سليمان بن عبد الله بن يحيى الباروني (باشا)
(و: 1287هـ / 1870م - ت: 23 ربيع الأول 1359هـ / 1940م)


فذٌّ من أفذاذ العلماء في العالم الإسلامي، وزعيم من زعماء النهضة العربية الإِسلاَمِيَّة الحديثة.

ولد بجادو في جبل نفوسة بليبيا من عائلة البارونيين المجيدة والبارزة في العلم والسياسة والحكم في طرابلس بليبيا... وجربة بتونس.

أخذ مبادئ العلوم عن أبيه الشيخ عبد الله الباروني (ت:1332هـ/1914م)، وفي سنة 1305هـ/1887م انتقل إلى جامع الزيتونة بتونس، ثمَّ في عام 1310ه/1892م انتقل إلى مصر حيث درس بالأزهر الشريف مدَّة ثلاث سنوات، فعاد إلى موطنه فأرسله أبوه سنة 1313هـ/1895م إلى ميزاب بالجزائر ليتخصَّص في العلوم الشَّرعِيَّة في معهد قطب الأيمة الشيخ اطفيش ببلدة يسجن، فاتَّخذ له دروسا خاصَّة في أبواب كبرى من عدَّة فنون، والتقى هناك بالعالميْن البارزيْن اللذيْن كان لهما بعد ذلك صيتٌ ذائعٌ على المستوى العالمي، وهما: الشيخان أبو إسحاق إبراهيم اطفيش نزيل مصر، والشيخ أبو اليقظان إبراهيم رائد الصحافة الجزائرية، وثلاثتهم تتلمذوا في معهد القطب الشيخ امحمَّد بن يوسف اطفيَّش، فكان ما أخذوه عنه كلّه بركة، وتشابهت حياتهم في تقلُّباتها ومراحلها، وأطوارها.

إنَّ حياة الشيخ الزعيم سليمان الباروني خضمٌّ من الأحداث وروافد الأعمال الجليلة يتبع بعضها بعضا، ويكاد الباحث لا يحصي جلائل أعماله، فضلا عن جلائل آثاره التي تعدَّدت وتنوَّعت فمن أعماله الكبرى:

· محاربته للاِستعمار الإيطالي محاربة لا هوادة فيها، فأذاقه الهزائم تلو الهزائم.

· عمله الدؤوب على وحدة أهالي ليبيا إباضية ومالكية، بربرًا وعربًا، لتكوين جيش إسلامي موحَّد يواجه غزو إيطاليا سنة 1329هـ/1911م.

· لمَّا عزمت تركيا على الاِستسلام في أواخر الحرب العالمية الأولى، أنشأ هو وبعض المجاهدين الجمهورية الطرابلسية ومجلسها الشوري عام 1337هـ/1918م، برئاسة مجلس شرعي منهم الباروني، وذكر أنه عيِّن رئيسا لهذه الجمهورية.

· مساعدة الحزب الدستوري التونسي مادِّيا ومعنوياً.

· مراسلاته السياسية، والإسلامية إلى رؤساء وملوك العالم، والهيئات العالمية ينصحها، ويوجِّهها، واعترفت له عصبة الأمم بآرائه السديدة.

· قضاؤه على العداوة المستحكمة بين الإمام الخليلي، والسلطان تيمور في عُمان.

· محاولته التقريب بين الملك السعودي عبد العزيز وشريف مكَّة سلطان الحجاز.

أمَّا المناصب التي تولاَّها خلال هذه الفترة والشعارات والنياشين التي وشِّح بها صدره نذكر مايلي:

· عضو مجلس المبعوثان باسطمبول تركيا.

· عضو مجلس الأعيان إلى الانقلاب التركي لأتاتورك.

· رئيس الجمهورية الليبية سنة 1313هـ/1918م، أو عضو مجلسها الشرعي.

· رئيس وزراء دولة عُمان، إذ عيَّنه إمام مسقط الرئيس الأعظم لهذه السلطنة.

· لقب باشا.

· قلَّده ملك الحجاز نيشان الاِستقلال الهاشمي.

· قلَّده سلطان عُمان نيشان الشرف السعدي.

هذه بعض أعماله السياسية، ومناصبه القيادية الريادية، وبدهي أن رجلاً بهذا المستوى، لا يحيى حياة هادئة مستقرَّة، فالباروني أضطُهد وأدخل السجن وحيكت ضدَّه المؤامرات، ورفضت دول استعمارية استقباله في أراضيها...

بعد إصدار العفو عنه من قِبل السلطان عبد الحميد (1258-1337هـ/1842-1918م)، بواسطة من شيخه اطفيش القطب سنة 1325هـ/1908م، قصد تونس ثمَّ مصر حيث واصل جهاده عن طريق المؤتمرات والنشر.

فمن أعماله الثقافية وآثاره الباقية، التي تعبر وحدها عن عبقرية هذا الرجل في مختلف ميادين الحياة: السياسية، والاِجتماعية، والثقافية، ما يلي:

· تأسيسه لجريدة «الأسد الإسلامي» في مصر، في سنة 1324هـ/1906م، وكان يطبعها في المطبعة البارونية فينالها «ما ينال الجرائد الوطنية الحرَّة من الإرهاق والتضييق والتعطيل، ولم يصدر منها إِلاَّ ثلاثة أعداد فقط»

· إنشاؤه جريدة «الباروني» باسطمبول مخصَّصة للقضية الليبية عام 1331هـ/1913م.

· نشره في جرائد كبرى مصرية وجزائرية، وخاصَّة في جرائد أبي اليقظان الوطنية، فله فيها مقالات نارية.

· تأسيسه لمطبعة الأزهار البارونية بالقاهرة سنة 1324هـ/1906م، وفيها طَبع جزءا هاما من التراث الإباضي من بينها كتاب الأزهار الرياضية.

· له كتاب «تعليقات على سلَّم العامَّة والمبتدئين»، و«سلَّم العامَّة...» من تأليف والده.

· له مؤلَّف في تاريخ أسرته، عنوانه: «مختصر تاريخ العائلة البارونية»، (مخ).

· وقد كان يحضِّر المادَّة العلمية لكتاب عنوانه: «تاريخ الحرب في طرابلس الغرب» غير أنه لم يتمَّه.

· ألَّف كتاب «الأزهار الرياضية، في أيمة وملوك الإباضية» جزءان، اِحترق الجزء الأوَّل، ولم يبق إلا الجزء الثاني الذي طُبع، وهو كتاب في تاريخ الدولة الرستمية بديع في زمانه.

· له ديوان شعر مطبوع سنة 1326هـ/1908م، فضلا عن أشعار متناثرة.

· إنشاؤه للمدرسة البارونية بسمائل بعُمان.

وعموماً كان كتوبا مداوما على تحرير المقالات والقصائد، والتآليف...

وكانت له حوارات ساخنة مع أمير البيان شكيب أرسلان، حول قضايا العالم الإسلامي في عصره، نشرت في الصحف العَرَبِيَّة آنذاك.

زار مختلف بقاع العالم العربي الإسلامي، واستقبله بعض ملوكه: كسلطان العثمانيين، وشريف مكَّة، وخديوي مصر، وسلطان عمان، وملك العراق...

وفي العراق عالج حمَّى الملاريا واستقرَّ به عاما، ثمَّ توجَّه إلى بُمْباي (Bombay) بالهند، وهو ابن الاثنتين والسبعين سنة للمداواة، ولكن المنية وافته في يوم 23 ربيع الأول 1359هـ/01 ماي 1940م فدفن فيها.

هذا السياسي الوطني والعالم العامل، والشاعر الأديب، والخطيب المصقع، والزعيم البطل، لم تبهره المناصب، ولم تزعزع عقيدته الأهواءُ، فقد وصف بأنه كان متخلِّقاً بأخلاق عالية، متدينِّا، معتزًّا بإسلامه وعروبته، وعثمانيته، شغوفا بالوحدة الإسلامية.

أقسم بالله ألاَّ يحلق شعر رأسه إلاَّ بعد تحرير بلده فمات، ولم يحلقه.

المصادر:

*أبو اليقظان: سليمان باشا الباروني، كلّه *أبو القاسم الباروني: حياة سليمان باشا، كلُّه *زعيمة بنت سليمان باشا: صفحات خالدة، كلُّه *حفَّار: السلاسل الذهبية (مخ) 46 *أبو اليقظان: ملحق السير (مخ) 2/249 *أبو اليقظان: نشأتي (مخ) 5-7، 27-28 *أبو اليقظان: أهدافي العليا (مخ) 17، 21، 23 *علي معمَّر: الإباضية في موكب التاريخ، 2/132؛ 4/332-334 *جبران محمَّد مسعود: سليمان الباروني وآثاره الأدبية، رسالة ماجستير بجامعة الفاتح 1982م (أشار عليها في مقاله) *ناصر محمَّد: أبو اليقظان وجهاد الكلمة، 186، 255 *دبوز: نهضة الجزائر، 1/380، 374؛ 2/11، 34 عز الدين إسماعيل وآخرون: سليمان الباروني المعلِّم المقاتل *ماسينيون وآخرون: وجهة الإسلام، 64 وما بعدها *الجعبيري: البعد الحضاري للعقيدة، 1/57 *ركيبي عبد الله: الشعر الديني، 97، 705 *خرفي صالح: من أعماق الصحراء، 51-52 *بحاز إبراهيم: الدولة الرستمية، 37-40 *أعوشت بكير: قطب الأيمة، 85 *النوري: نبذة، 1/327-330 *الكباوي عمرو مسعود : قطب الأيمة (مخ) 13-15 *أبو اليقظان: جريدة المغرب، عدد 12-1930؛ جريدة النور، عدد 21-1932، 62-1933؛ جريدة وادي ميزاب، عدد 4-1926، 7-1926 *زكري واسعيد: خطابان حول وفاة القطب، وزيارة الزعيم سليمان الباروني لميزاب، بخط يده، [جمادى الثانية 1332ه/أفريل 1914م]، منها نسخة بمكتبة إبراهيم أوزكري ببني يسجن، 4ص *جمعية التراث: دليل المخطوطات، فهرس آل يدر، 142؛ فهرس مكتبة القطب، مج.ج2.*جبران محمَّد مسعود: كتابات سليمان الباروني التاريخية، المجلَّة التاريخية المغاربية، ع67-68 (1992م) ص321-336 *جبران محمَّد مسعود: الشيخ عبد الله الباروني دراسة في أخباره وآثاره (1) المجلَّة التاريخية المغاربية، ع71-72 (1993م) ص349 *شريفي سعيد (الشيخ عدون): م.ن.ت.م (مخ).