الشيخ عدون معدن التجديد والتطوير
د/ محمد بن قاسم ناصر بوحجام
قسم اللغة العربية وآدابها، جامعة باتنة

نبأ عظيم نزل كالصّاعقة على الرّؤوس، وخطب جليل وقع كالصّخرة على النّفوس، هزّ الأركان، وَأزّ الكيان. زعزع القلوب، وزلزل الجنوب. إنّه نبأ وفاة والدنا وشيخنا وأستاذنا الشّيخ عدّون (سعيد بن بالحاج شريفي) رحمه الله. ففي سحر يوم الثّلاثاء: 19 من رمضان 1425هـ الموافق لـ: 02 نوفمبر 2004م. نعي إلينا انتقال شيخنا إلى مثواه الأخير، ونَهَى إلينا رحيلُه عنّا إلى الرّفيق الأعلى، إلى جنّة المأوى، إلى جوار أولياء الله الصّالحين، الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، إلى حيث يقال له {إِنَّ الْمُـتَّـقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ادْخُلُوهَا بِسَلاَمٍ ـ امِنِينَ} (سورة الحجر: 45-46) {سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُـقْـبَى الدَّارِ} (سورة الرعد: 24) إنّا لله وإنّا إليه راجعون، {يَآ أَيَّـتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبـِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي} (الفجر: 27-30).
إنّ شيخنا المرحوم كان ركنا ركينا في الحركة الإصلاحيّة، التي حمل لواءها شيخنا المغفور له الشّيخ إبراهيم بن عمر بيّوض. بل كان نقطة الارتكاز في هذه الحركة، وحجر الزّاوية فيها، وقطب الرّحى في تلك النّهضة، وقد أسهم إسهاما كبيرا وفعّالا في مختلف مجالات الإصلاح: العلميّة والثّقافيّة والاجتماعيّة والسّياسية.. وقد صرّح الشّيخ بيّوض نفسه أنّ كثيرا من الأعمال والإنجازات التي كانت تنسب إليه، هي في الحقيقة من أعمال الشّيخ عدّون، وبعضها كان الأداة الفعّالة فيها.

يكفي أنّه كان العضد الأيمن للشّيخ بيّوض في كامل مراحل جهاده وكفاحه ونضاله... وأنّ الشّيخ أعطى فيه الثّقة، بعد أن قال عنه: "إنّ الشّيخ عدّون إخلاص يمشي على رجلين " فسلّم له مقاليد كثير من الأمور بعد أن كثرت أعماله، واتّسع نطاق نشاطه، وحين دخل معترك السّياسة في الأربعينيّات. وبخاصّة إدارة معهد الحياة, وشؤون التّعليم بعامّة.
يكفي أنّه المسجّل والحافظ الدّقيق الأمين لمسيرة الشّيخ بيّوض الدّعوية والإصلاحية، فقد كان يرافقه في أغلب أسفاره، ويشاركه في معظم أعماله، وكان يرصد نشاطه، ويسجّل ما دقّ وما كبر وما صغر من هذه الأعمال. لقد كان المصدر الوحيد لكثير من الخطب التي كان يلقيها الشّيخ بيّوض في المناسبات المختلفة – وما أكثرها – إنّ الشّيخ بيّوض كان يرتجل خطبه، والشّيخ عدّون يتابعه بدقّة، ويسجّل كلّ ما يتفوّه به بسرعة فائقة، وبمهارة الصّحفي المحترف المسؤول، الذي يرى نفسه مَعْنِيًّا بنقل الواقعات ورواية ما يُنْطَقُ به بأمانة ودقّة. فمعظم خطب الشّيخ بيّوض التي أثبتها أستاذنا المرحوم الشّيخ محمد علي دبوز في كتبه، كانت من تسجيل الشّيخ عدّون بخطّ يده.
إنّ الشّيخ عدّون كان يحمل لواء التّجديد والتّطوير والتّغيير، ويرفع شعار المضيّ بالمسيرة نحو الأحسن، ويسير في العمل بالأفضل من الوسائل، ويختار للنّشاط الأنجع من السّبل. يأخذ بأيدي الشّباب، ويشجع المبادرات الهادفة، ويفسح المجال للمحاولات الجادّة، ويفتح قلبه للنّوايا الطّيّبة، ويبعث الثّقة في أبنائه، ويزرع فيهم المودّة والعطف، ويتلقّاهم بروح الأبوّة الرّحيمة الشّفوقة على البنوّة الضّعيفة الوديعة.
دليل ذلك إسهامه الكبير في تأسيس معهد الشّباب (معهد الحياة) فقد حصل ذلك نتيجة ملازمته أستاذه الشّيخ بيّوض، ومطالبته بالتّجديد في أساليب التّعليم، بعد أن ضاق ذرعا بالطّرق العقيمة المتّبعة في التّدريس في المعهد الذي كان يتعلّم فيه مع بقيّة زملائه، وبخاصّة وقد آنس من جانب شيخه القدرة على التّطوير، لكنّه كان يتلكّأ لدواع وأسباب، لم تقنع الفتى الطّموح، ولم تكبح رغبة النَّهِم الجموح. فطالبه بكلّ إلحاح، وصل إلى حدّ التّلويح بالانفراد بالمبادرة، التي قد يندم الشّيخ بيّوض بعدها على عدم الاستجابة للمطلب الشّرعي والطّبيعي للطّالب الألمعي والفتى اللّوذعي. فقام الشّيخ فلبّى رغبة تلميذه، فأسّس المعهد في شوّال 1343هـ/ ماي 1925م.
ويقف شاهدا على ما أشرنا إليه ترؤسّه لجمعيات الشّباب، التي كانت تضمّ طلبة معهد الشّباب في جلسات أسبوعيّة، يلتقون فيها للتّباري والتّدريب على الخطابة والنّقد وقرض الشّعر، والمناظرات الأدبيّة والعلميّة... فكان يترأسّ ويوجّه ويصوّب وينقد ويشجّع... كما كان يتولّى رئاسة تحرير جريدة الشّباب المخصّصة لنشر المقالات والقصائد الشّعريّة والفصول النّقديّة والمسرحيّات والقصص والمناظرات الأدبيّة والعلميّة... وقد كان دور الشّيخ بارزا في توجيه الطّلبة، والأخذ بأيديهم نحو التّكوّن. وقد تخرّج في هذه الجريدة أدبيّا مجموعة من الأدباء الذين أصبحوا أعلاما متميّزة في سماء الأدب، وأقلاما بارزة في فضاء الكتابة. أمثال الأدباء والمشايخ: عليّ يحيى معمر، محمد علي دبوز، حمّو بن عمر فخار، محمد بن سعيد كعباش، محمد الحاج النّاصر، إبراهيم بن يحي الحاج أيّوب (القرادي) صالح بن صالح الخرفي، الأخضر السّائحي...
ويسند عرضنا هذا تشجُّع كثير من أصحاب المبادرات في المضيّ قدما في مبادراتهم، بفضل تشجيع الشّيخ عدّون لهم وتوجيههم، ومباركة خطواتهم، بل محاسبتهم -أحيانا - على تقصيرهم فيما بادروا به، وما تبنّوه من مشروعات وأساليب ووسائل... وكان يدافع عن المبادرات وعن المحاولات، ويردّ عنها جَهْلَ النّاس بها وبأهمّيتها وأهدافها، وتَنَكُّر آخرين لفضلها ودورها، ووقوف بعضهم حجر عثرة في سبيل تحقيقها... الأمثلة على ذلك كثيرة، نجدها في قيام الجمعيّات الأدبيّة والثّقافيّة والاجتماعيّة وأداء عملها:كجمعيّة الحياة وجمعيّة قدماء التّلاميذ وجمعيّة التّراث وأنغام الحياة... ونقف عليها في سير معهد الحياة ومدرسة الحياة، إذ نجد الشّيخ عدّون واقفا -دائما- بجانب الدّاعين إلى التّطوير والتّجديد والتّغيير، يردّ عنهم دعاوي المعارضين لذلك، ويصدّ عنهم هجومهم ووأدهم لطموحهم. فإذا تفوّه أحدهم - حين يدعى إلى اتّباع أساليب جديدة في التّدريس، ومتابعة العصر في تطوّره – بقوله: «تلك مشية لا أعرفها» يكون الرّدّ عمليّا بلسان حال الشّيخ عدّون -رحمه الله -: «تأكّد أنَّك ستألفها والزّمن طويل».
ونعثر على الدّليل والبيان في الإسهامات الفرديّة والجماعيّة، التي تعتمد التّغيير نحو الأحسن، والبحث عن الأفضل ، والتي تتّجه نحو البديل عن الموجود العقيم، والقائم السّقيم، وما يفيد الحصول على الخير العميم. فقد كان الشّيخ عدّون يرعى هذه المحاولات ويهتمّ بها، ويساير سيرورتها، وبتابع مسيرتها، ويرقب نتائجها، ويحاسب على التّقصير فيها؛ إيمانا منه أنّ كلّ فرد أو جماعة معنيّة بالعمل والحركة والقيام بالواجب، وأنّ كلّ من يملك طاقة من حقّه أن يستثمرها في سبيل الخير والعمل للرّفع من المستوى، والخروج من التّخلّف. متيقّنا أنّ المسؤولية منوطة بالجميع، لا تخصّ سنّا معيّنة، ولا ترتبط بفئة خاصّة، ولا توكل بشريحة متعيّنة، كلّ يشارك بما يمليه الواجب، ويقتضيه المقام، ويفرضه الواقع، وتدفع إليه الكفاية، وتدعو إليه المصلحة، ويسوق إليه الطّبع...
لقد سمح هذا التّوجّه ببروز كفايات، والكشف عن مؤهّلات، واستثمار طاقات، واحتضان مبادرات، وتوزيع مسؤوليات، واحترام تخصّصات، واحتواء محاولات... وكان نتيجة كلّ ذلك ارتياح السّراة والأعيان والمشايخ واطمئنانهم على استمرارية النّهضة ومواصلة المسيرة، وضمان الوفاء للمبادئ والأصول؛ لأنّ الشّيخ عدّون وأمثاله ساروا بهذا المنهج، وكافحوا بهذه الطّريقة، وقادوا العمل بهذه النّظرة، ومن بقي بعيدا لم يسلك هذا الدّرب،ولم يقتفِ هذا الضّرب، وجد نفسه بحلّق في غير هذا السّرب.
ممّا يسجّل للشّيخ عدّون استماتته في الدّفاع عن الإصلاح، إصلاح الدّين، إصلاح النّفوس، إصلاح المناهج، إصلاح التّربيّة والتّعليم، إصلاح العادات والتّقاليد، إصلاح العلاقات، إصلاح الفكر، إصلاح طرق التّعامل مع الحياة المتجدّدة المتغيّرة... لذا كان مسهما ومرابطا – بخاصّة - في الحركة الإصلاحيّة التي قادها الشّيخان إبراهيم بن عمر بيّوض وإبراهيم بن عيسى أبو اليقظان ـ رحمهم الله ـ. وكان منافحا ومدافعا عنها بكلّ ما أوتي من قوّة، وكان حريصا على رصدها، وإطلاع الأجيال المتلاحقة على تفاصيلها: منطلقا وهدفا وسيرورة وصيرورة، وقوّة وضعفا، وعراقيل ومطبّات، ومنجزات وآفاقا وأعلاما ورجالا عاملين. لا يفوّت أيّة فرصة تتاح له فيقدّم للشّباب نبذا من هذه المسيرة، تبعث فيهم روح التّضحيّة والعمل، وتنهض بهم من الخمول والخمود والهمود والجمود.
ممّا يشهد له به في هذا السّياق حرصه الشّديد على تطبيق شرع الله، بداية من أسرته و تربية أبنائه، مرورا بمعهد الحياة والمدارس التي يشرف عليها، وتوجيه تلاميذه ونصح المعلّمين والأساتذة، وإظهار السّخط والغضب على كلّ انحراف يلاحظه في الميدان، في السّلوك أو المنهج, وصولا إلى المجتمع بكلّ شرائحه وطبقاته. فقد كان يوجّه الصّغار، وينصح الكبار, ويذكّر المسؤولين حتّى في المستويات العليا من الحكم، عملا بتوجيه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: النّصيحة لله ولرسوله ولأئمّة المسلمين وعامّتهم.
من هذه المجالات التي أعطى لها نَفْسَه، وأنفق نفيسه، وأطال فيه نَفَسَه، مجال اللّغة العربيّة. فإلى جانب إطالة مدّة تدريسه اللّغة العربيّة، قواعد ونصوصا أدبيّة، كان الحامي للّغة من العابثين بها، والخاذلين لها، والرّافعين لواء الهجوم عليها والاستنقاص منها، وتهميشها في الحياة العامّة. فكان متعصّبا لها؛ حين أبدى زائغو العقيدة، وضعفاء الإيمان، ومهزُوزُو الكيان، احتفاءهم باللّهجات المحليّة، على حساب لغة القرآن، ولغة الدّين، واللّغة الجامعة للقلوب، والحامية للأصالة، والبانية للكيان، والضّامنة للبقاء...حين سار هؤلاء في هذا الدّرب تصدّى لهم بقوّة بخطبه وتقريعاته ورفضه الإنشاد بغير اللّغة العربية، وكتابة القصائد بغيرها. إنّ ذلك هو شعور المؤمن الصّادق الذي يضع الدّين فوق كلّ اعتبار، ويصرّ على ذلك كلّ الإصرار،مهما يلحقه من جرّائه من أضرار، وهو يعلم أنّه يؤوب بالانتصار وأيّ انتصار. وفي هذا يقول الدّكتور محمد بن صالح ناصر مخاطبا الشّيخ عدّون:
وَقَوَافِلُ الأَجْيَالِ كَمْ وَرَدَتْ بِحَوْضِك تَنْهَلُ الفُصْحَى كُؤُوسًا أَحْمَدِيَّه
ماذا نقول وماذا نُبقِي في حياة مربّي الأجيال، وماذا نبدي وماذا نعيد في مسيرة صانع الرّجال. حسبنا تقديم نبذة من ذلك، نبرّ بها شيخنا، إن كان هذا يشفع لنا ما له علينا من حقّ، ولا أظنّه يشفع. ويكفينا عذرا تحسيس الأبناء بقيمة هذا الرّجل العظيم، وتوجيههم كي يقتفوا أثره، ويتتبّعوا خبره، وينشروا فكره، ويذيعوا ذكره، وما أَحسبُنِي بلغت بهم هذا الهدف، فما يزال الجوهر مكنونا في الصّدف. فما عليهم إلاّ أن يغوصوا في هذا البحر، ففي أحشائه درر وغرر. نختم هذه الخواطر بأبيات لأستاذنا الدّكتور محمد بن صالح ناصر، من قصيدة طويلة قالها في حقّ الشّيخ عدّون بعد أن تجاوز المائة من عمره:
الوَعظُ عِندَكَ لَيسَ قَولاً، إنَّهُ مُثُلٌ تَجَسَّدُ في سُلُوكِكَ سَرمَدِيّـَه
وَالجِدُّ عِندَكَ في التَّعلِيمِ فِطْرَةٌ مَوصُولَةُ الأَنفَاسِ صُبْحًا بِالعَشِيَّه
عَلَّمْتَنَا أَن لاَ نَرَى غَيرَ السَّمَاءِ تَدَيُّنًا، وَتَسَامِيًا فَوْقَ الدَّنِيَّـه
وَتَطَلُّعًا لِلعِلْمِ لَيسَ بِمُنْتَهٍ، مَا لَمْ يُشَوِّهْ مِن أَصَالَتِنَا الغَنِيَّـه
لَقَّنْتَنَا قِيَمَ الصَّلاةِ، فَحوَّلَتْ مِنَّا النُّفُوسَ مَآذِنًا شَعَّتْ سَنِيَّـه
عَوَّدْتَنَا فَرْضَ الجَمَاعَةِ، فَانْصَهَرْنَا في الجَمَاعَةِ لاَ نَدِينُ بِطَائِفِيَّـه
فَتَّحْتَ أَعيُنَنَا بِنُورِ الفَجْرِ، فَانْجَابَتْ دَيَاجِي كُلِّ مُشكِلَةٍ عَصِيَّـه
وَأَضَأْتَ مِن نُورِ الكِتَابِ طَرِيقَنَا، فَتَوَجَّهَتْ نَحْوَ المعَالِي مَسْجِدِيَّـه

وَتَوَحَّدَتْ خَطَوَاتُنَا نَحوَ الغَدِ البَسَّامِ، نَمْضِي في طَرِيقٍ سُنْدُسِيَّـه
الدِّينُ أَرضَعَنَا، فَآخَى بَيْنَنَا، وَالدِّينُ لِلأَفْكَارِ رَابِطَةٌ قَوِيَّـه


رحمك الله -شيخنا - رجلا أصلح نفسه، ثمّ دعا غيره. ورحمك شهما عاش أبيّا، وملّك المجتمع أمره، ورحمك مجاهدا عمل مع زعيم الأمّة، وشدّ أزره، ورحمك عظيما أحسن إلى نفسه، وعرف قدره، ورحمك امرأ عمّر طويلا، وأهدى للنّاس خيره، ورحمك أبا عطوفا، رعى محيطه وغيره... ورحمك ورحمك. سلام عليكم في الأوّلين والآخرين، وسلام عليكم في علّيّين، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.

نشر المقال في دورية الحياة، العدد: 10، 1427هـ/2006م، ص255-261.

اسم الكاتب