الاستثمار المحلي وسياسة الاعتماد على الذات
-- بلدية القرارة أنموذجا --
أ/ محمد بن صالح حمدي
كلية العلوم الإسلامية ، جامعة باتنة
مقدمة:
إن الحياة الاقتصادية تعد من أهم مقومات تقدُّم الأمم وازدهار الحضارات، فلا نهضة ولا رقي لأمة إذا كانت تقتاتُ مما ينتجه الآخرون، وتستعمل من الوسائل والأدوات ما يخترعه الغير. فالعمل الاقتصادي المبدع يعبر عن شخصية الإنسان وهويته الحضارية؛ لأنه يختار بنفسه ماذا ينتج، وكيف ينتج، ولماذا ينتج؟
إن العالم اليوم تتجاذبه فكرتان؛ الأولى: العولمة التي ترمي إلى تكوين نمط إنساني موحَّد في فكره ومعيشته وسلوكه، مستمد من الفكر الغربي. ثانيهما: المحلية التي تتمسَّك بالذاتية، وعدم إلغاء المميزات والخصائص الحضارية لكل أمة، مع الاستفادة من تجارب الآخر بالتعاون والتكامل.
فما هو النهج الأمثل الذي نختاره لنهضتنا كأمَّة إسلامية؟ وما هي الوسائل والأدوات التي نوظفها لتحقيق أهدافنا؟
إن هذا البحث المختصر لا يمكنه الإجابة عن هذه الأسئلة الكبيرة، وإنما يحاول أن يبين إحدى الوسائل لتجسيد هويتنا وتوظيف إمكاناتنا، ألا وهي الاستثمار المحلي، بناء على فرضية أننا نختار النهج الثاني كمسلَّمة بديهية.
وقد اخترت ”بلدية القرارة“ ـ نموذجًا ـ في استثمارها المحلِّي، رافعة بذلك شعار تحدي العـولمة ـ وبدون شعور منها ـ، باعتمادها على الذات، وتسخير إمكانياتها الطبيعية والبشرية والمالية، في توفير الغذاء الضروري لأبنائها، وتصدير الفائض منه إلى المناطق المجاورة.
وقسمتُ البحث إلى هذه العناصر:
*-مقدمة.
*-العولمة الاقتصادية.
*-الصناعة الغذائية مفتاح التنمية الاقتصادية.
*-التجربة الجزائرية في التنمية الاقتصادية.
*-تجربة بلدية القرارة في الاستثمار المحلي.
(أ) النموذج الأول: الاستثمار في تكييف التمور وتحويلها.
(ب) النموذج الثاني: الاستثمار في تنمية الثروة الحيوانية.
(جـ) النموذج الثالث: الاستثمار في غرس النخيل وتربية المواشي (تجمُّع خرفي- سعد الله).
*-خاتمة.
العولمة الاقـتصادية:
سادت في العالم ما بعد الحرب العالمية الثانية مصطلحات سياسية واقتصادية مثل القومية، الوطنية، الاعتماد على الذات، الحوار شمال جنوب، والتي تعبر عن مرحلة تحرُّر أغلب دول العالم الثالث من ربقة الاستعمار الغربي ومحاولة إقامة تنميةٍ اقتصادية، وتلبية حاجيات المواطنين، وبناء كيانها السياسي والاجتماعي، غير أنَّ هذه المصطلحات اختفت في حقبة الثمانينيات من القرن الماضي وأوائل عقد التسعينيات بسبب متغيرات جديدة ظهرت على المسرح العالمي، أهمُّها: انتهاء الحرب الباردة بسقوط المعسكر الشيوعي، وسيادة القطب الأحادي، فاستُبدلت بها مفاهيم جديدة، أهمُّها: العولمة بما تحمله من أبعاد اقتصادية وثقافية وسياسية، فدخلت إلى أدبيات العلوم الاجتماعية، فسيطرت على الأكاديميين ورجال الفكر والسياسة والاقتصاد، واحتلَّت حيزا كبيرا من الأبحاث بالتحليل والنقاش. فالعالم وهو على عتبة القرن الواحد والعشرين يحمل هذا التيار الجارف الذي يحطم كلَّ الحواجز، ويسمح بتنقل رؤوس الأموال والسلع بكلِّ حرية، ويختزل المسافات، حتى غدا العالم وكأنه قرية كونية واحدة، ويسعى لتشكيل إنسان موحَّد في فكره ونمط معيشته وسلوكه، ويكون منبعُه الفكر الغربي والأمريكي خاصَّة، ومصبُّه في أطراف المعمورة. والناس إزاء هذا التيار ما بين مؤيد ومعارض، فالمؤيدون يبدون انبهارًا شديدًا بمدى كفاءة التقنية الحديثة، وقدرتها على تحقيق الارتفاع بمستوى المعيشة للجميع، ويقللون من آثارها السلبية، ومنهم من يرى بأنها من قبيل الحتميات الاقتصادية الشبيهة بالأحداث الطبيعية التي لا يمكن الوقوف في وجهها، وأمَّا المعارضون للعولمة والانفتاح الشديد على العالم فيخشون ما ينطوي عليه من تهديد لثقافتهم وهويتهم وأصالتهم(1)، فيميلون إلى المحلية والمطالبة بالاستقلال الذاتي. ويعزز هذا الاتجاه، الواقع المر الذي تعيشه المجتمعات في الدول المتخلفة في ظل العولمة وعدم قدرة الدولة على تحقيق التنمية، وإحجام المجتمعات الغنية عن تقاسم الموارد مع جيرانها الأقل غنى، زيادة على تعميق الإحساس بالانتماء إلى ثقافة وحضارة معنية في عالم تقوم فيه العولمة بهدم الاختلافات الثقافية.
والسؤال المشروع الذي ينبغي على الاقتصاديين طرحه اليوم: ما هو الدور الذي يمكن للاقتصاد الوطني أن يلعبه تحت ظروف العولمة؟ وما هي فُرص النجاح أو الفشل؟.
إن العالم الثالث اليوم في حاجة ـ أكثر من أي وقت ـ إلى تعبئة طاقاته الذاتية، واستغلال موارده، والتأكيد على النهضة بالإنتاج والمشاركة والتعاون، وإرساء قواعد التكافل والتضامن، بدءًا من أصغر وحدة إدارية؛ متمثلة في القرية أو المدينة إلى أكبر تجمُّع إقليمي لصَدِّ هذا السيل الجارف الذي يمثل تكتَّل الأقوياء، من الأنظمة والمنظمات والشركات الكبرى، الذي لا هدف له إلا مصالحه المادية، ولا يرعى للقيم والأخلاق أيَّ قيمة أو اعتبار.
الصناعة الغذائية: مفتاح التنمية الاقتصادية:
إذا سلَّمنا بالتنمية الاقتصادية كسبيل للنهوض بالأمة، فإنَّ التصنيع هو الوسيلة الأساسية في ذلك، فلا يمكن تحقيق أي رفع لمستوى الحياة أو أية تنمية في بلدان العالم الثالث بدونها، والميزة الكبرى للصناعة أنها تسمح بتجسيد عمل الإنسان طول السنة، وبتوسيع وكثافة الإنتاج بواسطة الآلة التي ما فتئت تتطور جيلا بعد جيل، مع اتباع أساليب فنية، وهي تختلف عن الزراعة التي تتميز بالموسمية، وبطء دورة إنتاجها، مع عدم إمكانية تحديد الكميات المنتجة مسبقا، لكن هذا ليس حجَّة لإهمال الزراعة وإعطاء أولوية للصناعة، كما حصل في أغلب تجارب الدول السائرة في طريق النمو(2).
والواقع أنه يجب إيجاد ترابط وثيق بين التقدم الزراعي والتقدم الصناعي، وإقامة صناعة زراعية تكون القاعدة والمحفزة لحركة التصنيع في مختلف القطاعات. ولنا الشواهد من التاريخ الاقتصادي الذي كان فيه للنشاط الزراعي الدور الفعال في مراحل التنمية المختلفة في كثير من بلدان العالم المتقدمة، وتاريخ الحضارة الإسلامية خير مثال على ذلك، فقد كانت الزراعة هي القطاع الحيوي والأساسي، فهو المصدر للغذاء والكساء، وعمل على زيادة الإنتاج القومي بسلع حقيقية، كما وفَّر وظائف العمل لفئات عريضة من المجتمع، وله الدور الأكبر في تنشيط الحركة التجارية بين الأسواق الداخلية، فأصبحت القوافل تنقل المنتجات الزراعية من الطائف والشام والعراق، وامتدت إلى الأسواق الخارجية للبلدان المجاورة، وأصبح لهذا القطاع دور تمويلي أساسي لخزينة الدولة بالأموال الواردة من وظيفة الخراج التي أقرَّها الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه(3) كما شهد النشاط الحرفي ومختلف الخدمات تطوُّرا تُزوِّد هذا القطاع بمختلف الوسائل والمستلزمات.
ولسوء الحظ نلمس حركة مختلفة في تجربة بلدان العالم الثالث المعاصرة التي ركزت على الصناعة وأهملت الزراعة، فلم يتحقَّق أي تقدم في الريف، فنتج عنه هروب الفائض السكاني الذي لا تستوعبه الحقول من الحياة الريفية باتجاه التجمعات السكانية في المدن، وأصبح هؤلاء عاطلين عن العمل بشكل دائم، يفتقرون إلى أية قدرة شرائية، ويستتبع هذه الحالة ضرورة استيراد الغذاء، الذي كان من الإمكان توفيره ذاتيا مما تنتجه الحقول المهجورة، والطاقات المعطلة، مما يتطلب توفير أرصدة هامَّة من العملة الصعبة.
التجربة الجزائرية في التنمية الاقتصادية:
تبنت الجزائر من سنة 1967 استراتيجية التصنيع، التي تستهدف تعزيز الاستقلال الوطني وتحسين مستوى المعيشة لجميع أفراد المجتمع، وقد تم العمل على إيجاد صلة بين الصناعة والزراعة بهدف بلوغ نسبة عالية في عملية الاكتفاء الذاتي في ميدان الغذاء، وهذا يشكل رمزا عالي الدرجة للاستقلال الوطني(4).
وقد سُطرت هذه السياسة عبر النصوص الأساسية الرسمية التي حددت نموذج التنمية الاقتصادية الجزائرية، وتبنت هذه السياسة العامة فأصبحت تـمثل مرجعا ثابتا لتحديد السياسة الاقتصادية، منها: برنامج طرابلس سنة 1962، ميثاق الجزائر سنة 1964، ميثاق الثورة الزراعية سنة 1971، والميثاق الوطني سنة 1976، وأخيرا الدستور الجزائري. إلا أن هذه الأهداف الطموحة لم تجسد على أرض الواقع، بل حققت التجربة نتائج عكسية، لاعتمادها شبه الكلي على القطاع العام، وعلى الصناعة الثقيلة التي كان يعول عليها لتحفيز مختلف القطاعات، وكان الفشل الذريع في سياسة الثورة الزراعية في التأمين الغذائي والاكتفاء الذاتي مما جعلها في النهاية تتخلى عن هذه السياسة في نهاية عقد الثمانينيات وتتحول نحو اقتصاد السوق تحت ضغط التغيرات الداخلية والخارجية.
وللوقوف أكثر على مدى عبء الفاتورة الغذائية التي يتحملها الاقتصاد الجزائري نورد هذا الجدول ولاستنطاق أرقامه التي تبين تبعية الجزائر في هذا المجال.
تطور الفاتورة الغذائية(5): (الوحدة: مليون دولار أمريكي)
السنـة | 2000 | 2001 | 2002 | 2003 | 2004
الصـادرات (المواد الغذائية) | 30 | 30 | 35 | 47 | 66
الـواردات
(المواد الغذائية) | 2356 | 2346 | 2572 | 2516 | 3385
من هذا الجدول نلاحظ ضآلة حجم الصادرات في المجال الفلاحي الذي يرتكز على التمور، وبعض أنواع الخضر، مع أننا لا ننكر تطورها من 30 مليون دولار سنة 2000 ليتضاعف إلى 66 مليون دولار سنة 2004، بفضل سياسة ترقية الصادرات الفلاحية التي تبنتها السلطات العمومية، من خلال منح مزايا جبائية ودعم التصدير، وبفضل المخطط الوطني للتنمية الفلاحية PNDA الذي أحدث إقبالا ملموسا على النشاط الفلاحي، إلا أنه لا يزال دون المستوى، فهو لا يساهم إلا بنسبة 10% من الناتج الوطني الخام، ويأتي في المرتبة الثالثة بعد قطاعي المحروقات والخدمات(6).
فالجزائر ما تزال تستورد شهريا ما يعادل 10 ملايين دولار من اللحوم المجمدة، ومن الحليب ما قيمته 483 مليون دولار في سنة 2004، لتغطية الاحتياج من هذه المادة الحيوية، حيث يغطي الإنتاج الوطني نسبة الثلثين(7).
فهل يعقل أن الجزائر بثرواتها الطبيعية: النباتية والحيوانية والمائية أن تلجأ إلى استيراد هذه المواد الأساسية، في حين أنها كانت سلَّة أوروبا من هذه المواد أثناء وقبل الاحتلال الفرنسي؟.
فالخلل يكمن في التسيير، وأسلوب تعبئة الموارد المتاحة. وبالمقابل نجد تصاعد حجم الواردات من المواد الغذائية، بوتيرة متزايدة، تلتهم مزيدا من الموارد الوطنية من العملة الصعبة، التي كان بالإمكان توفيرها لاقتناء الاحتياجات التي لا يمكن إنتاجها محليا.
تجربة بلدية القرارة في الاستثمار المحلي:
تعد بلدية القرارة ثاني وأهم بلدية بتراب ولاية غرداية، تتربع على مساحة إجمالية تقدر بحوالي 3760 كلم2، يبلغ عدد سكانها حوالي 58226 نسمة، بكثافة سكانية بـ 48.15 نسمة/كلم2، ونمو ديمغرافي يقدر بـ 4.3 %، وبموقعها الاستراتيجي الهام تشكِّل همزة وصل ومفترق الطرق تربط بين ولايات الشمال والجنوب، وولايات الشرق والغرب، وبميزة الطابع الفلاحي؛ بمساحة فلاحية شاسعة صالحة للزراعة تقدر بـ 16000 هكتار، وعلى موارد مائية جوفية وسطحية هامَّة، وبمنطقة صناعية قابلة للتوسع(8).
كل هذه العوامل الطبيعية والبشرية والاقتصادية تقدم إمكانيات هامة لنهضة اقتصادية.
وقد ركزت في هذه الورقة على الزراعة والصناعة الزراعية بمفهومها الواسع الذي يشمل الثروة الحيوانية، مع عدم إهمال الصناعة التحويلية القائمة بالقرارة منذ نشأة حركة التصنيع في أواخر الستينيات من القرن الماضي، والتي تساهم بقسط وافر من الدخل المحلي وتوفير مناصب الشغل. غير أن الزراعة والصناعة الزراعية لها بعد استراتيجي، وتراثي تاريخي لارتباطها بالأرض، واعتمادها على عناصر ومواد محلية، وتقوم بتوفير أساسيات الحياة الإنسانية، وأن تنميتها يقطف ثمارها الجميع، وعلى رأسهم الفلاحون وعمَّال الأرض، وقد اخترت ثلاث نماذج لهذا الاستثمار:
1-الاستثمار في تكييف التمور وتحويلها.
2-الاستثمار في تنمية الثروة الحيوانية.
3-الاستثمار في غرس النخيل وتربية المواشي (تجمُّع الخرفي، سعد الله).
النموذج الأول:
الاستثمار في تكييف التمور وتحويلها:
كان اقتصاد مدينة القرارة شأنها شأن مدن وقرى وادي مزاب، -ولعدة قرون - قائما على زراعة النخيل, فهو محور النشاط العمراني, فسرى المثل الشعبي«أَغَرْمْ يُلِيْدْ أَسْتَزْدَايْتْ» أي: العمران قائم على النخلة, ثم تغيرت المعطيات بالتحولات الاجتماعية والاقتصادية, فتراجع دور النخلة, فأصبح لا يشكل إلا نسبة 15% إلى 20% من اقتصاد البلدة(9).
ومع دخول الجزائر مرحلة التصنيع في أوائل السبعينيات من القرن الماضي فكرت مجموعة من رجال الأعمال في القطاع الخاص, بإنشاء وحدة لتكييف التمور فقد اقتبس أصحابها الفكرة من دولة العراق التي لها تجربة رائدة في هذا المجال. فأنشأت المؤسسة التي تحمل اسم «صناعة التمور لوادي زقرير» (I.D.O.Z). فاستفادت من قطعة الأرض في المنطقة الصناعية, فاستبشر الجميع بميلاد هذه الوحدة, خاصة الفلاحون, فهي الأمل في تصريف منتوجهم وتشجيعهم على المزيد من الإنتاج, مع توفير العلف المكيف, غير أن الآمال خابت, بعدم إدارة عجلة هذه الوحدة التي كان يؤمل منها أن تدير عجلة اقتصاد البلدة, ويُرجع القائمون عليها إلى أسباب: تقنية في الدراسة وإلى أسباب سياسية بتطبيق الثورة الزراعية واحتكارها لهذا النشاط.
وقد قامت وحدة أخرى على أنقاض الوحدة الأولى سنة 1994 لإنعاش وبعث المشروع من جديد. تحمل اسم: (AGRO PALM) لكنها لم تنطلق أيضًا. بسبب ضعف رأسمالها, وتدهور سوق التمور.
لكن هل نبقى تحت تأثير التجارب التي أخفقت في السابق, ولا نحاول إعادة وبعث الفكرة من جديد؟
علينا أولا التخلُّص من عقدة الإخفاق وتوظيف التجارب الفاشلة بالاستفادة من الأخطاء, وتحويلها إلى نجاحات, فالإيمان بالفكرة والإصرار على النجاح هو السبيل الوحيد للانفلات من عقدة الفشل, والانطلاق إلى فسحة الأمل.
ثم إن المعطيات المستجدة في الحقبة الأخيرة, وبروز المؤشرات الإيجابية كلها تصبُّ في صالح نجاح الفكرة؛ منها:
أولا: التوسع في زراعة النخيل, واستصلاح مزيد من الأراضي في محيط مدينة القرارة, وغيرها من المحيطات المجاورة, تستلزم التفكير الجديَّ في إقامة وحدات لتكييف التمور, وإلاَّ سيعاني هذا القطاع الحيوي مشاكل التصريف والتسويق مستقبلاً.
ثانيا: الدعم الواسع الذي تقدِّمه الدولة لهذا القطاع, مع المحفزات الجبائية والإعفاء من الضرائب بمختلف أنواعها, وإعانة النقل، ومنحة التصدير، مما يستلزم استغلال الفرصة قبل فوات أوانها, وإذا كانت التجارب السابقة فشلت بسبب عرقلة القطاع العام -كما أشرنا- فإن الدولة تتجه سياستها إلى الخصخصة ودعم الاستثمار الخاص.
ثالثا: انفتاح الأسواق العالمية وتشجيع التصدير وتبسيط إجراءاته؛ فالثروة البترولية آخذة في النفاد, والدولة تبنت سياسة ترقية الصادرات خارج المحروقات، وتنوع الصادرات. والجزائر تتمتع بميزة نسبية في هذا المجال.
رابعًا: توفر رؤوس الأموال التي تنتظر الأيادي الأمينة لاستثمارها وتوظيفها, وهذا أفضل مجال لها, لما يعود على البلدة بتوفير مناصب العمل, واستقرار الفلاح في أرضه, وعدم التفكير في الهجرة إلى مدن الشمال.
النموذج الثاني:
الاستثمار في تنمية الثروة الحيوانية:
تعتبر تنمية الثروة الحيوانية حتمية تفرضها الحاجة الملحة لتغطية النقص الحالي في المنتجات الحيوانية، التي تمثل الركيزة الأساسية في قضية الأمن الغذائي.
ولبلدية القرارة تجربة رائدة في الميدان إذ كانت الانطلاقة في بداية التسعينيات من القرن الماضي, بتزايد عدد رؤوس الأبقار التي وصلت حاليا ما يربو على ألف وسبعمائة رأس, منها حوالي ثمانمائة بقرة حلوب, والباقي موجَّه كمصدر للحوم الحمراء(10).
ومما شجع على تطوير هذا القطاع وتوسيعه العوامل الآتية(11):
(1) الدعم المادي للإنتاج من قِبَل الدولة.
(2) وجود وحدتين لاستقبال الـمُنتَج وتحويله.
(3) وجود تغطية في الرعاية الصحية والمتابعة الميدانية.
(4) وجود تسهيلات من بعض الخواص في طريقة اقتناء الأبقار.
(5) تكوين جمعيات لمربي الأبقار.
(6) استيراد السلالات الجيدة, والأعلاف الجيدة.
إن الآفاق مفتوحة أمام هذا القطاع للتوسُّع بناء على المحفزات السابقة الذكر, ففي جانب البقر الحلوب يمكن تدعيم وحدات استقبال الحليب أفقيًّا بزيادة أعدادها, وعموديا, بتنوع مُنتَجاتها لتشمل مشتقات الحليب الأخرى مثل: الحليب المجفف, والزبادي...الخ, أما جانب البقر الموجه لتوفير اللحوم الحمراء, فمجاله أوسع لتلبية الحاجات من هذا المصدر والتقليل من توريد اللحوم المجمَّدة, وكلا الجانبين يحتاج إلى مزيد من الاستثمار والتمويل.
وينبغي أن نقف وقفة إكبار وتقدير - في إطار الجهود الذاتية - لما تقوم به وحدتا تحويل الحليب: ملبنة «الأصيل» لصاحبها: خبزي محمد وأولاده, وملبنة «الشيحية» لآل سليمان بوعصبانة, فالفضل يعود إليهما في تطوير تربية البقر الحلوب, وتشجيع المربين, ونأمل أن تكونا مثالين ناجحين لرجال الأعمال لاستثمار أموالهم في مثل هذه المجالات التي تخدم التنمية المحلية، وتوفر بعضًا من موارد الدولة من العملة الصعبة، فإن نجاحهما يفتح الآفاق لمزيد من الاستثمار.
تطور إنتاج دجاج اللحم ودجاج البيض في القرارة(12):
السنة
2002
2003
2004
2005
دجاج اللحم/طن
25100
16100
17900
19500
دجاج البيض
5800 (دجاجة)
4800 (دجاجة)
7800
(دجاجة)
7800
(دجاجة)
وإلى جانب تربية البقر, فقد برزت تربية الدواجن الموجَّهة لإنتاج البيض واللحوم البيضاء, فهي في تطور مستمر, رغم التقهقر الذي أصابها في المدَّة الأخيرة, إذ أن هذا النوع حساس للتطورات المناخية، فلا تستطيع التأقلم مع ارتفاع درجة الحرارة صيفًا, مما جعل المربين يحجمون عن الإنتاج في هذا الفصل.
النموذج الثالث:
الاستثمار في غرس النخيل وتربية المواشي (تجمع الخرفي ـ سعد الله):
إنَّ تجمع (الخرفي ـ سعد الله) يعدُّ من التجمُّعات الأولى التي اقتحمت ميدان استصلاح الأراضي خارج محيط القرارة, وضفاف وادي زقرير, واستخدم سياسة الاعتماد على الذات في التزود بالمياه الجوفية, فقام بحفر بئر ارتوازية بطاقة تدفق 180ل/ثا، فبدأ في العمل سنة 1988 بتهيئة 180 هكتار لتتوسع في الآونة الأخيرة إلى 1900 هكتار، ثم استفاد بالتزود بالطاقة الكهربائية لتشغيل المعدات والمرشَّات المحورية، فاستخدم سياسة موازنة بين الفلاحة وتربية المواشي، فخصص حوالي أربعين هكتارًا لزراعة النخيل التي تحتوي على ما يربو على أربعة آلاف نخلة, وستين هكتارًا لزراعة الحبوب, المروية بالرش المحوري, ومساحات لمختلف الخضر.
أما في تربية الأبقار والأغنام, فيتوفر المجمع على ما يناهز مائة رأس من البقر, وحوالي ثمانمائة رأس غنم, وخصص لها(13) 120 هكتار مغروسة بالأعلاف, لغرض الاكتفاء الذاتي.
ويقوم على خدمة هذا المجمَّع خمسون عاملا منهم عشرة موسميون.
وللمجمَّع برنامج طموح للتوسع, إذ استطاع أن يحقق الأهداف المسطرة, ويحوِّل في مدة قياسية أراضي قاحلة جرداء إلى رقعة واسعة خضراء, حتى ليخال القادم من الناحية الشرقية للبلدة وهو يشرف على التجمُّع على بعد خمس وعشرين كلم عن القرارة وكأنه في سهل من سهول المتيجة أو الهضاب العليا, حيث الخضرة تتحدَّى رمال الصحراء على مدِّ البصر؛ إنها الإرادة الإنسانية التي تستحقُّ التشجيع, والتجربة التي ينبغي أن تتعدَّد وتتوسع.
خـاتـمـة:
إن التنمية الاقتصادية لبناء الحضارة الإنسانية فريضةٌ دينيةٌ قبل أن تكون ضرورةً اقتصاديةً، أو ردَّ فعل لمواجهة غول العولمة الذي يتحدى الجميع، ولما كانت الطبيعة تأبى الفراغ -كما يقال- فإذا لم نقم باستغلال مواردنا وتعبئة طاقاتنا بأنفسنا انطلاقا من عقيدتنا ومقوماتنا، فسيأتي من يقوم بإدارة مصانعنا، وتشغيل مزارعنا، وتربية أبنائنا، بما يحقق مصالحه ولو على حساب قيمنا وبيئتنا وأجيالنا المستقبلية.
فالتنمية لا تشمل الجانب المادي فحسب بل تمتدُّ إلى كل مناحي الحياة، كما أنها لا تتحملها الدولة فقط، بل هي على عاتق الجميع أفرادًا، ومجتمعًا، وهيئات، ومؤسسات، كلٌّ حسب طاقته وحسب مسؤوليته.
--------------------
قـائمة الـمـراجـع:
1- د/خلف بن سليمان بن صالح النمري: الخصائص والقواعد الأساسية للاقتصاد الزراعي في الاقتصاد الإسلامي. مؤسسة شباب الجامعة الإسكندرية، سنة 1999، بدون عدد الطبعات.
2- موريس غورنييه: العالم الثالث ثلاثة أرباع العالم، ترجمة سليم مكسور، المؤسسة العربية للدراسات، بيروت، ط:1، سنة 1982.
3- د/ زيد بن محمد الرماني: اقتصاد العولمة، انبهار أم انهيار، مكتبة الرشد الرياض، ط:1 سنة 1424هـ، 2003م.
4- د/ جمال الدين لعويسات: التنمية الصناعية في الجزائر، ترجمة: الصديق سعدي، ديوان المطبوعات الجامعية (بدون التاريخ، وعدد الطبعات).
5- بنك الجزائر: تقرير سنة: 2004، التغيرات الاقتصادية والنقدية. جويلية: 2005.
6- المجلس الوطني الاقتصادي والاجتماعي: التقرير التمهيدي حول الظرف الاقتصادي، السداسي الأول، سنة 2004، الدورة الخامسة والعشرون.
7 - أوراق اليومين الدراسيين حول الاستثمار المحلي بالقرارة، جمعية القدماء، القرارة يومي 13- 14 جويلية 2006.
--------------------
الهوامش
1- د: زيد بن محمد الرماني، اقتصاد العولمة، انبهار أم انهيار، مكتبة الرشد، الرياض، ط: 1، سنة 1424- 2003، ص: 36.
2- موريس غورنييه: العالم الثالث ثلاثة أرباع العالم، ترجمة سليم مكسور، المؤسسة العربية للدراسات- بيروت، ط: 1، سنة: 1982، ص: 79.
3- د/ خلف بن سليمان النمري: الخصائص والقواعد الأساسية للاقتصاد الزراعي، مؤسسة شباب الجامعة، الإسكندرية، سنة 1999، ص: 11.
4-د/ جمال الدين لعويسات، التنمية الصناعية في الجزائر، ترجمة الصديق سعدي، ديوان المطبوعات الجامعية الجزائر (بدون التاريخ، وعدد الطبعات)، ص: 19.
5- المصدر: بنك الجزائر، تقرير 2004، التغيرات الاقتصادية والنقدية، جويلية 2005، ص:177.
6- المجلس الوطني الاقتصادي والاجتماعي، التقرير التمهيدي، حول الظرف الاقتصادي، السداسي الأول، سنة 2004، الدورة: الخامسة والعشرون، ص: 77.
7- د/ حمدي عيسى إبراهيم: الورقة المقدمة إلى اليومين الدراسيين –جمعية القدماء- جويلية 2006، تحت عنوان: الاستثمار في ميدان تربية الحيوان.
8- الأستاذ: الشيخ بالحاج أحمد بن محمد: رئيس بلدية القرارة، الورقة المقدمة، إلى اليومين الدراسيين حول الاستثمار، مصدر سابق، تحت عنوان: تقرير حول فرص الاستثمار المتوفرة ببلدية القرارة.
9-المهندس: ناصر إبراهيم بن يحيى، الاستثمار في التمور، ورقة مقدمة إلى اليومين الدراسيين، جمعية القدماء، مرجع سابق.
10- أ/ الشيخ بالحاج أحمد، مرجع سابق
11-أ/ أبو بكر مصطفى: تطور إنتاج الحليب، ورقة مقدمة إلى اليومين الدراسيين.
12- المصدر: د/ حمدي عيسى إبراهيم: الاستثمار في ميدان تربية الحيوان، مرجع سابق.
13- الاستثمار المحلي في مجال الفلاحة، ورقة مقدمة إلى اليومين الدراسيين.
نشر المقال في دورية الحياة، العدد: 10، 1427هـ/2006م، ص91-103.