ربما كان في ثنايا هذا التساؤل ما يثير نوعا من الغرابة، تماما كما هو الحال بالنسبة لعنوان الملف المقترح للدراسة، ولعل مبعث هذا التساؤل أنه يأتي في خضم ما يطرحه الغرب من مفاهيم نشاز، في معزوفة الثقافة العربية الإسلامية ... فقد تعودنا في هذه المفاهيم على التركيب المزجي، الذي يحول التزاوج بين الإسلام وشتى أنواع النعوت.. فهناك عندهم "الإسلام الأسود" و "الإسلام الأصفر" وهناك الإسلام الاشتراكي، والإسلام البورجوازي.. كما أن هناك الإسلام المتطرف، والإسلام المعتدل...

والحقيقة أنه لا مكان لمثل هذا المزج الغريب بين الإسلام ونعوت أخرى، ذلك "إن الدين عند الله الإسلام"، وهو القاسم المشترك الأعظم بين كل بني البشر في معتقدهم ضمن الشمولية التي هي الخاصية الرئيسية للإسلام، فلا يمكن القول بإسلام يتجه للأغنياء دون غيرهم، ولا لإسلام خاص بالملونين ونحو ذلك من التمايز الطبقي، بل إن الخاصية الأساسية للإسلام هي محو الفوارق بين الناس، وإزالة كل أنواع الطبقية المادية "فلا فضل لعربي على أعجمي، ولا لأبيض على أسود ألا بالتقوى"، "إن أكرمكم عند الله أتقاكم".
إن التمايز إذن لا يتعلق بالإسلام كدين، وإنما ينصرف إلى درجة الفهم لهذا الإسلام من معتنقيه، وطريقة ممارستهم لشعائره، وقدرتهم على تأويل نصوصه، واستنباط أحكامه، وربطهم بينه وبين واقع الناس في تكاملية رائعة هي التي تجعل من الإسلام -على خلاف باقي الديانات والمذاهب- دينا ودنيا، يحقق في واقع الناس تعادلية متناسقة ومنسجمة، تبدو غريبة على العقل الغربي، وهو ما يثير لديه إشكالا حضاريا بالغ التعقيد، مما يصعب عليه قبوله فكريا.
فأي إسلام يريدون؟ وأي فهم للإسلام نريد؟ من هذه الازدواجية تبدأ معاناة الإسلام مع الغرب، وتبدأ معاناتنا نحن المسلمين مع التصور الغربي للإسلام.
فعقدة الغرب المستعصية على الحل تتمثل في تعامله مع الإسلام من منطلق اختزالي تحيل الإسلام إلى إسلاموية، تنشر العنف وتشيع التطرف وتغدو مجرد إيدولوجيا، أو برامج أو ألوان من الأنشطة تصنع هذا الخطر الإسلاموي الذي يخوف الغرب به نفسه والآخرين.
إن هذا الاختزال للإسلام من جانب المفكرين الغربيين، هو الذي حدا ببعضهم إلى التحذير من الخطر الإسلاموي القادم على حد تعبير francois burgat في دراسته التي تحمل عنوان: "الإسلام الذي نواجهه: الخطر الإسلامي القادم ؟"، وهو ما جعل باحثا كجون إسبوزيتو John esposito يتحدث هو أيضا عن التهديد الإسلامي ضمن كتابه المعنون: الخطر الإسلامي، بين الأسطورة والواقع.
 (the Islamic menace mith or reality ? ) (oxford unnivesity 1993)
إن فرانسوا بورغات هو من المفكرين الغربيين المنصفين للإسلام، هو الذي يطرح تساؤلا جريئا عندما يقول: "هل سيكون هذا الإسلاموي الخطير، هو المفاوض الوحيد أمام أوروبا، في مستقبل قريب ؟
من هذه المقدمة يصل بورغات إلى بعض النتائج يصوغها في الأحكام التالية:
- ينبغي التنبيه إلى "العنف الاستئصالي" ودوره في التغذية "التطرف الإسلاموي".
- كما ينبغي الاعتراف بالإسلامويين كترجيح سياسي بديهي، يقوم على قراءة التصاعد الإسلاموي الذي يتم بأدوات معرفية جديدة، وبعيون لا شرقية ولا غربية، وإنما بنظرات إنسانية عالموية واقعية.
إن نقطة الضعف في رؤية الغربيين للإسلام؛ أنهم ينظرون إلى الإسلام بمنظار كاثوليكي، ويحكمون على أحكامه وقِيَمه من رؤية غربية قِوامها مصلحة الغرب، واستراتجيها بسط النفوذ الغربي، ومحاولة إخضاع ما سواه لهيمنته.
من هنا يبدأ التباين بين رؤيتنا للدين عموما، وللإسلام بصفة أخص، ففي حين يتعامل الغرب مع الإسلام كخط قادم يبشر بالعنف وينذر بالحرب، ويرفع لواء العصيان في وجه الغرب ومخططاته التوسعية، العلمانية، الاستئصالية، ننظر نحن إلى الإسلام كحصن نلوذ به لحماية الذات وإثبات وجودها وصيانتها من الذوبان.
وإذا كان الغرب يحاول تطبيق المنطق الكنسي على الإسلام، فإن صراع المفاهيم بيننا وبينه يبدأ من هذه النقطة التي تعتبر العلمانية تعطيلا أو إلغاء للشريعة، ومحالة إبعادها من الحياة اليومية في التعامل للمواطن، أي فصل الدين عن الدولة لتحقيق استقلالية كل قطاع عن الآخر.
فالأصل في المسيحية أنها تفصل بين الدين والدولة تجسيدا لشعار السيد المسيح عليه السلام القائل: "أعطوا ما لله لله، وما لقيصر لقيصر" ولذلك لا يمكن التلاقي ـ والحالة هذه ـ مع الغرب المنزعج من مكونات الذات الغيرية التي قوامها العروبة والإسلام، المحصنة بالدين.
   في هذه العلاقة المتوترة بين الإسلام والغرب تبرز حقيقة هامة، هي الفراغ الإيديولوجي لدى العقل المسلم، الذي فشل الغرب بمنهجه الغريب عن الفكر الإسلامي في ملأه، في حين نجح الإسلام -من خلال القيم والمبادئ التي يقدمها للعقل المسلم- في محاولة الإجابة عن مختلف تساؤلات الشباب عقديا وسياسيا واقتصاديا وثقافيا، فكانت قوة الإسلام الأصيلة وضعف المناهج الغربية الوافدة.

(يتبع)

اسم الكاتب