ينتظر عشّاق الكِتاب من أساتذة وأئمة ومثقفين وطلبة بفارغ الصبر موعد المعرض الدولي للكِتاب كما تنتظر الأم الولْهَى فلذة كبدها وقرة عينها، ويعتبرون هذا المعرض بالنسبة لعقولهم وقلوبهم كالغيث الذي يُنزله الله -عز وجل- على الأرض الجُرُز فتهتزّ، وتَرْبُو، وتُخْرِج شطأها. يستعد هؤلاء الأساتذة والأئمة والمثقفون والطلبة طوال السنة لهذا المعرض، فيقتطعون من مداخيلهم المالية نصيبا قَلّ أو كثُر، ويدّخرونه لشراء ما هم في حاجة ماسّة إليه من كتب تعينهم على إثراء معلوماتهم، وتوسيع معارفهم، وتعميق أفكارهم لكي يُؤدّوا مهماتهم التعليمية، والإرشادية، والتوجيهية بطريقة مثلى..

قد كانت معارض الكِتاب في السنوات الماضية تحقق للناس الحدّ الأدنى مما يرغبون فيه من كتب في شتّى فنون العلم والمعرفة، ولكن معرض هذه السّنة كان أعجف، حتى إنه يجوز تسميته »مأتم الكِتاب«، حيث لم يكن طلاّ، فضلا عن أن يكون وابلا.
لقد تحمّل الناس وعثاء السّفر، ومسّهم لُغُوبُه، وأرهقتهم تكاليفه، وجاءوا شُعثًا غُبرًا إلى المعرض الدولي للكتاب، ومنهم من نزل ثقيلا على قريب أو حبيب مدّخِرًا ثمن الفندق لشراء كتاب، ولكنهم لما دخلوه وجدوا أغلب الرفوف فارغة، وأكثر الأجنحة خاوية، ومعظم الكتب هزيلة، ومن وَجَد بعض ما جاء من أجله فوجئ بأسعار تشوي القلوب، وبأثمان تحرق الجيوب.
لقد وصَف الإمام عبد الحميد ابن باديس الجزائر بأنها »بلد العجائب القانونية«، ومَن امْتَرَى في هذا الوصف، أو ارتاب في هذا النعت فلينظر إلى ما يجري في الجزائر في هذه الأيام..
ومن العجائب والغرائب التي قرأ الناس عنها وسمعوا بها، وشاهدوها بأعينهم، ولمسوها بأيديهم في معرض الكتاب لهذه السنة ذلك القرار الذي يُنطِق الميت في اللّحد والرّضيع في المهد، وهو منع الناشرين من جلب أكثر من مئة نسخة من كل كتاب!!!
كانت الحجة الداحضة للذين اتخذوا هذا القرار هي أن المعرض في جوهره ليس سوقا لبيع الكتب وشرائها، ولكنه فضاء معرفي، تُعرَض فيه الكتب، ويلتقي فيه المثقفون، وتطرح القضايا الثقافية، وتعقد الندوات الفكرية، وتقام المنابر الشعرية، ويبرم الناشرون اتفاقياتهم وعقودهم..
إن هذا الكلام يصدق في بلدان غير الجزائر، فالبلدان التي عرفناها -مشرقا ومغربا- تعج بالمكتبات، التي يفوق عددها عدد المقاهي عندنا، وتتوزع المكتبات -العامة والخاصة- فيها على أحياء المدن كبيرها وصغيرها، وبذلك يستطيع من يحتاج أي كتاب أن يجده بسهولة ويسر. ومما أذكره أن الأستاذ محمد دحو (العامل حاليا في قناة الجزيزة) أعطانا (الدكتور ڤسوم وكاتب هذه الرقوم) موعدا -في أحد أيام شهر ديسمبر 1994 في القاهرة- حوالي منتصف الليل في مكتبة مدبولي في شارع البطل عبد العزيز. وقد تعجبنا من بقاء المكتبة مفتّحة الأبواب حتى تلك الساعة المتأخرة من الليل، فأخبرنا أحد المسؤولين عنها بأن المكتبة -ذات الطوابق الثلاثة- تعمل على مدار الساعة، فلا تغلق أبوابها..
وفي مدينة بيروت، حيث توجد مكتبة بين كل مكتبة ومكتبة يوجد إضافة إلى معرضها السنوي للكتاب معرِضٌ دائم للكتاب، توجد به أجنحة لأهم دور النشر، وأما عندنا فعدد المكتبات في المدن الكبرى لا يتجاوز بضع عشرات، وهي فقيرة في كمية الكتب ونوعيتها، وأما في بعض المدن المتوسطة والصغيرة فلا توجد مكتبة واحدة، وقد التقيت بعض الإخوة جاءوا إلى المعرض من أدرار، وغرداية، وڤالمة، وسعيدة و... لشراء كتب يُفترض أنها موجودة هناك، ولو وجدوها هناك لما سألوا عنها في المعرض.
من أجل ذلك يغتنم الجزائريون مناسبة إقامة معرض الكتاب الدولي ليتوافدوا عليه بالآلاف للتزود بما يحتاجونه من كتب، ولكن أكثرهم في هذه السنة عادوا من حيث أتوا بيد فارغة وأخرى لا شيء فيها. ولنفرض أن أساتذة كليات الطب وطلابها في جامعاتنا علموا أن كتابا قيما صدر في هذا الميدان فأقبلوا بالمئات على المعرض ليقتنوا هذا الكتاب، فلم يجدوا منها إلا مئة نسخة فاز بها السابقون... أو العارفون، أو القريبون....
إن المعرض الدولي للكتاب في الجزائر يوفِّر على الناس الجهد الكبير، والوقت الكثير، حيث يجدون من الكتب في مكان واحد ما لا يجدونه في كثير من المكتبات في عدة مدن. فليتفهم القائمون على المعرض واقع بلادهم وشعبهم وقد استغرب الناس منع عرض بعض الكتب، ولم يدركوا سبب منعها، لأنها لا تثير أية فتنة لا دينية ولا سياسية، فقد قرأنا في بعض الجرائد أن كتاب »مختصر زاد المعاد« قد مُنِع عَرْضُه، في حين كانت هناك كتب »أدبية« رقيعة، وروايات تافهة، تخدش حياء من لا حياء له، كما كانت هناك كتب شيعية، يمكن أن تحدث في وطننا فتنة تنسي ما قبلها...
إن الذين منعوا بعض الكتب التي لا خَوْفَ منها إما أنهم لا صلة لهم بعالَم الكتاب، وهذا ما يجعلنا أضحوكة يتندَّرُ بنا الأجانب في مجالسهم ومعارضهم، وإما أنهم ذوو أهواء وتوجهات معينة...
وقد ارتكب المشرفون على المعرض مجزرة لغوية أبكت الناس وأضحكتهم، ولا شك في أن من يستطيع أن يُبكي الناس ويُضحِكَهم في الوقت نفسه قد أوتِي من الطلاسيم ما لم يُؤتَ هاروت وماروت.
لقد أبكَتْ تلك المجزرة الغَيَارَى على اللغة العربية المهينة في أرضها، الذليلة في وطنها، الغريبة في بلدها، وأضحكت الناس على مستوى بعض هؤلاء الذين يسيرون معرضا »دوليا« للكتاب، إنني أضم صوتي إلى صوت من دعا إلى إقامة »محاكم لغوية« لمحاكمة المستهترين باللغة العربية، العابثين بها، المشوهين لها.
كان شعار المعرض مؤلفا من فعل، وحرف، واسم، أخطأ المشرفون على المعرض في ثلثين ونجا الثلث الآخر من التهشيم والتحطيم.
كان الشعار الخاطئ الذي رآه العالَم من مشرق الشمس إلى مغربها هو »إحكي لي كتاب«.
إن هذا الخطأ لا يرتكبه أبسط تلميذ في التعليم الابتدائي، الذي يعرف أن الفعل المعتل الآخر يُجزم في صيغة الأمر المذكر بحذف حرف العلةو فيقال في حكى احكِ، ويقال في بكى ابكِ، وفي مشى امشِ، ويعرف أن المفعول به غير المعتل الآخر يكون منصوبا بالفتحة، فكان المفروض أن يكون الشعار هكذا »احكِ لي كتابا«.
لا شك في أن الناشرين من إخواننا العرب الذين حضروا إلى الجزائر سينقلون إلى أوطانهم هذا »الإبداع« وسينشرون هذا »الاختراع«، وسيَقضون أوقات فراغهم في التندر على بلد وضع أحد أبنائه ـ-يحيى بن معطي الزواوي- أول ألفية في النحو العربي، فخَلَفَ من بعده خَلْفٌ فعل في لسان العرب ما لم يفعله فيه أعداؤه...
نرجو أن يكون معرض السنة القادمة أسلمَ وأسْمَن، فإن كان كمعرض هذه السنة لَحْنًا وهَزْلا فندعو الله أن لا يهيئ أسباب إقامته.

موقع الشروق اليومي، ع: 13/11/2008

اسم الكاتب