د/ عبد العزيز بن محمد خواجة
المركز الجامعي ـ غرداية ـ
مقدمة
مرَّ علم الاجتماع بمجموعة من المراحل المتعاقبة التي عرفت الارتفاع والانخفاض، ولا تخلو هذه المراحل من حالة أزمات حادَّة جعلت هذا العلم يتقوقع على نفسه أحياناً أو يعيد إنتاج ذاته أحياناً أخرى. والفترات القوية في تاريخ علم الاجتماع يكاد لا يزيد عددها عن عدد أصابع اليد الواحدة، لكن هذا لا يعني أن المراحل الوسيطة فارغة إنّما كانت لحظات تأمُّل وبناء وتحضير لما يليها.
ولعلّ المتجول اليوم في أروقة علم الاجتماع من خلال الملتقيات العالمية وصفحات الإنترنت والمجلات المتعدِّدة، يشعر بحالة أزمة حقيقية، فهي في غالبها تفتقد لنظريات جديدة وطروحات قادرة على إحداث قطيعة مع ما قبلها كما لا نجد أسماء لامعة في مكانة «دوركايم» و«فيبر» أو حتّى «بوديو»، ومعظم الموضوعات هي إعادة بناء وإنتاج للكلاسيكية أو ما جاورها، وفي أحسن الحالات لمرحلة الستينيات والسبعينيات، فهي تجميع وإعادة تجميع للنظريات المختلفة.
فهل السوسيولوجيا المعاصرة عاجزة عن خلق «باراديجمات» جديدة أم أنَّها هي الأخرى تعاني من مجرد حالة انتقالية وتحضيرية لمرحلة جديدة أكثر خصوبة وفقًا لقانون التغيُّر الاجتماعي الذي شهده هذا العلم من قبل؟
من أهمِّ الموضوعات التي طرحها "الكلاسيك" وتعاقب عليها السوسيولوجيون من بعدهم، بشكل متكرِّر موضوع "التغيُّر الاجتماعي"، رغم ذلك تبقى الدراسات الميدانية والاختبارية للكمِّ الهائل من النظريات في هذا الموضوع في المجتمع الجزائري ناقصة بالنظر إلى بلدان أخرى.
***
1 - مدخـل نظـري
إن المتتبِّع للفكر السوسيولوجي في تطوره سيجد عدداً رهيباً من الثنائيات النظرية والتطبيقية، التي تتصارع فيما بينها من أجل احتواء الباحث لصفِّها ضدَّ الصفِّ الآخر، وتُحتِّم أغلب الدراسات المنهجية ضرورة الانتماء إلى إحدى الضفَّتين، وتعتبر موقع الوسط استغلاليةً وضعفاً في التكوين. ورغم بعض المحاولات التوفيقية إلاَّ أن الدراسات المنحازة هي التي تعرف الاستمرارية غالبا. نجد أنفسنا هنا أمام نفس الطرح أثناء تناولنا لموضوع التغيُّر الاجتماعي؛ فقد اعتادت الدراسات أن تضع هذه القطعة المفاهيمية في الاتجاه المعاكس لنظريات الضبط الاجتماعي أو الوظيفية في أحسن الأحوال.
نتساءل هل يمكن أن نجد بين التغيُّر والضبطيَّة موقعا يجمعهما؟ وإلى أي درجة يمكن التغيّر في الضبط والضبط في التغيّر؟ أم أن هذه المحاولة ما هي إلاَّ مجرد تلاعب بمصطلحات لا تعرف انتماءها الجيو-سوسيولوجي؟ وفي حال النجاح في خلق التموقع المشترك ألا تصبح المحاولة سبحًا في الخيالات النظرية بعيدًا عن التطبيقية والتمثيلة الميدانية... نحاول في هذا المدخل النظري المختصر تقريب المفهومين وفهم الممتلكات المشتركة بينهما، ومدى مشروعية كلِّ رهان يطرحه أفراد كلِّ طرف، ثمَّ البحث في إحدى التطبيقات الميدانية عن مصداقية هذا التصوُّر.
***
2 - التغيّـر الاجتماعي changement social: أيُّ محتوى؟
التغيُّر الاجتماعي «هو التحوّل الذي يحمل دلالة سواء كان بشكل جزئي أو كلي للنظام الاجتماعي بمختلف أجزائه وأنماط الفعل»(1)، وقد ارتبط التغيُّر الاجتماعي بشكل قوي بعلم الاجتماع حتّى اعتُبر علم التغيُّرات الاجتماعية، فمنذ الرواد الأوائل وموضوع التغيُّر يحتلُّ الصدارة في الدراسات السوسيولوجية، فقد أعاد سان سيمون (SAINT-SIMON 1760-1825) التغيُّر الاجتماعي إلى ظاهرة التصنيع، أمَّا كونت (A.COMTE 1798-1857) فربطه بقانونه للحالات الثلاث.
وفي منتصف القرن التاسع عشر يقترح كارل ماركس (K.MARX 1818-1883) نموذجاً تاريخيًا ومادياً للتحليل يفرّق فيه بين التطوُّر والثورة، فالأول يقوم على الظواهر الاقتصادية المبنية والاستغلال والتنافس لصالح الأكثر قيمة، لكن تراكم هذه الظواهر وتزايد درجة التناقضات يجرُّ إلى النوع الثاني ألا وهو الثورة(2).
في نفس الإطار يقدِّم التطوريون نماذج مغايرة لحركة التغيُّر من خلال مجموعة من الميكانيزمات. وهنا يبرز سبنسر (H.SPENCER 1820-1903) الذي يعتبر التغيُّر ظاهرة عالمية تتَّجه من البسيط إلى المعقد ومن المتباين إلى المتجانس، ومن العسكري إلى الصناعي، فالتغيُّر الكلي يطغى على التغيُّر الجزئي. ورغم أن دوركايم (E.DURKHEIM 1858-1917) لا يندرج ضمن هذه النظرية لكنه يستغل مفهوم الاتجاه نحو المعقَّد لتفسير الانتقال من التضامن الآلي إلى التضامن العضوي عن طريق تقسيم العمل الاجتماعي. وقد بنى «لويس موجان» التغيُّر على مراحله الثلاث (المتوحشة، البربرية، المدنية)(3).
كما نجد نماذج مختلفة للتغيُّر الاجتماعي قدمها الكلاسيكيون سواء الأروبيون منهم أو الأمريكيون تتباين في أهميتها (ماكس فيبر، درندورف R.Dahrendorf، أ.توران A.touraine، ل. وارنر L.Warner وغيرهم)(4).
أمَّا في علم الاجتماع المعاصر فقد غامرت البنيوية بمختلف صورها بوضع التغيُّر الاجتماعي بين قوسين والاهتمام بالتغيّر الداخلي للبُنى، لكنَّ الانتقادات الشديدة التي وُجِّهت لها جعلتها تحاول البحث عن التغيُّرات الخارجية للبنية. فالتغيُّرات التي تقع على مختلف المستويات السياسية والاقتصادية والثقافية والصناعية... تجبر عالم الاجتماع بالاهتمام بمختلف العوامل المساهمة فيه إضافة إلى مختلف أشكاله(5).
فهذه النظريات تقدم التغيُّر وفق نموذج مُسبق سواء باعتباره يسير نحو مجتمع أفضل، أو أنَّه في حالة تأخُّر مستمر وفق سبب وحيد وحاسم، وأصبحت هذه الظاهرة التنميطية عامَّة في مجال علم الاجتماع يكاد لا يخلو منها كتاب مهمّ في هذا العلم، وتبقى اللائحة طويلة في تعداد النماذج لا يحصرها مؤلَّف واحد(6).
وقد حاولت مجموعة من السوسيولوجيين وضع هذه النماذج ضمن تصنيفات وفقا لعدَّة أسس من ذلك تصنيف كوهن P.COHEN ، ومور W.MOORE، وأنكليس A.Inkles وبوتومور T.BOTTOMORE ومارتينديل D.MARTINDALE ... حسب اتجاهها ومسبباتها أو دائرة التغيُّر الصغرى والكبرى للمجتمع الكلي (7).
أسبابُ التغيُّر الاجتماعي متعدِّدة وغالبا ما تكون متداخلة، فالتغيُّرات الديموغرافية التي عالجها «مالتوس» MLTHUS والذي أشار إليه دوركايم لها تأثيرات معتبرة على المستوى الاقتصادي والصناعي أو الثقافي. كما أنَّ التحولات العلمية والتقنية تغيِّر في الآن نفسه من ظروف العمل وأنماط الاستهلاك والتي لا يمكن عزلُها عن الأسباب الثقافية. القيم والمعتقدات والإيديولوجيات هي الأخرى عامل من عوامل الاستقرار أو الصراع والتي لها تأثيرات متعدِّدة في المجالات المختلفة. وهنا تكمن المهمَّة الصعبة لعلم الاجتماع في البحث عن التغيُّرات الأكثر دلالة من خلال العلاقات بين العوامل(8).
أشكال التغيُّر ليست هي الأخرى بالأقل أهمية، والنماذج المقدَّمة منذ القرن التاسع عشر لا تبقى مطلقة في هذا الإطار؛ فيمكن داخل التعقد الذي يعيشه المجتمع المعاصر أن نشاهد أشكالاً للثورة كما نشاهد أشكالاً للتطوُّر. وفي حالات عديدة داخل بعض المنظمَّات والمؤسَّسات نرى تغيُّرات متطورة نتيجة عوامل ضدَّ وظيفية، والإخفاق عن طريق الصراعات الجانبية المتراكمة يولِّد التحوُّل أيضاً.
وتجدد التغيُّرات ذات الطابع الثوري مظاهر العنف والسرعة التي عرفتها الثورات السابقة. ولا نحتاج إلى أمثلة عن التغيُّر عن طريق التحوُّل والتي تؤثر كلية على أبعاد البنيات والممارسات الاجتماعية دون أن تأخذ طابع القطيعة الثورية المحدودة في الزمن(9).
فمفهوم التغيُّر الاجتماعي يحمل مجموعات من الإشكالات التي تطرح نفسها على السوسيولوجي في مواجهة هذا المصطلح، أهمُّها:
أ- مصـطـلح التـغـيُّر:
ألم يتم تجاوز بعض المصطلحات في علم الاجتماع المعاصر كمصطلح نظرية أو نظريات التغيُّر؟ ألا يحمل هذا المصطلح في ذاته كمًّا كبيراً من الظواهر (التطوُّر، الحراك، التنمية، التاريخية، التجديد، انتشار، تحول...)(10) تحتاج إلى تحديد ممّا يجعل المصلح الأمّ فارغا عن محتواه؟ ألا يحمل هذا المصلح انحيازاً مسبقاً وإيديولوجيات مبيّتة؟ ويظهر كلّ ذلك في أزمة تعدّد التعاريف وعدم وجود تعريف مشترك بين علماء الاجتماع رغم الإرث الكبير لهذا المفهوم تاريخيا(11).
ب - اتجاه التغـيُّر:
إلى ماذا يتّجه التغيُّر؟ أإلى التحوُّل، أم التوافق، أم التطور... ؟ وهل هذا الخط مستمرٌّ ومستقيم أم أنّه متعرِّج ومتعدِّد الاتجاهات، وهل يمكن توقعها أم لا؟.
ج - أشكال التغـيُّر:
ما هي الهيكليات التي يأخذها التغيّر الاجتماعي؟
د - أسباب التغـيُّر:
هل له سبب واحد مهيمن أم أسباب متعدِّدة؟ وإن كانت متعدِّدة فما طبيعة هذا التعدُّد والتساند؟ وهل هذه الأسباب داخلية أم خارجية؟
هـ - نموذج التغـيُّر:
هل يسير التغيُّر وفقاً لنموذج واحد وجاهز كما حدَّده الكلاسيكيون، أم أنَّ هذه النمذجة ما هي إلاَّ ترف فكري من أجل التميز النظري؟ وهل على السوسيولوجي التقوقُع داخل نموذج واحد أو أخذ موقع براغماتي منها أو تجاوزها تمامًا؟ وهل يجب عرض هذه النماذج بشكل رياضي أم مجرَّد توصيف لها يكفي؟(12)
و - محرِّك التغـيُّر:
والمحرك هنا يختلف عن السبب، فهو مفاعل يجعل الأسباب تتحرَّك وفي حال غيابه تصبح الأسباب صماء لا حركة لها، فما هي هذه المحركات؟ وهل يوجد محرِّك واحد أو محرّكات متعدِّدة؟
ز - وعي التغـيُّر:
هل الأفراد المكوِّنُون لعملية التغيُّر واعون به أم لا؟ هل يمكن التحكّم في ظاهرة التغيُّر أم أنَّها حتميَّة تَسير وفق آلياتها الذاتية خارج الفاعلين؟
***
3 - الضبط الاجتماعي Contrôle Social: بناء أم تبريرية؟
تُعرِّف معاجم علم الاجتماع الضبط الاجتماعي بأنّه «مجمل الوسائل التي تملكها مجموعة (عمومًا) من أجل جعل الأفراد المنتمين لها يرتاحون للمعايير والقواعد التي ربّتهم عليها» أو «العمليات التي من خلالها يضمن مجتمع أو مجموعة ما خضوع أفراده للنماذج السائدة فيه»(13) وتضمُّ العائلة المفاهيمية لهذا المصطلح قائمة منها: «الرقابة»، «القهر»، «الضغط الاجتماعي»، «السيطرة»، «الإخضاع»... وغيرها من المفاهيم الاجتماعية والتي تشمل كلّ العمليات والإجراءات البسيطة والمعقدة التي يمارسها المجتمع باستمرار على أفراده من أجل ضمان الحدِّ الأدنى للتوافق بينهم، ومساعدتهم على التكيُّف والاندماج داخل أنماط التفكير والسلوك والشعور بالجمعية السائدة داخل هذا المجتمع.
ولم تكن إشكالية الضبط غائبة عن الكلاسيكيين فقد اهتمَّ أغيست كونت بموضوع «النظام» والدور الذي يلعبه باعتباره شرطاً للمظاهر الواقعية، للدين والأخلاق والمعرفة. أما «سبنسر» فقد استخدم هذا المصطلح في مبادئ علم الاجتماع وعلاقته بنظريته حول «حكومة التقاليد»(14). وتكاد تشترك كلُّ دراسات «إميل دوركايم» في قاعدة أساسية هي مفهوم "الضبط" من خلال «القهر الاجتماعي» دون الاهتمام بأشكاله التطبيقيَّة، التي جلبت انتباه علماء الاجتماع الأمريكيين.
وظهر هذا الاتجاه التطبيقي بالخصوص في أعمال Edward.Alswoth. ROSS(15) بشكل مباشر ثم دراسات بارك R.E Park وبيرجس Bergess وCH. Ellwod ومنذ أنّ خصَّصت «المؤسسة الأمريكية لعلم الاجتماع» مناقشاتها حول هذا الموضوع سنة 1917 أصبح مشكل «الضبط الاجتماعي» في الولايات المتحدة أحد المبادئ المركزية، وتزايدت الدراسات مع كولي (C.H Cooley 1864-1929)(16)، ولـملي FE LEMELEY(17) ودود Jeaom Cond Dawd(18) وغيرهم من الأعمال الأخرى(19) كأعمال الألماني فرناند تونيز (F.TONNIES 1855-1936) وجورج غيرفيتش(20) (G.GURVITCH 1897-1965)‏ وغيرهم.
***
يمكننا أن نلاحظ أن منطلقات الاهتمام بدراسة قضايا الضبط الاجتماعي في علم الاجتماع الغربي لم تكن مجرَّدة من حاجات براجماتية وخلفيات إديوـ فكرية، بل كانت تسعى غالبا إلى تثبيت نظام أو الثورة ضدَّ نظام آخر، وهو ما يعكس الاختلاف أيضا في تحديد مفهوم الضبط وتعلُّقه بمنظومة النظام السياسي والاقتصادي السائدة في المجتمع.
فالتركيز على دراسة الضبط في نهاية القرن التاسع عشر مثلا يعكس الحاجة العلميَّة الـمُلِحَّة للطبقة المسيطرة في الغرب لفهم أكثر عمقاً لعمليات الضبط بعد أن أثبتت الوسائل التقليدية فشل أدائها الوظيفي أمام الظروف الجديدة، وتزايد أزمة الرأسمالية في عدم تحكّمها بأعضائها.
ويرى «جولدنر» أن هذا المصطلح يرتبط بشدَّة ببعض التيَّارات النظرية والاتجاهات الفكرية المحافظة في الفكر الأوروبي كالاتجاه الوضعي والوظيفي، خاصة إذا علمنا أن غزارة الدراسات في الموضوع لم تزد إلاَّ بعد ظهور التيار البنائي الوظيفي في أمريكا، والذي يسعى إلى إخفاء الصراعات والتناقضات بين مصالح مختلف الجماعات. ولا يعني هذا عدم مصداقية دراسة الضبط لأنَّ المجتمع لا يقوم ولا يستمر إلا من خلاله، أمام هذه الخلفيات يزداد «غيرفيتش» أكثر أسى لبعض الدراسات التي ما تزال تحمل بقايا السوسيولوجيا القديمة.
4 - من تناقض الشكل إلى تقارب المحتوى:
رغم أن «كوسون» أعطى بعض معوقات الضبط الاجتماعي(21) إلاَّ أنّها محدودة جدًّا في نطاق العائلة والمجال الأخلاقي، وما عدا ذلك فقد فوجئنا حين تتبعنا المراجع التي بين أيدينا، فلم نجد من يتحدَّث عمَّا يمكن تسميته «بمعوقات الضبط الاجتماعي»، ويعود ذلك إلى سيطرة الاعتقاد ببديهية التناقض بين التغيُّر والضبط، وأنَّ الأول معوق للثاني، في حين يرفض «غيرفيتش» هذه الازدواجية ويعتبرها من مخلفات سوسيولوجية القرن XIX ولكنه ـ فيما يبدو ـ لم يفرق بين التطوُّر والتغيُّر هو الآخر، فقد اهتمَّ علماء الاجتماع الأوائل بالأول (التطور)، أما المعاصرون فقد اهتموا بالثاني(22).
ونحن نتساءل بدورنا : هل التغيّر الاجتماعي عائق للضبط ؟
التغيُّر الاجتماعي هو كلُّ التحولات الملاحظة عبر الزمن، والتي لا تكون إلا ظاهرية ومؤقتة، تخصُّ بنية أو وظيفة التنظيم الاجتماعي الجمعي المعطى وتحويل توجهه التاريخي(23). ولا يكون التغيُّر عائقا للضبط إلا بما يحمله من قيم مقابل ما يحمله الضبط الاجتماعي، فإذا كانت هذه القيم متصارعة ومتناقضة كانت عائقا وحاجزا أمام ممارسة الضبط، أمَّا إذا كانت تسير في نفس سياقه كانت دعامة له ومساندة لمسيرته.
فقد تُحدث السلطة السياسية مجموعة تغيُّرات في نظامها وممارستها، ولكنّها دوما تهدف إلى ترسيخ ذاتها، أمَّا إذا صدرت هذه القيم من حزب معارض يخالف أيديولوجيتها يصبح حينها عائقا لها، لهذا لا يمكن الحديث عن معوقات الضبط إلاَّ بالنسبة لتنظيم معين (هيئة محدّدة) وفي فترة زمنية محدّدة، لأنّ ما يمكن أن يكون عائقًا لهيئة ما هو أداة للضبط بالنسبة لهيئة أو جماعة أو تنظيم آخر.
معوِّقات الضبط بالنسبة لتنظيم ما، بالتالي هي كلُّ جماعة، هيئة، فكرة أو تنظيم يحمل قيما تدخل في صراع مع قيم هذا التنظيم الذي يمارس ضبطاً اجتماعياً ما، بل إن التغيُّر لا يتم إلا في ظل الضوابط الاجتماعية ونظمه.
وقد عالج العالم الاجتماعي الألماني R.DAHRANDORF (درندورف) قضية التناقض والصراع في إطار نظريات التغيُّر الاجتماعي، واعتبرها متأصِّلة في كلِّ المجتمعات وأعادها إلى عدم المساواة في توزيع النفوذ (النفوذ هنا بالمعنى الفيبري للسلطة أي احتمال استمرار نظام في جرِّ مجموعة من الأفراد للخضوع لها)، باعتبارها ظاهرة متجذرة في النسيج الاجتماعي لكلِّ المجتمعات باختلاف أشكالها، وكل العلاقات تنبني على مبدأ قاعدي «سيطرة ـ خضوع».
ولا يمكن ملاحظة هذا المبدأ مباشرة في المجتمع بل يجب ملاحظته في جماعة معينة وفي فترة محدَّدة، وتعكس هذه الازدواجية مصالح متناقضة. وهذا يعني أن معوقات الضبط، والضبط يوجدان دوما جنباً لجنب، وحيثما وُجد الأوَّل وُجد الثاني. ويرى أن التغيُّر الراديكالي ناتج من شدَّة أو حدَّة الصراع، أما التغيُّر المفاجئ فهو ناتج من العنف في الصراع كما أنَّ النفوذ سبب الصراع فقد يكون سبباً للاندماج(24).
دون أن ننسى بأن النفوذ ليس السبب الوحيد في الصراع أو العائق الوحيد للضبط. فإلى جنبه تجلس عدَّة عوامل أخرى تدخل في إطار نظريات التغيُّر كالتزايد السكاني، التكنولوجيا، العوامل الثقافية وغيرها كما سبق(25).
من خلال الطروحات السابقة تبدو إشكالية «المحتوى» هي الأساس على حساب «الشكل» الذي يأخذ عدَّة صور، فمهما كان الشكل المقدَّم ضبطاً أو تغيُّراً فلا يحمل ذلك معنى ذا دلالة إلاَّ من خلال محتواه، والمحتوى لا يخرج عن تمركزه حول بؤرة «نسق القيم». مهما اختلفت الظواهر وتعددت أشكالها فلا يمكن فتح نقاش حولها إن لم تتضمَّن قيماً معيَّنة تستفزّ طرحها للنقاش، لأنّ القاعدة الأساسية التي تقوم عليها المجتمعات هي نسقها القيمي واختراقه لوحداته وعناصره المختلفة.
وتجميع هذه الإشكالات المطروحة عن التغيُّر الاجتماعي والضبط الاجتماعي تطرح إشكالية علم الاجتماع في حدِّ ذاته، وبل أحياناً مشروعيته كعلم قادر على تناول ظواهر اجتماعية بشكل موضوعي وعلمي، وقد نتجاوز هذا الطرح باعتبار علم الاجتماع علم دراسة «الأنساق القيمية» في المجتمع.
***
نحاول اختبار أطروحاتنا النظرية بمثال تطبيقي واقعي، يتمثَّل في المجتمع الميزابي، فهل يستند هذا المجتمع على التغيُّرية أو الضبطيَّة، وما العلاقة بينهما؟
5 - تاريخـية مجتمع:
ميزاب منطقة تقع في الجنوب الجزائري على بعد حوالي 600كلم من العاصمة. تتشكل من عدَّة عناصر إثنيَّة أهمُّها الميزابيون البربر الأوائل، ومن الخطأ اعتبار هذه المجموعة البشرية التجأت إلى ميزاب بعد سقوط تيهرت مباشرة، لأنَّ التاريخ السلالي للميزابيين أقدم من التاريخ المذهبي المتمثِّل في الإباضية، ولكن قدوم الرعايا الرستميين إليها، وطغيان التاريخ المذهبي على السلالي كان وراء هذه النظرة الخاطئة، فالإباضية باعتبارها حركة مذهبية انتقلت إلى ميزاب بعد مؤتمر «أريغ». وقد قاتل المعتزلةُ اللاجئين الإباضية حين قصدوا ورجلان مرورا بميزاب(26).
وبعد اختيار «أبي عبد الله محمَّد بن بكر» بادية بني مصعب (ميزاب) موطنا للإباضية، هاجر إلى هذه البادية عددٌ كبير من معتنقي هذه الحركة من مختلف المناطق منها نفوسة، جربة، تيهرت، الأوراس... إلخ، ممَّا جعل البنية الاجتماعية القديمة وحتى اللسانية تنفجر لأنَّ نظم النازحين «مختلفة باختلاف أماكنهم ونزعاتهم وقبائلهم وعوائدها، ثم إنَّ نظام تيهرت نظام دولة، ونظام القبائل المتفرقة بعدها نظام مجموعة»(27).
وفي هذا الوادي النائي الجدب البعيد عن العمران في صحراء الصحراء ، على حدِّ تعبير José.Gers ، العارية والصخرية(28) ، أقام الميزابيون (الإباضية) مُدُنهم الجديدة دون أن تتوفر لهم أدنى الأسباب المادية للعمران (لا زراعة ولا ماء ولا مواد صناعية أولية...)، إنّما السبب الوحيد لتكثلهم هو "العقيدة" كمفاعل لاتحاد هذه العناصر البشرية المتباينة(29) وتجمُّعهم حول قطب أو مثال ديني أعلى يضحُّون من أجله «يضمن منطق وهدف حياتهم بل حياتهم في ذاتها»(30)، أو بعبارة أخرى حول «نسق قيمي يحكمهم ويوجههم».
فأصبحت ميزاب بمثابة بذرة حملتها الرياح التاريخية من الحضارة الرستمية ـ حسب تعبير مالك بن نبي ـ لتُنبِت وتتفرَّع بفضل «الإجماع» الذي ينظِّم علاقات الفرد بالجماعة والجماعة بالفرد، في وسط مشحونٍ بدفعة نفسيَّة اجتماعية شكّلت أساساً لميكروـحضارة (Micro-Civilisation)(31)، معتقدين أن الصحراء تحمي دينهم وتضمن استقرارهم(32).
تضمُّ منطقة ميزاب سبع قرى في شكلها الحديث أولها «العطف» أو «تجنينت» بالبربرية أنشئت سنة 1011م، ثمَّ «آت بنورة» 1046م، غرداية «تغردايت» 1053م ، قرية مليكة «آت مليشت» 1124م، بني يزقن «آت اسجن» 1347م، ثم تبعتها القرارة 1630م، وبريان 1679م، وهاتان القريتان الأخيرتان حديثتا العهد بالنسبة للأخريات(33).
بُنيت هذه القرى تبعا لمجموعة من الضروريات البنائية التي تضمن النسق القيمي لهذه المجموعة بداية من سلطة الفكر الديني، وسلطة الدفاع(34)، فقد كانت على سفح الجبل ثم انتقلت إلى قمته بعد الغارات المتعدِّدة عليها مستفيدة بذلك من خبراتها العسكرية الأمنية(35). وينقسم المجال مرفولوجياً لثلاثة عناصر رمزية ذات أهمية في الذاكرة الجمعية؛ تجسيدًا للتراتبية القيمية هي البئر لضمان الحياة؛ البرج لضمان السلم؛ والمصلى لضمان «المذهب»(36)؛ ويبقى التضامن والفعالية أحد المبادئ الأساسية لهذه الجماعات في قرى ذات هندسة معمارية مميَّزة(37).
تعود الحركة البشرية في إنشاء هذه القرى إلى الانفجار السكاني، سواء أكان مصدره داخليا أو خارجيا أو إلى التـحام قرى صغيرة تندمج داخـل قـريـة واحـدة (مثـل بني يزقن) أو نتيجة هجرة مجموعة من إحدى القرى لإنشاء قرية أخرى، كما لا تخلو بعض المراحل التاريخية من صراعات بين هذه القرى(38).
وبداية من القرن XIV انتقلت إلى ميزاب جماعات عقائديَّة وإثنية مختلفة كاليهود الجربيين وبعض معتنقي المذهب المالكي والبدو (بني مرزوق 1429)(39). وانطلاقا من سنة 1950م تزايد مؤشر النمو الديمغرافي، نتيجة اكتشاف آبار البترول التي أعطت للصحراء أهمية ديناميكية، وأحدثت حركة سو سيو ـ اقتصادية بالمنطقة.
ويعود توافق هذه الجماعات الإثنية والدينية نسبيًّا إلى تقسيم العمل الاجتماعي، فالميزابيون يشتغلون بالتجارة والزراعة؛ اليهود بالخياطة والصناعة؛ بني مرزوق بالنسيج؛ والشعانبة والمذابيح بالرعي(40). كما أَحدثت المنطقة الصناعية الجديدة بها انحدارا سكانيًّا عكسيًّا من الشمال إلى الجنوب (خاصة التجار) لاستثمار أموالهم(41).
وبعد الاستقلال وباسم الشرعية الثورية والنمط الثوري المستوحى من النسق السوفيتي-الصيني (كتصور مثالي) وقفت الدولة الجديدة ضدّ كلّ ما هو من العادات والتقاليد واستهدفت المؤسّسات السوسيو ثقافية بالتشويه، لتنتج بذلك قطيعة حادّة بين الماضي والحاضر. وتحول الصراع بين النسق التقليدي والاستعماري إلى تناقض بين النسق التقليدي والرسمي على أنّ الدولة تعتقد أن الموانع الدينية والتقليدية حاجز في وجه التقدّم والتطوّر، والتي يعتبرها مالك بن نبي موانع (Gard fous) تحمي المجتمع من الانتحار في جسر نحو التطوّر..
ورغم محاولات «التمزيق» هذه، قاومت المؤسسات التقليدية عند الجماعات الإباضية، بمفعول مجموعة آليات داخلية وبقوّة استمرارية الوعي الجمعي، كلّ تهميش فكري واجتماعي، ومن بين هذه المؤسّسات التي تنظّم الجماعة الإباضية بميزاب: العشيرة، الجماعة (الأعيان)، العرش، المعاهد التربوية... وعلى رأس كلّ هذه المؤسسات "هيئة العزّابة" والتي تستند على الدين كفاعل أساسي في ممارساتها(42).
والدارس لتاريخ الحركة الإباضية واستقرارها في ميزاب يكاد يجزم أن هذا "التاريخ ما هو إلا تاريخ الصراع السياسي". فقد عانت هذه الحركة من حالة التهميش المستمر دينيا وسياسياً أنتجت مجتمعاً يجنح إلى «الانغلاقية البنائية»، والابتعاد ما أمكن عن النزاعات السياسية من جهة، وإلى "المركزية" الدينية التي تمثلها هيئة العزّابة من جهة أخرى، مستنداً في ذلك أو مبرراً له بخلفيته التاريخية.
تاريخية هذا المجتمع تعكس مجمل العناصر المفعّلة لحركة التغيّر الاجتماعي أمام العناصر المقاومة لها والتي تسعى لضمان الاستقرارية في مواجهة التغيّرية، فأهم العناصر التي ساهمت في حركة التغيّر الاجتماعي بميزاب:
*-التزايد السكاني.
*-الصراعات الداخلية والخارجية.
*-حركة التصنيع.
*-التناقض بين النظام الرسمي والنظام التقليدي.
ورغم تزايد هذه العناصر لكن آليات المقاومة جعلت هذا التغيّر لا يظهر بشكل بارز وواضح، وعملت على إدماج التغيّر في عملية الضبط، وهذه الضبطية للتغيّر كانت نتيجة التغيّر المستمر للضبط في حدّ ذاته.
من أجل فهم هذه الصيرورة الاجتماعية والآلية نعود إلى الهيئة المسؤولة عن توجيه المجتمع الميزابي وتنظيمه ألا وهي هيئة العزّابة.
6 ـ التاريخية وضبطـية التغييـر:
هيئة العزّابة مجموعة من رجال العلم والدين تقوم بدور السلطة الروحية والدينية في المجتمع الميزابي وكما يعرفها توفيق المدني هي «الهيئة العليا على الإطلاق ولها النفوذ الروحي على العامة واسع النطاق والسلطة المطلقة في كلّ ما له علاقة بالدين»(43). فهي قوة دينية عليا، منظمة ومهيكلة تعمل على ضبط العلاقات الاجتماعية ومراقبة الفاعليات الأساسية في هذا المجتمع لها سلطة التأثير النفسي (الروحي) والاجتماعي (الاتفاقيات والقرارات) على مختلف الشرائح الاجتماعية.
انطلقت هذه الهيئة(44) من مجرد فكرة ثمَّ انتظمت على شكل مؤسَّسة تربوية ثمّ انتقلت إلى مؤسّسة المسجد فأصبحت المرجعية العليا للمجتمع في كلّ علاقاته وأنظمته الاقتصادية والدينية والثقافية وغيرها وأخذت صورة نظام يخترق جميع مكونات النظام الاجتماعي للمجتمع.
إنَّ الصيرورة التي مرّت بها هذه الهيئة في تاريخيتها زوّدها بمجموعة من الآليات التي تتمكن من خلالها من ضبط التغيّرات الاجتماعية المختلفة فإن الانتقال من الفكرة إلى الالتحام النفسي بها، ثمّ تطبيقها على شكل تنظيم معين، وجَعْلِ هذا التنظيم ذا حركية ينتج نفس الفكرة ويجمع حولها أكبر عدد ممكن من الأفراد ضمن إطار قيمي محدّد مسبقاً، وهذه المنهجية في العمل هي الآلية التي يتمّ من خلالها احتواء التغيّر الاجتماعي داخل الضبطية وتغيير الضبط للتوافق مع التغيّر باستمرار.
فمن خلال تتبعنا لتاريخية هذه المؤسّسة يبدو أن حلقة العزّابة ابتدأت بمجرد فكرة يتناقلها الأشياخ فيما بينهم ويطمحون لتحقيقها، ولكن حين اقتنع بها جمهور من الطلبة وأدركوا ضرورة تطبيقها، تأصلت في نفوسهم وتوفّر فيهم الاستعداد النفسي الكافي لتجسيدها، فانتقلوا بها من مستوى الفكرة إلى مرحلة التطبيق.
انتظموا على شكل حلقة لها قوانينها ومراسيمها ومسيروها، وبعد شوط من الزمن ترسّخت وتكونت لديهم تقاليد محدّدة فأصبحت تأخذ شكل«النموذجية» القابلة للاستيراد وانتشرت بنفوسة وجربة وورجلان وميزاب، وحيثما حلّت أوجدت حركية وديناميكية لدى أفراد ذلك المجتمع فاقتنعوا بها وسارعوا إلى تجسيدها واقعيا.
وما ساعدها على هذه الحركية الظروفُ الاجتماعية والتاريخية المواتية وتمسك أفرادها بمبادئهم إلى أقصى درجة ممكنة. إلا أن نفس هذه الظروف عملت على تقليص نشاطها وتحديده زمنيا خاصة مع الدخول الفرنسي والاحتكاك مباشرة بدولة مركزية.
ومع حركة الاستقلال امتدت وظائف الدولة إلى عدة قطاعات من المجتمع فقلّصت أو انتزعت بعض الوظائف التي كانت من مهام هيئة العزّابة، لكن هذه الأخيرة استعادت هيبتها وتأثيرها مع نهاية السبعينيات بالتعاون مع المؤسسات الرسمية المحلية ضمن عملية احتواء التغيّر إلا أن مجموعة مؤثرات أخرى مختلفة لم تدع لها الفرصة في ممارستها لعملية الضبط الاجتماعي كضرورة وظيفية، وعلى رأس هذه المؤثرات القيمُ الجديدة الواردة إلى المجتمع والمعاكسة لإيديولوجيتها الدينية.
فقد تعاملت هذه الهيئة في عدّة مواقف مع عملية التغيّر الاجتماعي على مرحلتين:
* ـ رفض التغيّر خوفاً من عدم التحكّم فيه وربح الوقت لفهم مضمونه.
* ـ فهم الفكرة الأساسية التي يقوم عليها هذا التغيير وتبنيها بشكل منظّم لاحتوائه.
ونعطي لذلك مثالين:
المثال الأوَّل: فقد وقفت العزّابة بشكل عنيف ضدَّ الهوائيات المقعرة في بدايتها مع منطلق التسعينيات واعتبرت كلَّ من يقتنى هذا الجهاز خارجاً عن نسق القيم يجب أن يقاطع، ثمّ تبنّت بعد ذلك هذه الفكرة بعد حوالي خمس سنوات وأنجزت هي في ذاتها هوائياً مقعراً يبث القنوات التي تراها ضرورية إضافة إلى قناة محلية تبثّ إيديولوجيتها الخاصة. فقد انتقلت الفكرة من الرفض إلى الاقتناع بها على المستوى النفسي ثمّ إلى مستوى التنظيم وجعل هذا الأخير وسيلة حركية لكن كلّ ذلك تمّ في إطار نسق القيم المشترك بين أفراد المجتمع. وقد حدث نفس الميكانيزم حين دخلت الكهرباء لأوّل مرة إلى ميزاب، وجهاز الراديو والتلفزيون.
أمّا المثال الثاني: فيتمثّل في الجانب السياسي أو الرسمي، فكثيرا ما تعرَّضت العزّابة لصراعات بين القرارات العرفية والقرارات الرسمية الإدارية، وكانت تحاول دوماً الهيئة تجنب المجال السياسي، ثمّ عملت على احتواء هذا العنصر الذي كان يهدّدها وذلك باختيار القائمة المرشحة من طرفها وتحريك المجتمع لمساندتها، بذلك تضمن عدم التعارض بين الجانبين، حتّى أصبح الأعضاء المنتخبون سياسيا في بعض القرى يجلسون جنبًا لجنب مع العزّابة.
فالفرد الميزابي لا ينتخب وفقا لاختياره السياسي إنّما وفقا لما تراه الهيئة يخدم مصالح المجتمع. فقد عملت هيئة العزّابة بناء على ذلك بشكل فعّال على التأثير في القرارات السياسية المتخذة فى المنطقة أو توجيهها على الأقلّ. فالانتخابات البلدية والولائية والتي لها ارتباط مباشر بالجماعة الميزابية في المنطقة لا تتمّ على أساس البرامج السياسية أو الاختيار الديمقراطي بقدر ما ترتبط بإرادة هذه الهيئة. بذلك نلاحظ مرة أخرى احتواء الفكرة وتنظيمها وجعلها مصدرا حركيا يخدم الإيديولوجية العامة، في إطار النسق القيمي العام. وكذلك فعلت مع الأنظمة التربوية المختلفة.
7- نحو تصور نظري لضبطية التغيُّر:
ويمكن إعادة بقاء الهيئة إلى وقتنا الحاضر لمدة عشر قرون لعدّة أسباب متداخلة وبعضها نتيجة الأخرى، ولا يمكن تحديد السبب الأوّلي بسهولة، إلاّ أنّنا يمكن أن نعطي أهمّ المستويات التي نشأت على أساسها الهيئة والتي تشكّل التحاماً فيما بينها والتي ساهمت في استمراريتها، كما تعكس أيضاً عملية الضبط الاجتماعي الصادر عن الهيئة في التعامل مع التغيرات الاجتماعية، وذلك مروراً بأربعة مستويات وداخل دائرة سببيّة مترابطة كما هو موضّح في الشكل التالي:
القيم = مستوى الأفكار
المستوى النفسي
المستوى التنظيمي
مستوى الحركية
شكل يبين الدورة الضبطية للتعامل مع التغـير
فقد انطلقت الهيئة من مجرَّد فكرة يطمح إليها علماء الإباضية ويتداولونها فيما بينهم (وهذا ما يمكن التعبير عنه بمستوى الفكرة)(45)، إلى أن استقرّت في ذهنيتهم واقتنعوا بضرورة تطبيقها، فجنّد "أبو زكرياء فصيل بن أبي مسور اليهراسني" مجموعة طلبة أقنعهم بالفكرة وطلب منهم البحث عن "أبي عبد اللّه محمّد بن بكر" ومرافقته والخضوع له مهما كانت طلباته، فشكّلت هذه النخبة من الطلبة عجينة نفسية جاهزة لاستيعاب كلّ أوامره وتوجيهاته وهو ما يمثّل "المستوى النفسي".
ولـمَّا التقى الطلبة بشيخهم "أبي عبد اللّه" أبلغوه بدعوة أستاذهم وأقنعوه هو الآخر، وبل أعادوا فيه الشحنة النفسية التي كان يطمح إلى تحقيقها مع أستاذه "فصيل بن أبي مسور"، فوجد أمامه مجموعة طلبة "يذوبون" في فكرته، فقعد لتنظيم "الحلقة" ووضع قوانينها وقواعدها الأوّلية وهذا ما يمثّل "مستوى التنظيم".
ثمَّ رسَّخ محدَّدات مضبوطة تتضمّن قائداً ومسيّراً وطلبة خاضعين له... ولجانًا مميّزة وأوقاتًا معيّنة لكلّ أعمالهم، فبدأت تُكوِّن طلبة آخرين وتبث فيهم قِيًمًا وإيديولوجية محدّدة، وترسلهم لأخذ مراكز مميزة في النظام الاجتماعي، إضافة إلى التحامها بالمسجد حيث أصبحت "تصدِّر" قيَمَها وتبثّها في كامل المجتمع (وهو ما يمكن تسميته بالمستوى الديناميكي).
فقد انطلق نظام العزّابة من مجرَّد فكرة ذات قيم تتناقلها مجموعة أفراد فيما بينهم إلى "مؤسسة" منظّمة تبثّ هذه القيم على المستوى الاجتماعي الواسع، وتمرّ عملية الضبط الاجتماعي والتحكم في التغيّر بنفس المراحل، حيث تنتقل من فكرة إلى تنظيم شامل يمارس فعاليته على مستوى واسع. وقد ساعد مسيرة هيئة العزّابة في انتقالها من مستوى الفكرة إلى الحركيّة أو الديناميكية عاملان أساسيان هما:
أ ـ «العامل الاجتماعي»: إذ إنَّ انتقالها من مستوى إلى آخر وبث إيديولوجيّتها يتمّ باستغلال الظروف الاجتماعيّة المحيطة بها والملائمة لذلك، ولم يَنْقُل "عبد الرحمان أبو زيد" النظامَ إلى المسجد إلاّ بعد التأكّد من أنّ المجتمع مستعدّ لهذا الانتقال، كما أنّ الهيئة كانت تَستغلّ ـ باستمرار ـ الظروف الاجتماعية سواء من حيث جانبها الاقتصادي أو السياسي لإعادة ضبطها الاجتماعي وترسيخ أفكارها.
ب ـ «نسق القيم»: أمَّا العامل الثاني المساعد في مسيرة الهيئة فهو "القيم"، أو تمسّك أفرادها وتنظيماتها قدر المستطاع بالقيم التي تبثها و"الإخلاص" الشديد والمستمرّ لهذه القيم، ويتجلّى هذا التمسّك في سلوكات أفرادها بالمجتمع وتصرّفاتهم وعلاقاتهم ، فكثيراً ما تحطّمت بعض التنظيمات نتيجة التناقض بين قيم أفرادها وممارساتها اليومية والاجتماعيّة، ونعتقد أنّ هذا العامل يشكّل نقطة حاسمةً في عملية "الضبط الايجابي" وضمان استمرارية أيِّ مؤسَّسة اجتماعية كانت.
تعتبر هذه المراحل والمستويات المذكورة أعلاه متداخلة ومتشابكة في كلّية عضوية، وما وضعها على هذا الترتيب والتفصيل إلاّ من أجل هدف بيداغوجي أساسي هو تسهيل فهمها.
وإذا تتبّعنا «حركة» الإسلام في حياة الرسول محمّد صلى الله عليه وسلم سنجدها مرَّت بنفس المراحل، فقد انطلقت «الفكرة» من بداية البعث بـ «إقرأ» أي مستوى الفكرة، ثمّ تمَّ تناقل الدعوة في بيت "الأرقم"، منها مرّت إلى مرحلة الاقتناع الذاتي والنفسي مع "إسلام عمر بن الخطّاب"، ووصلت مستوى التنظيم المحكم في المدينة المنوّرة، ثمّ انتقلت إلى أعلى مستوى من الحركية بعد فتح مكّة المكرّمة ونشر الإسلام على كامل الجزيرة العربية أوّلاً ثمّ إلى مختلف أقطار العالم، وما ساعدها على ذلك استغلالها للظروف الاجتماعية المواتية في كلّ مرّة ـ وقد نزل النصّ القرآني على فترات لنفس السبب ـ من جهة، ولتمسُّك أفرادها بقيمهم من جهة أخرى، وقد عبّر القرآن عن هذا الانتقال من مستوى الفكرة إلى مستوى التغبير الاجتماعي الشامل بالآية الكريمة: {إِنَّ اللّه لا يُغَيِّرُ مَا بِقَومٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِم}(46).
نلاحظ أنّ عدَّة حركات عالميَّة مرّت بنفس المراحل مع تغيّر «شكلي» في درجة كلّ مستوى، لهذا نعتقد أنّ هذه المستويات تشكّل قاعدة «نظريّة جديدة» في عملية الضبط الاجتماعي للتغيّر الاجتماعي ومدى فاعليته، ويمكن تقديمها "كشبه قانون" اجتماعي وتاريخي أو قاعدة نحو نظرية سوسيولوجية تحكم عملية تطوُّر ضبطية التغيير.
خاتمة
تناولنا في هذا المقال تطوّر نظريات التغيّر الاجتماعي ثمّ ما يقابلها في الفكر السوسيولوجي من نظريات الضبط الاجتماعي، وحاولنا التقريب بين المفهومين من خلال تاريخية الظاهرة التي تساهم في الضبطية وفي تغيير الضبط، مع تطبيق ذلك على إحدى المجتمعات الجزائرية التي عُرفت بدرجة ضبطيتها القوية، لنصل إلى شبه طرح لنظرية سوسيولوجية تحكم ضبطية التغيّر في حلقة تتصل بدايتها بنهايتها في كلّ مرّة.
إنّ هذه المحاولة للتقريب تندرج ضمن تصور أكبر هو الوصول إلى التقريب بين كلّ المفاهيم النظرية والتطبيقية التي تضعها السوسيولوجيا في طرفي نقيض، فإن رَفَضَ بيار بوديو وضع العلوم الاجتماعية في نقيض العلوم الطبيعية، فنحن نسعى أيضاً لرفض الثنائيات المصطنعة داخل هذا العلم في حدِّ ذاته... فهل يمكن ذلك مع كلِّ المفاهيم الأخرى، أم أن ذلك مجرَّد طموح إيبستمولوجي بعيد المرمى؟...
--------------------
قائمة المراجع
المراجع العربية:
1- اتفاقيات المجالس العامة لميزاب ـ تقديم: بعمارة عيسى، دار الشهاب، باتنة 1990.
2- بن نبي مالك: مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي، تر: د.بسّام بركة، أحمد شعبو، دار الفكر، دمشق، الجزائر، مطبعة النخلة، بوزريعة، الجزائر، 1992م.
3- بودون .ر، بوريكو. ف: المعجم النقدي لعلم الاجتماع، تر: سليم حداد، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، 1986.
4- جمعية التراث: دراسات وأبحاث عن الإباضية، إعداد: عيسى وموسى محمد، العطف. غرداية (مرقون)1989
5- الحاج سعيد يوسف: تاريخ بني مزاب، المطبعة العربية، غرداية، 1992.
6- خليل أحمد خليل: المفاهيم الأساسية في علم الاجتماع، دار الحداثة، بيروت، لبنان، 1984.
7- خواجة عبد العزيز: الضبط الاجتماعي ومعوقاته، رسالة ماجستير، معهد علم الاجتماع، الجزائر، 2000.
8- الدرجيني أبو العباس أحمد بن سعيد: طبقات المشايخ بالمغرب، تح: إبراهيم طلاي، ج: 1 مطبعة البعث، قسنطينة، دتا.
9- الزواوي محمود: عرض كتاب الضبط الاجتماعي للجريمة لـ موريس كوسون (le controle social du crime, M. Cusson )، مجلة الفيصل الشهرية، العدد:83 ، السنة السابعة، فبراير، ، شركة الطباعة السعودية، الرياض، 1984.
10- طلاي إبراهيم: مزاب بلد كفاح، دار البعث، قسنطينة، 1970.
11- عبد الباسط عبد المعطي: المدخل في علم الاجتماع المعاصر، دار المعرفة الجامعية، مصر، 2002.
12- عبد الله محمّد عبد الرحمان: علم الاجتماع: النشأة والتطوّر، دار المعرفة الجامعية، مصر.
13- متياز إبراهيم: تاريخ مزاب، مخطوط، مكتبة آل متياز، بني يزقن.
14- متياز إبراهيم: نظام العزّابة: مخطوط، مكتبة آل متياز، بني يزقن.
15- المدني توفيق: كتاب الجزائر، المطبعة العربية، الجزائر، 1350هـ.
16- ميتشيل دينكن: معجم علم الاجتماع، تر: إحسان محمّد الحسن، ط2، دار الطليعة، بيروت لبنان، 1986.
المراجع الأجنبية
17- ANSART. P, A.AKOUN, Dictionnaire de sociologie, le robert, seuil, France,1999.
18- Ben youcef. B, La M'zab: Espace et société, Imprimerie Abou Daoud, Alger, 1992.
19- Bennabi. M, L'invitation du M'zab , in Révolution africaine n° : 274. 20 Mais, 1968
20- Blaudin de the. B, Contribution à la bibliographie, du Sahara(1953 - 1957 ), supplément au bulletin de liaison saharienne, n°29, Mars, 1958.
21- Bounete. Y, les nomades dans le territoire de Ghardaïa, in Bulletin de liaison du service de l'artisanat, Alger, n°5 ; 1956.
22- Chabert A., le comportement économique des musulmans: une exemption, les mozabites, in : revue d'histoire économique et social. Vol. 39. 1961, pp. 390 -
23- Chaker. S, Domaine Berbère 1984 - 1987 :ouvrages et revues, de l'occident Musulman et de la méditerranéen, n°: 44, Rome, 1987, pp. 116 - 123.
24- Coyne. A, le M'zab, Adolphe Jourdan, Alger, 1879.
25- FERSSEL Gilles et autre, Dictionnaire de sociologie, ed: Armand colin, Paris, 1991.
26- Forsé. M, Analyses du changement social, Mémo seuil, France.
27- Gers José, Au M'zab, libraire de l'oeuvre, Saint Charles, Belgique, 1936.
28- Goutalier R. la Nation "Juive" de Ghardaia, Imp. DAF. CHEN, Jérusalem, 1982.
29- Gurvitch. G, la sociologie au XX siècle, bibliothèque de philosophie, Tom I: les grand problème de la sociologie , P.U.F, Paris 1947.
30- M.MORIN. ., Précis de sociologie, Nathan, France, 1996.
31- Mercier .M., la civilisation Urbain au M'zab, sonbiron, 2éme ed, 1932
32- Merghoub B, Le développement politique en Algérie, "fondation nationale des sciences politiques", Paris, 1972.
33- Merghoub. B, le M'zab et la notion de développement économique, thèse pour le doctorat de recherches, Paris, 1970.
34- Moriaz. J. Origine du mot Ghardaïa , Bulletin de Liaison saharienne. Vol 8. n° 25, Mars, 1957.
35- P.Delas. J, B.Milly, Histoire des pensées sociologiques, Ed.Sirey, Dalloz, Paris, 1997.
36- Pavard. c, Lumière du M'zab, Défroisse, Paris, 1974.
37- Rajhael F. , la Mémoire blessée des juive du M'zab , Dafchen, Jérusalem, 1982.
38- Ravereau Genton, Le M'zab, une leçon d'architecture, in : technique et architecture, n° 7 au 8 juillet, Paris, 1951.
39- ROCHER. G, Le changement social, Introduction à la sociologie général, Tome: III, Ed: Paris, 1968.
40- Shinar. P, islam Maghrébin contemporain, bibliographie, Annotes, ed: CNRS, pp.: 116 - 123.
41- WILLEMS. E, Dictionnaire de Sociologie, adaptation françaises par: Armande CUVILLIER, ed : librairie Marcel River et Cie, Paris , 1961.
--------------------
الهوامش
(1) P.ANSART, A.AKOUN, Dictionnaire de sociologie, le robert, seuil, France,1999, p.68
(2) اهتمام الكلاسيكيين بالتغيّر الاجتماعي ناتج عن مخلفات الثورتين الفرنسية والصناعية وآثارهما على تفكّك المجتمع الأوروبي، انظر: دينكن ميتشيل: معجم علم الاجتماع، تر: إحسان محمّد الحسن، ط2، دار الطليعة، بيروت لبنان، 1986، ص190.
(3) المرجع نفسه، ص191
(4) انظر مختلف نظريات التغيُّر الاجتماعي من الناحية السوسيولوجية والاقتصادية منها باختصار:
M.Forsé, Analyses du changement social, Mémo seuil, France, p.4
(5) انظر أهمّ روادها ومعالجتهم للقضايا المختلفة خاصّة التغيّر الاجتماعي:
J.P.Delas, B.Milly, Histoire des pensées sociologique, Ed. Sirey, Dalloz, Paris, 1997, pp.213-256
(6) ر.بودون، ف.بوريكو: المعجم النقدي لعلم الاجتماع، تر: سليم حداد، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، 1986، ص167.
(7) انظر: عبد الله محمّد عبد الرحمان: علم الاجتماع: النشأة والتطوّر، دار المعرفة الجامعية، مصر، ص357-359.
(8) انظر:
P.ANSART, A.AKOUN, op.cit, p69.
عبد الباسط عبد المعطي: المدخل في علم الاجتماع المعاصر، دار المعرفة الجامعية، مصر، 2002، ص409 (وذلك من خلال مقالة م.كولسون، دريدل: مقدمة نقدية في علم الاجتماع).
(9) P.ANSART, A.AKOUN, op.cit, p69.
(10) انظر مختلف هذه المصطلحات وتحليلها:
J.M.MORIN, Précis de sociologie, Nathan, France, 1996, pp.108-134
(11) انظر تجميعا لهذه التعاريف: عبد الله محمّد عبد الرحمان: مرجع سابق، ص350-353.
الغريب أن القواميس الأساسية لعلم الاجتماع لا تقدم تعاريف للتغيّر الاجتماعي إلا بعض التلميحات بقدر ما تقدم مداخل لها عامّة لها، على خلاف الكتب الأكاديمية والمقررات المحشوَّة بالتعاريف المتناقضة والمشتتة.
(12) انظر هذه الإشكالات وغيرها: خليل أحمد خليل: المفاهيم الأساسية في علم الاجتماع، دار الحداثة، بيروت، لبنان، 1984، ص74-76.
(13) انظر:
-Gilles FERSSEL et autre; Dictionnaire de sociologie, ed: Armand colin, Paris, 1991, p. 48.
-E.WILLEMS, Dictionnaire de Sociologie, adaptation françaises par: Armande CUVILLIER, ed : librairie Marcel River et Cie, Paris , 1961, p. 57.
(14) Principales of Sociology المجلد II ، الجزء :4 - طبعة 1893.
(15) وذلك في كتابيه:
(Social Control : A. Survey of the Foundation of Order 1901) et (Foundation of sociology, Social Psychology 1905).
(16) تنصـبُّ كلُّ مؤلَّفـاته تقـريبا في نفس السياق:
Human nature and the Social (1909).
social organization (1902).
Social order Process (1918).
وخاصة هذا الكتاب الأخير.
(17) في كتابه وسائل الضبط الاجتماعي Means of Social Control (1925).
(18) في كتابه «الضبط الاجتماعي في الجماعات الإنسانية:
Control in Human Societies (1936)
ثمّ تزايدت الدراسات الأمريكية مع كتاب لاندسP.H. LANDIS : (Control Social Organization and Disorganization in Process ) عام 1939م، وفي نفس العام برز للوجود كتاب برنارد L.L BERNARD الضبط الاجتماعي في أبعاده الاجتماعية Control Social its Sociological Aspect .
(19) انظر مفاهيم الضبط وتتبع الدراسات السابقة في الموضوع: خواجة عبد العزيز: الضبط الاجتماعي ومعوقاته، رسالة ماجستير، معهد علم الاجتماع، الجزائر، 2000، ص17
(20) G.Gurvitch; la sociologie au XX siècle, Bibliothèque de philosophie, Tom I: les grand problème de la sociologie, P.U.F, Paris 1947, pp. 271-272
(21) انظر: انظر: تحليل كتاب «كوسون»: د.محمود الزواوي: عرض كتاب الضبط الاجتماعي للجريمة لـ موريس كوسون (le controle social du crime, M. Cusson ) في مجلة الفيصل الشهرية، العدد:83 ، السنة السابعة، فبراير، 1984، شركة الطباعة السعودية، الرياض، ص 89.
(22) انظر الفرق بينهما واهتمام علماء الاجتماع بكل واحد منها في:
G.ROCHER, Le changement social, Introduction à la sociologie général, Tome: III, Ed: Paris, 1968. p.17-18
(23) Ibid.: p.22.
(24) Ibid.: pp.: 106 - 118. cf. Critique de cette Théorie, pp. . 118 - 127
(25) انظر هذه النظريات في: Ibid.: pp. 34 - 127
(26) عقد أتباع التيار الإباضي تجمُّعا (مؤتمر أريغ) على رأسه نخبة من كبارهم (442هـ)، أهمهم أبو عبد الله محمد بن بكر (مؤسس حلقة العزّابة) وأبو العباس، فكُلف حينها أبو عبد الله بالبحث عن منطقة تأوي اللاجئين الإباضيين، انظر: أبو العباس أحمد بن سعيد الدرجيني: طبقات المشايخ بالمغرب، تح: إبراهيم طلاي، مطبعة البعث، قسنطينة ، ج:1 ص:183.
(27) إبراهيم متياز: نظام العزّابة: مخطوط، مكتبة آل متياز، بني يزقن، ص: 2
(28) - José Gers, Au M'zab, libraire de l'oeuvre, Saint Charles, Belgique, 1936. p.61
(29) إبراهيم طلاي: ميزاب بلد كفاح، دار البعث، قسنطينة.. 1970، ص: 24
(30) J.Gers, op.cit. p. 81
(31) M.Bennabi: L'invitation du M'zab , in Révolution africaine n° : 274. 20 Mais, 1968
(32) يبدو أن القادمين إليها من ذوي ثقافة دينية عالية. يقول إبراهيم متياز إن الطلبة قصدوها من أجل مدرسة أبي عبد الله والعلماء من أجل عالمها أبي العباس الذي كان يقيم لهم مسامرات علمية في جبله المشهور، وتغلغلت أخلاقهم في أذهان العامة وامتزجت أفكارهم معهم في وحدة عرفية قوية. تاريخ ميزاب، مخطوط، مكتبة آل متياز، بني يزقن ص: 76،77.
(33) انظر: يوسف الحاج سعيد: تاريخ بني مزاب، المطبعة العربية، غرداية، 1992، ص: 22، إبراهيم متياز: تاريخ ميزاب، ص: 11
- Moriaz. J. Origine du mon Ghardaia , Bulletin de Liaison saharienne. Vol 8. n° 25, Mars, 1957, p. 17 – 20
- A.Coyne, le M'zab, Adolphe Jourdan, Alger, 1879, p.14
واعتمدنا في تاريخ تأسيس المدن على بن يوسف لطابعها المنطقي وهي تختلف في المراجع الأخرى:
B.Ben youcef, La M'zab: Espace et société, Imprimerie Abou Daoud, Alger, 1992 p.33 -34.
(34) J.Gers, op.cit, p. 77
(35) إبراهيم طلاي: مرجع سابق، ص: 20.
(36) B.Ben Youcef, Le M'zab, p. 32
(37) - B.Merghoub, op.cit. p: 33. وعن البناء العمراني لميزاب انظر:
- Pavard. c, Lumière du M'zab, Défroisse, Paris, 1974.
- Genton, Ravereau, Le M'zab m une leçon d'architecture in : technique et architecture, n° 7 au 8 juillet, Paris, 1951.
- Mercier .M., la civilisation Urbain au m'zab, sonbiron, 2éme ed, 1932
(38) إبراهيم متياز: تاريخ ميزاب، ص: 38، 47.
(39) يرى علي يحيى معمر أنَّ السكان المجاورين للميزابين كثيرو الغارات عليهم، لذلك استخدموا وسائل لجلبهم، أهمها: عقد تحالفات معهم، السماح لهم بالتعامل في أسواقهم، الإحسان إلى ضعفائهم واستخدام أبنائهم في الفلاحة. يوسف الحاج سعيد: مرجع سابق، ص: 42. ومن هذه المراجع القليلة:
- Bounete. Y, les nomades dans le territoire de Ghardaïa, in Bulletin de liaison du service de l'artisanat, Alger, n°5 ; 1956.
- Rajhael F. , la Mémoire blessée des juive du M'zab , Dafchen, Jérusalem, 1982.
- Goutalier R. la Nation "Juive" de Ghardaïa, Imp. DAF. CHEN, Jérusalem, 1982.
(40) - B.Merghoub: Le développement politique en Algérie, "fondation nationale des sciences politique", Paris, 1972 pp.: 35 - 37.
(41) وعن النشاط الاقتصادي عموما في المنطقة انظر:
- Cohen , op.cit, p: 22.
- Chabert A., le comportement économique des musulmans: une exemption, les mozabites, in : revue d'histoire économique et social. Vol. 39. 1961, pp. 390 - 351.
- B.Merghoub, le M'zab et la notion de développement économique, thèse pour le doctorat de recherches, Paris, 1970.
(42) وللإضافة أكثر في موضوع تاريخ ميزاب والإباضية المراجع البليوغرافية:
جمعية التراث: دراسات وأبحاث عن الإباضية، جمع: عيسى وموسى محمد، العطف. غرداية (مرقون) 1989.
-Capitaine B.Blaudin de the: Contribution à la bibliographie, du Sahara(1953 - 1957), supplément au bulletin de liaison saharienne, n°29, Mars, 1958.
-P.Shinar: islam Maghrébin contemporain, bibliographie, Annotes, ed: CNRS, pp.: 116 - 123.
-S.Chaker: Domaine Berbère 1984  - 1987 :ouvrages et revues, de l'occident Musulman et de la méditerranéen, n°: 44, Rome, 1987, pp. 116 - 123.
(43) توفيق المدني: كتاب الجزائر، المطبعة العربية، الجزائر، 1350، ص: 110.
(44) لهذه الهيئة مؤسّسة مماثلة لها في المجتمع النسوي ناتجة استجابة لمجموعة من التغيّرات الاجتماعية التي شهدها المجتمع الميزابي في فترة معينة من أجل ضبط هذه التغيُّرات، فسبب تأسيسه يعود لما شهده ميزاب من اضطرابات أخلاقية في مرحلة زمنية معينة، فمن خلال استقراء المجالس العامة لميزاب نلاحظ الطرح المتكرر لمشاكل الزواج والمرأة المطلقة ومراقبة الزانية خلال النصف الأول من القرن 9 هـ. وقد ذُكر مجلس العزابيات (تمسردين) فيها لأول مرة سنة 811هـ/ 1409 م، وربما أنشئ أثناء هذه المرحلة لحل مثل هذه المشاكل خاصة أن العزابيات عرفن في كلّ مراحل تاريخهن بقوة التأثير على النساء الميزابيات انظر: اتفاقيات المجالس العامة لميزاب في هذه الفترة. «اتفاقيات المجالس العامة لميزاب»: تقديم: بعمارة عيسى، دار الشهاب، باتنة 1990، ص: 22 وما بعدها.
(45) يعتبر مالك بن نبي من بين الذين يرون أنّ الأفكار بداية الأزمة في العالم الإسلامي وذلك في كتابه: «مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي»، تر: د. بسَّام بركة، أحمد شعبو، دار الفكر، دمشق، الجزائر، مطبعة النخلة، بوزريعة، الجزائر، 1992م.
(46) سورة الرعد الآية 11.

نشر المقال في دورية الحياة، العدد: 11، 1428هـ/2007م، ص55-80.

اسم الكاتب