ملتقى البعثات العلميّة المزابيّة إلى تونس

بعون من الله وتوفيقه تمّ إقامة الملتقى الوطني الموسوم:

النّشاط الفكري والثّقافي للطّلبة الجزائريّين بتونس (1900م – 1962م) طلبة البعثات العلميّة المزابيّة نموذجا.

من تنظيم مخبر الموسوعة الجزائريّة الميسّرة (جامعة باتنة 1) وجمعيّة التّراث (ولاية غرداية)

يومي الأربعاء والخميس: 21 و22 جمادى الأولى 1447هـ/ 12 و13 نوفمبر 2025 م.

 

احتوى الملتقى على محاضرات وشهادات قيّمة عن هذه البعثات العلميّة، ومعرض للكتب، من إصدارات جمعيّة التّراث، ومعرض للصّور والوثائق، من إعداد أحد طلبة البعثة البيّوضيّة الأستاذ إبراهم بن باعلي، ابن يامي، بالتّنسيق مع الأستاذ يوسف بن يحي الواهج، عضو مكتب جمعيّة التّراث..

قدّمت في الملتقى أكثر من خمسة وعشرين بحثا وقصيدة للأستاذ الدّكتور مصطفى بن صالح باجو.. عنوانها: " تحيّة الأوراس في ملتقى البعثات العلميّة " مطلعها: 

 

يا فتيةً  في سبيل الخُلْدِ  مَا   صَنَعُوا

 

أَشَاوِسٌ مِن لِبانِ العِزِّ قَدْ رَضَعُوا

سَمَوا بِنَا صُعُدً ا لِلشَّمْسِ،  رَائِدُهُمْ

 

أَمَاجِدٌ في سمَا  أوْطاننا  سَطَعُوا

عَلَى ذُرَى مَعْقِلِ  الأَورَاسِ مَنصُوبَةٌ

 

خِيَامُهُمْ، تَزدَهِي ونعم ما صنعوا

 

المشاركون كانوا من ستّ جامعات جزائريّة، هي: باتنة (1) ووادي سوف وغرداية والمسيلة والمديّة وجامعة الجزائر (2) .. وجمعيّة التّراث ومعهد عمّي سعيد بغرداية...

تناولت المحاضرات جوانب عديدة من نشاط طلبة البعثات العلميّة المزابيّة: علميّا، فكريّا، ثقافيّا، أدبيّا، اجتماعيّا، تربويّا، سياسيّا... تطرّقت لنشاط الطّلبة المدرسي، وفي مقرّات إقاماتهم، وفي الأوساط التّونسيّة المختلفة. كما كشفت عن التّلاحم الكبير بين الطّلبة والمحيط التّونسي في مختلف المستويات، والمشاركة في الحياة التونسيّة؛ قصدَ الاستفادة والإفادة، والتّكوّن والتّعلّم والتّثقّف.. وكذا الإسهام في حركيّة العمل والنّشاط مع رجال الوطن والثّورة الجزائريّة، من أجل خدمة القضيّة الجزائريّة.. في هذا المجال أبرز المحاضرون التّفاعل الكبير الذي أبداه طلبة البعثات مع القضيّة الجزائريّة؛ لإيمانهم بها وشعورهم بواجبهم نحوها، وقناعتهم أنّهم لم يسافروا إلى تونس ولم يغادروا أرض وطنهم إلاّ ليتعلّموا ويبنوا أنفسهم  بالعلم والمعرفة والاستفادة من الخبرات التي يلتقون بها في البيئة التّونسيّة..

أبرز المشاركون كلّ ذلك بالأقوال والأعمال والمواقف والمشاهد.. قدّموا صورة جيّدة عن حقيقة هذه البعثات، وضمّنوها إعجابهم بها ّوتقديرهم لها، وطلب الاستفادة منها في بناء نفوس الطّلبة البناء الصّحيح والتّكوين القويّ..

البعثات العلميّة المزابيّة إلى تونس صنفان، صنف حمل اسم البعثات العلميّة اليقظانيّة، نسبة إلى إبراهيم أبي اليقظان المشرف عليها، والتي بدأت سنة 1333هـ/ 1914م؛ بعثةً أولى. عُمِّرت عشرة أشهر. ثمّ كوّنت بعثةٌ ثانيّة سنة 1917م، التي انتقل أفرادها إلى تونس في دفعات، ورجعوا إلى الجزائر فرادى وجماعات إلى سنة 1936م.

صنف حمل اسم البعثات العلميّة البيّوضيّة، نسبة إلى إبراهيم بيّوض، وهم خرّيجو معهد الشّباب (معهد الحياة) الذي أسّسه هو.. بدأت من سنة 1942م، دامت إلى استقلال الجزائر عام 1962م.

اختتم الملتقى بتوصيات مهمّة في خدمة موضوع البعثات العلميّة الجزائريّة إلى  تونس، ثمّ الرّجوع إلى أرض.. نرجو أن تتجسّد في مشروعات كبيرة وجادّة؛ ليكون للملتقى جدواه وفائدته والمبرّر لشدّ الرّحال إلى معقل الثّورة الجزائريّة (باتنة الأوراس الأشمّ) لإقامة المؤتمر والإنفاق فيه؛ جهدا ووقتا ومالا وتجنيد رجال...

ملاحظات:

  • كانت الأجواء رائعة يومَي الملتقى؛ بالتقاء الأصدقاء والرّفقاء، في روح عالية من المودّة والصّفاء والأخوّة، واسترجاع ذكريّات الزّمن الجميل، والتّعارف بين الذين التقوا ببعضهم لأوّل مرّة وإقامة صداقات جديدة؛ انطلاقا من ميادين العلم والثّقافة وخدمة التّراث، وصولا إلى تطوير الفعل الثّقافي والتّعاون فيه بقوّة وباستمرار..

  • قدّمت شهادات مهمّة وانطباعات قيّمة عن سيرورة البعثات العلميّة المزابيّة؛ لتحمل في طيّاتها رسائلَ لمزيد الكشف عن أعمالها وأدوارها في تاريخ الجزائر المعاصر ونهضتها المباركة، ثمّ الإفادة منها في تكوين النّابتة والنّاشئة تكوينا حسنا، ينبني على قواعد سليمة، ويكون مشدودًا إلى أهداف نبيلة، منضبطا بنظام محكم في التّدبير والتّسيير والتّوجيه، كما كانت عليه البعثات العلميّة المزابيّة.

  • تميَّز اليومان الدّراسيّان بتفاعل كبير مع ما قُدِّم وبما جرى، وبمناقشات جادّة وعميقة، واستفسارات موضوعيّة عمّا كان غامضا فيما باح به المحاضرون والمعقّبون.

  • تسجيل المشاركين - محاضرين ومعقّبين - إعجابهم بالنّظام والتّخطيط والتّنظيم وكلّ ما قام به المسؤولون في إعداد البعثات العلميّة والإشراف عليها وتسييرها وتوجيهها ومرافقتها..؛ لذا اختير أن تكون طلبة البعثات العلميّة المزابيّة نموذجا للمُبتَعَثين لطلب العلم في تونس، أملا أن يعودوا إلى وطنهم رجالا أكفاء يخدمونه ويسهمون في بنائه بناء قويّا.

  • تقدير المشاركين في الملتقى وتثمينهم لأدوار خرّيجي هذه البعثات في نهضة الجزائر الحديثة وبنائها في مختلف الميادين والمستويات والأصعدة...

  • كان المشاركون جادّين في إعداد بحوثهم، وكانوا أمناء في نقل الحقائق، ملتزمين بشروط البحث العلمي.. إلّا بعض معلومات لم تكن دقيقة في تقديمها، وبعضها لم يكن مَنْ نقلها موفّقا في عرضها؛ بما سلّط عليها من تأويلات غير مناسبة،  أو محاولة تقديمها بعيدا عن ملابساتها وظروفها، أو في غياب الفهم الحقيقي لطبيعة البيئة التي انتقل منها طلبة البعثات العلميّة ومسؤوليها، وغيرها من العوامل المؤثّرة في وعي حقيقة البعثات العلميّة المزابيّة، والأسباب التي دفعت إلى انتقالها إلى تونس، وطبيعة أنشطتها والأهداف المسطّرة لها لتحقيق ما ابْتُعِثَتْ من أجله. لهذا يجب إعداد مخطّط كبير وشامل ودقيق.. لدراسة موضوع البعثات العلميّة المزابيّة إلى تونس بخاصّة، ثمّ إلى خارج الجزائر بعامّة.

  • الإقبال الكبير على معرض الكتاب، واقتناء إصدارات جمعيّة التّراث,

شارك في هذا الملتقى المهمّ من أعضاء جمعيّة التّراث الإخوة: الدّكاترة: إبراهيم بن بكير بحاز، مصطفى بن صالح باجو، يحي بن بهون الحاج امحمد (رئيس اللّجنة العلميّة للملتقى)، محمد بن قاسم ناصر بوحجام، الأستاذ يوسف بن يحي الواهج، يوسف بن أحمد حمدي بابه، وسليمان بن حمّو أبو العلا.. كلّ واحد منهم أدّى دوره أحسن أداء..

هذا الملتقى هو تنفيذ اتّفاق التّعاون الثّقافي، الذي وقّع بين مخبر الموسوعة الجزائريّة الميسّرة بجامعة باتنة وجمعيّة التّراث بولاية غرداية .. بعد أيّام قليلة - إن شاء الله - يقام ملتقى عن الأستاذ الدّكتور محمد ابن صالح ناصر – رحمه الله – بالشّراكة بين المؤسّستين في جامعة باتنة.

قام مسؤولو مخبر الموسوعة الجزائريّة الميسّرة بلفتة لطيفة معبّرة، تمثّلت في تكريم الدّكتور محمد بن قاسم ناصر بوحجام، والدّكتور يحي بن بهون الحاج امحمد، وإبراهيم بن باعلي، ابن يامي. وجمعيّة  التّراث. 

ممّا يجب التّنويه به إقامةُ جلسة ودّيّة أخويّة يوم الثّلاثاء ليلا بعد تناول العشاء في دار إقامتنا المسمّاة (المشروع) التّابع لجماعة باتنة المضيافة، التي تحمّلت كلّ تكاليف الإقامة؛ مبيتا وإطعاما وسهرا على تقديم الخدمات الضّروريّة وغير الضّروريّة للمشاركين في المؤتمر .. جزاهم الله خيرا، وأثاب الرّجال الذين ضحّوا لخدمتهم وسهروا على راحتهم، وكذا النّساء اللّائي شاركن في هذا الجهاد بما هو من مَهمّتهنّ، من دون أن ننسى رجالَ مخبر الموسوعة الجزائر يّة الميسّرة ونساءَها، فالجميع أدّى دوره كاملا غير منقوص.. بارك الله في الجميع ومن شارك بقوّة في إنجاح الملتقى ..

الجلسةُ المشار ُ إليها جاءت عفويّة مع الشّاي المنعنع والمكسّرات والحلويّات، ممزوجة بالنّكت والطّرف، ومحفوفة ومفروشة بالبسط والبهجة والطّلاقة .. تضمّنت البحث في كيفيّة استثمار هذا الحدث الجميل المهمّ: " عقد ملتقى البعثات العلميّة المزابيّة إلى تونس) في خطوات عمليّة لفائدة الموضوع.. كانت النّقطة الرّئيسة هي معالجة أرشيف طلبة هذه البعثات.

بعد عرض مختلف وجهات النّظر فيه، وتقديم مجموعة من الآراء والتّداول فيها ومناقشتها وفحصها .. خلص الجميع إلى الآتي:

  1. قيام كلّ واحد من الحاضر ين بجمع هذا الأرشيف بما يمكن له. يبدأ بمن هو قريب له، ويتحمّل المسؤوليّة الكاملة في هذه المَهمّة.

  2. الاجتهاد بجدّ وعزم في البحث عن هذا الأرشيف.

  3. تعيين الأستاذ يوسف بن يحي الواهج ليتلقّى ما يرسله إليه الإخوة من الوثائق من هذا لأرشيف (بكلّ ما يتوفّر عليه صاحب الأرشيف من وثائق)، ويتعهّدون بالتّواصل معه باستمرار.

  4. يعقد لقاء بعد حين، أقصاه عام، لتقويم عمليّة البحث والجمع لهذا الأرشيف.

  5. بعد الحصول على هذا الأرشيف (أو جزء منه أو أكثره) يوضع مخطّط أو مشروع لمعالجته .. نسأل الله التّيسير.

حضر معنا في هذه الجلسة في السّهرة المثمرة بعض أعضاء جماعة باتنة وبعض التّجّار والشّباب .. نسأل الله القبول والتّوفيق لتنفيذ المشروع.

يوم الخميس ليلا كان لنا شرف حضور محاضرة الدّكتور سعيد بن يحي بهون علي، في افتتاح الأسبوعي التّربوي التّكويني السّنوي لمدرسة الفرقان في المسجد.  وقد خصّص لموضوع القراءة. وموضوع المحاضرة كان: عن " القراءة المفيدة ". فُرِضَتْ عليّ المشاركةُ بكلمة تعقيبيّة. ثم بعدها كان تكريم الدّكتور عبد الوهّاب بن محمد بن صالح حمدي؛ لحصوله على درجة الدّكتوراه مؤخّرا .. وموضوع أطروحته: " تنمية القيم الدّينيّة من خلال مادة التّربية الإسلاميّة لدى تلاميذ مرحلة التّعليم المتوسّط "، من كليّة العلوم الإنسانيّة والاجتماعيّة، جامعة باتنة (1). فقد نال الدّرجة بتقدير مشرّف جدّا. أيضا أُقحِمتُ للتّعليق على الحدث.  بعد أن قدّم عبد الوهّاب عرضا مختصرا عن أطروحته .. وكنّا خمسة (ممّن حضر الملتقى): إلياس بابا نجّار، الحاح أحمد بن داود معيز الحاج أحمد، يوسف حمدي بابه، سليمان أبو العلا، محمد ناصر بوحجام.

في اللّيل كان عشاؤنا وسهرتنا بحضور د. سعيد بهون علي وبعض الإخوة الكرام في منزل الأخوين الكريمين: عبد الرّحمن وسليمان ابني عمر بن حاجّو الحاج عيسى فخّار. بعد العشاء كانت لنا جلسة ترفيهيّة معرفيّة مبهجة.. تنوّعت بين التّعليق على الملتقى النّاجح والحمد لله، ومناقشة موضوعات متعدّدة، والتّأمّل في بعض الأحداث المستجدّة في السّاحة الوطنيّة والدّوليّة، وسرد شذرات تاريخيّة، وتناول موضوعات تخصّ الفكر الإباضي في ماضيه وحاضره.. وواجبنا نحوه.. تخلّل كلّ ذلك سرد نكت وعرض قصص مضحكة، ورواية نوادر الظّرفاء وصانعي المواقف المرفّهة والمشاهد المبهجة.. بهذه الجلسة يكون ختام الرّحلة إلى باتنة مرحا وترفيها وتخفيفا عن النّفّس ما حملت من أعباء وأثقال.. نسأل الله الحفظ والعون والمغفرة والتّوفيق والهداية والسّداد والرّشاد.

                                         الجزائر يوم السّبت: 24 جمادى الأولى  1447هـ

                                                                 15 نوفمبر            2025م

                                                              محمد بن قاسم ناصر بوحجام

                                                                    رئيس جمعيّة التّراث