أية ممارسة لشعائر الإسلام نقدم ؟


إن المعطيات النظرية، لتصور الغرب للإسلام تلقي علينا وعليه مسؤولية ثقيلة تتمثل في المنهج التغييري للنظرة من الجانب الغربي، والمنهج التفسيري للإسلام من جانب عرضنا له على الناس.
   فما زالت الإشكالية قائمة بالنسبة لنا نحن المسلمين، في تبني أفضل الطرق، وأنجع الأدوات المعرفية لتقديم الإسلام .. فمن خلال الطرق المتبناة يمكن عرض الإسلام في قوالب متعددة: إما أنه الرافض لكل ما حوله، الكافر بعلوم الغرب وتكنولوجيته، المتقوقع المنغلق على أتباعه ومريديه.. وهو ما يمثل خيانة لروح الإسلام نفسه...

 أو أنه دين المستسلمين الخائفين، الخاضعين، المنسحبين من الواقع المجتمعي، الناشدين للفناء في الله، وهو ما يجسد الفهم الخاطئ لجوهر الإسلام ومبادئه.
   وهل يمكن تقديم الإسلام للناس على أنه دين "الذبح الحلال" و "القتل الجماعي" و "الإرهاب الأعمى" و "سبي الحرائر" و"ترويع الآمنين من الناس" ؟
   معاذ الله! إن ألد أعداء الإسلام، هم المنسوبون إليه، من الذين يلصقون به هذا الفهم الخاطئ، فيلوون ألسنتهم بالكتاب، لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب، ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون" [وإن كانوا لا يعلمون].
   مشكلة الإسلام مع بعض أتباعه إذن- تتمثل في جهلهم بالإسلام أساسا، وممارستهم الخاطئة لشعائره، وهو ما قد يحسب -من غير المسلمين- جزء من الإسلام، فيحمّلونه تبعات كل ذلك.
   والحقيقة أن في المجتمع الإسلامي، ماضويون تقليديون في خطابهم، يقدمون الإسلام للناس على أنه الموسوعة الصيدلانية المشتملة على كل أنواع الأدوية، لمختلف الأمراض، مثبتين بذلك عجزهم عن مسايرة تقدم الفرد والمجتمع معا.
وبالمقابل نجد اليوم في المجتمع الإسلامي دعاة منهج تبليغي يقلدون به المنصِّرين، في احتكاكهم بالإنسان داخل الأسرة والمصنع، وبيت الشباب، للتعايش مع مشاكلهم، ومساعدتهم على حلها، لدعوتهم بعد ذلك إلى العودة على الدين، وبلاغهم كلمة الله، ولا عيب في هذا المنهج إلا في عجز من يتطوعون للقيام به، فيكون مثلهم كمثل الساعي إلى الهيجاء بدون سلاح .. والحامل لرسالة دون امتلاك الاستعداد أو القابلية للتبليغ.
على أن هناك فريقا ثالثا يعجبك قوله في الدعوة إلى الإسلام، لأنه يدغدغ عواطف الإنسان المسلم، فهو يرفع شعار تحرير هذا الإنسان من كل قيوده الغرائزية، والمادية، والسياسية، وبالتالي تحرير المجتمع نفسه من عقدة الخضوع للتسلط القائم على الظلم والقمع والإذلال، إن هذا اللون من الفهم للإسلام، في ممارسة شعائره هو القائم على "تسييس الإسلام"، وهدفه هو تحرير المجتمع أو الأمة الإسلامية من التبعية للغرب، والعمل على التقليل من الفوارق الاجتماعية بإثارة الأغلبية للضرب سياسيا على أيدي الأقلية الطفيلية الحاكمة المتنفذة، التي تمتص خيرات الأمة على حساب تنميتها وسعادتها، لقد خرج أنصار الإسلاموية التغييرية، كحركة نابغة من رحم المجتمع، تترجم عمق أصالته، رافضة أن تكون حركة مستوردة، أو مؤتمرة بأوامر الغير، تحت أي لون من ألوان التبعية أو العمالة. إنها تعتبر نفسها ترديدا للأصوات المبحوحة التي ظل يطلقها الجيل الجديد الحائر، المأزوم ضمن التوتر الذي يطبع علاقات الأجيال، ويبرز أزمة القيم التي تردى فيها المجتمع الإسلامي.
لذا يمكن اعتبار الإسلاموية السياسية، أقرب الممارسات لمشاعر الإنسان المسلم، لأنها تعبر عن تجسيد لعقم الأنظمة المتعسفة في ممارستها، بحيث أحدثت صدمة حضارية بين طموحات القوى الحية في الأمة ولا سيما شبابها، وبين ما يعرض على هذه القوى من قشور حضارية غربية، مستفزة لشعور وأخلاق وقيم الأمة.
   غير أن نقطة الضعف الجامعة بين مختلف أنظار المنهج التغييري الإسلاموي، تتجلى فيما يمكن اعتباره "عقدة المنهج"، فما يزال دعاة الإسلاموية يعانون تمزقا أمام المنهج الذي ينبغي الأخذ به في تطبيق الشريعة: هل يأخذون بنصية الخطاب في التطبيق، أم بمقاصدية هذا الخطاب في الهدف ؟
   هل يتبنون الفقه الحركي المنفتح، والمتفاعل مع مشاكل الإنسان في الحياة ؟ أم هل يأخذون بالفقه المقاصدي، الرافع لشعار "حيث مصلحة الأمة فثم شرع الله" ؟
   لنخضع تجربة أصحاب المنهج التغييري الإسلاموي لعملية التحليل والنقد، فنعرضه على الواقع النابع منه، والهادف إلى تغييره، حتى يمكن في ضوء ذلك استخلاص المنهج التكاملي الشمولي، الذي لا يؤمن بالتجزيئية في العلاج ولا بالاختزالية في التشخيص، وإنما يكون منهجا متكاملا، ينظر إلى الإنسان وإلى المنهج نظرة كلية شاملة.

3- الإسلام بين منهج المستشرقين.. ومنهج المستغربين !


   أين يقف فقه الفكر، وفكر الفقه، من أزمة المنهج التي يعانيها الفقه الإسلامي اليوم، وسط حملات التشويه التي تستهدف الحركة الإسلامية عموما وتنعتها بشتى أنواع النعوت، كالإرهاب، والعنف، والغلو، والتطرف؟.
   وهل يسلم دعاة الحركة الإسلامية، بما ينعتون به من عنف، وإرهاب، وتطرف، وغلو؟
   إن مما لا جدال فيه، أن الغلو موجود لدى الطرفين، وان العنف ممارس بطريقتين مختلفتين.
فالخطاب الإسلامي المعاصر من جهته يعاني عنفا في ذبذبة أمواجه، حيث يوظفه البعض في مناصبة العداء لفئات مختلفة من المجتمع، بدءًا بالحكام، والعلماء، والمثقفين، وانتهاء بالأغنياء، والنساء معتبرين الجميع سببا مباشرا في انحراف المجتمع عن طريق الله، وعقبة في سبيل تطبيق شريعته.
ولنأخذ مناصبة بعض الإسلامويين للعداء للمرأة، فهم يحرمونها من ممارسة حقها الاجتماعي، كالعمل والدراسة وحرية اختيار الشريك، وفي ذلك تعطيل لطاقة اجتماعية هامة في المجتمع ـ وقد ينصب عنف هذا الخطاب على قضايا جزئية من حياة المجتمع، كالاختلاط بين الجنسين، ومسألة النقاب، ومصافحة المرأة، والسدل في الصلاة أو القبض، وحرمة جواز التصوير، وسماع الموسيقى، وهي كلها قضايا أقل ما يقال فيها أنها قضايا فقهية خلافية، قصارى القول فيها، فتوى يصدرها مجمع فقهي إسلامي، أو دار إفتاء، أو عالم له تضلعه في مجال الفقه. ويتخذ الغلو في مواضع أخرى طابع العنف، حينما يعمد إلى تسييس الدين، فيحل التفكير محل التقدير ويفرض منطق المغالبة بدل منطق المطالبة، وبذلك يوظف النص الديني لصالح النص السياسي.
أما الأسلوب الآخر للعنف، فهو الذي يمارس من طرف الحكام في شكل قمع أعمى، وظلم فاضح، ومصادرة لحق المواطن في التعبير أو المشاركة في اتخاذ قرار المصير.
إن هذا اللون من العنف قد أدى إلى رد فعل أعنف، تمثل في غلو الحركة الإسلامية، في تكفير الحكّام جميعا، واعتبارهم "طاغوتا" واتهام العلماء بممالئة هؤلاء الحكام، ومساعدتهم على ممارسة إسلام مؤسساتي تبريري يكون رهن النظام السياسي، يصدر الأحكام والفتاوى حسب المقاس والطلب، ليفضي في النهاية إلى استيراد نموذج من التعامل مع الحكام بمنهج يسالم ولا يهدد، ويساوم لا يقاوم.
   وإلى عنف الحاكم، يضاف العنف الإعلامي ممثلا في الاعتداء على عقول الناس، وذبح قِيَمهم وفضائلهم، وإن هذا لهو أخطر أنواع العنف الممارس على الإنسان المسلم في مجتمعه.
   إن هذا العنف والعنف المضاد، قد ولد في القاموس السياسي الإسلامي ما يصفه جيل كيبيل GILLES KIBEL  في كتابه "مثقفو ومناضلو الإسلام المعاصر"،
Intellectuels et militants de l islam contemporain  بصراع "المستضعفين والمستكبرين"، وعبر عنه فهمي هويدي "بالتدين المنقوص"، ووصف أصحابه الشيخ يوسف القرضاوي "بالظاهرين الجدد".
إن عجرفة المستكبرين وحلفائهم هؤلاء الذين أحلو لأنفسهم إهدار المال العام، وجناية سياستهم المجحفة، بالتسبب في تبعية دولة -غنية بمواردها- في خبزها، على الاستيراد من الخارج، قد كان العنف الذي ولد العنف المضاد، وكوَّن نموذجا من العلماء هم من يُعرفون بعلماء السوء، والويل كل الويل لدعاة الفقه الحركي، أو الفقه المقاصدي إن هم حاولوا الوقوف في وجه هؤلاء المستكبرين دفاعا عن المستضعفين، فإنهم سوف يلقون من العناء، ما يجعلهم يغيبون طوعا أو يغيبون كرها، كما يقول فهمي هويدي ...
من هنا، ضاع البحث عن فهم صحيح للإسلام يقود إلى ممارسة سليمة لشعائر الدين، تكون في مستوى نقاوة، وصفاء، وحكمة الإسلام، الدين السماوي الذي يمزج الشريعة بالحياة فتكون الصحوة التي تزاوج بين الدين -بقيمه، وأحكامه وقوانينه- والحياة بتنميتها، وعلومها، وتكنولوجيتها.

(يُتبع)

اسم الكاتب