(آيات الاستواء نموذجا)

ثالثا/ أبعاد تأويل الآيات
هذا وبعد أن تبيَّنّا رأي الشيخ في صفة الاستواء؛ وجدنا الشيخ لا يقف عند المعاني الحرفية للصفات، ولا يبغي بتأويلها ترفا فكريا ولا جدالاً مذهبيا أو انتصارًا لرأيه، بل كانت له أبعاد يصبو إلى تبليغها وخِلالٌ يهفو إلى ترجمتها، في تصورات الناس وتصرفاتهم، يمكن الإشارة إلى بعض منها:

1) الموضوعية واحترام الرأي الآخر:
لم نجد الشيخ يتعصب لرأيه، بل سجَّلنا له موقفا مُنصِفا من الرأي الآخر، وهو رأي أهل الأثر من السلفية، لأنهم ما راموا إلا تنـزيه الله تعالى، فهم الذين يُثبتون لله ما أثبت لنفسه من صفات من غير تكييف ولا تشبيه ولا تعطيل، وهم الذين رُوي عنهم في الاستواء، مقولة: «الاستواء معلوم والكيف مجهول» ، يقول الشيخ في إنصفاهم: «... فنحن لا نضلِّلهم ولا نتَّهِمهم أبدا بأنهم مُشبِّهة، فهذا ظلم. هذا وإننا لم نر عالما من علماء أهل السنة، أو من انشقَّ منهم -كالأشاعرة- لا ينـزِّه الله تعالى عن الأقطار والجهات، وعن الحدِّية والتصوير، والاستقرار في مكان، وهذا المُصَرَّح به في كتبهم، فهم يُنـزِّهون الخالق تنزيها عجيبا، ويفوضون الأمر إليه في هذه الأمور الغيبية، وهذا هو الواجب» .
2) الدلالة المعجمية وتنـزيه الخالق عن مشابهة الخلق:
لما كانت معرفة الإنسان بربه لا تتم إلا بمعرفة صفاته تعالى التي أخبر بها في كتبه وعلى ألسنة رسله، فكيف يمكن فهم تلك الصفات وإدراك معانيها إدراكا سليما من أوهام التشبيه والإشراك؟
لقد أولى الشيخ بيوض لهذه القضية المنهجية عناية كبيرة في تفسيره حيث وجدناه في مواضع عديدة يُبدئ ويُعيد في تنزيه الخالق -جل وعلا- عن مشابهة الخلق له؛ في صفاته العلا وأسمائه الحسنى، باعتباره قانونا عاما، وركيزة أساسية في فهم الأسماء والصفات عموما، كما ورد في قوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ (الشورى: 11)، وقوله: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُؤًا اَحَدٌ (الإخلاص)، وفي مقابل ذلك كان الشيخ يشير إلى نسبية الدلالة المعجمية التي تُعبِّر عن أوصاف الله تعالى مجازًا لا حقيقةً، لأنّ إدراك الإنسان مُقيّدٌ بالزمان والمكان، لكنّ خالق الإنسان والبيان لا يحدّه زمان ولا مكان، من هنا كانت رحمة الله بعباده إذ خاطبهم بما يفهمون، وعرّفَ نفسه بما يُقرِّب المعنى إلى مدارك أذهانهم، بقي عليهم استحضار مبدأ التنـزيه وهم يتعاملون مع تلك الصفات، فلا يجوز لهم قياس صفات الله الكاملة؛ بصفاتهم التي عرفوها بعقولهم، ومشاهداتهم الواقعية القاصرة.
يقول الشيخ بهذا الصدد: «نؤمن بأن الله تبارك وتعالى واحد في ذاته، وواحد في صفاته لا شريك له فيها وإن تشابهت الألفاظ؛ ففرْق بين سمع مخلوق وسمع الله، وبين بصره وبصر الله، فإذا أُضِيف السمع والبصر والقدرة والرحمة والإرادة لغير الله، كانت لها معان محدودة قاصرة، بخلاف صفات الله تبارك وتعالى، فهي كاملة الكمال المطلق، فالله قدير القدرة المطلقة، التي لا يعتريها عجز ولم يسبقها عجز ولا يأتي بعدها عجز ... أما المخلوق فإذا قال: أقدر على كذا، فهو يقدر على شيء ولا يقدر على شيء آخر، وقبل قدرته تلك كان عاجزا وبعد ذلك يكون العجز» .
ويقول في معنى الاستواء: ( وليس معنى الاستواء الجلوس، فتعالى الله عن الحلول في الأمكنة، إذ لا تحويه الأقطار والجهات، ليس بجسم مُصوَّر، ولا بجوهر مُقدَّر، وإنّما الاستواء هو الاستيلاء ) .
3) المقصد العملي والوظيفي للصفات:
 ما هو المطلوب من المسلم تجاه صفات الله تعالى؟ وما المقصد من ورودها في القرآن الكريم؟ أهو مجرد الخوض في معانيها ؟ أو البحث في مالا طائل وراءه من مسائل غيبية ميتافيزيقية ؟ أم هو تمثّل تلك الصفات في النّفس وترجمة ظِلالها سلوكًا وواقعًا في الحياة ؟
إن الاحتمال الأخير هو الذي راهن عليه الشيخ في مجالس تفسيره، واستوحاه من قراءته الطويلة للقرآن وبُعْد فقهه لمقاصده، حيث يرى أن الله تعالى، أراد بالإخبار عن صفاته في كتابه أن يركّز التصديق بعظمته وقوته وسلطانه وسائر صفاته في قلوب المؤمنين، الذين يجب عليهم استحضار تلك الصفات واستشعارها في كل حركاتهم وسكناتهم، وأن تظهر آثارها في استقامة سلوكهم وصلاح أعمالهم، فيُقدِّروا الله حق قدره، ويفردوه بالعبادة والطاعة، ويُؤْثروا رضاه على رضا غيره .
يقول الشيخ على أعقاب تفسيره لآية الاستواء على العرش في سورة السجدة: ( والله تعالى لِلُطفه بنا عبّر عن صفاته وأسمائه الحُسنى بألفاظٍ نعرفها، فنتصوَّر بها أشياء على قدر ما نؤمن به، ونتيقّن من قُوّته وجبروته، وعدله وسلطانه، حتى نتّبع أوامره ونتجنّب نواهيه ) .
وعند تفسر الشيخ لقوله تعالى: وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (لقمان: 30)، استخلص من اسميْ: العليّ والكبير؛ فائدتيْن يستفيدهما المؤمن سلوكا واقعيا في حياته عند تدبرهما، فقال: «الفائدة الأولى: أن يتصاغر الإنسان ولا يتعالى ولا يتكبّر على غيره، ويعلم أنه ضعيف مهما بدا له أنه قوي ... الفائدة الثانية: أن يعلم أن جميع المخلوقين ضعاف، وإن تعاظموا واستعْلَوْا وادَّعَوا السلطان، فسلطان الله أعظم، وكبرياءُه أكثر، فلا تُطِع مخلوقا في معصية الخالق» .
وبمناسبة قوله تعالى: وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَآءِ اللاَّتِي لاَ يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ اَنْ يَّضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتِم بِزِينَةٍ وَأَنْ يَّسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَّهُنَّ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (النور: 60)، بيّن الشيخ الحكمة من وصف الله نفسه بالسميع العليم في هذا المقام، إذ يتضمّن إشارة إلى أنه تعالى يعلم ما يتهامس به بعض الناس حين يُشاهدون سُفورًا وتبرُّجًا، بل رأى الشيخ أن أول ما يراد بقوله: "والله سميع عليم" حديث النفس، لأن الإنسان -رجلا كان أو امرأة- تُحدِّثه نفسه بخواطر، إذا رأى شيئا مما يثير مكامن الغريزة، فذلك الحديث وتلك الخواطر التي تجري في سُوَيْداء القلب، الله مُطَّلع عليها، يسمعها ويعلمها ، فإذا تدبر المؤمن هذا الوصف، واستشعره في وجدانه كل حين، لا محالة تَتعفَّف نفسه عن الحرام، وتستقيم حاله وسيرته.
وقد ذكر الدكتور عبد المجيد النجار في معرض حديثه عن الإيمان بالصفات، البعد الحقيقي لها فقال: «والإيمان الحقّ بصفات الله تعالى، هو ذلك الإيمان الذي يتعدَّى التّصديق الذهني بمدلول الصفة صحيحا شاملا، ليؤثر في النفس تأثيرا تصبح به منفعلة بذلك المدلول، متكيِّفة به في منازعها السُّلوكية، بحيث تُرى في أفعال المؤمن آثار ما يؤمن به من الصفات، فيكون لصفة العلم على سبيل المثال أثر في توخّي الصدق في السر والعلن ... ولصفة الرزق التَّعفّف عن كل ما فيه شبهة مذلَّة في طلب المعاش، إذ الله هو وحده الرزاق» .
       فلم تعد صفات الله تعالى ألفاظا تُردّد ولا أسماء تُحفظ فحسب، بل نهيب بمنابر الدعوة والمؤسسات التربوية تجديد المفاهيم حول الموضوع، وإحلال الأسماء والصفات - عموما - مكانتها اللائقة بها في أركان الإيمان، واتخاذها منطلقًا لتغيير ما بالأنفس  وإصلاح ما بالمجتمعات من أحوال وأوضاعٍ.

اسم الكاتب