفس بتحققه يومًا، فجمع قصائده في ملفات متعددة الألوان، وجعل لكل لون دلالة، فكان:
الملف الأبيض للتَّهاني والأفراح.
والملف الأخضر للطبيعة والذكريات.
والملف الوردي للغزل والأشواق.
والملف الأحمر للثورة الجزائرية.
والملف الأسود للأحداث والمناسبات الأليمة.
... وقد احتفظت ببعض هذه الأسامي تذكيرًا برمزية هذه الألوان.
واستمر العمل يخف ويقوى، حسب الشواغل والعوائق، بيد أنه كنور الشمس تحجبه السحب ثم تنقشع، حتى أذن الله بتمامه بعد طول مسير، ولا بد من صنعاء وإن طال السفر.
ثم حانت فرصة سفر إلى مومباي في بلاد الهند في صائفة هذا العام. امتدت شهرا كاملا، فكانت فرصة انقطاع عن زحمة الأعمال العلمية والضغوط الاجتماعية، فيسّر الله إتمام التصويب، والمراجعة الشاملة لكل هذا النتاج، والاجتهاد في ترتيبه حسب صورته الحالية، وهي لا تقارب الكمال ولكنها تحاوله.
وأخيرا جاءت مناسبة الذكرى المئوية لمعهد الحياة لتكون فرصة يرى فيها هذا الديوان النور، وفاء لمعهد الحياة الذي قضى فيه الوالد رحلة الحياة.
وعسى أن يكون في هذا بعضُ الوفاء لمن منح الأمة والوطن ذوب فكره وعصارة عمره، وتغنّى بقيمه وأمجاده، وأنشد الروائع في حب الأوطان، وحفظ جلائل الأعمال بخوالد الأشعار، وبدائع الألحان.
ولا يفوتني التنبيه إلى أن خصوصيات عديد من الأحداث في الديوان، وتصويرها لمناسبات ووقائع شخصية مفردة، لا تمنع رؤيتها من منظور أشمل، حين يتناولها الدارس للظواهر الاجتماعية والعلاقات الإنسانية، وأخلاق المربي، وما في ذلك من أبعاد حضارية لا تخفى على لبيب، فإن تجليات القيم لا تظهر في سماء التنظير، بل تمحص حين تنزل إلى واقع الناس وتمسك بزمام الأفراد في منظومة رفيعة تسمو بهم إلى أفق سام من المشاعر، وتبسط عليهم ظلالا وارفة من الأنس والسعادة والحبور لا يغني عنها ما يملك الناس من الذهب والقصور.
وفي هذه الأشعار فضاء رحيب، لمن له اهتمام بالبحث والتنقيب، ودراسة هذا النتاج برؤية مؤرخ مستكشف، أو عين أديب أو فنان مرهف، أو ما سوى ذلك من المناظير والعيون، ففيه زوايا عديدة، تنطلق من الشعر بكل أبعاده الفنية والموضوعية، وتعرّج على الجوانب الفكرية والنفسية، وعلى الأحداث التاريخية والقضايا الاجتماعية، ولكل ميدان أهله وأدواته. وعسى أن تثمر هذه الدراسات ما يثري المكتبة الجزائرية في نواحيها الأدبية والفكرية والاجتماعية والتاريخية والوطنية.
ولا أقول عن هذا الشعر ما قاله أحد المغرورين:
أنام ملء جفوني عن شواردها ويسهر الناس جرّاها ويختصم.
فشعرك -أبتاه- لا يسهر الناس جراه ولا يثير الخصام، بل يقصده الحيارى فيجدون في رحابه نسائم الألفة والوئام، ويظللهم بجناح المحبة والسلام.
فاهنأ والدي بذكرك خالدا لا يغيب، وببدرك ساطعا لا يدركه الغروب، ولا غرو؛ فقد تغنيت بالوحدة منذ بواكير شعرك، وظل نشيدك الأوحد حتى أسلمت الروح للواحد الأحد. فرحمك الله أبانا في الخالدين. وسلام عليك يوم ولدت ويوم رحلت، ولا تزال حاضرا رغم السنين.
وقد علمتنا قولة الحكيم:
ما عاش من عاش مذموما خصائله ولم يمت من يكن بالخير مذكورا.
ابنك مصطفى
مومباي، الهند. الخميس 5 ذي الحجة 1445هـ \ 13 جوان 2024م.