الموسيقى (الإيقاع) في الشعر العماني الحديث عند الاتجاه المحافظ
د/ محمد ناصر بوحجام
قسم اللغة العربية وآدابها، جامعة باتنة

تمهيد:
الجوانب التي تحتاج إلى الدّراسة في الشّعر العماني الحديث ما تزال كثيرة، رغم صدور عدّة دراسات فيه، أماطت اللّثام عن كثير من الغموض في هذا الشّعر. مع ذلك فإنّ هذا الشّعر لم يصبح واضح المعالم عند كثير من الباحثين، وما يزال الجهل به يخيّم على عقول كثير من الدّارسين. وما تزال بعض الأحكام الصّادرة في حقّه محلّ جدل ونقاش، له أو عليه. من هذه الجوانب جانب الموسيقى في الشّعر المحافظ، الذي ارتأينا الكتابة فيه.
لاحظنا أنّ الانطباع السّائد عند كثير من الدّارسين الشّباب أنّ هذا الشّعر لا يرقى إلى مستوى الشّعر الجيّد؛ لأنّه يفتقر إلى مظاهر الإبداع، وتنعدم فيه عناصر الجودة. نسي هؤلاء أن يدرسوا هذا الشّعر في إطاره الزّماني والمكاني، وأن يبحثوه في سياق التّطوّر التّاريخي للحركة الشّعرية العمانيّة، وأن يقرؤوه في ضوء الظّروف التي عاشتها عمان. كما أنّ بعضهم أعطى لهذا الشّعر أكثر ممّا يستحقّ، من حيث القيمة الفنّيّة، والبعد التّاريخي، وأهميّة المضمون، فغالوا في تقديره، عن سذاجة، أو عن جهل بحقيقة الشّعر والفنّ، أو بدافع التّعاطف مع ناظميه، احتراما وتقديرا وتعظيما...

نحاول في هذه الصّفحات تقديم فكرة عن تعامل الشّعراء ذوي الاتّجاه المحافظ مع موسيقى الشّعر، فنبيّن كيف اعتنى الشّعراء به اعتناء خاصّا، وفهموا الموسيقى جزءا مهمّا في العمل الشّعري، وعدّوها شطرا لا ينفصل عن التّصوير، بل من دونها لا يعدّ التّصوير شيئا. لقد كان تركيزهم على الإيقاع أكثر. من هنا كان الحديث عن الموسيقى مركّزا أيضا على هذا الجانب. مع كلّ هذا نقول للقارئ الكريم إنّ محدوديّة الدّراسة، التي هي مقالة تنشر في مجلّة،لم تمكنّا من الاستقصاء والاستقراء اللاّزمين لتنفيذ الخطّة التي أردناها إسهاما في إنصاف هذا الشّعر، وبيان ما له وما عليه.
إذا اعتنى الفنّان بالموسيقى فلأنّها تترجم عن أفكاره، وتنوب عن عواطفه ومشاعره؛ بما توفّره له من ظلال، وما تهيّئه من الأجواء، كي يعبّر، وللمستمع كي يفهم ويعي، إذ أنّها تعبّر بصدق عن الأحاسيس. قالوا: إنّ الموسيقى الحقّة هي التي تساير موضوع القصيدة، أو تتلاءم مع التّجربة الشّعريّة. إنّ هذا يؤكّد العلاقة الوطيدة بين الموسيقى والعمليّة الإبداعيّة. يقول سبنسر: «إنّ خير الموسيقى ما تتماشى مع الأفكار، وتتساوق مع المعاني، وتتجاوب ألوان نغماتها ونبراتها مع حالات النّفس، فالشّاعر في اهتياجه وغضبه وغيظه يكون تعبيره الموسيقي عالي النّغمة، وفي حزنه يكون منخفضها، وفي تعجّبه وفرحه وهدوئه واطمئنانه تكون المسافات الصّوتيّة قصيرة، وأمّا في بثّه وألمه فتكون مسافات الصّوت طويلة، وهكذا تساير النّغمات حالات النّفس، كما تساير موضوع القصيد وفكرته»(1).
إنّ الإبداع في الشّعر والتّأثير في الغير – باستغلال عنصر الموسيقى – يحصل حين يحسّ الشّاعر بانسياب الموسيقى في شعره وسريانها في تجربته الشّعريّة عن فطرة وسجيّة(2)، من هنا عدّت الموسيقى جنديّا من جنود التّعبير الشّعري(3)؛ فكانت أساسًا في التّعبير الفنّي.
نتساءل بعد هذا التّمهيد كيف تعامل الشّعراء العمانيّون ذَوُو الاتّجاه المحافظ مع موسيقى الشّعر؟
إنّ موسيقى الشّعر جرس وإيقاع ووزن. والشّاعر المحافظ اهتمّ بكلّ هذه النّواحي في شعره. ولقد أعطى للإيقاع أهميّة كبرى؛ ربّما لأنّ موسيقاه تتميّز بالحماسة، وهو يقصد إلى شعر يدغدغ به العواطف، ويتوجّه به إلى من يهتزّ ويرقص له، وهو أصلا يؤمن بأنّ الشّعر يجب أن يحمل طابع الخطابيّة, وصفة المنبريّة، وما يحقّق ذلك هو الإيقاع، الذي يوجد موسيقى داخليّة، تبعث على التّجاوب مع مشاعر الفنّان «فالإيقاع يشيع في الصّورة الشّعريّة نوعا من الاتّساق والمساواة فيها، ممّا يتناسب مع الحالة النّفسيّة، وهذا بدوره يكسب الصّورة الأدبيّة حيويّة، تنسجم مع حيويّة الإنسان في تكوينه التّركيبي، الذي يقوم على النّظام والاتّساق الجميل، ويتلاءم مع ما يبغيه في تصرّفاته من الانسجام والتّوافق في كلّ أموره في الحياة... كلّ ذلك في إيقاع رتيب، يصدر عن الإنسان المستقيم في طبعه وذوقه، المعتدل في تفكيره وخلقه، فينجذب بعقله وعاطفته إلى نظائره من الأشياء والمخلوقات، التي تقوم على نظامه واتّساقه وغيرهما من الأمور التي ركّبت على مثاله في خلقه وخلقه. ومن هذه الأشياء الصّورة الأدبيّة في إيقاعها وموسيقاها الدّاخليّة والخفيّة»(4).
قد يعمد الشّاعر إلى إيجاد الإيقاع من تكرير صيغة معيّنة، يراها معبّرة عمّا يريده معنى، وتستجيب لعواطفه موسيقيّا، من حيث إنّها تولّد موسيقى رتيبة، تطرب النّفس، وتحرّك الجوارح. قال أبو مسلم البهلاني (ت 1339هـ/ 1920م) في «النّونيّة» وهو يصف أئمّة الدّين:
صيد سُراة أباة الضّيم أسد شرى .:.:. شُمْس العزائم أوّاهون رُهْبـانُ
سُفْنُ النّجاةِ هُداةُ النّاس قادتَهم .:.:. طُهْرُ السّرَائِر للإسلامِ حِيطانُ
صُعبُ الشّكَائِمِ في ذَاتِ الإلَهِ فَإِنْ .:.:. حنَاهمُ الحقُّ عن مَكْروهِهِ لانُوا (5).
أوجد الشّاعر الإيقاع من الكلمات الآتية، التي كانت على صيغ متشابهة، من دون تكلّف أو تعسّف على العمليّة الإبداعيّة (صيد، أسد، شمس، سفن، طهر، صعب)، (سراة، أباة، هداة)، (العزائم، السّرائر، الشّكائم) زيادة على تكرير حروف معيّنة كـ (السّين والصّاد) وهي من حروف الصّفير، التي لها وقع خاصّ في النّفس. وحرف (الهاء والرّاء) فالهاء تتميّز بالهمس، والرّاء تعرف بالذّلاقة. إنّ ذلك ينسجم مع حروف الصّفير، فتتناغم لتكوّن لوحة موسيقيّة، تعبّر عن الإعجاب بهؤلاء الأئمّة، والتّغنّي بفضائلهم. والهمس والذّلاقة والرّخاوة، تساعد على إيجاد جوّ من الارتياح والاطمئنان، يشعر به من يظهر إعجابه وتقديره لمن يتحدّث عنهم، كما فعل أبو مسلم الرّواحي مع هؤلاء الأئمّة.
يميل أبو مسلم كثيرا إلى انتهاج هذا الأسلوب في الكتابة الشّعريّة، حين يتعلّق الأمر بالتّغنّي بالأمجاد، وذكر محاسن الأجداد, فنجده يلجأ إلى إيجاد موسيقى مطربة، طربه للمكارم، فيحاول رسم لوحة من الإيقاعات، مكوّنة من كلمات متكرّرة في صيغها وهيئتها، كما نجد ذلك في اللّوحة الآتية وهو يسرد مجموعة خلال تميّز بها أسلافه، معاتبا الموت وقد انتقر خيار الأمّة، قال ذلك بمناسبة وفاة الشّيخ نور الدّين السّالمي (1332هـ/ 1914م):
يا صرعةَ الموت انْتَقَرْتَ خِيارَنَـا .:.:. وَتَرَكْتَ أمّتنا بِغَيْر ِخِيَـارِ
أَسْرَعْتَ في الأَغْواثِ وَالأَقْطـَاب .:.:. وَالأَعْلامِ والأَبْطَال والأَخْيـَارِ
مَهْلا فَمَا أبْقَيْتَ ثَمَّ بقيّـةً .:.:. نَزَحَ القطينُ وجَفَّ رَوْضُ الدَّارِ
أَفْقَدْتَني شُهُبَ الفَضائلِ كُلَّهم .:.:. وَيْلاهُ منْ شُهُبيِ ومِنْ أَقْمَـارِي
وَيْلاهُ أَيْنَ سَمَاؤُها ونُجومُهـا .:.:. وَشُموسُها، ذَهَبُوا كَأَمْسِ الجارِي
أَنْضاهُمُ التّسْبِيحُ والتَّرْتيـلُ .:.:. وَالتَّهْجيدُ بَيْنَ جَوانِحِ الأَسْحـارِ
خُبْتٌ إذَا جَنّ الظّلامُ رَأَيْتَهُـم .:.:. طَارُوا إلى المَلَكُوتِ بِالأَسْـرارِ
غُرٌّ إذَا سَجَدَ الظّلام على الفَضَـا .:.:. سَجَدُوا على الثَّفَنَاتِ وَالأَحْجِـارِ
قَطَعَ النَّحيبُ صُدُورَهُم وكَأنّمَـا .:.:. وَضَعُوا السّحَائِبَ مَوْضِعَ الأَشْفَارِ(6).
بنى الشّاعر صيغه على أوزان معيّنة، وكأنّه عمد إلى المجموعات في التّركيب؛ ليحدث موسيقى من الإيقاع الرّتيب. فهناك صيغة (أفعال) (الأغواث، الأقطاب، الأعلام، الأبدال، الأخيار, الأسحار، الأسرار، الأحجار، أقمار...) وهذه الصّيغة تكرّرت في معظم أبيات القصيدة.وصيغتا (تفعيل وفعول) (التّسبيح، التّهجيد، التّرتيل، نجوم، شموس...) وصيغة (فُعْل) (خبت، غرّ شهب...) يلاحظ التّشابه بين اللّوحتين في النّصّين السّابقين في ذكر صفات الممدوحين.
ممّا يدلّ على رغبة الشّاعر في إحداث الإيقاع في أبياته، أو على الأقلّ استجابته لفورة مشاعره، التي ترغب أن تخرج في ثوب قشيب من التّلوين الموسيقى. ممّا يدلُّ على ذلك، إطلاقه العنان لقريحته كي تردف الصّيغ المتشابهة في سلسلة طويلة،كما جاء في البيت الثّاني. إنّ هذا الموقف يكشف عن الحالة الشّعوريّة المتوتّرة عند الشّاعر، وهو يلاحظ الموت ينتقي الأخيار والأقطاب والأعلام...
هو حين وجد هذه الصّيغة مستجيبة لعواطفه، أردف كلمات أخرى على منوالها، متساوقة، وأحيانا غير ذلك، وقد التزم بذلك في كامل القصيدة. والإيقاع يصنع ذلك في الصّورة الشّعريّة، لأنّ له علاقة بالتّوتّر الشّعوري. وفي هذا تبدو براعة الشّاعر. «والإيقاع مظهر عبقريّة الشّاعر، ومجال التّفوّق على الغير، واستقلال الشّخصيّة بالعمل الأدبي، فمن الممكن أن يتصرّف الشّاعر في الإيقاع، حيث يختار للصّورة الوقف المناسب لها، سواء كان سكونا أو حرف لين، حسب الغرض من الصّورة...»(7).
في قصيدة مدح بها ابن شيخان السّالمي (ت 1346هـ/ 1927م) السّلطان فيصل بن تركي (ت 1332هـ/ 1913م)، ركّز كثيرا على صيغ (مَفْعَل، الأَفِعَل، مُسْتَفْعِل، مُفَعَّل، مُفْتَعِل، فَعْلَة...) أحدث من خلالها موسيقى ذات إيقاع رتيب، دفعته إليه رغبة في المبالغة في وصف الممدوح، واستجابة لدافع إيجاد موسيقى داخليّة، تساعد على ترجمة ما يعتمل بداخله، وتشدّ المتلقّي إليه:
سلطانُنَا (فيصلٌ) مَنْ صِيتُـهُ .:.:. قَدْ سَارَ في الـمَشْرق والمَغْـرِبِ
ملَكِ ٌعَظيمُ الحِلْمِ ذُو هَيْبَـةٍ .:.:. يَغْدُو لَهَا الرِّئْبَالُ كالثّعْـلَبِ
مُتَّسعُ الـمَجْلِسِ ذُو حَضْـَـرةٍ .:.:. تُبْدِي شَذَا الأَفْضَلِ وَالهَنْجَـبِ
مَشَـيّد الـمَجْـدِ، لَهُ رِفْعَـةٌ .:.:. حَكَتْ سَمَا (كِيوَانَ) بِالمَنْكِـب
بَحْرُ العَطَا وَالفَضْلِ، ذو مِنَّـةٍ .:.:. تَأْتِي عَلَى الأَبْعَدِ وَالأَقْـرَبِ
مُسَدَّدُ السَّعْيِ مَليءُ الثَّنَـا .:.:. مُسْتَحْسَنُ الطَّلْعَةِ وَالمَذْهَـبِ
يَهْتَزُّ مُرْتَاحًا لِفَيْضِ النَّـدَى .:.:. مِثْل اهْتِزَازِ الصَّارِمِ الأَقْصَبِ
تَقُولُ كَفّاهُ لِراجِي الغِنَى: .:.:. كَمْ لَكَ مِنْ أَهْلٍ وَمِنْ مَرْحَبِ
مُسْتَبْحِرُ الفِكْرَةِ غَوَّاصُهَـا .:.:. مُسْتَخْرِجُ الحِكْمَةِ لَمْ تُثْقَـبِ
مُسْتَيْقِظٌ حامِي حِيَاضِ الحِمَى .:.:. مُقْتَحِمُ الأَهْوَالِ وَالأَصْعَـبِ(8).
قد يحدث الشّاعر الإيقاع في شعره؛ بإيجاد توازن وتوازٍ وتساوٍ بين فقرات تراكيبه التي يصوغها، وهو ما يساعد على إيجاد تقابل بينها، ويعين على توفير عمليّة التّماسك في نسيج الكتابة. قال ابن شيخان:
العَدْلُ بَاقٍ وَالعَزَائِمُ تَصْعَـدُ .:.:. وَالبَغْيُ فَانٍ وَالصَّوَارِمُ تَشْهَدُ(9).
زيادة على التّرصيع الذي أسهم في إحداث الإيقاع, نلاحظ هذا التّوازي بين كلمات الشّطرين: العدل والبغي، باق وفان، العزائم والصّوارم، تشهد وتصعد.
في البيت الآتي نجد التّركيبة نفسها، والصّياغة ذاتها, قال الشّاعر نفسه:
فَأَسْبَلَ بَحْرًا دُونَهُ كُلُّ زَاخِـرِ .:.:. وَأَقَبْلَ بَدْرًا دُونَهُ كُلُّ طَالِـعِ(10).
فأسبل وأقبل، بحرا وبدرا، دونه وكلّ في الشّطرين، زاخر وطالع. الإيقاع أسهم فيه أيضا حروف مكرّرة في الكلمتين المتقابلتين: (الهمزة واللاّم) في الكلمتين (أقبل وأسبل), (الباء والرّاء) في الكلمتين (بحرا وبدرا)
الملاحظة نفسها تنطبق على البيت الآتي، وقد تعوّد ابن شيخان على هذه الصّياغة:
فَهوَ الغَيْثُ الغَمَامُ المُرْتَجَـى .:.:. وهوَ اللَّيْثُ الحُسَامُ الُمْنتَضَى(11).
تعاون التّقابل بين حالين، يكون عليهما السّلطان تيمور بن فيصل (ت 1383هـ/ 1963م)، حال الإحسان في السّلم، وحال البطش والقوّة في الحرب، والتّوازي بين كلمات شطري البيتين، وتكرار حروف معيّنة في بعض صيغها، تعاون كلّ ذلك على إيجاد إيقاع مطرب راقص، معبّر عمّا يجيش في حنايا الشّاعر نحو الممدوح. وما تلا هذه الأبيات كان على هذا المنوال من التّوازن والتّساوي في الكلمات، والتّوازي في الصّيغ وفي النّهايات، نهايات الأشطر:
صاحبُ الشّكرِ إذَا عَمَّ الرّجَـا .:.:. صاحبُ الصّبرِ إذَا حُمَّ القَضَـا
جامعُ الصّبرِ إذا احتَفَّ المَـلاَ .:.:. واسعُ الصّدْرِ إذا ضَاقَ الفَضَـا
صاحبُ الخَيْلِ إذَا اشْتَدّ المَـَـدى .:.:. سَاكِبُ الخَيْرِ إذَا الخَيْرِ انْقَضَى
كذلك عمل التّقابل بين الأحوال التي يكون عليها المتحدّث عنهم، وتكريرُ حروف معيّنة، ذات علاقة بمشاعر الشّاعر... عمل هذا على إحداث إيقاع جميل، هادف إلى الإفصاح عن المكنون، كما في قول أبي مسلم الرّواحي:
صُعْبٌ شكَائِمُهُم، سُحْبٌ مكارِمُهم .:.:. إِنْ حاربُوا صَعُبُوا، أَوْ أَكْرَمُوا لانُوا
شُمٌّ إذا حَزَمُوا، نَارٌ إذَا عَزَمُـوا .:.:. شُهْبٌ إذا رَجَمُوا، للفَضْلِ هَتَّـانُ
لله مَا جَمَعُوا، لله ما تَرَكُـوا .:.:. لله إنْ قَـرُبُوا، لله إن بانُـوا(12).
يلاحظ في أبيات ابن شيخان وأبي مسلم، بعض التّشابه في الصّفات التي خلعاها على الممدوحين، في أثناء العمد إلى المقابلة بين أحوالهم، والتّشابه برز أيضا في تكرير حروف معيّنة، كحروف الشّين والصّاد والرّاء...
قال أبو سرور حميد بن عبد الله الجامعي عن أمجاد عمان، في قصيد عنوانه " عمان المفاخر":
فَقَرَّتْ بِهِمْ عَيْنًا، وَطَالَتْ بِهِمْ يَدًا .:.:. وَتَاهَتْ بِهِمْ فَخْرًا، وَزَانَتْ بِهِمْ ذِكْرَا(13).
إنّ حسن التّقسيم أوجد موسيقى رتيبة داخل البيت، كانت ناتجة عن الإيقاع الجميل المطرب المعبّر. (قرّت عينا، طالت يدا، تاهت فخرا، زانت ذكرا).
قال ابن شيخان، وقد سباه التّفنّن في التّصوير، فاختار حسن التّقسيم، أو التّرصيع، كما يعبّر عنه القدماء شكلا لتركيبة نظمه:
وَما غُصْنُهَا إلاّ الْتَوَى، ومَا بَدْرُهَـا .:.:. إلاّ انْزَوَى، ومَا طَيْرُهَا إلاّ انْهَـَوى (14).
يلاحظ في البيت التّقسيم، الذي انبنى على التّساوي في عدد الفقرات في الشّطرين، وعلى التّوازي بين هذه الفقرات في عدد الكلمات وصيغها, وعلى السّجع داخل البيت, ممّا ولّد نغما موسيقيّا، هو الإيقاع الذي أضفى على الصّورة جمالا وروعة وجلالا.
اللّوحة الآتيّة غنيّة بالمصادر، التي ولّدت الإيقاع الجميل، والذي بدوره ساعد على التّصوير، وعلى شدّ المتلقّي إليه، والتّأثير فيه شعوريّا. فيها حسن التّقسيم، فيها التّوازي بين فقرات النّصّ، وفي عدد الكلمات في كلّ فقرة، وفي الصّيغ التي حكمت هذا النّسيج من التّصوير، وفي تكرير حروف معيّنة، وفي التّقابل بين المعاني، بما يعرف بالثّنائيّة في الكتابة. نترك للقارئ فرصة الكشف عن المتعة والجمال ـ في هذه اللّوحة ـ النّاتجين من هذا الإيقاع. وله أن يقول رأيه فيها بعد ذلك. قال ابن شيخان في حقّ السّلطان فيصل بن تركي:
هوَ الهُمامُ ابنُ تُرْكِي، مَنْ لَهُ خَضَعَتْ .:.:. شَوَامِخُ الدّهرِ وَانْقَادَتْ لِخِدْمَتِه
الدّافعُ الخطْبَ في إِزْعاجِ طَارِقِـِـهِ .:.:. والفَارِجُ الكَرْبَ في إِدْلاجِ شِدَّتِـه
وَالوَاهِبُ الصّمْعَ عَفْوًا غَيْرَ مُكْتَرِثٍ .:.:. والهَازِمُ الجَمْعَ بَأْسًا يَوْمَ زَحْفَتِـه
والقَاسِمُ المالَ إِحْسَانًا ومَكْرُمَـةً .:.:. والمالِكُ الحَمْدَ مَخْتُومًا بِجُمْلَتِـه
مَنْ أَوْسَعَ الأرْضَ عرْفا وَقْتَ نَائِلَةٍ .:.:. وَأَلْبَسَ الأُسْدَ خَوْفًا وَقْتَ سَطْوَتِـه
وانْهَلّ سَيْلُ العَطايَا في تَبَسُّمِـه .:.:. وَانْهَدّ سَيْبُ المنَايَا في عَبُوسَتِـه
والنّاسُ صنْفانِ: مَغْبوطٌ بِنِعْمَتِـه .:.:. فَضْلاً, وَآخرُ مَسْخوطٌ بِنِقْمَتِـهِ
وللنّهَارِ دَلـيلٌ مِنْ مَشَارقِـها .:.:. وللظّلامِ دَليلُ مِنْ كَتِيبتِـهِ
مَنْ ذَا يَعودُ خَلِيًّا مِنْ مَكارِمِـهِ؟ .:.:. مَنْ ذَا يَكُونُ غَنِيًّا عَنْ مُروءَتِـهِ ؟(15).
إنّ ممّا يسهم في إحداث الجرس؛ لإبراز المعنى المراد تبليغه تكرير الصّوت. فإنّ ذلك يعين على تصوير الموقف وتجسيمه أو تشخيصه. يستغلّ الشّاعر الخصائص الصّوتيّة، التي تتميّز بها بعض الحروف، فيوجّهها لتكشف عن إيحاءات الصّوت أو اللّفظة أو الجمل المكرّرة .
التّكرار من مصادر الإيقاع عند الشّاعر العماني المحافظ، تكرار الحرف، تكرار الكلمة, تكرار الجمل، تكرار الصّيغ...
حرف (الرّاء) تكرّر في القصيدة الآتية بشكل لافت للنّظر، سواء في العدد، أم في تقفية شطري البيت به، أم في مجاورته لبعض الحروف، أم في توليده من كلمات... قال ابن شيخان السّالمي في مدح السّلطان فيصل بن تركي:
بَرَزَتْ بِشَمْسٍ فَوْقَ غُصْنٍ مائِـِر .:.:. وَبِجيدِ ظَبْيٍ تَحْتَ طَرْفٍ فَاتِـرِ
وَبِرَوْضِ وَرْدٍ بَيْنَ سَيْفٍ بَاتِـرِ .:.:. وَبِظَلْمِ خَصْرٍ مِنْ كَثِيبٍ جَائِـرِ
فَتَقَمَّصَتْ بِقَميصِ حُسْنٍ بَاهِـِر .:.:. وَتَعَطّرَتْ بِنَسِيمِ مِسْكٍ عَاطِـرِ
وَغَدَتْ تَرَى مَا فَوْقَ رَأْسِ النّاظِرِ .:.:. شَيْبًا، فَوَلّّتَ عَنْ ضِيَاءِ النّاظِرِ
بِاللهِ يَا لُبَّ السّقِيمِ الحَائِـرِ .:.:. ماكَانَ إلاّ كَالسّليم السّاهِرِ
رِفْقًا بِصَبٍّ مِنْكَ شَاكٍ شَاكِر .:.:. وَبِمُسْتَهَامٍ مِنْكَ قَاصٍ قَاصِرِ
فَبَهِيمُ فَرْعِك في المُحيّا النّائِر .:.:. خِدَاعُ صَبٍّ فيهِ سَارٍ سَائِـرِ
قَسَمًا بِخَالِقِكَ القَوِيّ القَـادِرِ .:.:. مَا أَنْتَ إلاّ بَهْجَةٌ لِلنّاظِـرِ(16).
تبدو في اللّوحة رغبة الشّاعر الملحّة على توليد معانٍ من حرف الرّاء، واشتقاق كلمات اعتمادا على الحرف نفسه،كما يَبْرُزُ شغفُه بالإيقاع الرّتيب، فأكثر من إيراد كلمات تشتمل على حرف الرّاء. يدلّ على ذلك عمده إلى إنهاء شطري كلّ بيت بحرف الرّاء.
إذا بحثنا عن أثر هذا الإيقاع في المعاني التي أراد الشّاعر تبليغها، لا نجد لذلك كبير أثر، لا نجد لحرف الرّاء الذي يتميّز بالجهر والتوسّط بين الشدّة والرّخاوة ويقترن بالذّلاقة [ ]. إنّ هذه الأوصاف تسهم في إظهار الشدّة والطّلاقة في التّخفبف من هذه الشّدّة، عن طريق التّعبير عنها بذلاقة، أي تيسير إرسال الصّوت. فنحن لا نحسّ بأنّ الشّاعر يشعر بعسر أو بضيق يلجئه إلى اعتماد صوت (الرّاء) بهذه الكثافة، إلاّ الرّغبة في إيجاد إيقاع، يطمح ويطمع أن يساعده على إحداث موسيقى داخليّة في القصيدة. فالشّاعر في مقام مدح، في حالة انبساط وارتخاء. يبحث عن الأصوات التي تبعث على التّطريب كحروف الصّفير التي نجد لها حضورا في هذه الأبيات، مثل السّين والصّاد والزّاي.
الملاحظة نفسها تنطبق على أبيات لأبي سرور، وهو يتحدّث عن استمرار النّبوغ والتّفوّق؛ مسجّلاً أنّ عمان ما تزال بخير؛ لأنّها أرض ولود، فالعقم مقبور في أرضها؛ لأنّ المجد له من صلبه عقب:
مَزَارِعُ النّخْلِ لَوْ أَبْصَرْتَهَا انْقَرَضَـْت .:.:. لَكِنْ نَوَاهَا سَيَكْسُو أَرْضَهَا الثَّمَـرَا
مَا مَاتَ مَجْدٌ لَهُ مِنْ صًلْبِهِ عَقِـبٌ .:.:. لَكِنَّما العُقْمُ لاَ دَانَاكَ قَدْ خَسِـرَا
يَا دَارَ فَخْرِي إِنّ الخَيْرَ مَا كُفِـرَتْ .:.:. فينَا أَيَاديهِ لَوْ تَحْتَ الثّرَى قُبِـرَا(17).
نحسّ بالإيقاع المتولّد من تكرار حرف (الرّاء) لكنّنا لا نقرأ له أثرا في المعنى، أو نفهم له مغزى من إيراد كلمات اشتملت على هذا الصّوت، إذ أنّ الكلمات التي ساقها يبدو عليها التّكلّف، ولا تقدّم أيّ شيء لبناء صورة شعريّة.
قال أبو سرور أيضا:
لِلمَجْدِ هيّا بِنَا، بِالصّارِمِ الذّكَـرِ .:.:. بِالَمَدْفَعِيّةِ، بِالصّارُوخِ بِالبَتْـرِ
بالجدّ، بِالموْتِ، بِالإيمَانِ نَطْلُبُـهَا .:.:. أَعْني المَعَاني، لا بِالنّوْمِ في السّحَرِ(18).
يعلّق الأستاذ سعيد بن سليمان العيسائي على هذه الأبيات قائلا: «فقد كرّر حرف (الباء) عشر مرّات، وحرف (الرّاء) رويّا خمس مرّات؛ ليضفي على القصيدة حالة إيقاعيّة، انسابت في عفويّة تلقائيّة، ليؤكّد على الحالة الشّعوريّة التي جسّدها (الباء) الذي تلازمه في صورته المعنويّة؛ باعتباره دالاّ على الاستعانة، حين استقرّ في ذهن الشّاعر واختزن في ذاكرته أنّ المعالي والمجد لا يتحقّقان إلاّ بملازمة ما ذكر، إذ جاء تكرار (الرّاء) حرف رويّ في القصيدة خمس مرّات ليمنحها نبرة إيقاعيّة معنويّة»(19).
يبقى هذا التّعليق وجهة نظر، في حاجة إلى مناقشة. بالفعل نحسّ بالإيقاع متولّدا من تكرار الحرفين (الباء والرّاء) وبالعفويّة والانسيابيّة والتّلقائيّة في إيرادها. لكنّنا لا نظفر من خلال ذلك بمعنى يعبّر عن الحالة الشّعورية التي مرّ بها الشّاعر, ولا نحسّ لهذا التّكرار دورا في العمليّة الإبداعيّة.
الشّاعر نفسه كتب مطوّلة عنوانها: «هذي عمان» لاحظنا عَمْدَهُ فيها إلى تكرير الحروف في كثير من أبيات القصيدة؛ قصدا إلى إحداث إيقاع رتيب فيها، يعين على استثارة المتلقّي، بجذبه لكي ينتبه إليه ويعي ما يقول، وأحيانا يطلق العنان لتداعي المعاني فتسوق الكلمات بعضها بعضا، مرصوفة بأصوات متكرّرة، كقوله وهو يصف الخروصيّين الذين لهم دور كبير في الحكم في عمان:
هُمْ أَسَّسُوا وَوَفَوْا، هُمْ أَلَّفُوا وَصَفَوا .:.:. هُمْ أَنْصَفُوا النّاسَ، بِالميثَاقِ مُوفُونَا(20).
نلاحظ تكرار حرف(الفاء) في البيت بشكل لافت للنّظر، وفي بقيّة الأبيات، من دون أن يبدو التّكلّف في هذا التّكرار، بل جاءت المعاني المولّدة منه بديعة معبّرة عن الأحوال التي كان عليها هؤلاء الحكّام، كما تروي كتب التّاريخ. زيادة على الإيقاع الجميل الذي أحدثه هذا التّكرار.
دأب الشّاعر العماني الكلاسيكي على توليد المعاني من الحروف المكرّرة في الكلمات المتجاورة، التي تستدعيها ظاهرة التّداعي والرّغبة في التّلاعب بالكلمات، والشّغف بإحداث الإيقاع, الذي يستجيب لطبيعة القصيدة التي تلقى وتسمع، على خلاف القصيدة التي تقرأ وتنشر. نمثّل لذلك بنماذج للشّاعر أبي مسلم البهلاني، نترك للقارئ التّعليق عليها:
زَمَان زَهتْ فِيهِ أَزَاهيرُ زَهْـرَةِ .:.:. الشّبَابِ وَحبِّي لا يَعِزّ بِـزَوْرَةِ
سَلامٌ عَلَى دَهْرٍ مَضَى بِسُلافَةِ السْـ .:.:. ـسُرُورِ، وَسَهْلاً بَعْدَ ذَاك بِشِدّةِ
طَبِيِبِي وَمَطْلُوبي وَطِبِّي وَطيبَـتِي .:.:. وَمُعْتَمَدِي في الأَمْرِ سَاكِنُ طيبَـتِي(21).
هُمْ وَسِعُوا الكَوْنَ حُلُومًا وَهُـدًى .:.:. وَصَائِلاً وَنَائِـلاً وَمُحْتَـدَى
هُمْ أَمْجَدُوا وَأَنَجَدُوا وَأَوْجَـدُوا .:.:. وَأَفْقَدُوا وَطَوّلُوا البَاعَ الـوَزَى
هُمْ جَرَّدُوا وَشَرّدُوا وَطَـرَّدُوا .:.:. وَأوْعَدُوا وَأَوْرَدُوا بَحْرَ الـجَدَى(22).
قد ينشئ الشّاعر الإيقاع من تكرير كلمات على صيغة واحدة، استجابة لرغبة النّفس في التّنغيم والتّطريب، قال أبو مسلم البهلاني:
مجرِّس مضرّس ممـارس .:.:. يَمْترِسُ الخَطْبَ إِذَا الخَطْبُ شَحَـا
وقال:
إلى مَتَى نَهْطَع في طَاعَتِهِـمْ .:.:. وَنتّقِي، وَلَيْتَهَا تُجْدِي التُّقَـى
إلىَ مَتَى نَهْرَعُ في أَذْنَابِهِـمْ .:.:. لا مُلْتَجَى، لا مُنْتَهَى، لا مُنْتَحَى(23).
زيادة على الإيقاع المتولّد من الكلمات المتماثلة في الصّيغة: (مجرّس، مضرّس، ممارس)، (ملتجى، منتهى، منتحى)، فإنّ الإتيان بجملتين متساويتين متوازيتين في التّركيب، وتكرير بعض الحروف، أسهم في إحداث الإيقاع: (إلى متى نهطع في طاعتهم، إلى متى نهرع في أذنابهم).
وعلى صيغة (متفعّل) كتب ابن شيخان أبياتا يمدح بها السّلطان فيصل بن تركي، مترنّما بهذه الصّيغة، مكرّرا لها؛ لتحدث له إيقاعا تطربه أوّلا، وتربط المتلقّي به؛ فيتجاوب مع مشاعره:
مُتَفَرٌّد بِالحِلْمِ، لَ .:.:. كِنْ حلمُه مَعَهُ اقتـدارْ
مُتَـوَحّـدٌ بالـرّأي،لا .:.:. يُفْضِي إِلَى نَظَرِ الُمشَارْ
مُتَقَـسـِّم مَعْـرُوفـهُ .:.:. مُتَبِسِّمٌ وَقْـتَ الكـرَارْ
مُتَقَـدِّمٌ في مَوْضِـعٍ .:.:. مِنْهُ الشُّجَاعُ رَأَى الفِـرَارْ
مُتَوَاضِـعٌ للنّاسِ يَحْـ .:.:. نُو للصّغار وللكبـارْ
مُتَفَـرِّسٌ فِيهِم، فَلَـمْ .:.:. تَحْجِبْهُ غَامِضَةُ اخْتِبَـارْ(24).
أمّا عبد الله بن عليّ الخليلي (ت1421هـ/ 2000م) فيحدث في أبياته إيقاعا، بتكرير كلمات جاءت على صيغة واحدة. لكنّ ذلك أضرّ بالعمليّة الإبداعيّة، وأساء إلى الجانب المعنوي، إذ أبقى هذا التّناولُ الشّاعرَ في الوصف الخارجي، دون الولوج إلى الدّاخل؛ ليقدّم لنا حقيقة الشّخصِ المتحدّث عنه، ودون النّفاذ بنا إلى عالمه النّفسي؛ لنطّّلع على مشاعره، بمعنى: إنّ الإيقاع بقي في حدود الاستجابة الشّكليّة، وهي الرّغبة في إيجاد موسيقى داخليّة، تطرب، من دون أن تؤثّر في المعنى. قال وهو يتحدّث عن الأماكن المقدّسة في الحجاز، وما لها من مكانة ساميّة في نفوس المؤمنين، وما تحمله من معان ساميّة:
وَثَمَّ مَقَامَاتٌ يَلُوحُ بِهَا الخَفَـا .:.:. لَهَا خلْفَ أَسْتَارِ الغِطَا مُشْرِقٌ سَـانِي
خَلائِقُ رَحْمَنٍ، حَقَائِقُ رحْمَـةٍ .:.:. رَقَائقُ آيَاتٍ، دَقائِقُ تِبْيَـانِ
عَوَالِمُ تَوْحِيدٍ، مَعَالِمُ وَحْـَـدَةٍ .:.:. طَلاَئعُ قرَّاءٍ، مَطَالِعُ قُـرْآنِ
لَفَائِفُ أَحْكَام, لَطَائِفُ حِكْمَـةٍ .:.:. مَجَامِعُ إيقَانٍ، جَوَامِعُ إِيمَـانِ
شَوَاهِدُ إِنْعَامٍ، مَشَاهِدُ نِعْمَـةٍ .:.:. ظَوَاهِرُ أَلْوَاحٍ، مَظَاهِرُ أَلْـوَانِ
مَحَاضِرُ تَنْزيهٍ، حَظَائرُ نُزْهَـةٍ .:.:. فَضَائِلُ غَفَّارٍ، فَوَاضِلُ غُفْـرَانِ
مَدَارِجُ إيصَال، مَعَارِجُ وَصْلَـةٍ .:.:. فَوَائِدُ مَنَّانٍ، عَوَائِدُ حَنَّـانِ(25).
ما يدلّ على رغبة الشّاعر في إحداث إيقاع مطرب ومرقص، اعتناؤه بتوليد المعاني من الكلمات المعتمدة في صنع نسيج تعبيره، ففي كلّ كلمة يأتي بها في كلّ شطر، إلاّ ويحاول أن يولّد منها معنى، بالتّغيير في ترتيب حروفها، وهو ما يسهم في إيجاد الإيقاع. زيادة على إنهاء الشّطر الأول بكلمات على صيغة واحدة (فعلة) (رحمة، وحدة, حكمة، نعمة، نزهة، وصلة) وقد تكرّرت بعض الحروف في هذه الكلمات عدّة مرّات: (الحاء) ثلاث مرّات. (الميم) ثلاث مرّات. (الواو) مرّتين...
كلّ ذلك أسهم في إحداث إيقاع عال جميل، أظهر مهارة الشّاعر في التّصرّف في فنون القول, غير أنّ هذا يبقى في مستوى الشّكل، من دون أن يتعدّى إلى الجانب المعنوي؛ لأنّ الرّغبة في توفير الموسيقى الدّاخليّة كانت مسيطرة على اهتمام الشّاعر، فكان ذلك على حساب المضمون.
أمّا تكرير المقاطع فظاهرة عامّة في الشّعر العماني الكلاسيكي, لا تخطئها عين القارئ؛ يكاد لا يخلو منها أيّ ديوان من الدّواوين. وهي ظاهرة تتلاءم مع القصيدة المسموعة، وتستجيب لطبيعة الشّعر عند هؤلاء الشّعراء، الذي يهدف أوّلا إلى أداء رسالة. هذه الأمانة تقتضي أحيانا التّأكيد والتّفصيل والتّوضيح... والتّكرار يساعد على أداء هذه المهمّة. لهذه الكثرة لم نأت بأمثلة لهذا الجانب.
يؤكّد ذلك شبّر بن شرف الموسوي: «وتغلب على قصائد هذا الاتّجاه طبيعة الإنشاد الخطابي، فتسيطر على قصائدهم النّبرة الحادّة من ناحيّة الموسيقى. وهي ظاهرة عامّة في الشّعر الكلاسيكي قديما وحديثا»(26).
من المجالات التي استغلّها الشّعراء في إحداث الإيقاع مجال القافيّة. إنّ دورها في بعث جوّ من الموسيقى كبير، ومهمّ في البناء الشّعري؛ نتيجة هذا الإيقاع المنتظم الرّتيب، الذي يتكرّر في فترات زمنيّة مناسبة، فيحدث فواصل موسيقيّة، تطرب السّامع، وينتشي بها، وهو نفسه يتوقّع تردّدها وتكرّرها، فيستعدّ لتلقّيها. كما أنّ للقافيّة ارتباطا بالمضمون الوارد في البيت الشّعري، يتمّم معناه، معنى ذلك: إنّ القافية تعدّ جزءا من البيت, لا ينفصل عنه.
القافيّة التي تؤدّي هذا الدّور يجب أن تنسجم مع التّجربة الشّعريّة والحالة النّفسيّة للفنّان، بحيث تكون له القدرة على التّصرّف فيها والتّكيّف مع الأشكال المختلفة والألوان المتباينة من الأساليب.
نحاول تقديم أمثلة لتعامل الشّعراء مع القافيّة موسيقيّا، بحسب المعطيات السّابقة.
أبو مسلم الرّواحي من الشّعراء الذين يحسنون التّصرّف مع القوافي, ويجيدون اختيار ما يتناسب مع موضوع القصيدة. فالنّونيّة التي كتبها بعد انتخاب الشّيخ سالم بن راشد (ت 1337هـ/ 1919م) إماما على عمان سنة 1331هـ/ 1913م، أثارت فيه شجونا وخواطر، غلب عليها طابع الحسرة والأسى على حاله، وعلى حال عمان؛ بسبب التّخلّف والتّخاذل والتّقاعس...وقد رأى في شخص الإمام فرصة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، ووجد في المناسبة مجالا لتذكير النّاس بواجباتهم نحو وطنهم ودينهم. فأرسلها زفرات حرّى وآهات تترى، فاختار لقافية القصيدة حرفي الألف والنّون. وهما حرفان يستجيبان لمشاعر الشّاعر، ويرتبطان أشدّ الارتباط بمضمون القصيدة، زيادة على الإيقاع الرّتيب والمنسجم مع عواطف الشّاعر.
فحرف النوّن حرف جهري ذلقي, يتميّز بالغنّة، التي تحدث صوتا خاصّا، بتسرّب الهواء من الأنف من اللّثّة العليا، يجاور النّون ألف ممتدّة، تمدّد النّفس، الذي ترسله إلى الخارج، لتساعد الشّاعر على إخراج ما يحسّ به من كمد إلى خارج نفسه، فيتنفّس قليلا ممّا يضيق به صدره. هذا بالنّسبة له شخصًا له مشاعره يريد إطلاع المتلقّي عليها. أمَّا بالنّسبة للقارئ والمستمع، فهما يترنّمان بهذا الإيقاع، ويتجاوبان مع الشّاعر؛ بفضل هذه الموسيقى المنبعثة من هذه الأصوات المتناغمة.
يقول الدّكتور سمير هيكل: «...حيث وفّق في اختياره (أي أبو مسلم) لحرف الرّويّ ليكون الحرفَ الأخير، وليكون له موسيقى، فيها ذبذبات صوتيّة متناسبة مع نغمات الحرف الطّويل، ومن هنا كان أفضل هذه الحروف لموضوع القصيدة هو حرف النّون الذي يتردّد بأنفاس الأنف والحلق...ويبدو أنّ الشّاعر قد تنبّه إلى ما في الألف والنّون من تأثير موسيقي فوظّفهما التّوظيف المثالي في نونيّته»(27). بداية القصيدة كالآتي:
تِلْكَ البَوَارِقُ، حَاديهِنّ مِرْنـانُ .:.:. فَما لِطَرْفِكَ يَا ذَا الشّجْوِ وَسْنَانُ
شَقَّتْ صَوَارِمُهَا الأَرْجَاءَ وَاهْتَزَعَتْ .:.:. تُزْجِي خَمِيسًا لَهُ في الجَوِّ مَيْـدانُ
تَبَجَّسَتْ بِهَزِيمِ الوَدْقِ مُنْبَعِقًـا .:.:. حَتَّى تَسَاوَتْ بِهِ أَكْمٌ وَقِيعَـانُ(28).
على القافية المنتهية بهاء موصولة بياء السّكت، نظم الشّاعر ابن شيخان السّالمي قصيدة في مدح السّلطان فيصل بن تركي، جمع فيها بين الحسرة والفرحة. الأسى على البعد عن الممدوح، واستبطاء الوصول إليه، والابتهاج بالقرب منه والإعجاب بمحاسنه وأفضاله... الياء حرف لساني، صفته الجهر، والهاء حرف حلقي، صفته الهمس والخفوت. نسجّل في الانتهاء السّلاسة والسّهولة في النّطق، اللّذين وفّرهما تباعد المخرجين وتقابل الصّفتين؛ بحيث ينقطع النّفس مع (الياء) المجهورة لشدّة الحسرة التي أصابت القلب – ولو كانت متكلّفة، وكانت توطئة لتسجيل مشاعر المحبّة والغرام بالممدوح – ثمّ ينطلق مع (الهاء) المهموسة؛ حتّى لا يبقى في القلب كمد.
بهذا تكون النّهاية معبّرة بإيقاعها، مطربة بجرسها، فتتكوّن رنّة، تنجذب إليها النّفس لتعي حقيقة ما يشعر به الشّاعر, سواء صدّقه فيما ذهب إليه أم لم يفعل ذلك، المهمّ إنّ الشّاعر قصد أن يحدث في نظمه إيقاعا، يوفّر له الموسيقى، التي تجمّل شعره. بداية القصيدة كالآتي:
أَمْلَى النّسيمُ على القٌلُوبِ الصّادِيَـه .:.:. خَبَرَ الحِمَى سَحَرًا، فَأَضْحَتْ رَاوِيَه
وَتَمَايَلَتْ طَرَبًا غُصُونُ البَانِ إِذْ .:.:. فَهِمَتْ مَعَانيهِ، وَكَانَتْ خَافِيَه
وَتَلَطَّفَتْ أَحْشَاؤُنَا بِسُؤَالِهَـا .:.:. إِيَّاهُ عَنْ ظَبْيَاتِهِ المُتَجَافيَـه(29).
لاحظنا تأثّر الشّعراء بالفاصلة القرآنيّة في قوافيهم، فقد حاولوا استلهام القرآن في هذا المجال، وحرصوا على توفير الإيقاع في شعرهم بواسطة القافيّة ، وربطه بمضمون القصائد. الشّواهد على هذا أكثر من أن تحصى.
الخلاصة :
الأمثلة على هذا الأسلوب في الكتابة كثيرة جدّا (أعني الإيقاع) لا يمكن التّطرّق إليها في هذه الدّراسة المحدودة. حسبنا تسجيل بروز هذه الظّاهرة في الشّعر المحافظ بشكل جيّد في نماذجه، تنويعا في مصادر الإيقاع، وتلوينا في مظاهره، واعتماده ركنا أساسا في الصّياغة والبناء. وربطا محكما بين المعاني والوسائل المنتقاة لإيجاد هذه الموسيقى. هذا يدلّ على الوعي في عمليّة البناء الفنّي، وعلى التّمكّن في مجال الإبداع، وعلى التّحكّم في قواعد الكتابة، وعلى فهم الرّسالة التي هم موكلون بها ـ معنى وفنّا ـ، وهم يكتبون. وقد قرأنا نماذج جيّدة في هذا المجال. وسجّلنا ضعفا في بعضها؛ بسبب التّكلّف الذي ظهر عليها، أو العجز عن بناء عمل فنّي من الموسيقى، التي هي جزء مهمّ في الكتابة الشّعريّة.
إنَّ الشّعر العماني المحافظ أسهم إسهاما مهمّا في دفع عجلة الإبداع خطوات إلى الأمام، أو ـ على الأقل ـ كان مرحلة مهّدت الطّريق للتّجديد، وذلك بتغيير ـ ولو كان بسيطا ـ في أسلوب الكتابة، وتنميّة المعجم الشّعري، الذي ساعد على تطوير الصّورة الشّعريّة، وتطويع الإيقاع لتلبيّة مشاعر الشّعراء، حتّى تبرز.
كان الاهتمام بتوفير الموسيقى في أشعار الشّعراء بارزا، إلى حدّ التّكلّف أحيانا. لذا حرص شعراء الاتّجاه المحافظ على التفنّن في توفيرها فيما يكتبون، بتعديد مصادرها، والتّنويع في مظاهرها، وكان للإيقاع حظّ كبير في هذا المجال. وقد حالفهم الحظّ أحيانا، وخالفهم التّوفيق مرّات.
--------------------
الهوامش
1 – مصطفى عبد اللّطيف السّحرتي، الشّعر المعاصر على ضوء النّقد الحديثـ ط2، مطبوعات تهامة، جدّة، المملكة العربيّة السّعوديّة، سنة 1404هـ/1984م، ص: 113. ينظر أيضا ص: 107.
2 – الدّكتور محمّد ناصر بوحجام، أثر القرآن في الشّعر الجزائري الحديث، ج2، المطبعة العربية، غرداية، الجزائر، 1992م، ص: 344.
3 – الشّعر المعاصر على ضوء النّقد الحديث، ص: 107.
4 – الدّكتور عليّ عليّ صبح، البناء الفنّي للصّورة الأدبيّة في الشّعر, ط2، المكتبة الأزهريّة للتّراث، سنة 1416هـ/ 1996م، ص: 258.
5 – ديوان أبي مسلم ناصر بن عديّم الرّواحي العماني، تحقيق وتدقيق عبد الرّحمن الخزندار، مطابع دار المختار، 1406هـ/ 1986م، ص: 302.
6 – المصدر السّابق، ص: 400- 401.
7 – البناء الفنّي للصّورة الأدبيّة في الشّعر, ط2، ص: 244.
8 – ديوان ابن شيخان السّالمي، ط2، جمع محمد بن عبد الله السّالمي، مراجعة الدّكتور عبد السّتّار أبو غدّة، نشر المجموعة الصّحفية للدّراسات والنّشر، القاهرة، جمهورية مصر العربية، 1416هـ/ 1995م، ص: 34، 35.
9 – المصدر السّابق، ص: 47.
10 – المصدر السّابق، ص: 73.
11 – المصدر السّابق، ص 119. الصّورة نفسها تتكرّر عنده في البيت الآتي:
كالغَيْثِ يومَ النَّدَى، كاللّيْثِ يوْمَ الوَغَى
كَالدّهْرِ مُحْتَفلاً، كالبَدْرِ مُنْتَزِحَا
المصدر السّابق، ص: 108.
12 – ديوان أبي مسلم الرّواحي، ص: 303، 311.
13 – ديوان أبي سرور حميد بن عبد الله الجامعي، المجلّد الأوّل، ط1، النّاشر مكتبة الفردوس، سمائل، سلطنة عمان، 1419هـ/ 1998م، ص: 88.
14 – ديوان ابن شيخان السّالمي، ص: 25.
15 – المصدر السّابق، ص: 41.
16 – المصدر السّابق، ص: 61. للشّاعر نفسه قصيدة، تعدّ تسعة عشر بيتا، أنهى شطري كلّ بيت فيها بحرف (الدّال) تفنّنا في الكتابة، ورغبة في إيجاد موسيقى داخليّة من السّجع داخل القصيدة.
17 – ديوان أبي سرور، المجلّد الأوّل، ص: 266. ينظر مثال آخر المصدر نفسه، ص: 263.
18 – سعيد بن سليمان العيسائي، تطوّر الأبعاد العربيّة الإسلاميّة في الشّعر العماني الحديث، ص: 122. ينظر أبو سرور وديوانه باقات الأدب, ص: 137.
19 – ص: 122.
20 – ديوان أبي سرور، المجلّد الأوّل، ص: 78.
21 – ديوان أبي مسلم الرّواحي, ص: 287.
22 – المصدر السّابق، ص: 348.
23 – المصدر السّابق، ص: 344، 345.
24 – ديوان ابن شيخان السّالمي، ص: 64.
25 – عبد الله بن عليّ الخليلي، ديوان وحي العبقريّة، ط2، مطابع دار جريدة عمان للصّحافة والنّشر، رُويّ، سلطنة عمان، 1410هـ/ 1990م، ص: 125.
26 – شبّر بن شرف الموسوي، اتّجاهات الشّعر العماني المعاصر، مطابع النّهضة، مسقط، سلطنة عمان، سنة 2000م، ص: 107.
27– الدّكتور سمير هيكل, «بين أبي مسلم البهلاني الرّواحي وأبي البقاء الرّندي, جوانب فنّيّة مقارنة»، قراءات في فكر البهلاني الرّواحي, ط1، وزارة التّراث القومي والثّقافة, سلطنة عمان، إصدار المنتدى الأدبي، سنة 1418هـ/1998م، ص: 79. تُراجَع القصيدة في: ديوان أبي مسلم الرّواحي، ص: 299 – 315.
28– ديوان أبي مسلم الرّواحي، ص: 299
29– ينظر ديوان ابن شيخان السّالمي، ص: 95. تراجع القصيدة، ص: 95 – 97.

نشر المقال في دورية الحياة، العدد: 10، 1427هـ/2006م، ص139-156.

اسم الكاتب