الشيخ بيوض وصلاحية الخطاب لزمانه ومستقبل الأجيال البعيد
تأملات في خطاب الشيخ بيُّوض في المؤتمر التأسيسي لجمعية القدماء (05 أوت 1948)
أ/ محمد بن سليمان أبو العلا
نائب أول رئيس جمعية قدماء التلاميذ
أستاذ بمعهد الحياة، القرارة

بحثًا في تاريخ نشأة جمعية قدماء التلاميذ بالقرارة، اطَّلعتُ على خطابين هامَّين أُلقيا في المؤتمر التأسيسي للجمعية، الذي عُقد يوم 05 أوت 1948. أوَّلهما افتتاحي للشيخ سعيد بن بالحاج شريفي (الشيخ عدُّون) مدير معهد الحياة (رحمه الله)، وثانيهما اختتامي للشيخ بيُّوض إبراهيم بن عمر (رحمه الله)، وكلاهما خطاب قيِّم، نشرتُ الأول للجمهور في مناسبات سابقة، وفي فصل دور الشيخ عدُّون في جمعية القدماء من هذا العدد من مجلة الحياة.
ولإفادة القراء بالخطاب الثاني، لما فيه من فوائد تاريخية وتوجيهية، وما يحمل من عمق التفكير وبعد النظر، وفصاحة اللسان، وبلاغة البيان، أريد أن أعرض مشاهد من هذا الخطاب للقراء الأعزاء، وأُخرج إليهم هذا الكنز من بين صفحات الأسفار، مشفعا بتعليقات متواضعة وقصيرة، تُلفت الانتباه إلى بعض المواطن الهامة التي قد يمر عليها القارئ مرَّ الكرام.
لقد ألقى الشيخ بيُّوض هذا الخطاب الختامي أمام نخبة من المثقفين والأعيان من مختلف مدن وادي ميزاب، في مؤتمر تأسيس جمعية القدماء ــــ كما أسلفت ــــ وتناول فيه أهم قضايا الأمة الميزابية في ذلك العهد؛ قضايا تربوية واجتماعية واقتصادية وسياسية.. واعتبرته ـــ بحق ـــ دستورًا للأمة.

وأستسمح الشيخ بيُّوض (رحمه الله) في قبره المعطَّر، وأستسمح جميع القرَّاء إن كنت متجرِّئًا ومتطاولا في اقتحام أبواب الخطاب لأنقل منه ما ينفع الجميع، ولكنني أخشى من جهة أخرى أن أكون مقصِّرًا وعاجزًا في إيصال الرسالة وتبليغ الأمانة.
أخي القارئ: إن كان الشيخ بيُّوض قد ألقى هذا البيان منذ أزيد من نصف قرن، فإنك بلا شكَّ ستجد حديثه صالحًا لزمانه وصالحًا لحاضرنا نحن، ومستقبلنا، وستتصور الشيخ بيُّوض وتستشعره ــــ إن تتبعت باهتمام ــــ حاضرًا بين أيدينا ويحدِّثنا هو نفسه، خاصَّة عندما تؤوِّل بعض القضايا الماضية بمثيلاتها المستجِدَّة.
لقد كان فعلاً آية في التفكير والنظر، آية في حكمة الإرشاد والتوجيه، آية في البلاغة والبيان.
أخي القارئئ؛ استحضر معي الظرف الذي عُقد فيه المؤتمر؛ أي في (05 أوت 1948)، وهو ظرف تكالب فيه الصراع بين حركة الإصلاح والجمود، جمود الدين والفكر والعلم، وظرف اشتدَّ فيه خناق المستعمر الفرنسي على الشعب الجزائري عامَّة، لمحو شخصيته العربية الإسلامية، ويبقيه في ظلمات الجهل والفقر حتى لا يعرف بصيصًا من النور يعرِّفه حقوقه وكيف تؤخذ، وطرق الحرية وكيف تُنتزع، وما أحداث 08 ماي 1945 الأليمة ببعيدة عن ذلك الزمن.
في هذه الظروف الحالكة يُعقد مؤتمر في القرارة يدوم ثلاثة أيام، رغم أنف العدو، ويخرج بتأسيس جمعية اجتماعية ثقافية، تحمل راية الحركة الإصلاحية والنهضة الفكرية في وادي ميزاب، ويدوِّي فيه الشيخ بيُّوض بخطاب جذب الأسماع والأنظار، وتمنَّى الحاضرون ألاَّ ينتهي.
نستخلص من هذا الخطاب مجموعة من النقاط، نقف عندها وقفة تأمُّل مبتدئين من أوَّله.
النقطة الأولى:
إنَّ افتتاحية الخطاب تُشعرنا بهذه الظروف الصعبة التي أشرت إليها، وتصور لنا الشيخ بيُّوض، الأستاذ المربي الحكيم، المتواضع في مقامه العلمي العظيم، ومنصبه الاجتماعي الذي خضعت له الأعناق، والمحب العطوف على تلاميذه، الشاكر لمساعيهم، المقرِّ بفضلهم، وأن لا نجاح له بدونهم. يقول بعد حمد الله:
"أبنائي الأعزاء: إنَّ أول وأولى من نتوجَّه له بالشكر الجزيل والثناء الجميل، هو الحق جلَّ جلاله، الذي أخذ بأيدي بعض أبنائنا البررة وهداهم السبيل، وأشعرهم واجبهم نحو أمتهم في هذا الظرف العصيب، حتى كان من نتائج سعيهم اجتماع هذا الحفل البهيج.
ثمَّ نتوجَّه بالشكر إلى الذين استجابوا لداعي الحق في نفوسهم، فأرسلوا الدعوات، ثمَّ إلى الذين استجابوا لدعوات إخوانهم ولم يبالوا بالصعوبات، ثم الذين اعتذروا وقدَّموا ما لديهم من اقتراحات (...)
أبنائي الأعزاء: إنَّ التآمر في هذه الأيام من أعظم الأعمال، إنه لتاريخ سيسجله في صفحاته البيضاء، إنَّ هذا المؤتمر كان في منعطف من منعطفات التاريخ، أو مفترق الطرق، فلست ألقي الكلام على عواهنه، أو أستعمل الكلمة في مجازها، بل أقصد معنى الكلمة الحقيقي، وسيتبين لكم ذلك مـمَّا سأشرح به هذه النقطة، فتعرفون أننا في نهاية عصر قديم مضى بما فيه من أوضاع عتيقة، وأساليب بالية، وبداية عصر آت، تتطور فيه كلُّ الأساليب والأوضاع في شتى شؤون الحياة، ما من ذلك بد، وفي ذلك خيرٌ وشرٌّ، نفعٌ وضُر، سعادة وشقاء.
أبنائي البررة: إنَّ سروري باجتماعكم اليوم أضعاف ما تشعرون به، لأنَّ كلَّ غبطتكم وانعطافكم على بعضكم، كليهما منسكبان في نفسي على عدد أشخاصكم، وما ذلك إلاَّ لأمرين ربَّما كان أحدها عاطفيًّا لا صلة بينه وبين ما أرجوه وآمله منكم ولكم، إذ أشعر في أعماق قلبي بحب شديد أحمله لكل من اتصل بي، وتلقَّى عني ولو زمنًا قصيرًا.
إنَّ القلب ليخفق لكلمة اسمعها من أحدكم في الهاتف، ويخفق للرسالة القصيرة، واللقاءات الخفيفة، ولو علمتم ما أحمل من هذا الحب في نفسي لواصلتم إليَّ الكتب، ولو كنتم تُحسون مثل هذا الإحساس لخلقتم الفُرص للاتصال بي بالحديث، وبالكتاب، وبالزيارة.
أبنائي الأعزاء: إنَّ سروري أكثر من كلِّ سرور يكنه بعضكم لبعض، والحب الشديد الذي يربط بينكم، وإني لأعزو ذلك إلى أثر حبِّي الذي أفضته عليكم، وأعزو إليه كلَّ ما يستقبلكم من فوز ونجاح.
إنَّ هذا الحب وهذه الصداقة بين أبنائي من أعظم ما أفخر به، ومن أقوى الدعائم التي أبني عليها آمالي في مستقبلهم".
ما أروع تواضع العلماء، وما أجمل محبَّة المربين لتلاميذهم، وما أشوق كلمة متواضعة يجلب بها المربي تلامذته إليه، إنَّه لخلق عظيم، وشعور نبيل غمر به كلَّ من عاضده.
كما أنَّ غرس الشيخ الحب والصداقة بين نفوس تلامذته لهو الرباط الذي يضمن به وحدة الأمة، فلا حسد بين العلماء، ولا بغض ولا شنآن، ولا تنافس بينهم إلاَّ في مجال خدمة الدين والأمة إذا أرادت الجماعة الصلاح لنفسها. وفي هذا يقول أيضًا:
"إنه ليسرُّني أن تتوالى الرسائل والهدايا بينهم في مختلف المناسبات، ويسرني تعلُّق بعضهم ببعض حتى إذا رأى أحدهم زميله هشَّ له وبشَّ كأنه رأى شقيقه ابن أمه وأبيه، وهما حقًّا شقيقان!
إنَّ لهذه المحبة أثرًا كبيرَا في تزكية النفوس، وتطهير الضمائر، إنَّ لها لأثرًا بليغًا في سعادة الأفراد والجماعات، إنها لا تترك في النفس ضغينة ولا حقدًا ولا حسدًا.
إنه ليسُرُّني أن أرى قلوبكم قد أُشربت هذا الحب المكين، ونفوسكم قد أُشعرت هذه العاطفة النبيلة، لا يَنفُس أحد على أخيه شهرة ينالها، ولا يحسُده على مكانة يتبوَّؤها، بل يرى ذلك عزًّا ومفخرة له، فيزداد حبًّا ويباهي به الناس، ثم يتعاونون معه في صفاء ووفاء على خدمة الأمة".
هذا ما يجب أن يكون بين علمائنا، وما يجب أن يكون بين مثقفينا، وبين موظفينا، وبين أعياننا، فهل نحن على هذا الخُلق؟؟
النقطة الثانية:
إنَّ القاعدة الصلبة التي يُكوِّن عليها الشيخُ تلامذته، ويحرص عليها لئلاَّ تتصدَّع الأمة، هي التعاون والاتحاد؛ فماذا قال الشيخ؟:
"الأمة جماعات متعاقبة، وكلُّ جماعة في عهد تسمَّى جيلاً، وإنَّ من غرضنا أن ننشئ لهذه الأمة في طورها الجديد جيلاً كامل العدَّة للنظال والكفاح في شتى الميادين، فيحدث في الأمة انقلابًا كبيرًا، ويدفع بها في خطوات كبيرة نحو مطمحها الأسمى، ولن نستطيع ذلك ولن نبلغ غرضنا منه حتى نضيف إلى تنوير العقول بالعلم، وتزكية النفوس بالدين، التأليفَ بين القلوب بالحب الراسخ والود المكين! فألفُ مثقَّف في أمَّة تنافرت قلوبهم، وتخالفت أغراضهم، وتوزَّعتهم الأهواء والشهوات، لن يكونوا على الأمة إلاَّ وبالاً، ومن سعادتها أن لا يكونوا ! لكن مائة متعلم جمع الله شملهم، وألَّف بين قلوبهم، فأحبَّ بعضهم بعضًا، فاتَّحدت مبادئهم وغاياتهم، وإن اختلفت منازلهم وبيئاتهم، يُحيي الله بهم الأمَّة، ويُخرجها من الظلمات إلى النور، ويرفعها مكانًا عليًّا، إنَّ أرجى عمل نتقرَّب به إلى الله، ونتقدَّم به إلى الأمة هو إنشاء مثل هذا الجيل الذي يسود بين أفراده الحب والوئام، يتعارفون فيتآلفون، ولا يتناكرون فيتخالفون، يتعاونون على البر والتقوى ولا يتعاونون على الإثم والعدوان، وإنِّي لأرجو أن تكونوه ! إننا بهذا وحده يمكننا أن نطمئن إلى أننا بنينا لعز الأمة ركنًا قويا، ووضعنا لسعادتها دعامة متينة، وأننا قدَّمنا لها عملا سيظهر أثره قريبًا أو بعيدًا".
فحياة الأمة وسعادتها في وحدتها، وشقاؤها وزوالها في تشتتها واختلافها، لذلك كان الاتحاد والوحدة أهم ما جاهد الشيخ بيُّوض طيلة حياته في سبيل توطيده وتمكينه، ورفع راية هذا الجهاد الشيخ عدُّون رحمه الله من بعده، فنحمد الله على هذا الفضل والنعمة، ونسأل الله دوامها.
النقطة الثالثة:
إنَّ سرور المربي المكوِّن عندما يلمس آثار أعماله ويجني ثمار جهوده لَعظيم جدًّا، فكم تكون فرحته وراحاته عظيمة عندما يرى أبناءه متحابين متعاونين مجاهدين في خدمة الدين والأمة، ومجتمعين ولو لمجرد اللقاء، ألم يقل الشيخ عدُّون مرارًا: "ليكن اجتماعكم ولقاؤكم ولو على كأس شاي ففي ذلك خير كثير".
قال الشيخ بيُّوض: "إنَّ توافدكم اليوم من مختلف أنحاء البلاد، واجتماعكم في هذا المؤتمر يذكِّركم بالعهد الذي قضيتموه معًا في حجر الدرس، ومجالس البحث والمناظرة، وحقول الأعمال وميادين الرياضة ومغالي الاستجمام، ويجدد عهد الألفة والمحبة والصفاء والوفاء، ثم يربط الصلات بينكم وبين إخوانكم الذين خلفوكم في معهدكم، وساروا على هديكم، وتقدَّموا بالمؤسسات التي أنشأتموها لهم، بذا تتحكَّم الصلات بين جميع الطبقات. إنَّ سروري واغتباطي بهذا الأثر البليغ عظيمان جدًّا، ولو لم يكن في ائتماركم اليوم إلاَّ هذا وإلاَّ الاستماع إلى خطاب زعيمكم الشيخ عدُّون الذي ألقاه في جلسة الافتتاح، وإلى ما أحدثكم به الليلة لكفى وكفى.
لكن هناك ناحية أخرى ليست أقل أثرًا، ولست بها أقل اغتباطًا وسرورًا، تلك هي برامج، يسرني أن يتعهد الأعضاء بالقيام على تنفيذها كلٌّ في دائرة اختصاصه وحدود سلطته. والذي أرشدكم إليه هو نشر المقررات، وإرسال نسخ منها إلى الذين لم يسعدهم الحظ بحضور مؤتمركم، كما أطلب إليكم أن تنشروا بينهم خطاب الشيخ عدُّون، فإنَّه دستورٌ لهم.
أبنائي الأعزاء: إنَّ العمل الذي اجتمعتم من أجله لعظيم، وإنَّ الظرف الذي تخيَّرتموه لائتماركم لعصيب".
فها نحن ننشر بينكم ـــ أيها الإخوة القراء ـــ عملاً من أعمال المؤتمر، وقد نشرنا خطاب الشيخ عدُّون كذلك، وهذا أقل وفاء نقوم به نحو شيوخنا.
النقطة الرابعة:
إنَّ التطوُّر سنَّة الحياة، والاستعداد لمواجهته بحكمة وتخطيط أمرٌ واجب، وإلاَّ غرقت الأمة في أوحال المدنية، وذوَّبها أنواع الغزو الفكري والديني والاجتماعي والسياسي، وبمختلف الوسائل والطرق، فما هو السبيل الأنجع لمواجهة ذلك في رأي الشيخ بيُّوض؟؟؟
يقول الشيخ:
"إنَّ أمتكم على أبواب تطوُّر خطير، وانقلاب كبير لا بد لها في وضعه، ولا قِبل لها بدفعه. إنَّ وسائل العلوم الآلية والصناعة العصرية وأساليب التعمير والإنشاء الحديث، قد غشيت البلاد، وأظلتها من مختلف جهاتها بما تحمل معها من مفاسد وشرور، وللأمة تراث غزير من خُلق ودين لا تودُّ أنَّ لها به ملء الأرض ذهبًا، قد حفظه عليها زمنًا طويلاً هذا الانزواء في هذا الركن البعيد من هذه الصحراء الجرداء، ولكن العلم الحديث أفسد عليها وسيلتها هذه، إذ ألقى بها في بحر الحياة المدنية الهائج المائج.
ومن أفن الرأي أن يُظن أنَّ في مقدور الأمة أن تبقى منزوية منكمشة في جُحرها، أو تغلق حدودها وتحصن ثغورها حتى لا يتسرب إليها التمدُّن والعمران، وحتى لا تتدفق على وطنها موجات بشرية متتالية ممن يطلبون الرزق في كل مكان.
وإنَّ من خطل الرأي أن يُظن أننا بكلمة (لا نريد) هكذا جامدة جافَّة يابسة نستطيع أن ندفع غائلة المتسلط المتحكِّم، إنَّ التحجُّر والجمود لا يدفعان خطرًا، وإنَّ تجاهل الخطر الواقع لا يردُّ بلاءة ولا يُصيِّره غير واقع.
إنه سيل عارم لا نستطيع مجابهته، ولكننا نستطيع أن نداريه، وأن نصرفه أحسن تصريف بحذق ومهارة وبراعة، إذا شعرنا به وأعددنا له عدَّته، فننتفع بخيره ولا نصاب بشره، ونستضيء بنوره ولا نحترق بناره".
أما ما يتعلق بالعمل مع الحكام المستعمرين فلا بد للشيخ من سياسة حكيمة يعاملهم بها، ويدعو إليها في كثير من المناسبات في ذلك العهد. اقرأ قوله:
"لو كنا حصفاء حكماء لسلكنا من التحكمين من ذوي السلطان سياسة المراوغة واللف والدوران، وأعملنا موازين القسط من العقول الراجحة، فعرفنا خير الخيرين وشرَّ الشرين، ودفعنا الأثقل بالأخف، وقنعنا بالبعض إن تيقَّنَّا أنَّ الكل ذاهب، فلا المقاومة المطلقة العنيدة ولا الاستسلام المطلق المُخزي بمفيدنا في سياستنا مع المتسلط القوي، لكن التبصُّر وحسن التصرف والمرونة السياسية وحسن استغلال الظروف والأشخاص والمناسبات، هي أحكم سياسة للضعيف الأعزل مع القوي المدجَّج".
النقطة الخامسة:
إنَّ رؤية الشيخ بيُّوض إلى الناحية الاقتصادية في ميزاب معتمدة على ما يزخر به الوادي من خيرات الأرض ووفرة المياه، ولهذه الميزة أثرٌ سلبي إن لم نستغلها؛ قال الشيخ:
"أما في الميدان الاقتصادي فإنَّ هذا النهر العظيم من المياه العذبة الغزيرة الذي كشف العلم الحديث أنه يجري تحت أراضي ميزاب والمناطق التي حوله، قد لفت الأنظار إلى هذه البلاد، والجهود مبذولة في إدارات الحكومة ولدى هيئات التعمير لدراسة وسائل تفجيره واستغلاله. وقد أشار إليه الوالي العام في خطابه في المجلس الجزائري، وبفرنسا حاجة شديدة إلى الإنتاج للنهوض باقتصادها وإنقاذ عملتها، وقد قال وزير المالية: (بول رينو) أمام المجلس الوطني: "إمَّا الإنتاج أو الموت"، ومن المعلوم أنَّ أكثر ما تتجه إليه الأنظار عند ذكر الإنتاج هو الأرض البكر كأرضنا، وإنَّ أراضي واحات ميزاب وما حوله تتمتع بثروة طبيعية هائلة لا تخفى عن أنظار الطامعين، هي جودة التربة وشعاع الشمس. وقد رأيتم أنه لمجرد نجاح التجارب الأولى بادروا لتأسيس شركة استغلال لهذه المياه، وأدخلوا في نطاق امتيازها جنوب المقاطعة الجزائرية كلُّه، وهم يحاولون عرقلة المشاريع الأهلية المحلية.
إنَّ ميزاب سيصبح بعد قليل بلادًا منتجة مصدِّرة بحكم عذوبة مائه وطيب تربته ونشاط أهله، وهذا يقتضي بطبيعته مؤسسات وهيئات للتصدير، فإنَّه لا يستهلك عشر نتاجه، وسواء كانت المشاريع فيه أهلية أم أجنبية، فإن طبيعة العمران ستجلب إليه أخلاقًا من مختلف العناصر والجماعات من طلاب الأعمال ورواد الاستغلال، يفدون إليه بمنازعهم وأهوائهم، وبعوائدهم وأدوائهم، ولا بدَّ من الاحتكاك والاختلاط فلا محيص إذٍ من العدوى، فبأيِّ وسيلة يحافظ ميزاب على تراثه العزيز؟ أكِلُ الجواب عن هذا إليكم، لكنني أتعجل القول بأنه إن لم يكن عمل عظيم جدٍّي سريع لكسب الناشئة حصانة دينية خلقية قوية، كان الذوبان والانحلال لا قدَّر الله".
النقطة السادسة:
إذا كان واجبًا على البلدة أن تنهظ نهظة كبيرة في الاستثمار الفلاحي لخصوبة التربة وعذوبة المياه، فإنَّ استغلال كل المشاريع والمناصب التي تمنح للبلدة يجب أن تكون لأبناء البلدة قصب السبق فيها، ولا يتولاها إلاَّ أصحاب العلم والفن والاختصاص؛ يقول الشيخ بيُّوض:
"وأمَّا في الميدان الثقافي فقد فتحت مدرسة في غرداية للصناعات اليدوية، وستفتح في شهر أكتوبر الآتي 1948 مدرسة تجارية، ستتلوها بعد قليل مدرسة فلاحية، [قس على ذلك المعاهد والجامعات] فهل من سداد الرأي أن يتركها أبناء الوطن ليحتلَّها غيرهم؟ وهل يتولَّى إدارات الأعمال بعد اليوم لغير المثقفين؟ وهل يكون الإنتاج بغير علم؟ ثم إنَّ طبيعة العمران تقتضي اختصاصيين كثيرين في شتى فنون العلم، فمن يكون هؤلاء في ميزاب في الغد القريب؟ إننا إن لم نندفع إلى العلم بقوة واعتناء عاد الأمر علينا وبالاً. إننا نطلب أن يكون أمر بلادنا بأيدينا، فهل أعددنا له مدربين وهيَّأنا له مديرين؟
لقد مُهِّدت سُبل وعبدت طرق، وسيُمهَّّد غيرها ويعبَّد، وقد قرَّبت وسائل النقل كلَّ بعيد، وتلك لمن أحسن استغلالها أسباب رفاهية وسعادة، ولمن أساء استغلالها بؤس وشقاء".
النقطة السابعة:
يتناول الشيخ في عالم السياسة الجانب السياسي الإسلامي العالمي والإفريقي والجزائري، فإن اختلفت بعض المظاهر في 1948 عن حاضرنا فإنَّها تتفق مصدرًا وهدفًا ومستهدفًا. إذا كانت قضية فلسطين هي الشغل الشاغل آنذاك وكذلك القضية الليبية مع إيطاليا ومخططات الدول الكبرى والمسيطرة، فإنَّها لا تختلف اليوم عن فلسطيننا الحالية، ولبنان والعراق، وأفغانستان والسودان... وغيرها في آسيا والمشرق العربي وإفريقيا، وكلُّها تعاني ضعف المسلمين أمام القوى العاتية المعادية.
يقول الشيخ في هذه النقطة: "وأمَّا الميدان السياسي فإنَّ التطور فيه واقع كذلك لا محالة، لأسباب ومؤثرات منها القرب المباشر، ومنها البعد غير المباشر، منها الأحداث العالمية العامة، ومنها الأحداث الأوروبية، وأقرب من ذلك ما يتصل بالعالم العربي والإسلامي وأحداثه وتطوراته، ولا سيما شمال إفريقيا، والقطر الجزائري على الأخص، ثم ما يتصل بفرنسا ونظم الحكم فيها واتجاه سياستها.
أمَّا العالم العربي أو المشرق، فإنَّه قبلة المسلمين في المشارق والمغارب، ولا بدَّ أن يتأثر كل جزء من أجزاء العالم الإسلامي، حتى أصغر جزء فيه كميزاب بالوضع الجديد لدول العرب بعد انجلاء محنة فلسطين.
لم يمتحن العرب والمسلمون في تاريخهم الحديث بمثل محنة فلسطين، فلم يمر على جامعة دولهم يوم أصعب من هذا اليوم، تحالف ضدهم المختلفون، وتصادق المتعادون، وتآلبت عليهم قوى الشر من الشرق والغرب، وقد أظهروا قبل هذه الظاهرة شمما وإباءً وأنفة وكبرياء، فتصلبوا في ميدان السياسة، وثبتوا في مواطن الكفاح، لكنهم تراجعوا أخيرًا بعد هذه الظاهرة الغريبة، ولم يزالوا إلى اليوم بين جزر ومدٍّ، وأخذ ورد، مع قوى الشر العالمية مجتمعة. وما ندري عمَّ تتكشَّف هذه المحنة القاسية؛ أعن فوز للعرب في الميدان السياسي أم انهزام؟ وعن انتصار في الميدان الحربي أم انكسار؟ إنَّنا لا نعلم شيئًا من ذلك والأمر غيب، والغيب بيد الله، لكننا نعلم أن العالم الإسلامي كلَّه سيتأثر بالوضع الجديد لدول العرب بعد انكشاف المحنة، ما من ذلك بدٌّ، لا سيما شمال إفريقيا، البلاد المقيَّدة بأغلال الاستعمار، والتي ترجو فكاكها على يد دول العرب، بعد أن أيست من إنصاف دول الغرب".
نقول للشيخ: قم الآن وزد بكاء على فلسطين والعالم الإسلامي كلِّه، فليس حاضرُه أفضل من ماضيه، والتاريخ يعيد نفسه. إنَّ قوى الشر تتسلَّط على البلاد الإسلامية يومًا بعد يوم وتزيد، والمسلمون في ضعف يتفرَّجون ويتحمَّلون جرع الغصص؛ فانتفاضة قليلة منهم لا بدَّ أن تُحدث في العدو انقلابًا، وليس أدلَّ على ذلك من انتفاضة المسلمين في لبنان التي قهرت العدو الصهيوني وحققت انتصارًا، سيؤثر لا محالة لا في المشرق العربي وحده، بل في العالم الغربي والعالم الشرقي معًا.
يضيف الشيخ بيُّوض في عالم السياسة قوله: "وهناك ظاهرة أخرى لها أثرها البالغ في سياسة المغرب العربي الذي منه الجزائر وميزاب، تلك هي قضية مستعمرات إيطاليا التي منها طرابلس الغرب، حلقة الاتصال بين المغرب العربي وبين مصر قلب العالم الإسلامي ودماغه ومفتاح الشرق العربي، والقضية على بساط المناقشة بعد أن قدمت لجنة البحث تقريرها، وسيفضُّ أمرها قريبًا، والظاهرة التي نسجِّلها هنا بكل أسف هي موقف الدول التي كانت بالأمس القريب ألدّ أعداء إيطاليا، حتى فرنسا التي لم تتورع إيطاليا عن ضربها بخنجر من وراء ظهرها في ساعة محنتها القاسية، أصبحت تدعو إلى ردِّ ليبيا إلى إيطاليا. ولا ننخدع بالعناوين الخادعة كالانتداب والوصاية، فإنَّها ليست إلاَّ الاستعمار في أبشع وأفضع صوره، وما ذلك إلاَّ مخافة أن تسري العدوى من هذا القطر إذا تحرر إلى جارته القريبة فالجزائر فالمغرب الأقصى.
ومهما يكن فإن شمال إفريقيا سيتأثر إلى حدٍّ بعيد بالوضع الجديد الذي يفرض على القطر الليبي، هذا كلُّه بدءُ انقلاب خطير سينالنا منه حظٌّ كبير، إن خيرًا فخيرٌ، وإن شرَّا فشرٌّ".
ويقول الشيخ: "ولأنتقل بكم إلى ما هو أقرب من جميع ذلك: هذا الدستور الذي وضعته فرنسا للجزائر، وأنشأت به هذا المجلس الجزائري، ووضعت به الجزائر في وضع جديد له حسناته وسيآته، هو بدءُ انقلاب كبير، وهو خطوة أولى في طريق تطور الجزائر إلى أوضاع مختلفة متتالية ستجتازها البلاد حتمًا قبل أن تصل إلى غايتها" [مع العلم أنَّ الشيخ بيُّوض قد انتُخب عضوا في هذا المجلس سنة 1948، وأعيد انتخابه أيضًا سنة 1951.
ويواصل الشيخ قوله:"إنَّ لهذا المجلس ـــ رغم عيوبه الكثيرة ـــ لخطرًا وأثرًا، ولا أدلَّ على خطره مـمَّا ارتكبته الإدارة لإقحام صنائعها فيه، لو وجد رجالاً أكفَّاء مخلصين لخدموا به البلاد خدمة جلَّى. تعجبني كلمة قالها السيد فرحات عبَّاس في المجلس عند المناقشة على لقب العضو: أنا لا أقبل كلمة نائب "ديبيتي" لا لأنَّ المجلس ليست له أية سيادة، فإنَّ المجلس الوطني قد تنازل له عن بعض سيادته قطعًا، بل لأنَّ كثيرًا من أعضائه لم يُنتخب انتخابًا، وإنَّما عُيِّن تعييناً.
حقًّا إن للمجلس سيادة في ميادين شتَّى، سيكون له فيها الأثر البليغ، وستتناولنا مقرراته، ويمسُّنا من قريب لا من بعيد في شتى شؤوننا الحيوية، وإنه لم يخرج عن اختصاصه إلاَّ أمورٌ معدودة.
(...) إنَّ الذي ينالنا في الصميم من حياتنا من الدستور الجزائري هو نصُّه على إلغاء نظام الحكم العسكري في الجنوب، وتفويضُه الأمر إلى المجلس ليختار له نظامه الجديد، وسوف يتفاوض المجلس في ذلك في دورته المقبلة، كما نظنُّ؛ هنا يدقُّ موقفنا، فنحتاج إلى كثير من اليقظة والانتباه والحدز، وإلى تدقيق الملاحظة في كلِّ مادَّة مـمَّا يُسَنُّ من النظام الجديد، حتى نستطيع التوفيق بين النظام المشترك وبين الخصائص والمميزات، ويكون بينهما تلاؤم وانسجام".
نرى في هذه الفقرة من الخطاب دعوة الشيخ الصريحة إلى المشاركة والمزاحمة في كلِّ المجالس السياسية الوطنية والمناصب التي نجلب منها الفائدة للبلاد والأمة، وهي فُرص ثمينة ينبغي لا نضيِّعها فنبقى غرباء متفرِّجين، يَسُنُّ غير المخلصين وغير الأكفَّاء قوانين تضرُّنا دينا واجتماعًا ووطنًا لأننا تركنا لهم المجال لفعل ذلك.
قال الشيخ: "إنَّنا وطنيون جزائريون ! لسنا أجانب كما يدَّعي بعض المتهوِّسين، فلا يمكننا أن ننفصل عن إخواننا في النظم العامة المشتركة، ولا أن نتحلل أو نذُوب ونتنازل عن الخصائص والمميزات، على أنَّ للوطن حقوقًا مشتركة يساوى فيها أبناؤه وإن اختلفت مذاهبهم. إنَّ لنا خصومًا أقوياء من ذوي السلطان وضعت الأقدار مقدَّراتنا بين أيديهم، فعلينا أن نعلم أننا لا ننال منهم شيئًا إلاَّ بالحكمة والتبصُّر والأناة والديبلوماسية، والمرونة السياسية، وعلينا أن نعلم أنَّ سياسة "زم حقائبك واخرج" سياسة خرقاء غير رشيدة، إنَّ أوانها لم يحن بعد! وأنَّ سياسة الانزواء والانكماش "وأننا نريد أن نبقى على ما نحن عليه في كلِّ شيء" سًفًهٌ في العقل وأَفَنٌ في الرأي".
النقطة الثامنة:
لقد انتُخب الشيخ بيُّوض نائبًا في المجلس الجزائري ـــ كما أسلفنا ـــ فما هي في نظره مسؤولية النائب؟ ولنقس عليها مهمَّة كلِّ مُنتخب من طرف شعبه، ولأيِّ عضوية كانت. يقول الشيخ:
"أعيذكم بالله أن تظنُّوا ـــــ كبعض الجهلة ـــــ أنهم قد استراحوا، وسقط عنهم كلُّ واجب لمَّا قدَّموا عنهم نائبًا، إنَّ عمل النائب خاص في ميدان محدود، على أنه لا يستطيع أن يصول في المجلس إلاَّ بصوت الأمة الداوي من ورائه، فعلى الأمة من وراء نائبها واجبات ثقال، ليس للقب النائب عندي قيمة إلاَّ بقدر ما أجلب لقومي من خير أو أدفع عنهم من ضر.
لا يهمُّني أن أبرز في المجلس في غير ما يتصل بقومي ووطني الجزائر ! وإني لأنفع أمتي بهذا اللقب خارج المجلس كذلك، فإنَّ الحامل للقب النائب تُفتَح في وجهه أبواب كانت موصدة، وتصغي إليه آذان كانت تتصامم.
إنَّني أعدكم أنني لن أنتفع بهذا اللقب لشخصي إلاَّ بقدر ما يعينني على أداء مهمَّتي، فما تقبَّلت النيابة لغرض شخصي، ولا لنفعٍ مادي، إنني وقفت حياتي فيما مضى على أمتي، وإنني أقف عليها ما بقي من أيامي، والله حسبي!".
هكذا يجب أن يعاهد كلُّ مسؤول منا وكلُّ منتخَب، وهكذا يجب أن يتحلَّى بهذه الصفات والأخلاق العالية.
النقطة التاسعة:
مَن الرجلُ الذي يُعتمد عليه لفك البلاد من المحن المحيطة بها، والبلايا الخانقة؟ إنَّه بالطبع هو الغيور على وطنه وأمَّته، ولهذا الرجل يوجِّه الشيخ بيُّوض إرشادات قيمة، فيقول:
"فهل أدركتم الآن ما بنا من حاجة شديدة إلى قادة أكفَّاء ذوي عقول راجحة وأفكار واقعية لا خيالية، لهم بصر بالعواقب، ونفاذ إلى أسرار الحوادث، ينقذون الأمة في محنتها، ويهدونها السبيل، ويوجِّهونها الوجهة الصالحة، فإنَّها اليوم في مفترق طرق مشتبهة الأعلام، لا ضوء فيها ولا منارات.
أيها الشباب المتعلمون: إنَّ الدولة دولتكم، وإنَّ الدور دوركم، وإنَّ اليوم لكم، فبيدكم مقاليد المستقبل، وأنتم أقدر الناس على تحويل اتجاه الأمة إلى حيث تريدون، إنَّكم الأئمة والأمة لكم تَبَع، بل إنكم الأمَّة لو عرفتم أقداركم.
أيها الشباب المثقفون: لقد آن لكم أن تنتزعوا قيادة الأمة من أيدي الجهلة الأميين والطلبة الجامدين، فكفانا ما جرَّت علينا قيادتهم من بلايا ومحن؛ خمودٌ في الفكر، وجمود في العمل، وأفنٌ في الرأي، وجهل مطبق بأساليب الحياة، ولقد دفعوا بعربة الأمة إلى الهاوية، فتداركوها وروح القُدُس معكم" .
إنَّ الشيخ بيُّوض يقرُّ أنَّ الفضل للشباب في تحمُّل المسؤوليات والعمل الخيري الموجَّه، ويضرب مثلا لهم بالفوز في معركة الانتخابات لعضوية المجلس الجزائري؛ إذن فالمسؤولية على عاتق الشباب المثقف في كلِّ عصر ومصر.
قال الشيخ: "لقد قضيتم في معاهد الدراسة سنوات، وتلقيتم فيها ما أهَّلكم للكفاح في ميادين الحياة، وفي هذه السنوات عركتكم الأحداث وعركتموها، سيما في سنوات الحرب الأخيرة؛ ثمَّ جاءت معركة الانتخابات التي كانت للناس فتنة كشفت عن معادنهم، فأشعرتكم قيمتكم، وأظهرت للناس خطركم.. إنَّ الفضل في الفوز الذي أحرزه الإصلاح في الانتخابات يرجع أكثره إلى جهود الشباب. لقد اشتدَّت أعضادُكُم، واستَدَّت سواعدُكُم بعد النصر الذي أحرزتموه في المعركة، أفلا تنتزعون الراية لتتولوا القيادة المطلقة؟! ألا ليس لكم بعد اليوم من عذر ولا تعلَّة، لئن كانت المسؤولية عليكم قبل الفتنة كبيرة فإنَّها اليوم أعظم وأكبر!.."
ثم يواصل الشيخ في توجيه الإرشادات إلى روَّاد الشباب، وهي صالحة لنا اليوم مثل أمسنا بل أكثر؛ يقول:
"أريد من كلِّ واحد منكم أن يكون له أثرٌ في المركز الذي يوجد فيه، لا أريد أبدًا أن يكون شخصية مُهملة، تمرُّ الشهور والأعوام ولا يُرى له أثر، ولا يُسمع له صوت، ولا يظهر له عمل.
المشاكل في ميدان الحياة كثيرة، والخلافات بين الأفراد والجماعات تحدث كلَّ يوم في كلِّ قرية وفي كلِّ مدينة؛ فاقتحموا ميادين الإصلاح، فُضُّوا المشاكل بالحلول الـمُرضية، وسَوُّوا الخلافات بالعدل والحكمة، فإنَّكم بذلك تفرضون وجودكم، وتُعرِّفون بأنفسكم، وتحملون الناس على احترامكم، وتُعلِّمون الأمة كيف تنقاد للمثقفين، وهذا لا يكون إلاَّ بصفاء القلب، وطهارة الضمير، وإخلاص النية في القول والعمل وإيَّاكم والعنصرية فإنَّها الداء العضال!
سرَّني ـــ والله ـــ أن أرى بعضًا منكم رأس جماعات، وتصدَّر مجالس ولمَّا يطر له شارب، وما ذلك إلاَّ لحسن خلقه وحكمته ورصانته، لقد سئمنا والله من تصدُّر الأميين لجماعاتنا في مدن الشمال بسبب أموالهم، لقد أظهرت التجارب والامتحانات أنَّ حليف المخلصين النجاح، وإن قلَّت أموالهم، وأنَّ عاقبة الذين يتَّكلون على أموالهم الخسران المبين!
لا تكن غايتكم أن تسودوا ولا أن تتصدَّروا، وإنَّما عليكم أن تعملوا الخير لأنَّه خير وكفى، فإذا حُمِلتم على صدارة أو رئاسة أو سيادة، فلا تدفعوها فرارًا من المسؤولية إن استشعرتم الكفاءة، بل أقدموا غير هيَّابين ولا وَكِلِين.
ذلك هو الخلق الكامل وصاحبه هو المثل الأعلى، وذلك هو سر السعادة في الحياة وسبب المجاح في العمل واسأل به خبيرًا..".
النقطة العاشرة:
من أراد من المربين أو الدعاة أو الأولياء أن يؤثِّر في مربيه، عليه أن يكون القدوة ويعطي المثال من واقعه ونفسه، عملاً وسلوكًا، فلم يغب عن الشيخ بيُّوض ذلك، فها هو يستعرض على تلامذته حياته الجهادية اليومية المليئة بالتضحية والعمل الجليل، يقول الشيخ:
"لقد كنت في فجر حياتي العملية أقوم بواجبي في المدرسة خير قيام، مواضبة على الوقت، ومحافظة على النظام، وحسن اعتناء بالدرس، ثمَّ أخرج إلى ميدان المسجد والسوق والعشيرة، والميادين العامَّة، والمشاكل الخاصة، فأفضُّ الخلافات، وأحلُّ المشاكل، وأصلح بين المتخاصمين، وأواسي كلَّ ذي حاجة، مدفوعًا بعاطفة حب الخير للناس، وعاطفة الشفقة والرحمة التي أحسُّ بها في نفسي قوية، قوية إلى أن لا أقول معها "لا" لمستغيث أو مستعين أو مستنجد في كلِّ ما أستطيعه، وكأني والله أقوم بهذه الأعمال بطريقة آلية مطَّردة الحركة، لا أشعر بكلفة ولا مشقَّة، وإنَّما عليَّ أن أعمل بياض يومي وسواد ليلي حتى آوي إلى فراشي وكفى، لا أسأل عن عملٍ أجرًا، ولم تخطر ببالي سيادة ولا رئاسة ولا زعامة، أسير بمقتضى الفطرة والطبيعة، أحب الخير لأعدائي، وأشفق عليهم، وأحسن إليهم، ووالله ما قلت مرَّة "لا" لمن سألني حاجة منهم، مرتاح الضمير دائمًا، لا أحسُّ بحرارة حقد ولا ضغينة والحمد لله، ما تملَّقتُ غنيًّا، ولا تذلَّلتُ لقوي، بل صارحت الظَلَمة منهم العداء، وناصبتهم الحرب غير آبه لما يملكون من قوة ومال.
كذلك أريد أن تكونوا ذوي كرم وأريحية وشمم وإباء وهمَّة عالية، أحسنوا إلى من أساء إليكم، وارفقوا بالجهلة والأغبياء وضعفاء الناس، وألينوا القول لهم، فإذا جدَّ الجدُّ فاغضبوا غضبة مُضريَّة لا تلين لكم فيها قناة، ولا يفلُّ حدٌّ؛ إنَّكم إذا فعلتم امتلكتم القلوب، وتحكَّمتم في النفوس، فسلس لكم قيادها".
النقطة الحادية عشرة:
قبل أن يختم الشيخ بيُّوض خطابه ركَّز على نقطة أساسية رآها الدعامة الأولى لتأثير النفوذ في أمَّته، وتأثيره في قومه وأتباعه، وهي الثقة التي يُحضى بها المصلح والعامل في محيطه الاجتماعي، فلا المال وحده، ولا العلم وحده، ولا العقل والفكر، يستطيع إقناع الأتباع.
قال الشيخ: "أريد من كلِّ واحد منكم أن يكون ذا أمانة عند قومه، وذا مقام في المركز الذي يعمل فيه، ويتمتَّع بثقة تامَّة لدى معارفه ومعاشريه وجمهور الناس، حتى يستطيع أن يؤثِّر فيهم ويوجِّههم الوجهة التي يريد، وإن لم يفهموا حقيقة ما يدعو إليه، فإنَّ الداعي لا يعتمد أبدًا على الإقناع بالحجة والبرهان في كلِّ وقت، إنَّما يعتمد على الثقة؛ والثقة والحجة هما الدعامتان القويتان لقيادة الأمة، فإذا حصلتم على هذا مع ما بينكم من الروابط والصلات أمكننا أن نقول إنَّنا قد أنشأنا أمَّة لا جيلاً".
هكذا نأتي على مُجمل الخطاب الذي قال عنه الشيخ محمد علي دبوز: "ألقى الشيخ بيُّوض خطبته ارتجالاً بالعربية الفصحى بالأسلوب البليغ... وقد دامت مدَّة طويلة شعر بها التلاميذ لحظة، بوُدِّهم أن يحدِّثهم بهذه البلاغة وبهذا الحنان والحب الأبوي، وبهذا التوجيه الحكيم العبقري أيَّامًا متصلة، وكانوا كلُّهم إلى الشيخ يُصغون في نشوة وحماس، إصغاء الحديقة الظمأى في نشوة بالغة إلى مُزنٍ كبيرٍ ينهمر عليها بالحياة!".
ولا يسعنا في النهاية إلاًّ أن نترحَّم على صاحب الخطاب القيم، وندعو بالخير والبركة وطول العمر لشيخنا "الشيخ دحمان سعيد بن عبد الله" الذي نقل الخطاب كتابة حرفيًّا، ونترحَّم على شيخنا "محمد علي دبُّوز" الذي حافظ على هذا التراث بين دفتي كتابه(1). آمين.
قيل في الشيخ بيُّوض:
المجدُ أنتَ مُجَاهِدًا وَمُوَسَّدًا .:.:. وَالحُـبُّ أنتَ غِـنـَاؤُهُ وَبُـكَـاءُ
في كُلِّ قَلْبٍ خَفْقَةٌ لَكَ تَفْتَدِي .:.:. ذِكْرَاكَ إِنَّا لِلْفِدَا نُصَرَاءُ
الشَّمسُ أَنتَ مُعلِّمًا وَمُفَسِّرًا .:.:. لَكَ في القُلُوبِ مَحَبَّةٌ وَدُعَاءُ
وَالسَّيفُ أَنْتَ إِذَا اعْتَدَى خَصْمٌ مَضَيتَ .:.:. إلى الجِهَادِ بِجَانِبَيْكَ مضَاءُ
وَالبَحرُ أَنتَ سِيَاسَةً كَالموجِ آوِنَةً .:.:. وَأُخرَى في السُّكُونِ سَمَاءُ
النَّهرُ صَوْتُكَ هَادِرًا أَو هَادِئًا .:.:. وَالأَرْضُ شَعْبُكَ أَنتَ فِيهِ الماءُ
رَوَّيتَنَا آيَ البَيَانِ مِنَ الكِتَابِ .:.:. فَشَبَّ في وَاحَاتِنَا البُلَغَاءُ
فَهُمُ النَّخِيلُ أَصَالَةً وَتَفَتُّحًا .:.:. وَهُمُ الغَدِيرُ تُحِبُّهُ الصَّحرَاءُ
شعر د/ محمد صالح ناصر
--------------------
الهوامش
1-المرجع: نهضة الجزائر الحديثة وثورتها المباركة، محمد علي دبوز، ج3، من الصفحة 196 إلى 208.

نشر المقال في دورية الحياة، العدد: 10، 1427هـ/2006م، ص30-47.

اسم الكاتب