البدائل الحديثة في استثمار الأوقاف
ضرورة اجتماعية مُلِحّة، نحو عمل مؤسَّسيٍّ مقنَّن

1. توطئة: نظام الوقف في الإسلام.
أدّى الوقف دورا هاما في البناء الحضاريّ الإسلاميّ، إذ به ابتكرت الحضارة الإسلامية العديدَ من آفاق الخير في مختلِف مجالات الحياة؛ "فما تعوز العالِم ولا طالبُ العلم، ولا المريضُ ولا الفقير ولا اليتيم، ولا ابن السبيل؛ ولا الإنسان ولا الحيوان، ولا الحي ولا الميّت".
وحين قُزِّم وغُيّب دور الوقف في العالم الإسلاميّ منذ فترة ليست بالوجيزة، واعتدى على أمواله وممتلكاته المعتدون، كما سيطر على إدارة ما بقي منه مَن ليس أهلا لذلك، ضاع منه الكثير والكثير. "وبهدْر أعيان الأوقاف عمّت الحاجةُ، وتفشَّت في الناس المسكنة، وضاعت كثير من الحقوق".
وسنحاول من خلال هذا العرض المقتضب في موضوع الأوقاف، أن نسلط الضوء على بعض البدائل الحديثة في استثمار الأوقاف، لنرى إلى أيِّ حدّ بات الأمر ضرورة اجتماعيَّة مُلِحّة، عسانا نصل إلى عمل مؤسَّسي مقنَّن، تتحقق فيه مقاصد الوقف، التي من أجلها شُرِّع.
وفي ظل ظروف اقتصادية واجتماعية متسارعة التغيُّر، نقدِّم بين يدي موضوعنا هذا التساؤل العام:
أيُّ دور لأوقافنا في تنمية حياتنا؛ اجتماعيا واقتصاديا وعلميًّا في وقتنا الحاضر، وأيُّ مستقبل ينتظرها؟
لكن.. قبل الشروع في خوض جانب الموضوع، لا بد من شدِّ أحزمة أمان تحفظ القارئ من أن تشتطَّ به أفكار تنأى به عن المقصود من تناول هذا الموضوع.
2. منطلقات الاهتمام بالموضوع:
يقول الفيلسوف الفرنسي باشلار: «... قد يتساءل القارئ الكريم: ما الدافع إلى التطرق لهذا الموضوع؟»
1) قيام جهود عارمة في بعث دور الوقف في كثير من الدول الإسلاميّة: دول الخليج، الأردن، مصر، السودان.. ليبقى الوقف دوما عطاء ماديا متدفقا.
2) الاهتمام المتزايد بالموضوع على مستوى الهيئات المالية والدوائر العلمية: مجمع الفقه الإسلاميّ، وزارات الأوقاف، البنوك الإسلامية (بنك فيصل، البنك الإسلامي للتنمية... )
3) الحاجة الملحة لإحياء دور الوقف بعد تدنى مستوى المعيشة، أمام تعقّد المتغيرات الاقتصادية في ظل نظام العولمة الذي ابتلع اقتصاديات دول بأكملها، ورهَن مصير شعوب بِيَد شركات احتكارية عملاقة.
4) انكماش دور الدولة تجاه سياسة الدعم وتحرّر الأسعار، وبالتالي تضاؤلُ دورها في علاج مشكلة الفقر وإحلال التوازن. لذلك وغيرِه كان الحتم لازمًا في البحث عن مصادر تمويلية غير حكومية، ومنها تفعيل دور الوقف.
3. في الحقل المفاهيمي:
1- الوقف ومحله:
الوقف لغة: الحبس والتسبيل.
اصطلاحا: "تحبيس الأصل، وتسبيل المنفعة وإطلاقها".
فالوقف يعني: حبس العين المسبلة، لا يتصرف فيها بالبيع أو الرهن، أو الهبة، ولا تنتقل بالميراث، أما منفعة المال الموقوف فإنها تصرف لجهات الوقف على مقتضى شرط الواقف.
محل الوقف:
1) كل مال يبقى ولا يستهلك بالانتفاع، ويُحصل منه على منافع وعوائد.
2) والمال من حيث الانتفاع قسمان: عُروض ينتفع بأعيانها، ونقود لا ينتفع بأعيانها بل تمثل وسيلة لتحقيق المقصود. وفي وقفها خلاف.
3) العُروض، منها ما يتحقق النفع بها باستهلاك عينها فور الانتفاع بها، وهذه لا يصح وقفها كالطعام، ومنها ما تبقى منها من الزمن ينتفع بها، وهي إما منقولات (أواني، تجهيزات، سيارات... ) أو ما يقابلها من عقارات (مباني، عمارات، أراضي)، والمشكل في النقود هو هلاك عينها.
4) العقارات في صورة أراض للزراعة، مبانٍ للإجارة، والعقارات هي الأصل في الوقف لتحقق الحبس والانتفاع البعيد.
5) مسألة وقف النقود لم يرد فيها نص صريح بالمنع، فالأمر فيها يبقى محل الإباحة والجواز، والمسألة محل اجتهاد في ضوء حقيقة النقود اليوم.
6) للعرف والعادة دور في تحديد نوع المال الموقوف، واليوم النقود من الأموال التي يمكن استثمارها وتحقيق العائد منها، يتم وقفها في صورة صناديق وقفية، وأسهم وقفية، كما هو في الكويت وعُمان.
2- الاستثمار: تعريفه، خصائصه:
الاستثمار investissement، أو التنمية développement مفاهيمُ اقتصادية معاصرة غايتها الرفع من مستوى الدخل لضمان حياة كريمة.
وعند القدامى هو التثمير أي طلب الثمر، ويراد به استخدام الأموال في الإنتاج؛ إما مباشرة بشراء الآلات والمواد الأولية، وإما بطريق غير مباشر كشراء الأسهم والسندات. 
والهدف من الاستثمار سلامة رأس المال مع حصول الربح. وفي الأوقاف المحافظة على عين الوقف، لأن المحافظة على الأصل مقدم على الفرع وهو الثمرة.
ويتنوع الاستثمار بحسب القطاعات الاقتصادية، وبحسب نوعية النشاط الاستثماري متاجرة أو مشاركة...
ومن خصائصه: أنّ الاستثمار مخاطرةٌ، أي النتيجة تكون مجهولة نظرا لتقلبات السوق، وللمصاعب الميدانية.. ، والحكم بغلبة الظن في حصول العائد ومقداره، وحاجة الاستثمار لمدة حتى يتحقق العائد.
من هنا وجب التقيد في استثمار أموال الوقف ب: محاسبة ومتابعة مستثمِر الوقف، وحماية الوقف قدر المستطاع من المخاطر، ودراسة الجدوى الاقتصادية بشكل متكامل ودقيق، والمرونة تغييرا وتعديلا في استثمار مال الوقف.
3- الاستثمار والوقف:
جاء في قرار م. ف. إ /د15/ مارس2004 ما نصه:
"يقصد باستثمار أموال الوقف تنمية الأموال الوقفية، سواء أكانت أصولا أم ريعا، بوسائل استثمارية مباحة شرعا"
وفي تناولنا لعلاقة الوقف بالاستثمار، سنتطرق إلى مسألتين:
أوّلاً: استثمار الوقف: الذي هو بمعنى استخدام مال الوقف للحصول على منافع، أو الغلة التي تصرف في أوجه البر الموقوف عليها، وهنا يكون الوقف مموِّلا.
ثانيا: الاستثمار في الوقف: هو بمعنى إنشاء الوقف، والإضافة إليه، والمحافظة على قدرته الإنتاجية بإصلاح ما خرب منه التجديد، أو استبداله بوقف آخر (الإحلال)، وهو ما يمكن أن نطلق عليه تنمية الوقف؛ وهنا يكون الوقف طالبا للتمويل.
ومن الضروري التنبيه إلى أنّ الاستثمار في الأوقاف من القضايا المعاصرة حتى على مجمع الفقه الإسلاميّ والهيئات الاجتهادية عموما، وبالتالي فليس الهدف من هذه المقالة الفصل وإصدار الأحكام، بقدر ما هو: عرضٌ لجوانب الموضوع وبعضِ تفريعاته وتصوراته الحديثة؛ ومحاولة تقريب القضية للمهتمين (مسؤولي هيئات الأوقاف، مدراء الجمعيات الخيرية والتعليمية، اقتصاديين، قانونيين، أرباب الأموال... )، ومن ثم أخذ قرار علمي عملي مؤسس بعد دراسة وتمحيص وعمق تفكير، وذلك ما يحتاج إلى مهتمين جادين في عمل دؤوب متواصل.
4. أساسياتٌ في فهم استثمار الأوقاف:
1) تنمية الأوقاف أصل شرعي ومقصد كلي: والانطلاق من الأفق المقاصدي يسعفنا أكثر التقيد بإطار المذهب، إذ الأصل في المعاملات أنها قائمة على التيسير ورفع المشقة، لذا وجب على الهيئات القائمة على الأوقاف الارتقاء بالفهم المناسب المعاصر لفهم استثمار الأموال، وذلك ما يحتاج إلى دورات شرعية واقتصادية.
2) أصل الأوقاف قائم على تحري المصلحة: يكتسي الوقف سعة اجتهادية لأنه من المعاملات القائمة على الاجتهاد والنظر؛ وعليه فإن المجتهدين في عصر ما، مطالبون بتحري ما فيه مصلحة للأوقاف، ولا يحصل ذلك إلاّ بالاجتهاد والنظر.
3) أموال الأوقاف قائمة على تعظيم الربح والمنفعة: فمن الخطأ اعتبار الوقف كالأموال الخيرية من حيث نفاد العين، إذ الوقف محبَّس لغرض ما، والأموال الخيرية للصرف على غرض ما، فالوقف ينبغي أن يبقى، ويتم تعظيم الربح بأمثل تنمية واستثمار.
4) التخصص والكفاءة في إدارة شؤون الأوقاف: "إننا نؤمن إيمانا جازما بأن نجاح المؤسسات الوقفية المعاصرة يكمن في القدرة التنظيمية لها، وأن تفشي الفساد وضعف الذمم لدى نظار ومتولي الأوقاف قد أثر كثيرا في الأوقاف.. واليوم حيث هناك علم الإدارة والتنمية والاقتصاد.. يساعد هذا كله على دفع عجلة الوقف واستثماره وتنميته".
5) الاستراتيجية والتخطيط للمؤسسة الوقفية: لا ريب أنه لا استثمار ولا تنمية بدون استراتيجية وتخطيط محكم للمؤسسة الوقفية، بأن يكون للمؤسسة الوقفية قدرة على التعاطي مع معطيات الواقع ضمن رؤية واضحة، وفعالية. المؤسسة الوقفية يكمن في حسن إدارتها، لا في ملكيتها وأموالها.
6) الابتعاد عن المعوقات: لا بد من اعتبار الشخصية المعنوية للأوقاف، وتمكينها من الإعفاء الضريبي، وذلك ما يحتاج إلى سياج قانوني يحمي هذه الأوقاف، كونها من الرصيد العام للدولة، ولعلّ الموضوع يشهد عندنا في الجزائر، نقصا وفراغا قانونيا قياسا على دول الخليج؛ والأمر أشبه بموضوع البنوك وشركات التأمين ذات التوجه الإسلامي.
وخلاصة كلّ ذلك، أن نقرر أنّه إذا تم أخذ هذه الأساسيات الضرورية في تعاملنا مع الوقف، فالمحصل أن يكون مجتمعُ الوقف مجتمعَ التكافل والاستقرار.
5. التطبيقات الميدانية:
فيما يلي، تفصيل بعض من صور الاستثمار في موضوع الوقف.
أولا: استثمار الوقف
ويتم هذا بالعمليات الآتية:
1) الإجارة:
تناسب الإجارة الأوقاف العقارية، وكذا الأعيان المنقولة السيارات، الحافلات، السفن... ، ومحل الإجارة طبعا منفعة العين المؤجرة، وتكاد تكون الإجارة الصيغة الوحيدة لدى الفقهاء قديما؛ لاستثمار مال الوقف، ولها شروط وضوابط.
2) استثمار الأراضي الزراعية بالمزارعة والمساقاة والمغارسة:
وهي من عقود الاستغلال الزراعي المنصوص عليها.
> المزارعة: أرض زراعية لجهة الوقف، وعمل على الزارع (أفراد ومجموعات) وبذر مشترك بينهما، واقتسام الناتج بينهما.
> المساقاة: تعاقد بين جهة الوقف وغيرها، يتعهد فيها الغير بالسقي والعناية بالأشجار (نخل، أشجار مثمرة... ) والناتج بينهما.
> المغارسة: تعاقد جهة الوقف مع الغير لغرس أشجار وخدمتها، ويقسم الناتج بينهما.
3) الاستثمار بأسلوب المشاركة والمضاربة:
> المقصود بالشراكة: إسهام جهة الوقف بنصيب مع نصيب من يدير العمل، ويتم توزيع الأرباح، أو الدخول بمال وقف مقارضة في شركات ناجحة.
> المضاربة: التمويل هنا يكون لجهة الوقف والطرف الآخر يقدم الخبرة والإدارة.
وهذان الأسلوبان يُعتمدان "في التعامل مع المهنيين والحرفيين وصغار التجار للإسهام في مشكلة البطالة" واستيعاب المتخرجين من شهادات عليا، الصيدلة مثلاً، بشرط دراسة جدوى العملية اقتصاديا، والخبرة والأمانة.
4) شراء مصانع أو مشروعات تجارية قائمة وإدارتها:
يكون ذلك بواسطة إدارة فنية متخصصة، وتمكن هذه الصيغة من استثمار أموال الوقف بعد دراسة الجدوى الاقتصادية المتكاملة. مثلما قامت هيئة الأوقاف المصرية بشراء شركة سجاد دمنهور، لتوفير السجاد اللازم لفرش المساجد، وبيع باقي منتجاته لتحقيق ربح للوقف.
5) الإيداع المصرفي (حسابات الاستثمار): والإيداع في البنوك الإسلامية طبعا، بفتح حساب استثماري. والعوائد من الاستثمارات لا الفوائد الربوية، وهنا تطرح مشكلة نقص البنوك الإسلامية عندنا في الجزائر؛ بالنسبة للمشرق مع محدودية تجربتها. وبالتالي فالسؤال المحصّل إلى أي حد يمكن ولوج الأسواق الإسلامية في الخليج أو بعض الدول الصاعدة في جنوب شرق آسيا؛ ماليزيا مثلاً؟ الأمر يحتاج إلى اهتمام بالغ!!.
6) الاستثمار في الأوراق المالية، وتتعدد هذه الأوراق إلى:
* الأسهم: وهي وثيقة تثبت حقا في حصة في ملكية شركة مساهمة، مع الحق في نصيب من الأرباح التي تحققها الشركة.
* صكوك المرابحة والسلم والإجارة والمقارضة: أوراق مالية تصدرها بعض المؤسسات المالية الإسلامية، وبعض الحكومات، بل وبعض الجهات الوقفية.
ملاحظة: تنطوي الاستثمارات من هذا النوع على كثير من المخاطر، فلا بد من أخذ احتياطات عدة؛ ضبطها مجمع الفقه الإسلامي.
ثانيا: الصناديق الوقفية لإنشاء وقف جديد
لاستيعاب الفكرة يمكن أن نعرض نموذجا بخطواته، حتى يكون سهل التصور.
* إذ يمكن تحديد مشروع وقفي خيري، الأمة في حاجة ماسة إليه نحو: إنشاء صندوق وقفي لتدعيم الدواء، الأمراض المزمنة للضعفاء، العمليات الجراحية، للاستشفاء المجاني، ولدعم التعليم المدرسي للعائلات المعوزة.
* تحديد قيمة المشروع وحجم التمويل اللازم، وليكن خمسة ملايين دينار (بعد دراسة اقتصادية متخصصة).
* إنشاء صندوق وقفي لهذا الغرض، وإصدار صكوك ذات قيمة، مثلا ألف دينار.
* طرحها للاكتتاب العام ببيعها للراغبين في الوقف حسب إمكان كل واحد. وجائز شرعا تعدد الواقفين في وقف واحد لغرض أو عدة أغراض.
* وقد تم تنفيذ هذه الفكرة في عدة دول منها: الصناديق الوقفية بسلطنة عمان، الأمانة العامة للأوقاف في الكويت، وفي السعودية.
- صيغ التمويل الذاتي:
1) تمويل من غلة الأوقاف: سواء من غلة نفس الوقف إن كان محلا لكراء مثلاً، أو من فاضل غلةِ وقفٍ آخر.
2) تمويل من عين الوقف بالإبدال والاستبدال: تتفق جل المذاهب على ضرورة التصرف في الوقف بما فيه مصلحة الوقف والموقوف عليهم، وينطبق هذا على الوقف متى خرب وتعذر الانتفاع به، ويتم التمويل بطريق الاستبدال بمبادلة عين الوقف الخرب بآخر يحقق الغرض من الوقف، أو ببيعه وإنشاء آخر بثمنه.
3) الإبدال: إخراج العين الموقوفة عن جهة وقفها ببيعها، والاستبدال: شراء عين أخرى تكون وقفا بدلها، ويأخذ ذلك طرقا منها:
أولا/ الحكر:
حقيقته أن يوجد وقف لا يدر دخلا، (أرض، عقار موقوف خرب)، ولا يوجد تمويل ذاتي لإعماره، ثم يتفق مع مموِّل يقوم بإعمار الوقف من ماله (زراعة، بناء)، ويبرم معه عقد إجارة طويلة الأمد، يدفع بموجبه قيمة إيجارية لأرض الوقف، عبارة عن جزأين: مبلغ كبير يعادل تقريبا قيمة الأرض؛ مبلغ رمزي يدفع دوريا طوال مدة الحكر، (أهميته ليست قيمته؛ بل حقيقته تذكير بملكية الوقف للأرض).
تظل الأرض ملكا للوقف، وما أقيم عليها حق ملك للممول، (المحتكر) يتصرف في هذا الحق تصرف المالك في ملكه بيعا وهبة وإرثا، وليس للمسجد إلا احتساب الأرض ضمن ممتلكاته.
الأرض تبقى بقيمتها في ملك (المسجد مثلاً)، بعد انقضاء مدة الحكر، وثمن الكراء المقدم يعالج بصفته غلة يوزع، أو يرسل في صورة إنشاء وقف جديد.
ثانيا/ المرصَد:
المرصد: ج. أرصاد، وحقيقته دين على الوقف لعمارته، يسدد لمموِّل من غلة الوقف الحاصلة بالتأجير؛ فالوقف يُصلَح، والغلة تتجدد، والناس ينتفعون.
مثال: تجهيز محلات في وسط المدينة في بعض المدن التجارية على أراضٍ وقفية [محلات تجارية في طابق، أقسام تعليمية في طابق، دور للكراء في طابق ثالث].
ثالثا/ صكوك المقارضة:
هي صيغة تقوم على عقد المضاربة الشرعي بين جهة الوقف بصفتها مضاربا، وحملة الصكوك بصفتهم أرباب أموال.
التفصيل:
وجود أرض وقف غير مستغلة ولا يوجد تمويل ذاتي لإعمارها، يتم إعداد دراسة جدوى يتحدد فيها المشروع اللائق مع الكلفة، وتوقع الإيرادات.
يتم تقسيم مبلغ الكلفة إلى فئات صغيرة؛ تُصدر بها جهة الوقف صكوكا، كل صك بقيمة اسمية لمبلغ.
يتم طرحها للاكتتاب العام، ومن مجموع المبلغ المحصل يتم إقامة المبنى وتأجير وحداته.
من القيمة الإيجارية المتجمعة؛ يتم دفع عائد لحملة الصكوك بمن فيهم جهة الوقف، مع استحقاق جهة الوقف حصة مضارب مقابل الإدارة.
يتم في نفس الوقت دوريا استرداد جهة الوقف للصكوك عن طريق دفع قيمتها لأصحابها من العائد الذي تحصل عليه حتى تنطفئ الصكوك (تستهلك)، وتصبح ملكية المباني بجانب الأرض خالصة لجهة الوقف.
ملاحظة: أجاز مجمع الفقه الإسلامي هذا الشكل من التعامل في مؤتمره الرابع، وأصدر حوله القرار رقم 30(5/4).
رابعا/ الاستصناع:
ويسمى في التطبيق المصرفي الإسلامي المعاصر (الاستصناع والاستصناع الموازي)، أو (الاستصناع التمويلي).
تطبيق هذه الصيغة في إعمار الوقف تتلخص فيما يلي:
تتفق جهة الوقف مع مقاول لبناء عقار على أرض وقف، ثم تلجأ الجهة إلى طرف ثالث يكون مموِّلاً في إطار عقد استصناع؛ يبرم بين جهة الوقف بصفتها مستصنعا، والمموِّل بصفته صانعًا.
يقوم المموِّل بإبرام عقد استصناع موازٍ مع المقاول للبناء، ثم يدفع له قيمة البناء، على أن تكون قيمة الاستصناع الأول أكبر قيمة من الاستصناع الموازي، والفرق بينهما بمثابة ربح للمموِّل.
تقوم جهة الوقف بالسداد للمموِّل على أقساط من عائدات تأجير المبنى، مع إبقاء جزء منها للمستحقين.
ويذكر أن هذه الصيغة طبقت في مصرف قطر الإسلامي، وفي تمويل إعمار الوقف الأردني، وأجازته هيئة المحاسبة والمراجعة للبنوك الإسلامية، ووضعت له معايير.
خامسا/ المشاركة المنتهية بالتمليك: أو المشاركة المتناقصة
وفيها يتم الاتفاق بين جهة الوقف وممول، إنشاء مبنى على أرض وقف، ويتم استغلاله بالتأجير، ويقسم العائد بحسب الاتفاق، وتتعهد جهة الوقف بشراء حصة الشريك الممول دوريا، من حصتها من الإيجار إلى أن تنتهي مدة الشركة لتنتقل كامل الملكية للوقف.
ملاحظة: أجازته هيئة المحاسبة والمراجعة للبنوك الإسلامية، ووضعت له معايير.
وفي الأخير، وبعد سرد صور الاستثمار، من المهم أن ننبّه تنبيهات لا بد منها، في مجال استثمار الأوقاف:
* لا توجد صيغة استثمار واحدة تصلح لكل أنواع الأموال الموقوفة: العقارات المبنية بالتأجير، والأراضي المستغلة بالتأجير، وطرق الاستغلال الزراعي من المزارعة والمساقاة، كما أن المنقولات مثل وسائل النقل من سيارات وطائرات وسفن تكون بالتأجير للشحن، وأما النقود فتكون بالإيداع في المصارف الإسلامية والاستثمار في الأوراق المالية.
* يتم الاستثمار بواسطة ناظر الأوقاف، وينبغي أن يأخذ اليوم شكل مكتب خبرة وليس شخصا واحدا، ومن المستحسن أن تسند الاستثمارات المتطورة إلى الهيئات المالية المتخصصة ذات الكفاءة.
* لا بد من وجود ضوابط حاكمة ورقابة محايدة صارمة، وواضح أن الأمر يشكل فراغا؛ وهذا ما قرره الفقهاء قديما بواجبات الناظر ومسؤولياته، والرقابة القضائية على الوقف، وحدود سلطة الموقوف عليهم.
لكن... من يقوم بالاستثمار؟
مع الأخذ بعين الاعتبار لخصائص أوقافنا في الجزائر عموما، التابع منها للزوايا أو الجمعيات أو العائلات... فإنه من لا مناص من قولنا إن الواجب في استثمار الأوقاف يكون ضمن إطار مؤسسي، وفريق عمل ذي رؤية واضحة، وعليه يصح لنا إطلاق تعريفٍ للمؤسسة الوقفية بأنها:
"مؤسسة مستقلة تسعى لتقديم خدمات تنموية من خلال الصبغة الإسلامية، وبفريق عمل ذي ولاء وكفاءة والتزام ديني، بهدف تحقيق التنمية الاقتصادية والتكافل الاجتماعي داخل المجتمعات الإنسانية"
ختام... وتوصية:
تقوم اليوم في العالم الإسلامي نهضة مباركة في بعث الدور الريادي للوقف، وتعقد لذلك دورات ومؤتمرات وبحوث، ويفرغ لها طاقات من أجل استفادة أمثل من الوقف.
ونحن بدورنا، بالإمكان تفريغ مجموعة باحثين تجمع بين التمكن العلمي والعمليّ، تنظِّر لقانون الأوقاف، يصاغ في شكل مواد قانونية، ممكنة التطبيق، وتأخذ بعين الاعتبار الجانب الفقهي والاقتصادي والقانوني والمحاسبي والاجتماعي في الجزائر، وتستفيد منه كلُّ الأوقاف عبر الوطن. استفادةَ محافظةٍ وإنقاذٍ، ثم تطويرٍ واستثمارٍ.
وفي ظل غياب منهج وقفي واضح، يُبنى على العلميّة في التفكير، بعيدا عن الخلط، والجماعية في القرار بعيدا عن الفردانية، والمستقبلية في النظر بعيدا عن الآنية... ستلتهم العبثية والفوضى مزيدا من أموال الوقف.
فعلى من تقع مسؤولية ضياع أوقاف المسلمين؟ ومن الخاسر؟!، آباؤنا الذين سبّلوا، أم أبناؤنا الذين لم يأتوا، فإن كان آباؤنا قد فكروا فينا، فلنفكر لأنفسنا، ولنخطط لأبنائنا!
قائمة المراجع:
* مجلة دراسات اقتصادية إسلامية، المعهد الإسلامي للبحوث؛ البنك الإسلامي للتنمية/المجلد 1/، العدد2/، التمويل والاستثمار في مشاريع الأوقاف، محمد أنس الزرقا، ص65-73.
* مجلة جامعة الملك عبد العزيز/المجلد18/ العدد2/ عام: 1426، سامي الصلاحات: مرتكزات أصولية في فهم طبيعة الوقف الاستثمارية والتنموية، ص47-81.
* مجلة مجمع الفقه الإسلامي/الدورة15/، العدد15/، الجزء3/، بحوث الاستثمار في الوقف وفي ريعه وغلاته، مجموعة باحثين، ص223-523.

نشر المقال في دورية الحياة، العدد: 12، 1429هـ/2008م، ص 107-120.
اسم الكاتب