الرسائل الجامعية
ملخص أطروحة دكتوراه
د/ يحيى بن صالح بوتردين:
(أستاذ بالمركز الجامعي لغرداية)
 
تعليمية النص القرآني
في إطار التكوين الجامعي المتخصص في اللغة العربية وآدابها
يدخل موضوع هذه الأطروحة ضمن إطار اللسانيات التطبيقية وتعليمية اللغات، ويهدف إلى الإسهام في حل مشكلة ضعف مستوى الخرّيجين في أقسام اللغة العربية وآدابها سواء في الجزائر أو في العالم العربي، في محاولة للعودة إلى النص القرآني الذي ظل يزحزح شيئا فشيئا بعيدا عن مقرّرات تعليم العربية من أجل اعتماده من جديد لحل هذه المشكلة، باعتباره إحدى المرجعيات النصيّة الهامة للغة العربية.
وانطلاقا من خصائص النص القرآني اللغوية من جهة، وما تجمّع للباحث من معطيات علمية وأسس منهجيّة تعليمية من جهة أخرى، فإنّ الأطروحة تحاول التأسيس لرؤية منهجية أصيلة في تعليمية العربية، تنطلق من الواقع وتستند إلى قواعد علمية عالمية متعارف عليها. 
أسباب اختيار الموضوع و إشكاليته:
لم تأت فكرة هذا الموضوع من فراغ أو تقليد لقالب جاهز أو معتاد، وإنّما فرضته جملة من الظروف والعوامل كانت بمثابة الدوافع لمطارحته، نذكر منها:
* كون الموضوع جديدا في بابه وذا خصوصية من ناحيّتين؛ تعليمية (ديداكتيكية) تعنى بمشكلة تأخّر تعليم العربية باعتماد المنهج العلمي، ولسانية اجتماعية (سوسيولسانية) تعني بمشكلة انحصار العربية في ظل الصراع اللغوي لدى كثير من الشعوب الإسلامية. 
* كونه يتناول مشكلة ضعف مستوى التكوين في اللغة العربية في الطور الجامعي الذي يعد مجال تخصّص وتعمّق. ويؤسّس لحلها انطلاقا من معالجة أسبابها، والتي من أهمّها ضعف العناية بالمحتوى التعليمي. 
* كونه محاولة للإسهام في إثراء المكتبة العربية، بدراسة تتناول الموضوع من زاوية اختصاصية علمية، تجمع بين صلة العربية بالقرآن الكريم من جهة، والشروط التعليمية المتعارف عليها عالميا من جهة أخرى. 
* كون النص القرآني يمثل أهمّ المرجعيات النصية في تعليم اللغة العربية، وأولاها اعتبارا. وأكثرها استجابة لميول المتعلّمين واتجاهاتهم. وترجمة لأهداف التكوين وغاياته. 
* كون القرن الواحد والعشرين الذي نعيش فيه، يستدعي تحيين التكوين بصفة عامّة، وتعليم اللغة العربية بصفة خاصّة، سواء في شكله أو مضامينه، كي يستجيب لتحديّات العولمة واقتصاد السوق من جهة وشروط تعليمية اللغات من جهة أخرى. 
* كون الباحث يميل إلى مثل هذا النوع من الدراسات التي تقوم على التأصيل ونبذ التقليد، ولا سيّما وأنّ المعطيات العلمية والواقعية تعزّز موقفه. 
ومع هذا وذاك فإنّ فكرة الموضوع تعود إلى سنين عديدة(1)، تكوّنت خلالها جملة من التساؤلات المختلفة حول راهن تعليم العربية وأسباب التخلّف أو التعثّر الذي مُنِي به، تمحورت كلّها حول تساؤل جوهري لإشكالية الدراسة، مفاده: ما هي الأسباب الحقيقية لتدنّي مستوى التكوين في العربية؟ وإلى أيّ مدى يمكن أن يسهم اعتماد النّص القرآني في تحسين هذا التكوين؟
ولقد دعت هذه الإشكالية الباحث إلى وضع فرضيات للحل، منها ما يتعلّق بضرورة تنويع المرجعيات النصّية في التكوين، بهدف اختبارها في الواقع والنظر في علاقتها بالشروط العلمية التعليمية المتعارف عليها. حتى اهتدى إلى أنّ الافتراض القويّ لحل هذه المشكلة يكمن في العودة إلى النص القرآني بالدرجة الأولى، باعتباره النص الذي يحفظ للعربية أعلى درجات قوّتها، فضلا عن كونه يمثّل أصالتها وسرّ بقائها. 
وبالرجوع إلى راهن مناهج ومقرّرات التكوين الجامعي في اللغة العربية، سواء على مستوى العالم العربي بصفة عامة، أو على مستوى الجامعة الجزائرية بصفة خاصّة، تبيّن أنّ الذي يغلب عليها عامة هو الطابع التراكمي للمعرفة اللغوية من جرّاء التركيز على المرجعية النصيّة الأدبية خاصّة، مما أدّى إلى غياب شبه كلّي للنص القرآني وغيره من النصوص اللغوية الوظيفية العلمية الأخرى، التي تدخل ضمن المرجعيات النصيّة للغة العربية. مما يعود فيما يبدو إلى غياب المنهجية الصارمة في بناء المقرّرات، الأمر الذي يجعل الباحث أمام مشكلة تعليمية (لسانية تطبيقية) تستدعي الدراسة والنقد الموضوعيين، والبحث عن الحلول اللازمة لها. 
وبناء على السؤال الجوهري الذي بنيت عليه الإشكالية، والفرضيات المذكورة، يمكن تصوّر جملة من التّساؤلات الجزئية المساعدة للوصول إلى الحل، نذكر منها:
* السؤال عن جدوى معالجة هذا الموضوع، وما أهميّته، وهل يمثّل خصوصيّة ما؟
* السؤال عن أصول العلاقة بين النص القرآني وتعليم اللغة العربية، معرفيا وتاريخيا ودينيا؟
* السؤال عن مدى استجابة النص القرآني للأسس المنهجية في اختيار المحتوى، وماذا يمكن أن يضيفه لراهن التكوين في العربية وآدابها؟
أمّا الإجابة عن كلّ سؤال من هذه الأسئلة فقد استلزمت من الباحث بناء خطّة للبحث تقوم على العديد من الفصول والمباحث والمطالب. بحيث يتم خلالها مناقشة الموضوع، وحلّ مشكلاته، وتعزيز ذلك بما توفّر له من معطيات علمية وما اتخذه من أدوات بحثية إجرائية وأسس علمية منهجية. 
ولقد انطلق البحث في معالجته للإشكالية من مسلّمة مفادها أنّه ما دام القرآن الكريم قد أُنزل باللسان العربي، وكان ذلك سببا في بقاء هذه اللغة إلى اليوم، فلا يُتصوَّر أن يقوم تعليم للعربية إلاّ إذا ارتبط في الأساس بالنص القرآني. وهي حقيقة تعزّزها الوقائع التاريخية والأدلّة العلمية والمنطقيّة. وتعزّز من جهة أخرى الفرضية المطروحة وتقوّيها. إذ إنّه باعتماد النص القرآني في تعليم العربية وتكوين المتخصّصين فيها، يمكن أن يتحسّن مستوى الخرّيجين ويتحصّلوا تكوينا متخصّصا رفيع المستوى. ومع ذلك فقد حاول البحث أن يخضع هذه الفرضيّة إلى الاختبار العلمي، من خلال أدوات بحثية مختلفة. 
المنهج المتبع والخطة:
وحيث إنّ طبيعة الاختصاص الذي ينتمي إليه هذا البحث تقتضي أن يكون النظر إلى الموضوع من زاوية لسانية تطبيقية تعليمية (ديداكتيكية)، فقد حاولت الدراسة أن تلتزم بذلك وتعتمد على أسس التعليمية (Les principes de la didactique)، كمنهج للدراسة. مع الاستعانة ما أمكن ببعض الأدوات البحثية الإجرائية المساعدة. 
أمّا من حيث منهج الدراسة، فقد تمّ التركيز على جانب المحتوى (Le contenu) الذي يمثّل أحد أقطاب المثلّث التعليمي (الديداكتيكي)، بما يتضمّنه من أسس عملية خاصّة في اختياره وتحديده. خاصة وأنّه منهج يأخذ به كثير من اللسانيين التطبيقيين والتعليميين، وعلى رأسهم البريطاني س. بيت كوردر. ومن بين هذه الأسس ضرورة استجابة المحتوى المختار لشروط ومعايير خاصة لها علاقة بالأبعاد اللسانية واللسانية الاجتماعية واللسانية النفسية... إلخ. 
كما حاول البحث من جهة أخرى أن يؤصّل للموضوع في أبعاده المختلفة: الدينية والتاريخية والمعرفية، وهو ما حمله على اعتماد أدوات منهجية إجرائية مثل: التاريخ وذلك في تتبّع بعض الآثار الإيجابية الناجمة عن العلاقة بين النص القرآني واللغة العربية في زمن نزول القرآن وظهور اللحن خاصّة وما يلي ذلك قليلا، ولجوء الدولة في عهد الخلافة خاصّة إلى حماية العربية وتدبيرها كنوع من التخطيط اللغوي أو السياسة اللغوية، والمقارنة التي تمّ اعتمادها في الموازنة بين أقسام اللغة العربية المختلفة على مستوى الجامعات العربية، من حيث نسب اعتمادها النص القرآني وطريقتها في تعليمه وغير ذلك، في حين كان لأداة التحليل حضور في سائر أجزاء البحث، إذ لا تقوم خطوة من البحث في سبيل استجلاء حقائقه وغوامضه إلاّ والتحليل يكون سبيلا إلى ذلك بما يعزّزه من أدوات بحثية مساعدة كالوصف والتصنيف والاستقراء والاستدلال، دون إهمال الإحصاء في أبسط تطبيقاته المتعلّقة بحساب النسب المئوية، لما للأرقام من دلالات إيجابية تضمن للبحث الدقّة والوضوح والمصداقية. وقد كان ذلك خاصّة عند التعرض لحساب نسب اعتماد النص القرآني في المناهج الجامعية الراهنة على المستوى العربي، وقياس ميول الطلاب واتجاهاتهم نحو النص القرآني... إلخ.
لقد كان الاعتماد في هذه الدراسة إذن على منهج علمي واضح المعالم هو المنهجية التعليمية، (La méthodologie didactique) باعتبارها أساس الدراسة. كما استعان البحث بأدوات بحثية إجرائية متعدّدة ومتكاملة في وظيفتها، تفرضها طبيعة الموضوع في جزئياته وتفاصيله، وهو ما أفضى إلى بناء خطّة للموضوع قوامها ثلاثة أقسام ومقدّمة وخاتمة. 
أمّا القسم الأوّل والذي عنوانه: الدراسة التمهيدية، فقد كان بمثابة المدخل الذي لا بد منه للولوج إلى عالم الموضوع، من خلال الحديث عن خصوصيّته وأبعاده، ومصطلحيّته ومرجعياته، وقد كان ذلك في فصلين أوّلهما بعنوان: خصوصية الدراسة ومصطلحيّتها، إذ تعرّض البحث فيه لخصوصية الموضوع من حيث بعداه التعليمي (الديداكتيكي) والسوسيولساني. وأفرد مصطلحي التعليمية والنص القرآني باعتبارهما يمثّلان الأساس في مصطلحية الموضوع. أمّا الفصل الثاني فقد كان عنوانه: أصول الدراسة ومرجعيّاتها. وتعرّض الباحث فيه للدراسات السابقة بالعرض والنقد أحيانا، كما بيّن أهمّ المراجع التي اعتمدها، وأوضح وجه الاستفادة منها ومكانتها بالنسبة للدراسة. 
أمّا القسم الثاني من الدراسة فقد جعله بعنوان: الدراسة التأصيلية، وكان متضمّنا فصلين اثنين. أوّلهما بعنوان: التأصيل المعرفي والاختصاصي للموضوع حاول البحث من خلاله أن يضع الدراسة في إطارها العلمي الاختصاصي الذي هو اللسانيات التطبيقية وتعليمية اللغات. وثانيهما بعنوان التأصيل الديني والتاريخي للموضوع. إذ تطرّق فيه إلى مسألة نزول القرآن الكريم باللسان العربي، ومدى تأثير ذلك في المجتمع، على المستوى الفكري والثقافي بصفة عامّة وتعليم العربية بصفة خاصّة، وقد توقّف عند بعض المحطّات التاريخية التي تشهد لمتانة العلاقة بين النص القرآني وتعليم العربية، من خلال جهود الأوائل في الدرس اللساني العربي بوجهيه التعليمي والعلمي وما صاحب ذلك من ممارسات لسانية تطبيقية ولسانية اجتماعية تؤكّد هذه الفكرة وتعزّزها. 
وأمّا بالنسبة للقسم الثالث، فقد كان بعنوان: الدراسة التأسيسية، إذ اعتبرناه بمثابة محطّة لاختبار فرضيّة الدراسة، وبالتالي التأسيس للموضوع، اعتمادا على مبدأ الشك العلمي المؤدّي إلى التثبّت. وقد حاول مبدئيًّا أن يقف موقفا إيجابيا من الموضوع، فاحتمل مبدئيّا سلامة موقف من يرى إبعاد النص القرآني من مناهج تعليم العربية، ثمّ عمد إلى اختبار ذلك من خلال امتحان مدى استجابة هذا النص للشروط التي تضعها تعليمية اللغات في الاختيار، وهو ما يعتبر من جهة أخرى اختبارا لفرضيّة الدراسة، وقد جعل هذا القسم كغيره مشتملا على فصلين؛ كان أولهما بعنوان: النص القرآني ومرجعيّات اختيار المحتوى، وأفرده لمناقشة مدى صلة اختيار النص القرآني بالمرجعيات الأساسية لاختيار المحتوى والمتمثّلة في: المرجعية اللسانية النظرية، المرجعية اللسانية الاجتماعية، والمرجعية اللسانية النفسية. وذلك، من خلال السؤال عن مدى سلامة الاختيار وصحّته في إطار هذه المرجعيّات. أمّا الفصل الثاني الذي عنوانه: النص القرآني وشروط اختيار المحتوى. فقد حاول من خلاله تتبّع أهم الشروط (المعايير) المنهجية في الاختيار، لمعرفة مدى استجابة النص القرآني لها؛ كمعيار الشيوع ومعيار الاهتمامات... إلخ
وبقصد التيسير على القارئ فقد رأى الباحث أن يذيّل الدراسة بأدلّة علمية مساعدة. فبالإضافة إلى دليلي المراجع والموضوعات. 
المراجع المعتمدة
* إنّ طبيعة هذا الموضوع قد فرضت تنويع مصادره، فمنها ما هو من الوثائق التقليدية التي تتمثّل في الكتب القديمة والحديثة والدوريات والمحاضرات العلمية وأعمال الندوات والملتقيات المختلفة وغير ذلك... مما يمكن أن يصنّف ضمن نوع المصادر الورقية، ومنها ما هو من الوثائق العصرية التي تتمثّل في المكتبات الإلكترونية (أقراص مدمجة من أجل القراءة فقط CDROM)، والمقالات والنشرات الإلكترونية التي توفّرها شبكة الإنترنت العالمية... إلخ. وهو ما يمكن أن يصنّف ضمن نوع المصادر الإلكترونية. ومنها بالإضافة إلى ذلك، ما ليس من الوثائق، وإنّما هو من قبيل المعلومات التي تستقى من الميدان بواسطة طريقة الاستبيان، على شكل بيانات ومعطيات عددية لها دلالاتها في تفسير ظواهر الدراسة ومعالجة مشكلاتها، وهو ما يمكن أن يصنّف ضمن نوع المصدر الميداني. 
وبالنظر إلى المراجع من حيث المواد العلمية التي أفادتها الدراسة منها، فقد تنوّعت هي الأخرى بين عربية وأجنبية ومترجمة وقديمة وحديثة ودراسات مطوّلة ومقالات أو محاضرات ومداخلات وتوصيات... إلخ وقد اعتمد على بعض المراجع أكثر من غيرها لكونها أساسية في الموضوع، ومن ذلك على سبيل المثال لا الحصر، ما كتبه أمثال: س. بيت كوردر وعبده الراجحي ورشدي طعيمة وميشال زكرياء، وبخاصّة في المسائل المتعلّقة باللسانيات التطبيقية وتعليمية اللغات، وإن كنّا لم نهمل غيرهم ممن عالج الموضوع قديما وحديثا، ك:ابن خلدون مثلا في مسائل الاكتساب اللغوي خاصّة، بينما جعل بعض المصادر العربية وعلى رأسها القرآن الكريم وبعض التفاسير وكتب الحديث، إضافة إلى بعض الدراسات الحديثة سببا إلى معالجة مسائل التأصيل للموضوع تاريخيا ودينيا. أمّا فيما يتعلّق بما سوى ذلك من المسائل الجزئية فقد كانت أية وثيقة بمثابة الضالّة للبحث، بحيث رجع الباحث إلى مقالات ومداخلات عديدة منها ما يرقى إلى مستوى المراجع الأساسية مثل ما كتبه محمود فهمي حجازي ونهاد الموسى وعبد الرحمن الحاج صالح وغيرهم. ومنها ما هو للاستئناس والدعم. كما أنّ البحث قد أفاد من المعاجم المتخصّصة والقواميس اللغوية، وبخاصة عند ضبط بعض المفاهيم، وهو ما أضفى على قائمة المراجع والمصادر صفة التعدّد والتنوّع.
هذا وقد اعترضت طريق هذا البحث صعوبات، وبخاصة عند اعتمادنا وسيلة الاستبيان. إذ إنّ كثيرا من المستجوبين من الطلاب خاصة، لم يتعاونوا إيجابيا مع البحث، سواء بعدم استجابتهم بملء الاستبيان، أو باحتفاظهم به وعدم ردّه. إذ تمّ إعداد ما يزيد عن 250 استمارة استبيان، ووزّعت منها 210، حيث لم يعد منها إلينا سوى العدد القليل (48 استمارة)، فلم تتعدّ المشاركة نسبة 22. 86 %. وقد كانت عيّنة البحث من المستجوبين عشوائية من الطلبة والأساتذة ينتمون إلى جامعات مختلفة، وطنية وعربية؛ أربعة منها داخل الجزائر، هي أقسام جامعة الجزائر ووهران وقسنطينة وورقلة وثلاثة في دول عربية، هي جامعة آل البيت بالأردن، وجامعة دمشق بسورية وجامعة محمد الخامس بالدار البيضاء بالمغرب. 
نتائج الدراسة:
وبعد هذا العرض لحيثيات المعالجة العلمية للموضوع، يمكن أن نجمل ما انتهت إليه الدراسة من نتائج فيما يلي:
ففي الفصل الأوّل من القسم الأوّل، المتعلّق بأهميّة الموضوع ومصطلحيّتة نسجّل الآتي:
* أنّ الدراسة تكتسي أهميّة خاصة، في بعدها التعليمي، من حيث كونها تمثّل خصوصيّة. إذ تؤسّس لرؤية منهجية أصيلة في تعليم اللغة العربية، تأخذ بخصائص اللغة العربية من جهة، والأسس التعليمية المنهجية المتعارف عليها عالميا من جهة أخرى، وتتلخّص هذه الخصوصية في اعتبار مفهوم "الاتصال الإنسإلهي" الذي يمثّل هدفا أساسيا ومتميّزا في تعليم العربية وتعلّمها، لا يمكن أن يفهمه أو يحقّقه إلاّ من آمن بوجود هذا النوع من الاتصال في الواقع وهم المسلمون، أي الناطقون بالعربية أصالة أو افتراضا. 
* أنّ الدراسة تكتسي أهميّة أيضا من حيث كون الموضوع يمثّل خصوصية في بعده اللغوي الاجتماعي (السوسيولساني)، إذ تسعى الدراسة لجعل تعليم العربية سببا لتحقيق الوحدة الروحية والفكرية بين أبناء الشعوب الإسلامية، من خلال اعتماد النص القرآني الذي هو القاسم المشترك بينهم، وبالتالي التخفيف من حدّة الصراع الحاصل من جرّاء ظهور الجهود العاملة على إحياء اللغات المحلية وترقيّتها، والتي تمثّل في بعدها السياسي والثقافي نوعا من الإعاقة لانتشار العربية وترقيتها. 
* أنّ الدراسة تميل إلى اعتماد المفهوم الذي يجعل مصطلح التعليمية عبارة عن عملية إجمالية تعنى بتدبير جميع أمر تعليم اللغة، بما في ذلك من سياسات لغوية ومنهجية علمية ومرجعيات متعدّدة، تخدم كلّها جانب اختيار المحتوى لأهميّته في تعليم اللغة وتعلّمها، وهو المفهوم الذي يقول به أغلب الدارسين وعلى رأسهم البريطاني: س بيت كوردر. 
* أنّ الدراسة تميل إلى اعتماد المفهوم الذي يجعل مصطلح النص القرآني يفيد كونه نصا لغويا ودينيا بما يحمله من خصائص لغوية متفرّدة في العربية من جهة، وخصائص موضوعية وقيم حضارية وأخلاقية راقية من جهة أخرى. وهو كلّ ما يهمّها من ذلك باعتبارها دراسة ذات طابع تعليمي لساني تطبيقي، تعنى بما يحقّق هدفها الذي هو تعليم اللغة والتخصّص فيها. 
* وفي الفصل الثاني المتعلّق بأصول الدراسة ومرجعيّاتها، فقد انتهى البحث إلى:
* أنّ بعض الدراسات السابقة قد قدّمت للبحث إضافات قيّمة وأساسية، وبخاصة تلك التي قاربت الموضوع بصفة مباشرة. خاصّة وأنّ أغلب هذه الدراسات تتفق مع الأطروحة في اعتبار النص القرآني أساس تعليم العربية. ولا بد من العودة إليه. 
* أنّه على الرغم من الصعوبات التي انجرّت عن اعتماد الاستبيان، فقد أفاد البحث من نتائج هذه الطريقة في عدة مواضع من البحث، لا سيما في تحديد ميول الطلاب إلى النص القرآني، ومعرفة مجتمع البحث بالأهداف... إلخ
أما في القسم الثاني من الدراسة، والذي كان خاصا بالتأصيل للموضوع في أبعاده المختلفة، فقد انتهى البحث في فصله الأول إلى:
* أنّه مادام تعليم اللغات مسألة لسانية تطبيقية، فإنّ تعليمية النص القرآني باعتبارها محورا أساسيا في تعليمية العربية، تعد من الناحية المعرفية النظرية قضية لسانية تطبيقية. 
* أنّه ما دام النص اللغوي يعدّ من مواد التطبيق في تعليمية اللغات، والنص القرآني من هذه الناحية جزء من مواد التطبيق في تعليمية العربية، فإنّ تعليمية النص القرآني تعدّ مسألة تعليمية منهجية. 
* أنّه مادام اختيار المحتوى يتطلّب اعتماد جملة من الشروط تعرف بشروط الاختيار ومعاييره، فإنّه لابد من إخضاع مسألة اختيار النص القرآني لهذه العوامل والمعايير. وهو ما تهدف إليه الدراسة، وقد حقّقته في الفصول اللاّحقة. 
أمّا الفصل الثاني، والذي يعنى بالتأصيل للموضوع في بعديه الديني والتاريخي، فقد انتهى البحث فيه إلى:
* أنّ العلاقة بين النص القرآني واللغة العربية، علاقة جدلية لا يمكن أن يتجاوزها أو ينكرها إلاّ جاهل أو مكابر، وهو ما أكّده القرآن الكريم من خلال آيات كثيرة، وصدّقها الرسول صلى الله عليه وسلم بالقول والفعل، ثم عزّزها بعد ذلك الصحابة والتابعون وسائر العلماء. 
* أنّ علاقة النص القرآني باللغة العربية في بعدها الديني كانت سببا في تمسّك المسلمين الأُوَل بالعربية وتقديسهم لها، وبالتالي تعليمها وتعلّمها ونشرها في العالم. و لم تكن حديث الفقهاء وعلماء الدين فقط، وإنّما كانت مسألة تشغل بال اللغويين أيضا. كما أنّها كانت سببا لقيام حركة علمية وفكرية حول اللغة العربية، مما رفع من شأنها داخليا وخارجيا. 
* أنّ العلاقة التاريخية بين النص القرآني واللغة العربية، هي نتيجة للعلاقة الدينية بينهما. إذ كانت سببا في قيام دولة الخلافة بسياسات تخطيطية لغوية راشدة، من أجل حماية اللغة العربية وترقيتها. كما كانت شاهدا على نشأة الدرس اللغوي العربي بصفة عامة، سواء في شقّه التعليمي العملي أم في شقّه العلمي النظري. 
* أنّ التأكيد على صلة العربية بالنص القرآني، وأولويّته في التطبيق التعليمي، لا ينفي ولا يتعارض مع اعتماد المرجعيات النصية الأخرى التقليدية (النصوص الشعرية والنثرية) أو غيرها من نصوص اللغة ذات الاستعمال الواسع (النصوص العلمية والإعلامية)، بل يعزّزه ويدعو إليه. 
هذا وأمّا في القسم الثالث من البحث، الذي كانت العناية فيه بالتأسيس للموضوع، فقد انتهى البحث في فصله الأوّل إلى أنّ النص القرآني يعد جديرا بالاختيار والاعتماد في تعليم العربية عامة وتكوين المتخصّصين فيها تحديدا، وذلك للاعتبارات الآتية:
* كون النص القرآني يمثّل المرجعية النصيّة الأولى والأساسية التي دفعت القدامى خاصة، إلى الاهتمام بالبحث اللساني العربي وتعليم العربية. وإن انصرف الاهتمام بعد ذلك -ولضعف الوازع الديني وتغيّر نمط التفكير لدى المجتمعات الناطقة بالعربية- إلى النص الأدبي دون غيره. 
* كونه يمثّل المرجعية النصية التي تحمل خصائص لغويّة تتفرّد بها العربية. لاتصالها بالقرآن الكريم من حيث أسلوبه وبناؤه ومضامينه. وهو ما أدّى إلى تفرّد العربية بعلوم لغوية كثيرة متّصلة بالنص القرآني، لا توجد في غيرها من اللغات. مثل علم الصوتيات القرآنية (التجويد)، علم الدلالة القرآني (التفسير)، علم البلاغة القرآنية (الإعجاز)... 
* كونه يمثّل انتقالا للمتعلّم من محدودية النص الأدبي في قدراته التعبيرية إلى لا محدودية النص القرآني في إمكانياته الأسلوبية، لكون هذا الأخير يجمع بين العاطفة والمنطق، وبين الوصف والتحليل والمقارنة والجدل... إلخ. كما ينقل المتعلّم من نطاق الإقليمية الضيّقة (البيئة العربية) إلى النطاق الإنساني والكوني الرحب، بل إلى ما وراء الطبيعة (عالم الغيب) كذلك. وذلك من خلال موضوعات القرآن الكريم على اختلافها واتساع آفاقها. 
* كون الموضوع يمثّل عودة إلى المنهج العلمي في اختيار المحتوى، وذلك، بتطبيق مبادئ تعليمية اللغات، فيما يخص البعد السوسيولساني، بما في ذلك الأخذ بالمعطيات السياسية والثقافية التي لها صلة باللغة العربية، وتفرض اختيارا متميّزا لمحتوى تعليمها. 
* كونه يساعد على اكتشاف وظيفة لغوية أساسية هامّة، هي الوظيفة اللسانية التعبدية، والتي هي ناتجة عن مفهوم الاتصال الإنسإلهي، وهما مصطلحان يخصّان استعمال العربية باعتبارها لغة القرآن الكريم، اقترحهما الباحث ولم يقل بهما غيره من قبل، سواء في إطار تعليمية اللغة أو البحث فيها. ولا يمكن فهمهما أو إدراكهما إلاّ بالعودة إلى تعليمية النص القرآني. 
* كون النص القرآني يمثّل السبب الذي يوحّد كثيرا من الناطقين به أصالة وافتراضا ويقضي على أسباب الفرقة بينهم، مما يؤدّي إلى الاستقرار السيّاسي والاجتماعي للشعوب والدول المعنية بتعليم العربية، والتي تعاني من التعدّد اللغوي كالجزائر. 
* كونه يعد أقرب النصوص العربية إلى اتجاهات المتعلّمين من خلال تأكيد الدارسين على ذلك من ناحية وتصريح المعنيين به عند استجوابهم. مما يعزّز احتمال إفادتهم منه في التحصيل أكثر من غيره. 
* كونه يستجيب أفضل من أي نص لغوي آخر لمعطيات اللسانيات النفسية المتعلّقة بتعلّم اللغة، وبخاصة على منهج السلوكيين، باعتبار ما يطبع النص القرآني من خصوصية تجعله قابلا للحفظ وغير ممل عند تكرار ممارسته ومدارسته. على أنّ دوره في تعلّم اللغة لا ينحصر في آلية الحفظ فقط، بل يجمع بينها وآلية التحليل القائم على تنشيط العلاقات القائمة بين أجزاء النص، وذلك، بفضل آلية التدبّر التي هي من خصائص القراءة في النص القرآني. 
هذا فيما يخص جانب علاقة اختيار النص القرآني بالمرجعيات اللسانية المختلفة، أمّا ما يتعلّق باستجابته لعوامل الاختيار ومعاييره أو شروطه، فقد سجّلت الدراسة النتائج الآتية:
* أنّ النص القرآني باعتبار عامل الأهداف، يتلاءم وأهداف التكوين، إذ يعدّ غاية ووسيلة في آن واحد، بالنسبة لتعليم العربية وتعلّمها بصفة عامة، وتكوين المتخصّصين فيها بصفة خاصة، وذلك من حيث كونه يحمل كافة خصائص اللغة العربية ويعد سببا لحفظها وانتشارها وإثرائها. كما يتضمّن من الخصائص اللغوية والأدبية ما يعتبر من أساسيات تكوين الطالب المتخصّص، سواء في المعرفة باللغة العربية أو المهارة بها. وإن كانت الدراسة تسجّل إهمالا واضحا لجانب الأهداف من قبل أقسام اللغة العربية على المستوى العربي. مما صعّب من مهمّتها في معالجة هذه النقطة. 
* أنّ هذا النص باعتبار عامل نوع المؤسّسة التعليمية، يعد من النصوص التي يفترض لها أن تكون حاضرة في كافة أقسام اللغة العربية على المستوى العربي، لكونها مؤسّسات مسلمة في الأساس ولا يضرّها اعتماد النص القرآني في شيء، على أنّ التوجّه التحرّري (العلماني) لأغلب الجامعات العربية، جعلها تقلّص من حجم النص القرآني لحساب النص الأدبي بنسب مئوية ملفتة للنظر، وكأنّها غير معنية بهذا النص، مما يعد برأينا انحرافا عن الأسس العلمية في تعليم اللغات. إذ تدعو الدراسة إلى ضرورة تصحيح الوضع بالرجوع إلى النص القرآني من جديد وإحداث توازن في اعتماد المرجعيات النصّية لتعليم العربية، بما في ذلك ما يتّصل منها بالتراث والدين، وما يتصل منها بالعصر والحداثة. 
* أنّه باعتبار عامل الوقت ومستوى المتعلّم، يعدّ ملائما جدّا للاختيار، وذلك لكونه من حيث شكله ملائما لكي يتناوله الدارس في خلال ثلاث أو أربع سنوات، والتي يمكن للطالب أن يكتسب خلالها معرفة بالنص ولغته وأدبه وموضوعاته، وبخاصة إذا تم تعديل نسبة اعتماده في البرامج، كما أنّه من حيث أسلوبه ولغته يعد في متناول الطلاب أيضا، لكونهم لا يبلغون الجامعة إلاّ وقد تحصّلوا من القدرات اللغوية والمنهجية ما يخوّل لهم أن يدرسوا هذا النص بسهولة ويسر. 
* أنّه يستجيب لمعيار الشيوع أكثر من أي نص آخر عربي، وذلك لما يمتاز به من خصائص، جعلته واسع الانتشار في العالم، فهو القاسم المشترك بين سائر المسلمين في العالم. 
* أنّه يستجيب لمعيار التوزيع، الذي هو مرتبط بالشيوع، ويعني قوّة حضور هذا النص في نواحي الحياة المختلفة للمتعلّم، وقد تبيّن للباحث أنّه يعد أكثر النصوص العربية الفصيحة حضورا في حياة المتعلّم، لأنّ مقاربته تتكرّر لدى المتعلّم باعتباره مسلما خاصة، خمس مرّات في اليوم على الأقل، قياسا على أوقات الصلوات، فضلا عن أيّة مقاربات أخرى من تلاوة أو تحليل أو مطالعة في التفاسير... إلخ والتي هي من الأنشطة اللغوية المفترضة لطالب التخصّص في اللغة العربية. بينما لا نجد لأي نص آخر أدبيا كان أم غيره مثل هذا الحضور القوي في حياة الطالب اليومية. 
* أنّه باعتبار صلته الوطيدة بثقافة المتعلّم (الطالب) ومعتقده الديني من جهة، وكونه نصّا متعبَّدا بتلاوته وواجب التدبّر والتجويد... إلخ، بالإضافة إلى كونه من حيث شكله ومضمونه ميّسرا للذكر والحفظ والتدبّر. فإنّه (النص القرآني) يعد مستجيبا للمعايير ذات البعد النفسي التعليمي، مثل معياري القابلية للتعليم والتعلّم، ومعياري الميول والاهتمامات. ومعيار القابلية للاستدعاء، وهو ما تؤكّده تجارب الواقع في علاقة القرآن الكريم بالتحصيل اللغوي والفصاحة. 
* أنّ هذا النص، باعتبار خصائصه الأسلوبية، يستجيب لمعيار الأهميّة، أي فائدة المتعلّم من مقاربته، إذ تبيّن من خلال البحث أنّه على الرغم من تنوّع المرجعيات النصّية في تعليم العربية، يبقى القرآن الكريم المعين الذي لا ينضب ولا يخلق عن كثرة الرد، إذ يجد فيه طالب التخصّص بالإضافة إلى ما يشترك فيه من الخصائص مع غيره من النصوص سببا لتحصيل ملكة لسانية فريدة تقوم على مهارات لغوية أساسية لها علاقة مباشرة بخصائص هذا النص دون غيره، ونعني بذلك ما يتعلّق بمهارات الاستماع والإنصات والترتيل والتجويد والتدبّر... إلخ. 
وبعد هذه القائمة المختصرة من النتائج لا بأس أن نشير إلى أنّنا قد أعقبنا خاتمة البحث بجملة من المقترحات العمليّة، لعلّها ستجد من يوليها الاهتمام اللازم. وهي تتمثّل في:
1-مقترحات لتطوير منهجية التكوين الجامعي في اللغة العربية:
إنّ ما أفرزه النظام العالمي الجديد (العولمة) من جهة وما أحدثته ثورة المعلومات وتكنولوجيا الاتصال بصفة عامة، من خلخلة في المفاهيم والوسائل المتعلّقة بالتعليم ولا سيما تعليم اللغات، يفرضان علينا أن نطوِّر مناهج تعليم العربية والتكوين المتخصّص فيها حتى تستجيب لتحديات العصر ورهاناته، أخذا بمبدأ الأصالة والتفتّح. وعليه نقترح:
* ضرورة أن تتحرّر بيداغوجية التعليم الجامعي خاصّة سواء في الجزائر أو في البلاد العربية من نظام الوصاية الممارسة عليها من قبل الإدارات المركزيّة عادة، لتفتح المجال للتنافس العلمي الخلاّق والمبدع بين الجامعات وتتلاقح التجارب، لأنّ ذلك وحده الكفيل بمسايرة وتيرة التطوّر العلمي والتعليمي في العالم. على أن يبقى للدولة دور الرقيب على مدى احترام ثوابت الأمّة وقوانين الدستور، ضمانا لعدم حصول أية تجاوزات مخلّة بالنظام. 
* ضرورة أن يعيد المسؤولون على مستوى الجزائر بصفة خاصّة والعربي بصفة عامّة، النظر في السياسات اللغوية التي تحكم مصير اللغة العربية. من أجل تدبير علمي موحّد لأمر تعليمها. وذلك، من خلال برامج وخطط وآليات تمكّنها من الصمود والتفوّق لمواجهة المدّ الكبير للغات الأجنبية في عقر دارها وعلى حساب الاستقرار الاجتماعي. 
* ضرورة أن تعيد الجامعات العربية بصفة عامّة، النظر في منهجيّات تعليمها وتكوينها، في سبيل إحداث انسجام بين برامج التكوين وخطط التنميّة في البلاد، سواء من حيث فروع المعرفة والتخصّصات العلمية والمهنيّة، أو أشكال التكوين ونظام الشهادات. وعلى الرغم مما بدأته بعض الجامعات من محاولات للتجديد والتطوير، كتطبيق نظام الـ: ل. م. د مثلا، فإنّ كثيرا من أقسام اللغة العربية لا يزال بعيدا عن حركة التطوير ويتوجّس خيفة منه، ويكرّس نظما ومناهج تقليدية في التعليم، ولا سيما في جانب المحتوى، لا تتناسب مع قانون السوق وتحديات العولمة. 
* ضرورة أن ينفتح تعليم العربية والتكوين فيها، على المجتمع، فيستجيب من جهة لثوابته من حيث اختيار محتوياته ومن جهة أخرى لتحديات العصر وقواعد نظام السوق من حيث التكوين والتشغيل، وذلك، من خلال استحداث تخصّصات وفروع مرنة تربط المتخرّج بأصوله الدينية والثقافية من جهة وتسمح له بولوج عالم الشغل بسهولة من جهة أخرى. لاسيما عند تطبيق نظام ال: ل. م. د. إذ لم يعد معقولا الانغلاق على التخصّص الأدبي الفنّي وحده، الذي أصبح معدودا عند العام والخاص نوعا من الترف العلمي في عصر لا يؤمن إلاّ بالنفعيّة. وذلك، مثل أن يرتبط التكوين بالإعلام أو التجارة أو الإدارة أو الترجمة... إلخ
وحيث إنّ موضوع الدراسة يتعلّق بمعالجة مشكلة تعثّر تعليم العربية، فإنّنا نحاول هاهنا أن نقترح بعض الآليات التي نراها كفيلة بالخروج بهذا التعليم من أزمته، وهي كما يلي:
* أن ننتقل في بناء مناهج لسانس اللغة العربية من فلسفة التكوين للتكوين، إلى فلسفة التكوين حسب الطلب أو بأهداف، بحيث يؤسّس على استراتيجية محكمة، تأخذ بمعطيات الواقع وتستجيب لميول الطلاب واتجاهاتهم. 
* أن يعتمد هذا النوع من التكوين تبعا لما ذكر الأسس العلمية في تخطيطه، من أجل مراعاة الملاءمة والموضوعية في اختيار المحتوى. 
* أن يكون الهدف الأساس من التكوين هو التركيز على تنميّة مهارات الطلاب اللغوية المكتسبة ليتمكّنوا منها باعتبارهم متخصّصين، وهذا يستدعي إدخال النص القرآني وجوبا في أي تكوين بهدف التخصّص، إلى جانب غيره من النصوص الأدبية وغيرها، وذلك، في صورة مقاييس عمليّة تطبيقية تفيد تحقيق مثل هذا الهدف. وبخاصّة وأنّ النص القرآني يعد أكثر النصوص العربية خدمة للمهارات اللسانية الجهرية والصامتة، أي القراءة الجهرية التي تنمّي مهارة الحديث الشفوي والإنصات الذي ينمّي مهارة الفهم. 
* إن يتم التركيز على النص القرآني في التخصّص، باعتباره الكفيل بإكساب الطالب المهارات المساعدة على تحقيق الوظيفة اللغوية التعبّديّة على أحسن وجه، من قراءة بترتيل وتجويد وتدبّر... إلخ، وهي حاجات عامّة لكلّ الناطقين بالعربية، مما يجعل المتخصّص في لغة القرآن أولى بها، فضلا عما لهذه المهارات من صلة مباشرة بالفصاحة واللّسانة. 
هذا وتبقى هذه الدراسة محاولة للإسهام في معالجة هذا الموضوع الشائك ولو بجهد المقل المتواضع، على أن تتضافر جهود الخيّرين من هذه الأمّة في سبيل البحث عن الحلول العلمية الصحيحة لمشكلات تعليم العربية وغيرها من المشكلات التي تعرقل مسيرة الأمّة، وتمنع تحقيق شهودها الحضاري المنشود. والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل. 
-------------
هوامش
(1) لقد كان موضوع البحث يراود الباحث منذ ما يزيد عن عقد من الزمن، وبالتحديد أثناء التربُّص الذي قاده إلى جامعة (غرونوبل) Grenoble بفرنسا (جويلية 1992)، في موضوع ديداكتيك العربيَّة، حيث أثيرت مسألة النص القرآني، باعتباره نصًّا لغويا يدخل ضمن مرجعيات تعليم العربية، ممَّا جعله يضع تساؤلا جوهريا كانت هذه الأطروحة بمثابة الإجابة العلمية عنه. 
نشر المقال في دورية الحياة، العدد: 11، 1428هـ/2007م، ص 238-254.

اسم الكاتب