أ/ حميد أوجانة سليمان (ملالي)(*)

تمهيد:
لقد لُقِّب هذا العصر بعصر التربية والتعليم لأنَّه شهد نهضة عظيمة في هذا الميدان بالرغم من تقدُّم أساليب التربية والتعليم والطرق البيداغوجية، إلاَّ أن الكثير من المربين الصالحين المعاصرين لم يقتنعوا بهذه النهضة لأنَّهم اكتشفوا أنَّ المؤسسات التعليمية علَّمت ولم تُربِّ.. أخرجت وكوَّنت ”كمبيوترات“ تمشي على رجلين وليس نشأً صالحًا يُعتمد عليه في تعمير هذه الأرض واستغلال ما تعلَّمه لصالحه، ولصالح الإنسانية، فصاروا يبحثون عن أجدى الطرق للتربية، وتوصَّلوا أخيرًا إلى أنَّه يجب التفريق بين التعليم والتربية؛ فالتعليم هو إيصال المعلومات إلى عقل الطالب وتزويده بكمية منها واكتشافها أو ترسيخها بالطرق الحديثة المشوِّقة، وهذا ما تقوم به الوسائل التعليمية المختلفة إذاوجدت يدًا ماهرة وفكرًا وقَّادًا يستغلُّها لصالح المتعلِّم. أمَّا التربية فهي تطبيق فنٍّ دقيق، غايته الأساسية وربَّما الوحيدة «أن يُكوِّن من ولد اليوم رجل الغد، ويكيِّف جسم الناشئ وعقله وخُلُقه، حتى إذا كبر صار قادرًا على أن يُسعد نفسه بنفسه، وأن يمشي بها إلى الأمام دون دليل أو مرشد»(2)، وهذا ما أقرَّته الاتجاهات الحديثة في مفهوم التربية والتعليم، واختار الكثير من المربين المحدثين تبني كلمة ”التربية“ بمعناها السابق الذِّكر، وإضفائه على كلِّ ما يمتُّ بصِلة إلى التربية وإلى التعليم، سواء بالنسبة للوزارات أو المؤسسات أو الوسائل التعليمية كالأفلام وغيرها. وأنا بدوري اقتنعتُ بهذا المفهوم الحديث للتربية وصرتُ أبحث عمَّن يطبِّقه فاكتشفتُ -وأنا أعني ما أقول -اكتشفت أنَّ هدف التربية والتعليم بمعهد الحياة وبعض الأساليب التي يستعمها في تربية النشء الصالح تتماشى والنظريات الحديثة في التربية كما لمسنا كذلك في مؤسسيه وعلى رأسهم الشيخ إبراهيم بيوض رحمه الله، وفي مسانديه أمثال: الشيخ عدُّون حفظه الله، طرُقًا تربوية جديرة بالتنويه بها.

وتحاشيًا للإطالة، ونظرًا لاتِّساع مجال المقارنة بالتربية الحديثة، ركَّزتُ على الأسس التي يجب أن تُشيَّد عليها كلُّ مؤسَّسة تعليمية ناجحة؛ مثل الهدف الواضح، والموقع الملائم للمؤسسة، أو الإدارة الكفأة، والأساتذة الصالحون، والمنهج التربوي المرن، والوسائل التعليمية المختلفة، والوسائل الناجعة لتقييم وإصلاح الطلبة.
وأخيرًا أودُّ أن أشير إلى أنَّنا إذا اهتممنا بأسلوب التربية والتعليم في معهد الحياة، فهو اهتمام بأسلوب التربية والتعليم في الجزائر، لأنَّه فعلاً ساهم في نهضة الجزائر الحديثة برجاله الذين وصفهم بسَّام العسلي بقوله: «ولقد عرف عن الرجال الذين دفعهم معهد الحياة إلى الحياة العامة بإخلاصهم لدينهم ووطنهم، وكفاءتهم وصلاحهم وجهادهم المخلص، وعملهم ابتغاء مرضاة الله وحده، واشتهر عنهم في حرب التحرير”الثورة الجزائرية“ شجاعتهم وتضحيتهم؛ لقد نزلوا إلى الميدان العملي بحماسة كبيرة وحب للعمل شديد؛ إنَّها الرغبة في الجهاد في سبيل الله ! فسدُّوا أهم الثغور في الأمة، فكان منهم العزابة المثقفون الأكفاء، والمدرسون المخلصون الناجحون، والتجار الأمناء، والفلاحون الناشطون، ومنهم رؤساء البلديات الذين كانوا سورًا منيعًا للدين والوطن يردُّون عنه كيد الاستعمار، ويحمونه من شر الجامدين وفساد المفسدين. ومن تلاميذ المعهد من لم ينل من العلم شيئًا كثيرًا لضعف مواهبه، ولكنه نال قسطه من التربية كاملاً، فكان رجلاً صنديدًا في مجتمعه»(3).
وأعتبر تكليفي بهذا الموضوع تشريفًا لي، وذلك ــ أوَّلاً ــ كمحاولة لإبراز طريقة التربية الصالحة التي يتبناها معهد الحياة التي آن الأوان للتعريف بها ولو بعد نحو ثمانين سنة.
وثانيًا: كوسيلة لتقييم طريقتنا في التربية والتعليم بمعهد الحياة بعد هذه المسيرة الطويلة.
وكلُّ محاولة معرَّضة للفشل أو التوفيق، فإن فشلت فيكفيني أنِّي أرضيت ضميري، وأرجعتُ بعض الحقوق التي عليَّ لأساتذتي ومشايخي بمعهد الحياة؛ منهم من قضى نحبه رحمه الله، ومنهم من ينتظر أطال الله عمره ونفع به الأمَّة. كما أني رسمتُ طريقًا لمن يكمل المشوار في إبراز ما كمن عني في ميدان التربية والتعليم بهذه المؤسسة التعليمية العريقة والعظيمة، وإن وُفِّقت فذلك من فضل ربي.
موقع معهد الحياة:
من المعلوم أنَّ لموقع المؤسسة التربوية تأثيرًا كبيرًا في نفوس الطلبة، وللبيئة المحيطة به أثر بليغٌ في سلوكهم وفي دراستهم، لذلك ينصح علماء التربية الحديثة بأن تُبنى المؤسسات التعلمية وسط البيئة التي تؤثر في اختصاص الطلبة.
فالمعاهد الفلاحية مثلاً يجب أن تبنى وسط حقول وبساتين يُنشئها الطلبة بأنفسهم ويُطبقون فيها ما تعلَّموه نظريًّا، وهكذا بالنسبة للمعاهد العلمية بحيث يشاهد الطالب بحواسه ما استوعبه بفكره، وهذا ما أدَّى بمشايخنا إلى اختيار المساجد لتدريس المواد الدينية وإقامة دور العلم بجوارها كما وقع بالنسبة لمعهد الحياة.
يقول الشخ محمد علي دبوز رحمه الله: «معهد الحياة يعتني بالتربية الدينية والخلُقية كلَّ الاعتناء، ويتوسَّل في ذلك بكلِّ الوسائل، ويغرس الدين والخلق في تلاميذه بكلِّ الأسباب، ومن أهمِّها البيئة الدينية الصالحة التي يعيش فيها الطلبة. والمسجد بمعانيه ووقاره وما يشعر الطالب فيه، من أكبر الأسباب التي تقوِّي فيه الروح الدينية وتُعوِّده الذكر لله كلَّ حين، وتجعل طلبه للعلم لوجه الله الكريم، وإذا كان الدين المكين هو أساس كلِّ الأخلاق الفاضة الثابتة، فبيئة المسجد هي أقوى عاملٍ في خلق الدين في النفوس»(4).
وهذا تأييدًا لما قاله الشيخ بيوض عندما ألقى كلمة بمناسبة توسيع معهد الحياة وهو بجوار المسجد(5): «لقد آثرنا أن يكون معهدنا بجانب المسجد متَّصلاً به لينشأ أبناؤنا في جوٍّ ديني يصبغهم، في استطاعتنا أن ننشئ معهدًا فخمًا واسعًا في الضاحية الجميلة، ولكن هذا المعهد لا يكون له بعض الفوائد التربوية الكبرى التي هي لهذا المعهد الذي يملؤه المسجد بروحه. إنَّ بعض الناس الذين لا يعرفون، يحكمون بعيونهم لا بعقولهم وعلمهم، فيُؤثرون القشور الفارغة ويزرون بالسلف الصالح الذين اختاروا لمعاهدهم أن تكون بجوار المسجد، إنَّ أولئك الأغرار لا يعرفون شيئًا وإن ادَّعوا المعرفة».
وفعلاً هذا ما أثبته التاريخ وأظهرته الأيام بأن المسجد قد حافظ على كيان المعهد وأثَّر تأثيرًا كبيرًا في طلبته، والفضل الكبير يرجع إلى الهيئة التدريسية التي كان ينتقيها الشيخ بيوض ويكوِّنها ويغرس فيها من صفاته حتى تصبح جديرة بلقب ”الهيئة التدريسية الصالحة“. لنتعرَّف الآن على الأستاذ الصالح بمعهد الحياة.
الأستاذ الصالح:
من المعلوم أنَّ الكفاءة في التدريس ليست كلَّ شيءٍ خاصَّة في هذا العصر الذي كثر فيه حاملوا الشهادات وذوو الكفاءات، ولكن ما تتطلَّبه التربية الحديثة الآن هو الصلاح. يقول أحد المربين المحدثين الذي مارس التربية والتعليم بعد أن حاز على شهادات عليا في تخصُّصه هذا: «إنَّ المعلمين الصالحين في جميع الأقطار العربية هم الأقليَّة بين أفراد الهيئة التعليمية لا الأكثرية كما يخيَّل إلى بعضنا، وهذه حقيقة جارحة بل مؤلمة، وهذه الحقيقة لمستها بنفسي خلال خدمتي في حقل التربية والتعليم ـــ الرسمي والخاص ـــ مدَّة طويلة، أمَّا أسباب هذا التدهور في كفاءات المعلمين فعديدة، ولعلَّ في طليعة تلك الأسباب أنَّ المسؤولين في وزارات المعارف وإدارات المعاهد العلمية لا يشدِّدون على شخصية المعلِّم عند انتقائه والتعاقد معه، فكأنَّهم بذلك ”يُعَيِّنون“ الشهادة لا حاملها».
وفي هذا الصدد يقول الشيخ محمد على دبوز(6): «كان الشيخ بيوض منذ افتتاح المعهد يتمنى له الاتساع وأن يكون فيه أساتذة كثيرون من أبنائه، وكان يبوح لخاصَّته وتلاميذه النبغاء بهذه الأمنية في كلِّ مناسبة، وكان يتمسَّك بالنبغاء والموهوبين من تلاميذه في المعهد، ويُعِينهم بكلِّ وسائله لينضجوا في العلم ويعطوا أنفسهم له، فيجعل منهم أعوانه وخلفاءه في المعهد، وقد حقَّق الله آمال الشيخ فنبغ من تلاميذه في العلم طائفة حملت الأثقال معه، وتولَّت التربية والتعليم في معهد الحياة».
إذن فالشيخ بيوض كان يلقِّن أساليب التربية الصالحة لتلاميذه نظريًّا وعلميًّا، بل عمليًّا أكثر، وهذا ما يصوره لنا الشيخ محمد علي دبوز(7): «كان الشيخ بيوض وثيق الصلة بتلاميذه، يقضي معهم معظم الوقت، وكان يحبُّهم ويأنس بهم، يتمنَّى ألاَّ يفارقوه، وإذا غاب أحدهم قلق لغيابه وسأل عنه، وكان يتنزَّل إلى مستواهم فيُشاركهم وجدانهم ويداعبهم ويرفِّه عنهم، ويعاملهم معاملة الأصدقاء المقرَّبين».
ويقول: «انظر إلى صفائه ونقاء صدره وشدَّة حبه لتلاميذه في قوله في إحدى توجيهاته: ”يسرُّني أن أرى بعضًا منكم رأس جماعات، ويتصدَّر المجالس ولم يظهر له شارب“، وفي قوله: ”أريد من كلِّ واحدٍ منكم أن يكون له أثر في المركز الذي يوجد فيه. لا أريد أبدًا أن يكون كمية مهملة تمرُّ الشهور والأعوام ولا يُحسُّ له أثر، ولا يُسمع له صوت، ولا يظهر له عمل“»(8).
بهذه التوجيهات النظرية، وبهذاالتكوين العملي يكون الشيخ بيوض قد وضع الأسس الصحيحة لتكوين الأستاذ الصالح الذي لا ينشده المعهد فقط بل الدولة العربية، بل المنصفون من رجال التربية الحديثة، يقول أحدهم في هذا الصدد: «أهمُّ ما يجب أن يتوفر في الكفاءات العلمية والمسلكية والخلقية، ولكن الناحية التي تشدد عليها التربية الحديثة وتفترض وجودها عند المعلِّم الصالح بجانب ثقافته العامَّة وتمكُّنه من مادَّته الدراسية هي فهمُه للجو الثقافي الذي تتم فيه جميع عمليات التربية والتعليم، والخصائص المسيِّرة للمجتمع الذي يعيش فيه تلاميذه، وعليه أن يكون قادرًا على فهم المشاكل الحديثة في ضوء الظروف التاريخية، وأن يتعرَّف على الطبيعة الراهنة لكثير من الشؤون التربوية».
وهذا ما ينطبق فعلا على الأساتذة الذين تداولوا على تحمُّل مسؤولية التربية والتعليم في معهد الحياة.
بعد ان تعرَّفنا على المدير وعلى الهيئة التدريسية، لنطَّلع على منهج التدريس بمعهد الحياة، وعلى أسلوب التدريس فيه.
البرامج الدراسية بمعهد الحياة:
إذا كان الهدف من إنشاء معهد الحياة هو تكويين رجال صالحين علماء فيجب أن تشمل برامج معهد الحياة ما يحقِّق هذا الهدف، وأن تختار له هيئة إدارية تسعى لجلب كل البرامج التي تطعِّم هذا الهدف النبيل وتصلح لخدمته، وفعلا هذا ما وقع بعد أن تسلَّم زمام الإدارة الشيخ بيوض ومسانده الشيخ عدُّون والشيخ أبو اليقظان، وغيرهم من الشباب الواعي، إذ أصبح المعهد لا يقتصر على العلوم العربية والدينية التي كانت تُدرَّس سابقًا، ولم يقتصر على الكتب التي يدرسها التلاميذ، بل انبرى أعضاء الإدارة آنذاك لوضع برامج جديدة ــ رغم المعارضين ــ وهذا ما توصي به التربية الحديثة: «يجب أن لا تبقى البرامج جامدة، وأن يتبع في تطوُّرها أسلوب المرونة والتدرُّج».
قارن معي هذه النظرية بما كتبه الشيخ أبو اليقظان رحمه الله عام 1925م في هذا الصدد، وهو آنذاك من الأعضاء الذين حرَّضوا على تطوير برامج معهد الحياة بل من واضعيها؛ يقول: «أمَّا بعد، فلمَّا كان التعليم في كافة الشعوب آخذًا في التدرج والارتقاء إلاَّ ميزاب، ولاسيما بلدة القرارة منه، فقد بقي على أسلوبه القديم القليل النتيجة، فكَّر بعض شبيبتها المخلصين في وضع نظام للتعليم جديد يكون مزيجًا من الأسلوبين القديم والحديث، ويكون مرحة انتقال إلى ما هو أكمل وأليق بالعصر. وقد اعتُبِر في وضعه أهمية العلوم في نظر الشعب ونفسية أهل البلدة، وحالتهم الأدبية والمادية».
ألا ترى معي أنَّ إدارة معهد الحياة قد سايرت النظريات الحديثة في وضع برامجها، ووضعت اللبنة الصحيحة التي تبنى عليها البرامج في المعهد بحيث يجب أن لا تبقى على جمودها، وأن تتطوَّر في إطار الأصالة.
أسلوب التدريس بمعهد الحياة:
فكما تطوَّرت البرامج تطوَّر كذلك أسلوب التدريس بمبادرة من الشيخ بيوض، إذ لم يقتصر على طريقة التسميع وعلى الطريقة الإلقائية التي كانت تطبَّق آنذاك في معهد شيخه الحاج عمر بن يحيى، بل جدَّد في طريقة التدريس كما وصف ذلك الشيخ محمد علي دبوز (9): «كان الشيخ بيوض لا يكتفي بالمعنى الظاهر للنص بل يستخرج معانيه العميقة ويَنقُده، فيبيِّن سبب حسنه أو ضعفه، فيعلم تلاميذه بهذا حسن النظر في الأدب والنقد الصحيح لنصوصه، وكان الشيخ يشرك تلاميذه في فهم النصوص ويستعمل عقولهم لترقى، وكان يسعى في دروسه إلى اتباع طرق المناقشة والاستنتاج وربط القديم بالجديد والانتهاء بخلاصة وبأسئلة، وكان غرضه من درس الأدب والعلوم العربية الأخرى هو ما يصرِّح به عندما يلتقي بنا: ”إنَّ غرضي الأسمى من تدريس الأدب والبلاغة والعلوم العربية الأخرى أن أُكوِّن عقولاً تفهم بلاغة القرآن والسنَّة، وأقلامًا ينصر بها الله دينه ويُصلح الله بها المجتمع“».
وكان الشيخ بيوض يُكثر من المطالعة ــ سواء الكتب أو الجرائد ــ حتَّى يطعِّم بها دروسه بما جدَّ من العلوم، وحتَّى يحبب دروسه لتلاميذه. وكان يوصي تلاميذه بهذه الوصايا(10): «إنَّ غرضي من هذه الدروس أن أُنشِئ عقولاً تفهم بلاغة القرآن ونفوسًا دارعة بعُدَّة الفصاحة والبلاغة. إنَّ جهادنا يستلزم هذه العُدَّة، وهذا لا يكون إلاَّ بعملكم أنتم ! ألا فاعملوا ! طالعوا دروسكم مرارًا قبل الدرس، وراجعوها مرارًا بعده، واعتمدوا على أنفسكم».
بهذا يكون الشيخ بيوض قد وافق أسلوب تدريسه أحدث النظرايات الحديثة، منها ما يقوله أحد علماء النفس والتربية المحدثين في ميدان التربية والتعليم(11): «... وقد كانت التربية القديمة تلقِّن الطالب معلومات وتحمله على كسب المهارات لأغراض لا يعلمها ولا يشعر بها ولا يهتمُّ لها، ولمَّا رأوا فتور همَّته وعدم اهتمامه حفَّزوه ببواعث مصطنعة كالجوائز والامتحانات تثير في نفسه دافع الخوف، وحتى في يومنا هذا لا يعرف أغلب الطلاَّب الغرض من دراستهم قواعد اللغة، وكثيرًا مـمَّا يقدَّم لهم في درس الرياضيات والعوم الطبيعية والاجتماعية، لذا يتعيَّن على المعلم أن يوضح للمتعلمين الأهداف القريبة والبعيدة التي ترمي إليها الدروس ويحددها لهم تفصيلاً، ويذكِّرهم بها إن نسوها أو غفلوا عنها».
ثم يقول(12): «ثبت بالتجربة أنَّ التعلُّم المقترن بالإرشاد أفضل بكثير من التعلُّم بدونه، بل إنَّ الرغبة في التعلُّم قد لا تؤدِّي إلى الغرض المنشود منها دون إرشاد، ذلك أنَّ المتعلِّم إن تُرك وشأنه فقد يصطنع طرقًا عقيمة أو خاطئة تحتاج إلى بذل كثير من الجهد والوقت».
وأمَّا بالنسبة للتهيئة للدرس، نجد الشيخ بيوض قد وافق ما ينصح به علماء التربية الأساتذة بقوله(13): «إنَّ إعداد الدروس ضروري جدًّا، لا ينبغي للمعلم الحكيم أن يعتمد على معلوماته التي حصل عليها في عهد دراسته، فإنَّه مهما كان عالمًا قد يغفل عن بعض النقاط، أو ينسى بعض المباحث وهو في أشدِّ الحاجة إليها».
ثم يستطرد في هذا الموضوع مبيِّنا الفصل القيِّم الذي كتبه الأستاذ ”أديبو“ في موضوع التحضير نلتقط منه ما يلي:
«تحضير الصفِّ يشمل عدَّة مستويات:
1 ــ تحضير غير مباشر يخلص من التربية المهنية العامة شأن كلِّ الاختصاصيين، على المعلِّم أن يظلَّ مطَّلعًا على كلِّ التيارات الفكرية والاختبارات والتحقيقات في النطاق التربوي، وهذا يتمُّ بواسطة المجلات، المؤتمرات، المحاضرات التربوية التي تعدُّها الوزارة والمؤسسات المختصَّة.
2 ــ تحضير مسبق يشمل الترتيب العام للعمل، وخاصَّة:
-انتقاء الكتب المدرسية.
-توزيع البرنامج شهرًا شهرًا.
ورغم تجديد الشيخ بيوض لأسلوب التدريس بمعهد الحياة لم ينس ولو مرَّة أن يقتح دروسه ويختمها بالدعاء إلى الله والتضرُّع إليه أن يفتح عليه وعلى تلاميذه كنوز حكمته وأبواب علمه، ويُفيض عليهم رحمته، ويُعيذهم من الشيطان الرجيم ووساوسه التي تشغل البال ويغيم بها العقل، وينالهم رضاه الذي يستلزم كلَّ الخيرات والبركات. كما يختم دروسه كذلك بدعاء ليبارك الله فيما تعلَّموه ويزيدهم من علمه ويحمد الله على ما أنعم به من نور العلم ونعمة المعرفة.
هذه الدعوات بالرغم من اعتبارها عند بعض المربين أنَّها أشياء تقليدية ”فلكلورية“ ولكنها تُعتبر في الحقيقة من الأشياء التي يعتمد عليها في التربية والتعليم، ذلك أنَّها تُشعر الطالب بأنَّه لا حول له ولا قوَّة إلاَّ بالله، وهذا يقوِّي فيه الثقة بنفسه بعد الثقة بالله، وتحيطه هذه الدعوات بجو نفسي صحِّي يمنعه من الاضطرابات ومن الأمراض العصبية، لأنَّها تُصفِّي نفسه من الإحن، ومركَّب النقص الذي كثيرًا ما يجبُّ نور العلم عن الطلبة. ثمَّ إنَّ التربية الحديثة تدعو إلى هذا، وهذا ما يصرِّح به أحد المربين(14): «ولكي تُصيب التربية هدفها الأساسي وهو تكوين الرجل الكامل، يجب أن تتعدى قوى الولد وميوله، وأن تنشِّط جسمه وتريِّضه، وأن تمرِّن حواسه وتنمي مواهبه العقلية، وتوقظ ضميره، وتصقل روحه، وتقوِّي إرادته، فالتربية العقلية والتربية الخلُقية والتربية الجسمية متَّصلة جميعها غير منفصلة، ولا يمكن أن تكون إلاَّ كذلك لأنَّ ”الحياة الإنسانية“ نفسها كالسلسلة متصلة الحلقات».
بهذا الأسلوب التربوي يكون الشيخ بيوض قد رسم قواعد التدريس بالمعهد لمن يأتي بعده من الأساتذة، وهو أن يطوِّروا في البرامج وفي أساليب التدريس لكن دائمًا ضمن إطار أهداف معهد الحياة، وأن لا يجمدوا على طريقة حتى لا يصيب الطلبة الملل ويهجروا المعهد، مثلما وقع لمعهد الشيخ الحاج عمر بن يحيى في عهده(15)، كما أنَّ الشيخ استعان كذلك بمسانديه في إدراة المعهد لتكوين الرجل الصالح فابتكروا وسائل أخرى سنراها فيما يلي.
الوسائل المعينة على التربية الصالحة بمعهد الحياة:
نظرًا لأنَّ معهد الحياة يسعى إلى إنشاء الرجل الصالح رجل الميدان، فقد أحاطه بجو يُعينه على بلورة شخصيته، ومنح له وسائل تعينه على تطبيق معلوماته وتحفِّزه على تفتيق ذهنه واتساع مداركه، وهذا ما يدعو إليه علماء التربية وعلم النفس المحدثون(16): «لقد أصبح المنهج الدراسي واسع المعنى مشتملاً على جميع أنواع النشاط التي يقوم التلاميذ بها، أو جميع الخبرات التي يمرون فيها تحت إشراف المدرسة وبتوجيه منها، سواء أكان ذلك داخل أبنية المدرسة أو خارجها».
ومن هذه الوسائل منها ما هو تلقائي، ومنها ما هو ابتكاري:
أمَّا الوسيلة التلقائية فهي جوُّ المعهد:
يعيش الطالب في معهد الحياة جوًّا نقيًّا مفعمًا بالصفاء والمحبة، يهيئه ليكون رجلا اجتماعيًّا صالحًا. يقول الشيخ محمد علي دبوز رحمه الله واصفًا هذا الجو ومحدِّثًا عن تأثير معهد الحياة في نفسه(17): «أشهد أنني نسيت جلَّ ما تعلَّمته من العلوم في معهد الحياة رغم إتقاني لها وحرصي عليها وشحِّي بها، ولكن التربية الخلقية والعقلية للمعهد وأثر الشيخ بيوض والشيخ عدون في نفسي، وأثر إخوان الصفاء وسعادتي بهم لا زالت غضَّة في نفسي كأنَّها بنت يومها، لم تستطع الأقطار الكثيرة الحبيبة التي تقلَّبت فيها وعاشرتُ أهلهم زمنًا طويلاً فأحبوني وأحببتهم، ولا الأساتذة الكثيرون الذين تتلمذتُ لهم في التعليم العالي، ومئات الطلبة الذين عاشرتهم في الدراسة لم يستطيعوا أن يُحدثوا في نفسي آثارًا تنسخ آثار المعهد، ولم أجد عند أولئك الأساتذة كلِّهم أستاذًا فيه قدرة الشيخ بيوض على التربية وعلى امتلاك قلب التلميذ حتى يكون أحبَّ إليه من نفسه وذويه، وذلك لتمامه في الصفاء وبلوغه في الأخلاق الحسنة والعشرة الطيبة، أعلى الذرى جزاه الله عنَّا خير الجزاء، وأبقاه الله لنا رمزًا للصفاء والوفاء».
أمَّا الوسائل الابتكارية فهي:
أ ـــ التفتح على الثقافات المختلفة:
وذلك باقتناء الكتب والجرائد والمجلاَّت، خاصَّة العربية منها، وتحريض الطلبة على مطالعتها، بل بُرمجت كوسيلة لتكوين الطلبة سياسيًّا واجتماعيًّا.
يقول الشيخ محمد علي دبوز في هذا الصدد(18): «كان الشيخ بيوض ينتقي لنا من المجلات والصحف المصرية والوطنية التي تصله في كلِّ أسبوع، المقالات السياسية والاجتماعية والأدبية، فيقرؤها علينا، فيشرح لنا ما غمض منها ويعلِّق عليها فيزيدها قوَّة وروعة وجلاءً في نفوسنا».
ثم يقول(19): «كان الشيخ بيوض أثناء قراءته وشرحه لما غمض منها، يبدي إعجابه بهؤلاء الكتاب والشعراء وبهذه المجلة ويحبب إلينا قراءتها ويخلق فينا الغرام بها، وقد نجح نجاحًا كبيرًا فأحببنا مجلة الرسالة ومجلة الثقافة، وإنَّ كتَّابها البارزين من أساتذتنا في الأدب».
وهذا ما يدعو إليه دستور جمعية التربية المتجددة التي تنتمي إليه أكثر من عشرين ألف مدرسة في أمريكا وأوروبا، كما لخَّصه الدكتور حبيب كوراني، والتربية المتجددة ترتكز في روحها وأساليبها إلى فلسفة (جون ديوى) ومما جاء في هذا الدستور(20):
«يجب على المدرسة المتجددة أن تُدخل الطالب في عالم الكتب والمخابر عن طريق العمل ومعالجة القضايا، لا عن طريق الذاكرة فحسب، فيعالج الطالب كتابًا أو كتُبًا للاهتداء إلى أفكار وحلول تعاونه على معالجة المشكلة التي بين يديه».
إنَّ المعلم هو قوام المدرسة المتجددة مرشد الطلبة لا حاكمهم.
ومن الوسائل التي ابتكرها معهد الحياة:
ب ـ جمعية الشباب:
يقول محمد علي دبوز(21): «معهد الحياة للتربية والتعليم وقد كان يؤمن منذ نشأته بأنَّ الاعتداد بالذاكرة وحدها في التعليم ـــ كما تفعل المعاهد العقيمة ـــ وحشو الذهن بالمعلومات التي لا يفهمها التلميذ، ولا تتأثر بها نفسه، شيءٌ عديم النفع لا يليق، وأنَّ تطبيق المعلومات سيما العربية منها لتصبح عادات في النفس وملكات في الذهن فرضٌ لازم على المعهد ولما كانت التمارين في اللسان والقلم، ولا يجد فيها اللسان بالأخصِّ المجال للتدرُّب على الفصاحة، عزم الشيخ عدُّون ناظر المعهد وكبار الطلبة فيه على إنشاء جمعية أدبية لتلاميذ المعهد تدرِّبهم على الفصاحة وتغرس في نفوسهم الإخاء والمحبة، وترقِّي عقولهم وتعلمهم التفكير والمناقشة والبحث والمناظرة، وتشرف على سير المعهد وتعمل لترقيته».
وجمعية الشباب لم تقتصر على هذا فقط؛ بل كانت وسيلة لتربية التلميذ تربية سياسية واجتماعية. إذ إنَّ الجمعيات كانت آنذاك محظورة من طرف الاستعمار الفرنسي، فيضطر المشرفون على جمعية الشباب إلى انتقاء الأعضاء الذين يكونون موضع الثقة، والذين يحافظون على كتمان السر، والذين يحافظون على عهدها، وعلى معهدهم.
وكانت الجمعية تربي التلاميذ على الشجاعة الأدبية وعلى النقد البنَّاء، وتدريب العقول على التفكير، والألسنة على الفصاحة، بإلقاء الخطب الارتجالية والكتابية والمحاضرات. كما كانت تدرِّب الكبار على الرئاسة، وكان ينتخب الرئيس من قِبل الأعضاء، كما ينتخب معينوه كذلك.
لم يقتصر نشاط جمعية الشباب على داخل المعهد بل تعداه إلى الخارج، أي إلى المجتمع، حيث شاركت في إحياء الأعياد الدينية والوطنية وحفلات الأعراس؛ إذ صار أعضاؤها يتبارون في إحيائها بالأناشيد التي يؤلِّفونها ويلحنونها، والمسرحيات الاجتماعية والتاريخية المفيدة التي يقوم بتمثيلها أعضاء الجمعية أنفسهم بصفة جماعية، ثم يعرضونها على أساتذتهم عند الانتهاء منها، وكثيرًا ما تكون من إنشاء بعض الأساتذة في المعهد.
ج ــ مجلة الشباب:
كما أنشئت جمعية الشباب لتدريب الألسنة، فكَّر أساتذة معهد الحياة في إنشاء وسيلة لتدريب الأقلام، فكانت مجلَّة الشباب الأسبوعية يكتب فيها تلاميذ المعهد كلَّ ما يحلو لهم من مقالات وقصائد وقصص بأسلوبهم الخاص، ويسعون لإبراز كفاءاتهم في هذا الميدان في جو من المنافسة البريئة.
د ــ جمعية كشافة الجنوب:
من وسائل معهد الحياة التربوية جمعية الكشافة التي أنشأها أساتذته لتربية التلاميذ تربية جسمية وعقلية وخلقية واجتماعية وهذه الجمعية انبثقت من الجمعية الرياضية التي نشأت ضمن جمعية الشباب الآنفة الذكر.
هـ ـــ البعثات العلمية داخل وخارج الوطن:
كان مؤسسو معهد الحياة وعلى رأسهم الشيخ بيوض يشرفون على البعثات العلمية التي أنشؤوها لصالح الطلبة الذين هاجروا لأجل العلم، ولإحاطتهم بجو يشجِّعهم على اقتناء المعرفة، وعلى تكوين أنفسهم تكوينًا خلقيًّا واجتماعيًّا يخوِّلهم ليكونوا رجالاً صالحين ينفعون أمَّتهم، ويختارون لها الرؤساء الأكفاء.
وفي الخلاصة نجد أنَّ كلَّ هذه الوسائل المبتكرة في التربية تتماشى وميزات التربية الحديثة التي يدعو إليها علماء التربية الحديثة، وهي:
1 ـــ الاهتمام بالطالب وبنموه الجسمي والعقلي والوجداني والاجتماعي.
2 ـــ احترام شخصية الطالب.
3 ـــ التعليم عن طريق اللعب والتجربة والممارسة.
4 ـــ التعليم عن طريق العمل والخبرة والشخصية.
5 ـــ خلق الجو الاجتماعي الصالح لنمو الطالب وتكامل شخصيته.
6 ـــ العناية بصحة العقل والجسم.
وسيلة التقييم بمعهد الحياة:
من المعلوم أنَّ الوسيلة المشهورة والمعروفة لمعرفة مدى تحصيل الطلبة هي الامتحانات، ولكن قضية الامتحانات ما زالت مستعصية لأنَّها ــ كما يقول محمد كزما)22( ـــ «قضية دقيقة ومعقَّدة أكثر مـمَّا يتصوره الكثيرون، وعلماء التربية والتعليم في أرقى بلاد العالم يبحثونها ويدرسونها منذ عشرات السنين. ومما ينبه إليه علماء التربية أثناء دراستهم لقضية الامتحانات هي جعل الاعتبار لما يلي:
1 ــ أساليب التعليم في المدارس (إذ أصبحت تعتني بالتعليم فقط ولا تولي الاهتمام للتربية) وهذا طبعًا يؤثر في طريقة إجراء الامتحانات.
2 ـــ انتقاء الفاحصين.
3 ـــ المواد الأساسية المعتمدة في الامتحان.
4 ـــ كيفية إعطاء العلامات.
5 ـــ الحؤول دون الحظ أن يلعب دوره.
6 ـــ إبعاد تأثير العاطفة».
ويقصد محمد كزما بهذا أنَّ هذه النواحي لا تُحظى بالعناية، وإن حظيت فلا تخلو من الانحياز، بحيث أصبح الامتحان في أكثر بلاد العالم يكاد يكون كورقة اليناصيب.
على كلٍّ لست بصدد البحث في هذا الموضوع ولكن أريد أن ألفت النظر إلى وسيلة كانت تُطبق في معهد الحياة لتقييم الطلبة ربَّما تفي بالمقصود من الامتحانات، وتنفي نوعًا من الغبن، كما تتماشى مع ما يسعى إليه علماء التربية الحديثة؛ إذ يقول أحدهم في هذا الصدد: «لم تعد مهمة المدرسة الحديثة تلقين المعلومات والإعداد للامتحانات بل تهيئة جو الصفِّ والمدرسة ومواقف المتعلم على نحو يكفل النمو السليم لشخصيات الطلاب في المراحل المختلفة، وتجنب ما يعطل هذا النمو، وتنمية العلاقات الإنسانية السليمة القائمة على التعاون وإيثار الغير، والتسامح والمودَّة، لأجل هذا تهتمُّ المدارس الحديثة بالمتعلمين قبل أن تهتم بمواد الدروس، أي تهتم بالأحياء قبل أن تهتم بالأشياء. فالطالب هو مركز الاهتمام ومن دوافعه وحاجاته المختلفة تبدأ عملية التعلم على أساس نشاطه الذاتي، ويتمشَّى مع هذا الاهتمام بالطالب مع مراعاة ما بين الطلاب من فوارق عقلية ومزاجية على قدر المستطاع»(23).
لنقارن هذه النظرية الحديثة بما وقع في معهد الحياة؛ قال أحد تلامذة معهد الحياة القدماء في موضوع الامتحانات وكيفية تقييم الطلبة(24): «لم تكن في معهد الحياة آنذاك امتحانات كما هي الآن، كانت العلوم تُتقن بالمطالعة والمراجعة المتكررة وبحفظ المتون، وكان نضوج الطالب في العلم يظهر بأعماله كلِّها في مدَّة طويلة، ثمَّ يُجيزه الشيخ بيوض وناظر المعهد وإدارته من كبار الطلبة هم الذين يرتبون التلاميذ في طبقاتهم (سنواتهم)، فإذا ختموا الكتاب في علم أذنوا للأقوياء الناجحين بالارتقاء إلى طبقة أعلى، وأمروا الضعفاء بإعادة الكتاب أو جزءٍ منه. إنَّهم يعرفون التلاميذ معرفة تامَّة، وترتيبهم عادلٌ رشيد لا يظلم أحدًا. وكانت إجازة الشيخ لا ينالها إلاَّ الأفذاذ الراسخون في العلم ذوو النضوج في العلم والصلاح في الخُلق. إنَّها أقوى وأدل على العلم من الشهادة المدرسية التي يسفر عنها الامتحان في معاهد هذا اليوم».
بهذه الطريقة نجد أن معهد الحياة قد ابتكر طريقة لا سبيل للغبن إليها، ذلك أنَّ مقياس النجاح واضح؛ وهو إتقان المقرر والسلوك الحسن، والنضوج في العلم، أمًّا الفاحصون والممتحِنون فهم مدير المعهد وناظره والأساتذة، وهؤلاء كلُّهم لا يجيزون للطالب أن ينتقل إلى طبقة أخرى إلاَّ إذا اتفقوا كلُّهم على ذلك، ولا دخل للعاطفة ولا للآراء الشخصية في تقييم الطالب، بهذا يكون المعهد قد نفى الأسباب التي هي مظنَّة الغبن للطالب.
وسائل الإصلاح في معهد الحياة:
نجد كلمة ”الإصلاح“ عوضًا عن كلمة العقاب أو الجزاء، وذلك لأنَّ علماء التربية اتفقوا على أنَّ الغاية من معاقبة الطالب هو إصلاحه؛ وهذا معقول، لأنَّه إذا لم يكن كذلك فإنَّه يصبح انتقامًا، وتحاشيًا لهذا حرَّم بعض المربين العقوبات البدنية في المؤسسات التربوية؛ يقول أحد المربين في هذا الصدد ما يلي: «من المعلوم أنَّ الحكمة العدلية تقاصص المذنب أو المجرم لتنتقم منه للهيئة الاجتماعية والقوانين الدولية أوَّلاً، ولتجعله عبرة وعظة لغيره كي لا يعمل مثله ثانيًا، أمَّا المدرسة فإنَّها تقاصص المذنب كي تُحسِّنه وتُصلحه، وقد تقاصصه أحيانًا ليعتبر به رفاقه».
وهذا ما يقصده معهد الحياة، وعندما يجازي المخطئ من الطلبة فهو يقصد قبل كلِّ شيءٍ إصلاحه، لكن بعد أن يحيطه بوسائل الوقاية. وفي هذا الموضوع كتب الشيخ محمد علي دبوز ما يلي(25):
«كان المعهد يعتني كلَّ الاعتناء بالتربية الخُلقية بالأساليب العملية؛ وكان يأخذ التلميذ على السلوك الحسن ويعوِّده بالعمل كلَّ الفضائل؛ لا يكتفي بدروس الأخلاق ــ فما تلك إلاَّ وسيلة متوسطة من وسائله الأخرى القوية ـــ كان المعهد يراقب طوية التلميذ، فإن رأى دغلاً أو حسدًا أو عصبية غسلها بوسائله. إنَّ الأخوَّة والصفاء وطهارة الداخل هي شعاره الأكبر. وكان يلاحظ سلوك التلمذ في الداخل والخارج، إنَّه يقضي جلَّ نهاره وجزءًا كبيرًا من ليله في المعهد تحت المراقبة التي يقوم بها أستاذ المعهد الشيخ بيوض، وناظر المعهد الشيخ عدُّون، والتلاميذ القدماء كلُّهم، وإذا كان في داره أو في الشارع فإنَّ أسرته والمدينة كلُّها تراقب وتبلِّغ المعهد عنه، وإذا انحرف تلميذ في سلوكه، يسارع المعهد إلى علاجه بالإقناع بالوسائل اللينة، وإذا لم يرتدع يُعقد له مجلس تأديب في المعهد يحضره كلُّ التلاميذ فيُلقي الشيخ بيوض درسًا مؤثرًا في ذنبه ويبيِّن له عواقبه الوخيمة، ويجعله يعتقد أنَّه أهل للعقاب، فيُجلد اذا استوجب الجلد. إنَّ هذه المجالس التأديبية، وهذا العقاب البدني لا يُستعمل إلاَّ قليلاً في معهد الحياة، فالشيخ بيوض والشيخ عدون يستعملان شخصيتهما وحبَّ الطلبة لهما في ردعهم إذا انحرفوا».
نستنتج مـمَّا قدَّمه الأستاذ محمد علي دبوز أنَّ معهد الحياة قد وُفِّق إلى أحسن وسيلة لإصلاح الطالب، وذلك بأن وافق ما ينصح به علماء التربية الحديثة اليوم في مسألة معاقبة الطلبة:
1 ـــ الغاية الأساسية من العقاب هي إصلاح الطالب.
2 ـــ الوسيلة الفعالة هي إحداث الألم في نفسه وليس في جسده.
3 ـــ وجوب تلاؤم العقاب مع نفسية الطالب واستعداده(26).
الخلاصة:
وفي الأخير نجد أنَّ معهد الحياة قد وُفِّق إلى أسس التربية الصالحة التي تتماشى والتربية الحديثة، وإذا وُفقت المؤسسة التربوية في تعليم وتربية وإصلاح طلبتها فقد حازت على النجاح، وإذا اتَّبعت في ذلك طريقة الأصالة والتفتُّح؛ لا إفراط ولا تفريط، كُتب لها الازدهار والثبات وطول العمر، وفي هذا يقول الشيخ محمد علي دبوز)27(:
«فما هو سبب ثبات معهد الحياة وازدهاره وهذه النتائج الباهرة منه؟
إنَّ سبب ذلك كلِّه هو إخلاص العمل لله؛ إنَّه قائم على العمل لله، وأُنشئ لأغراضٍ حسنة سامية، هي نصرة الدين وخدمة المسلمين، ولا زال هذا الهدف الأسمى هو غرضُه. لذلك يحفظه الله ويبارك في شبابه وازدهاره».
ـــــ آمين ـــــ

 


المراجع:
1ــــ د/ عبد اللطيف فؤاد إبراهيم: أسس المناهج، مكتبة مصر، 1962.
2 ــــ محمد كزما: التربية الحديثة. ط1. 1963.
3 ــــ د/ محمد عزت راجح: أصول علم النفس. مطبعة الشاعر. 1966.
4 ــــ محمد علي دبوز: نهضة الجزائر الحديثة وثورتها المباركة. ج3. ط1. 1969.
5 ــــ بسام العسلي: عبد الحميد بن باديس، قاعدة الثورة الجزائرية. دار النفائس. ط2. 1986.


---------------------------
الهوامش

*)- أستاذ ونائب مدير معهد الحياة، القرارة، الجزائر. [وهو حاليا مدير المعهد]
2)- محمَّد كزما: «التربية الحديثة»، ص: 38.
3)- بسام العسلي: عبد الحميد ابن باديس، ص:212، 213.
4)- محمد علي دبوز: نهضة الجزائر الحديثة وثورتها المباركة، ج 3، ص: 95.
5)- المصدر السابق، ص: 97.
6)- محمد علي دبوز: نهضة الجزائر الحديثة، ص:41.
7)- المصدر السابق، ص: 58.
8)- المصدر السابق، ص:209.
9)- محمد علي دبوز: نهضة الجزائر الحديثة. ج3. ص:67.
10)- المصدر السابق، ص: 28.
11)- د. عزت راجح: أصول علم النفس. ص:275.
12)- المصدر السابق، ص: 294.
13)- محمد كزما: التربية الحديثة. ص: 98.
14)- المصدر السابق، ص:39.
15)- انظر تفاصيل ذلك فيما كتبه الشيخ محمد علي دبوز في كتابه، نهضة الجزائر الحديثة، ج3، ص: 09 ــــ 12.
16)- د. عبد اللطيف فؤاد إبراهيم: أسس المناهج، ص: 19.
17)- محمد علي دبوز: نهضة الجزائر الحديثة، ج3، ص: 63.
18)- المصدر السابق، ص: 78.
19)- المصدر السابق، ص: 80.
20)- محمد كزما: التربية الحديثة، ص: 156.
21)- محمد علي دبوز: نهضة الجزائر الحديثة، ج 3. ص: 119.
22)- محمد كزما: التربية الحديثة، ص: 110، 111.
23)- د. أحمد عزت راجح: أصول علم النفس. ص: 631.
24)- محمد علي دبوز : نهضة الجزائر الحديثة، ج3. ص: 92.
25)- محمد علي دبوز: نهضة الجزائر الحديثة. ص: 130، 131.
26)- محمد كزما: التربية الحديثة، ص: 136.
27)- محمد علي دبوز: نهضة الجزائر الحديثة، ص: 232.

نُشر المقال بدورية الحياة، العدد: 08، الصادر في رمضان 1425هـ/ نوفمبر 2004، ص: 117.

اسم الكاتب