عبد الرحمن بن رستم ابن بهرام بن كسرى
(حكم: 160هـ -171هـ / 777-788م)

علم من أكبر أعلام الإباضية، أطبقت شهرته الآفاق، أوتي الذكاء والطموح والإصرار، فكان عظيما من عظماء التاريخ. اعتبره الدكتور سهيل زكَّار من بين «مائة أوائل» في التاريخ والتراث الإسلامي.

ولد بالعراق في العقد الأوَّل من القرن الثاني الهجريِّ على أكبر تقدير. ويرجع في نسبه إلى الأكاسرة ملوك الفرس، فهم أجداده، إلاَّ أنَّ بعض المؤرِّخين يعيدون نسبه إلى اللذارقة، ملوك الأندلس قبل الإسلام، والمهمُّ أنه في كلتا الحالين سليل بيت الملوك قبل الإسلام.

من العراق، سافر به أبوه وأمه إلى الحجاز، لأداء فريضة الحجِّ، إلاَّ أنَّ الأب وافاه أجله، وترك يتيمًا وأرملة، ثُمَّ تزوَّجت الأرملة برجل مغربيٍّ أخذها وابنها اليتيم إلى القيروان.

وفي مدينة القيروان - أوَّل مدينة إسلامية عربية بالمغرب - نشأ عبد الرحمن، وتعلَّم مبادئ العلوم، ثمَّ صادف نشر الدعوة الإباضية في تلك الربوع، فتعلَّق بها، ونصحه أحد الدعاة بالسفر إلى المشرق إن أراد الاستزادة من تعاليم المذهب الإباضيِّ.

فانتقل عبد الرحمن - رفقة حملة العلم - إلى البصرة سنة 135هـ / 752م، وقضوا خمس سنين في مدرسة أبي عبيدة مسلم ابن أبي كريمة؛ ثمَّ عادوا إلى المغرب لمواصلة جهود الدعاة وإقامة إمامة الظهور، متى سمحت لهم الفرصة، واستأنسوا من أنفسهم القوَّة.

ميز أبو عبيدة تلميذة عبد الرحمن بقوله: «إِفتِ بما سمعتَ منِّي وما لم تسمع»، فأجاز له ما لم يُجز لأقرانه الآخرين، لمزيد ذكائه وسعة علمه.

قال عنه أحد معاصريه: «لا أعلم من يُخرج مسائل دماء أهل القبلة في زماننا هذا غير عبد الرحمن ابن رستم بالمغرب».

عيِّن واليًا وقاضيًا على القيروان في دولة أبي الخطَّاب عبد الأعلى ابن السمح المعافري (140-145هـ/757-762م)، بعد أن افتكَّها هذا الإمام من يد ورفجومة الصفرية التي عاثت فيها فسادًا، وولايته على القيروان هي من أولى مسؤولياته السياسية.

وقاد ابن رستم جيشًا يتكوَّن من إباضية القيروان وقابس وضواحيهما، لمساندة الإمام أبي الخطَّاب في معركة تاورغا 144هـ، إلاَّ أنه فوجئ بخبر انهزام الإمام قبل أن يصل إليه، فولَّى راجعًا إلى قابس والقيروان التي دخلها خائفًا يترقَّب، وقد تغيَّرت عليه، وهناك قرَّر الفرار بنفسه نحو المغرب الأوسط، بعيدًا عن نفوذ العباسيين المباشر، وفي خطواته نحو المغرب الأوسط خطوات لإقامة الدولة الرستمية، التي سوف ترفع مقامه إلى مقيمي الدول ومنشئي الحضارات.

وفي منطقة تيهرت - بالغرب الجزائري حاليًّا - اعتصم عبد الرحمن بجبل يعرف بجبل سُوفَجَّج، هو وجماعته الذين اتبعوه فرارًا من محمَّد بن الأشعث الخزاعي قائد جيوش العباسيين الموجَّهة إلى المغرب.

ولمَّا وجدت هذه الفئة المكان الحصين قرَّرت بناء مدينة تأويهم، وتأوي مذهبهم وطموحاتهم، فأسسوا مدينة «تيهرت» - «تاهرت»، «تيارت» -؛ فاختير عبد الرحمن بن رستم إماماً لأوَّل دولة إسلامية مستقلَّة بالمغرب الأوسط، عرفت في التاريخ باسم «الدولة الرستمية» نسبة إلى والد عبد الرحمن، كما جرت العادة في تسمية الدول الإسلامية في العصور الوسطى بأسماء آباء المؤسِّسين.

وهكذا حقَّق عبد الرحمن للإباضية عام 160هـ/777م ما كان يطمح إليه أيمة المذهب، منذ عبد الله بن وهب الراسبي، وما كان يطمح إليه هو منذ صغره، بعد أن تحمَّل مختلف المتاعب. فتسارع الإباضية نحوه مساندين للدولة الناشئة، مباركين للإمام والإمامة. وصفه ابن الصغير - مؤرِّخ الدولة الرستمية - قائلاً: «فسار بهم بسيرة حميدة، أوَّلهم وآخرهم، ولم ينقموا عليه في أحكامه حكمًا، ولا في سيره سيرة؛ وسارت بذلك الركبان إلى كلِّ البلدان... وقوي الضعيف، وانتعش الفقير، حسنت أحوالهم، وخافهم جميع من اتصل به خبرهم، وأمنوا مِمَّن كان يغزوهم من عدوِّهم، ورأوا أنهم قادرون على غيرهم، ومن كانوا يخافون أن يغزوهم...»

ولم يكتف عبد الرحمن بتأسيس الدولة ونشر المذهب، بل اشتغل بالتأليف، فترك كتابين: أحدهما في تفسير كتاب الله العزيز، ولكنه لم يصلنا، والثاني: يذكره أبو يعقوب يوسف الوارجلاني، اطَّلع عليه جمعت فيه خطبه.

وبما أنَّ عبد الرحمن أحد حملة العلم الخمسة إلى المغرب، فهو من العلماء الذين جازت عليهم سلسلة نسب الدين، إذ أخذ علمه عن أبي عبيدة، وعنه أخذ خلق كثير، منهم: ابنه عبد الوهَّاب، وبعض أعضاء مجلس السبعة الذين رشَّحهم للإمامة من بعده، وجعل الأمر شورى بينهم اقتداء بفعل عمر بن الخطَّاب t.

كان عهد عبد الرحمن عهد استقرار وبناء، نظَّم فيه إدارة الدولة، وبسط العدل، ووزَّع الأموال، فذهب محمود السيرة مشكور الإمامة، من الأقدمين والمحدثين.

وتوفِّي رحمه الله سنة 171هـ/787م.

المصادر:

*ابن الصغير: أخبار، 18، 20، 25، 39 *الرقيق القيرواني: تاريخ إفريقية، 99 *أبو زكرياء: السيرة، 1/58-60، 75-77 *الدرجيني: طبقات، 2/290 ابن عذاري: البيان المغرب، 1/84، 88-89 *الوسياني: سير (مخ) 1/96، 102 ؛ 2/157 *ابن خلدون: العبر، 6/239-240 *الشماخي: السير، 1/124-125، 139-167 *بحَّاز: الدولة الرستمية، 92 وما بعدها *بحَّاز: عبد الرحمن بن رستم، كلُّه *ابن مداد: سيرة، 6، 69 *القطب: الرسالة الشافية، 69، 88-101، 107، 109، 124 *الباروني سليمان: الأزهار الرياضية، 83، 84، 94-96، 98، 101 *الباروني سليمان: مختصر تاريخ، 37-38 *الكعَّاك: موجز التاريخ، 169، 185 *علي معمر: الإباضيَّة في موكب، 4/56، 129 *الزركلي: الأعلام، 4/78 *دائرة المعارف الإسلامية، 10/92 وما بعدها *رجب محمَّد: الإباضية في مصر، 106-109 *جودت عبد الكريم: العلاقات الخارجية، 27، 30، 32، 62، 63، 107 *رابح بونار: المغرب العربي، 36 *الحريري: الدولة الرستمية، 19، 73، 74 *عمار طالبي: آراء الخوارج، 2/289 *اندري برنياي وآخرون: الجزائر بين الماضي والحاضر، 92 *المجذوب: الصراع المذهبي، 16، 108، 109 *المدني أحمد: كتاب الجزائر، 20 *دبوز: تاريخ المغرب، 2/244 ؛ 3/243-301، 651 *الجعبيري: علاقة عمان، 15-26 *سالم بن يعقوب: تاريخ جربة، 62-63 *السيابي: طلقات المعهد، 55 *جهلان عدُّون: الفكر السياسي، 42، 44، 46 *محمَّد ناصر: الإباضية تاريخًا وفكرًا، 1/55-58 *محمَّد ناصر: منهج الدعوة، 153-156 ألفرد بل: الفرق الإسلاميَّة في الشمال الإفريقي، 147 وما بعدها *حسن علي حسن: أخبار الأيمة الرستميين لابن الصغير دراسة وعرض * زامباور: معجم الأنساب والأسرات *مزهودي: جبل نفوسة منذ الفتح الإسلامي (مر) 18-44 *السيِّد عبد العزيز سالم: المغرب الكبير، العصر الإسلامي *شفارتز فرنز (الدكتور): أوائل الإباضيَّة بالمغرب، مساهمة فرقة إسلامية في نشر الإسلام (باللغة الألمانية) *سهيل زكار: مائة أوائل، 67-70 *جمعية التراث: الملفات الصحفية، الوثائق: 6033، 6175، 6260، 6787، 6798 *عبد الرحمن بكلِّي: تاريخ الرستميِّين، جريدة وادي ميزاب اليقظانية، ع. 6، 8، 16 في نوفمبر 1926م، جانفي 1927م صخر: برنامج التاريخ الإسلامي، في قرص مدمج (CD ROM)، مادَّة: الدولة الرستمية.
*Bourouba: La vie intelectuelle, 6-16 *Lewicki: L'etat nord africain, 514 *Negre: La fin de l'etat, 17 *Gouvion: Monographie du M'zab, 69, 84 *Zerouki: L'imamat de Tahert, 18, 120 *Cuperly: Introduction à l'étude, 48 *Cuperly: Le M'zab et le pays de chaamba, 56, 69.