أدواء وأدوية:
لم ينشغل مالك بن نبي طوال حياته بقضية غير قضية الأمة الإسلامية، فانكب على تاريخها يدرسه، وعلى حاضرها يلاحظه ويتأمله، وعلى مستقبلها يرسم معالمه، وقد خرج من الدرس العميق لذلك التاريخ، والرصد الدقيق لهذا الحاضر بمعرفة جملة من الأمراض الحضارية التي أقعدت الأمة، وانتزعت منها القيادة، وأفقدتها السيادة، وصيّرتها ذيلا بعد أن كانت رأسًا، ومن هذه الأمراض: التكديس، الشيئية، الذّرية، اللافعالية، ذهان السهولة، ذهان الاستحالة، الأفكار الميتة، الأفكار القاتلة، القابلية للاستعمار وغيرها.
وكان كلما اكتشف مرضا نبّه إليه، وحذّر من أضراره، ووضّح آثاره.

لم يكتف الأستاذ مالك بن نبي بالتعريف بتلك الأمراض والتحذير من أخطارها، ولكنه اجتهد في وصف الأدوية الشافية منها، والسبل الواقية منها، وما هذه الأدوية إلا تلك الكتب القيّمة التي سلكها في عنوان عام هو "مشكلات الحضارة"، فقد وضع للمسلمين "شروط النهضة"، ووضّح لهم "الوِجهة"، ونبّههم إلى "مشكلة الثقافة"، وفتح أعينهم على "الصراع الفكري"، واقترح عليهم فكرة "كومنولث إسلامي"، وحذّرهم من "إنتاج المستشرقين وأثره على الفكر الإسلامي"، وشرح لهم "مشكلات الأفكار"، وبيّن "مكانة المسلم في عالم الاقتصاد"، وحدد "دور المسلم ورسالته ..."، وكان قد استفتح بالذي هو خير "الظاهرة القرآنية"، وهي كنز المسلمين الذي لا ينفذ، ودواؤهم الشافي لما في الصدور، ومغير ما بأنفسهم، ومعيدهم سيرتهم الأولى.
إهمال ... واهتمام:
 يُلاحظ بمزيد من الأسف أن المسؤولين في العالم الإسلامي، لم يُلقوا أسماعهم، ولم يفتحوا أعينهم وعقولهم لأفكار مالك بن نبي، ليستعينوا بها في فهم مشكلات شعوبهم، ويستفيدوا منها في حل تلك المشكلات.
 ويختلف سبب ذلك الإعراض من مسؤول إلى آخر، فمنهم من يعرض عنها لأن الاستعمار قد حال بينه وبين قلبه، فتحسبهم أحياء وهم أموات، ومنهم من أضله الله على علم، فأخلد إلى الأرض، وأتبعه الشيطان فكان من الغاوين.
 ومما يبعث الأمل في النفوس أن كثيرا من علماء المسلمين ومفكريهم، يعطون أفكار الرجل ما تستحقه من اهتمام، وينزلون صاحبها المنزلة الطيبة، ويعترفون بدوره المتميز في تجديد الفكر الإسلامي الحديث موضوعا ومنهاجا.
 ونسجل بكل ارتياح أن عددا هاما من الطلاب المسلمين انكبوا –وما يزالون- على دراسة فكر مالك بن نبي، وتحليل آرائه، وشرح نظرياته، وأعدوا في ذلك كله رسائل علمية قيّمة في مختلف الجامعات وشتى التخصصات حتى أصبحت "مدرسة ابن نبي" أمرا واقعا في العالم الإسلامي من أقصى مغربه إلى أقصى مشرقه.
 ولا يفوتنا أن نشير إلى أن الدوائر الأجنبية ومخابرها الفكرية، التي ترصد، بكل يقظة وجدية، منظومة الأفكار في العالم الإسلامي، وتميز جليلها من حقيرها، وغثّها من سمينها، وأصيلها من دخيلها، وصحيحها من سقيمها، هذه الدوائر تعرف جيدا قيمة أفكار مالك بن نبي، وتدرك أنه من أكثر المسلمين فهما لأساليبها، واستيعابا لأهدافها، ومعرفة بمناهجها، ولذلك فهي تحرص أشد الحرص، وتعمل بشتى الوسائل –البشرية والمادية- على إبعاد أفكاره عن المجتمعات الإسلامية، والحيلولة دون تطبيقها.
 آن لفارس الفكر الأصيل، وفقيه الحضارة أن ترجع نفسه إلى ربها، بعد أن أدّى صاحبها الأمانة ونصح الأمة، وهداها إلى "الرشاد" وأنذرها من "التيه"، فانتقل إلى جوار ربه يوم 4 شوال 1393 هـ (31 أكتوبر 1973 م). جع الله اسمه للخلود وروحه للخلد.

المصدر: محمد الهادي الحسني، أشعة الشروق، ط1: دار الأمة - الجزائر، 2005، ص 16-18. صدر المقال في: 30 أكتوبر 2001.

 

 

اسم الكاتب