إلى إخواني الطلبة
بقلم: محمد بن بكير الشيخ بالحاج(*)
طالب بكلية المنار المسائية، الحميز، الجزائر
بسم الله أبدأ كلامي...
وللحبيب المصطفى أُهدِي صلاتي مع سلامي...
وللملإ الكريم أُكنُّ احترامي، وأُسدي تحيَّتي مع إكرامي...
وبسؤال النبيِّ موسى ربه اقتدي، وبدعائه المتلوِّ أبتدي:
{رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وَيَسِّرْ لِيَ أَمْرِي وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي يَفْقَهُوا قَوْلِي} (سورة طه: 25-28).
الحمد لله الذي لمَّ شملنا على الطاعة، وأنعم علينا بمثل هذه الساعة...
فلقد أنار مجلسنا بالعلم رحمة، وكشف ظلمة الجهل عنا نعمة، فله الحمد والمنَّة...
أيها الأساتذة المحترمون، أيها الإخوة المُكرَمُون:
لا أذرُ الفرصة تفوتني، ولا المناسبة تضيع مني، لآخذ من وقتكم - بعد إذنكم - هذه اللحظات لتسمعوني، فإن لم تأذنوا لي فاحتملوني، فلستُ أحسنكم فتقدِّموني، ولا ألسَنَكُم فتفوضوني، ولا أعلمكم فتؤثروني، ولكنِّي أدناكم يقوم بذمتكم، والناطق باسمكم.
... فإن أعجبتكم مقالتي، وأحسنتُ التعبير عن فكرتي، فذاك، وإلا فلتعتبروا نيَّتي، فتُقِيلوا عثرتي، وتصفحوا عني هفوتي، وتتجاوزوا عن جرأتي...
إنَّ المناسبة لتوحي بكلمات ثلاث:
أوَّلُها: أذكر فيها أساتذتي بخير
وثانيها: أذكِّر بها إخواني بالأمر
والثالثة: تواصٍ بالحق وتواصٍ بالصبر.
أيها الأساتذة الأفاضل، إنِّي لأجدني عن الإفصاح من العاجزين، لولا أن تعذرون...
فلا أحمد إلا الله الذي يسَّر الأسباب، وهوَّن الصعاب، فانفتحت من الكلية الأبواب، ليتحقَّق بذلك ما كان في الخيال مثل السراب...
... أن نجلس إلى أساتذة كنا نراهم في السماء كواكبَ وأقمارًا
لا نحدث أنفسنا بلقياهم وسماعهم جهارًا
فهانحنُ أمامهم لتواضعهم تلاميذ صغارًا
زيَّنهم الحلم، وعظَّمهم العلم...
أخذوا على أنفسهم العهد فأدركوا وفاءه، وتحمَّلوا العبءَ فبلغوا به منتهاه...
فكان منهم المريضُ لا يختلق الأعذار.
والبعيد يواصل الأسفار.
والمشغولُ يحضر مرارا وتكرارا...
تولَّى الله عنا لهم الجزاء، وجعل منا الطلبة النجباء، لتقرَّ بنا أعينهم في البدء والانتهاء.
هذه أولى كلماتي...
أما الثانية فإليكم زملائي، أنتم الذين خُضتم هذه النِّعم وكل هذه الآلاء...
هؤلاء العلماء وأنتم المتعلمون. لا تكونوا غير ذلك أنكم ستهلكون.
إخوتي: إنِّي لأجد ريح التخاذل لولا أن تُفنِّدون...
مالي أرى بعضكم عن النِّعم مُعرضون، وعلى مرارة وذُلِّ التعلم لا يصبرون، بل حلاوة العلم لا يتذوَّقون، وعن طريقه يتنكبون، وجهد الأساتذة لا يُقدِّرون؟!
إني أمسك أذن كل مُنقطع أقرُصُها!...
أذكِّره بهذه النعمة عساه يَذكرُها، فيسمع نداء العقل يتَّبعه، لا يستكين للنفس يُطيعها... وأربأ بأي واحدٍ منكم أن يكون للكليَّة بانقطاعه سبَبَ فشَلِهَا، فيحمِلَ بذلك وِزرَهَا، ويبُوءَ بإِثمِها.
أيها الإخوة الكرام: لا أشكُّ في حبكم للعلم، وفي غيرتكم على كلِّيتكم، هذه التي رأت النور بكم، وعلى أيديكم.
فلنأخذ بأيدي بعضنا، نَشدُدْ أزرنا، ونُثبِّتْ أقدامنا، نواصل المسير إلى خير مصير...
أيها الزملاء الكرام: ها قد انقضت السنة الثانية، مرَّت الأيام وتلاحقت الشهور، وها قد أنهينا الامتحانات، وتحصلَّنا بعون الله على أحسن العلامات، وأعلى المعدلات، ولكن سؤالي عمَّا هو آت، هل انتهت الدراسة واقتصر التحصيل على ما فات؟ ننظر السنة القادمة نكرِّر العمل نفسه مرَّات ومرَّات، ثم تنقضي السنوات؟ وتنتهي السداسيات؟ لنقول حصلنا على العلم؟ هيهات ثم هيهات... إننا بذلك لم نزد على أن عاودنا أخطاء ارتكبناها زمن التحصيل الأوَّل، حين اتخذنا الدراسة مغرمًا، وحسبناها ملهاة... إننا نعوذ بالله أن نُلدَغ من جُحرٍ مرتين ومرَّات...
فلنأخذ للعلم أُهبَتَه، ولنعرف له حقَّه، سالكين طريقه، لا ننشغل عنه بما دونه إلى أن ننال رضا ربِّنا، ونسكن فسيح الجنات.
-------------
هوامش
(*) محمد بن بكير الشيخ بالحاج، من مواليد القرارة سنة 1962، تخرج من معهد الحياة، واشتغل بالتجارة وإدارة الأعمال، غير أن الحنين إلى الدرس والاستزادة من العلم ظل يلازمه أكثر من ربع قرن، إلى أن افتَتَح مركَّبُ المنار ب «الحميز» «كليةَ المنار المسائية» سنة 2006، فكان من منتسبيها ومن نجبائها. ألقى هذه الكلمات على إخوانه الطلبة في حفل نهاية السنة الدراسية الثانية (2006 - 2007).
نشر المقال في دورية الحياة، العدد: 11، 1428هـ/2007م، ص296-298.
الفئة