بينما كنت أكتب هذا التقرير وأعلق على الصور، أرسل إليَّ الدكتور محمد ناصر بوحجام تقريره، وكدت أحجم عن مواصلة الكتابة، فشتان بين كتابة الأستاذ وتلميذه. غير أني رأيت أن كلا التقريرين مكمل للآخر. وارتأيت أن أزين تقريري بالصور عساها تستر ما فيه من هنات وفجوات، وتكمل ما فيه من قصور وتقصير!.
* كيف بدأ التواصل بين جمعية التراث والشيخ داود:
اطلع الشيخ داود على موقع جمعية التراث في الإنترنت، واتصل عبر البريد الإلكتروني طالبًا التواصل والتعاون على مستوى عال من العلاقة الإعلامية والثقافية والفكرية وغيرها، لحماية المسلمين ومدنهم من التنصير والتغريب، وتوضيح أنشطة الجمعية وأهدافها وكيف يمكن التعاون في تلك المجالات،
وطَلَب إفادته بإصدارات الجمعية لإثراء مكتبة الخلافة، وهي المكتبة الوحيدة العامة في جنوب نيجيريا(1)، كما قام بإرسال مقال بعنوان: «جنوب نيجيريا جرح خفي»، وطلب نشره في موقع التراث في صفحتها الرئيسة، بالإضافة إلى مقالات أخرى، وهي: «المركز الإسلامي الدعوي»(2) و«ماذا يجري في نيجيريا»(3) و«مكتبة الخلافة»(4) و«جماعة تعاون المسلمين في نيجيريا».
وفور اطلاعنا عليها شدَّ اهتمامنا ما يعانيه المسلمون من واقع مرير تجاه حملات التنصير المتصهينة، فكان إخواننا المسلمون بين فكَّيْ رحًى: إما إبادة وتجهيل وتفقير، وإما انسلاخ عن الدين وتنصير، فرأينا أنه من الواجب علينا نشر مقالاته تباعا، وأولها كان مقال «جنوب نيجيريا جرح خفي»(5).
وفي يوم 27 جمادى الثانية 1431هـ / 9 جوان 2010م تلقينا مراسلة من الجماعة تؤكد على طلب إثراء مكتبة الخلافة (التي أسستها الجماعة) بالكتب والأقراص المدمجة، لدعم جهودها في حماية المسلمين من التنصير، ونشر تعاليم الإسلام واللغة العربية، مع تخصيص قسم للقضية الفلسطينية، بحكم أن للجماعة نشاطا في تنظيم ملتقى سنوي لنصرة الشعب الفلسطيني.
وفي يوم 31 ماي 2010م قمنا بإرسال نسخة من قرص المكتبة الشاملة الإباضية للجماعة، واقترحنا عليهم أن يقوموا بتنزيل الكتب من مواقع في الإنترنت بدل تحميلها بالشحن عبر الجو أو البر أو البحر، لما في ذلك من تعقيدات إدارية وعملية وتكاليف باهظة. ونبَّهْنا إلى ما في كثير من تلك المواقع من كتب تدعو إلى الكراهية بين المسلمين، «وبخاصة كتب العقيدة وعلم الكلام والفرق، بما تحمله من التكفير والتفسيق والتبديع لأتفه الأسباب، وبخلافات بسيطة جدا، بعضها تم إحياؤها من كتب التراث القديم، وتتعلق بقضايا عفا عليها الزمن... كقضايا خلق القرآن، ورؤية الله، والمواقف من فتن الصحابة، والصراعات التي أعيد إحياؤها من جديد بين أهل السنة والإباضية والشيعة والأشاعرة... الخ. لذلك ينبغي أن يكون من يقوم بتحميلها ذا دراية ووعي بما يفعل، وأن يختار منها ما يحمل الفكر المعتدل البناء غير الهدام». ومما ذكرناه في مراسلتنا: «وأشد ما نخشاه أن يزداد الإخوة الأشقاء النيجيريون إلى محنتهم مع المسيحيين محنة أخرى بين المسلمين أنفسهم، طالما عانينا من ويلاتها في الجزائر طوال عشرية سوداء دامية راح ضحيتها أزيد من مائة ألف قتيل، ونعيذكم بالله أن يصل الأمر إلى ذلك. غير أننا ننبهكم إلى هذا لأن كثيرا ممن يحملون الفكر التكفيري التبديعي التفسيقي يستغلون حاجة بعض الدول والجماعات لتغذيتها بذلك الفكر الذي يهدم أكثر مما يبني، ويفرق أكثر مما يجمع. ولهم سطوة كبيرة قوية على المواقع الإسلامية، ومواقع نشر الكتب بصفة خاصة»(6).
فأجابنا الداعية برسالة نعتبرها مفتاحا للقلوب كي تتآلف، وللجهود حتى تتكاتف، وهي قوله: «نحن لم نؤمن بنهج التكفير ولا تفرقة المسلمين ولو أن البعض تبنوا هذا النهج الذي لا يخدم الإسلام والمسلمين بل يخدم المسيحيين والإباحيين وغيرهما في مثل جنوب نيجيريا خاصة وفي بقية المناطق عامة. ولا يخفى على الجميع أننا نعاني من التنصير والتغريب كثيرا وأن التنصير يهدد مستقبلنا، ولكن للأسف أن هناك جهات لا نذكر أسماءها تدعم أنشطة التكفيريين والمتطرفين، ويعرفون أن مئات من المسلمين يتنصرون كل حين، وبعضهم آخر يقتلون في عدة مناطق جنوبية وشمالية ليس لهم إلا الله تعالى»(7). فحمدنا الله تعالى أن وقع الحافر بالحافر، وعلى اتحاد الرؤى والمنطلقات والأهداف.
وركَّز الداعية على تبادل العلاقات التعليمية والثقافية، وأنهم في حاجة ماسة إلى الكتب لإثراء مكتبة الخلافة، أكثر من برامج الكمبيوتر والكتب الرقمية؛ لأن استخدام الإعلام الآلي قليل في جنوب نيجيريا، وقال: «نعمل لتطوير العاملين المنتمين إلى جمعيتنا من الدعاة والإداريين والمدرسين والأساتذة خلال تنظيم دورات تشريعية وتربوية وإدارية وغيرها؛ والهدف هو تقوية جمعيتنا حتى تكون قادرة على تثقيف وتربية ودعوة ملايين من المسلمين في الجنوب خاصة وفي نيجيريا عامة أو لإنقاذهم من الانحراف والتضليل وغير ذلك»(8).
* أردنا شيئا وأراد الله ما هو أفضل:
قال الداعية في المراسلة السابقة: إننا «مدعوون للمشاركة في ملتقى القدس الشبابي الخامس في العاصمة الجزائرية، فنرى أن نزوركم خلال الملتقى أو بعده للمناقشة، إلا أن الجهة المنظمة رفضت حمل تكلفة التذكرة، وقد أخبرناهم أننا قد لا نقدر على حمل التكلفة، ولكننا نفكر في لو تمكنا من المشاركة... »(9). هكذا كان العزم على حضور الملتقى، وعلى هامشه يكون اللقاء بالجمعية، ولكن قدَّر الله أن يُلغى الملتقى في آخر لحظة، في حين أن جماعة التعاون النيجيرية قد تحملت أعباء كبيرة للحصول على التأشيرة، وعلى التذكرة، فلم يريدوا تضييع الفرصة لزيارة الداعية للجزائر لأول مرة.
وبالفعل تحولت الرحلة من الملتقى الشبابي حول القدس، إلى ملتقى الأحبة في الله، والعاملين في الدعوة إلى سبيل الله، لمدة أربعة أيام مراطونية، كانت مباركة، باللقاءات والتعارف، وتبادل الخبرات في مجال الدعوة، وصد هجمات التنصير في البلدين الشقيقين: الجزائر ونيجيريا، نختصرها فيما يأتي:
* اليوم الأول، الأحد:
حطَّت الطائرة بمطار هواري بومدين الدولي في الموعد (12:10 ظهرا). وبعد استراحة خفيفة في نزل أمية بحي باب الزوار، بالجزائر، كان للشيخ الداعية لقاءان:
- الأول: على الساعة السادسة مساء، مع الأستاذ الدكتور محمد ناصر بوحجام، رئيس جمعية التراث، وذلك بمنزله في الحميز (الدار البيضاء - الجزائر) وبعد التعارف عرض الشيخ داود رغبته في مساعدة الإخوة في نيجيريا بما تنشره الجمعية من إصدارات فكرية. غير أن الإشكال في كيفية بعث الكتب إلى نيجيريا، واقترحنا الاتصال بسفارة نيجيريا في الجزائر لعلها تساعدنا في هذا الأمر.
 
 
- الثاني: بعد صلاة المغرب بمركب المنار في الحميز (الدار البيضاء - الجزائر) كان له لقاء مع الأستاذ عمر بن أحمد بوسعدة، وهو صاحب إجازة في رواية ورش، وله نشاط دؤوب في تحفيظ الشباب القرآن الكريم، وفق قواعد الترتيل، وإعطاء الإجازة لمن يستحقها، فيها تعرَّف الشيخ على جهود الأستاذ خصوصا، والمركَّب عموما في تكوين الشباب تكوينا قرآنيا إسلاميا، علما وسلوكا.
وانتهى نصف اليوم المبارك بوليمة عشاء عند السيد: رشيد بن فاروق بسيس.
* اليوم الثاني، الاثنين:
على الساعة السابعة صباحا: زار الداعية داوود عمران ملاسا التربص الصيفي لتحفيظ القرآن الكريم، (بناحية باباعلي - الجزائر)، هذا التربص التابع لدار القرآن الكريم الشيخ البشير الإبراهيمي، بالدار البيضاء، التابع لمكتب الدراسات العلمية، بإدارة الأستاذ عيسى بن صالح عيسى، صاحب الإجازة برواية ورش.
 
والتقى بالتلاميذ والطلبة، وألقى عليهم كلمة مؤثرة، عبر فيها عن مدى اغتباطه لهذه الثلة المباركة من الشباب القرآني، وبتنظيم هذه الدورات، والتي قل نظيرها في جنوب نيجيريا بصفة خاصة، في ظل نقص الإمكانيات المادية والبشرية والمؤهلات العلمية للمدربين، مع اتساع الرقعة وعدد المسلمين فيها، والبالغ ثلاثين مليون مسلم. وهنالك شعرنا بالنعمة العظيمة التي حبانا الله بها، والتي لا نقدرها حق قدرها إلا بالاطلاع على ما يعانيه المسلمون في شتى بقاع العالم - ومنها جنوب نيجيريا - جراء فقدانها.
على الساعة الحادية عشرة: كان للشيخ لقاء مع طاقم معهد المناهج، (حي قهوة الشرقي - برج البحري - الجزائر)، حيث عرض الشيخ التحديات التي تواجه المسلمين في نيجيريا، وآفاق التعاون والاستفادة من خبرات المعهد في المجال العلمي المنهجي، والمجال الرقمي، من خلال موقع فيكوس الرائد في الجزائر. فأبدى الإخوة في إدارة معهد المناهج استعدادهم لإفادة جماعة التعاون بما أمكنهم من تقنيات، مع دراسة إمكانية قبول منتسبين من نيجيريا للاستفادة مما يقدمه المعهد من تكوين متخصص في المناهج والشريعة.
 
وكانت وليمة الغداء على شرف الضيف من إكراميات المعهد. وكان قائد الرحلة الصباحية السيد: بكير حمدي.
وفي حوالي الساعة الخامسة مساء، بعد تأخر بسبب زحمة الطريق: زار الشيخ داود مركز الأستاذ سعيد بويزري في تيزي وزو، وألقى مداخلة أمام بعض الشباب النشطين مع الأستاذ، عرض فيها وضع المسلمين في نيجيريا، والتحديات التي تواجههم. ثم عقد لقاءً مع الأستاذ سعيد، تعارف فيه الداعيتان، وعرض كلٌّ منهما نشاطاته وآفاق التعاون، ووضح الأستاذ بويزري بعض الأنشطة، منها: تكريم 150 طالبة استظهرن القرآن الكريم في إحدى مساجد تيزي وزو، التي تعد أكبر ولاية في الجزائر من حيث عدد المساجد. وعرج في حديثه على ما يقوم به من وساطة وعقد مجالس الصلح بين الناس، وبين أن هذه الوسيلة صار معترفا بها لدى المحكمة، وفق التشريع الجزائري الجديد. ثم أهدى للشيخ داود كتبا وأقراصا، منها: تفسير للقرآن بالإنجليزية والأمازيغية، ومحاضرات له بالأمازيغية.
 
وانتهى اليوم المبارك بوليمة عشاء عند السيد: عبد الحميد بن محمد حميد أوجانة.
* اليوم الثالث، الثلاثاء:
كان الشيخ داود على موعد مع قناة القرآن الكريم الجزائرية، الكائنة بنادي الصنوبر، حيث استقبلنا مقدِّم عدة حصص في القناة، الأستاذ: عيسى ميقاري. وبعد أن تحادث الطرفان في مكتب مدير القناة حول كيفية إجراء الحوار، تم تسجيل الحصة بعنوان: "لقاء خاص" لتُبثَّ يوم الجمعة المقبل على الساعة العاشرة ليلا، ومدة الحصة حوالي 50 دقيقة. وجرى الحوار على أحسن ما يرام.
 
وبعده استقبلنا السيد محمد عوادي مدير القناة بمكتبه، وتجاذب المدير والداعية أطراف الحديث حول ما يمكن تبادله بين جمعية تعاون المسلمين بنيجيريا والقناة، فأبدى السيد المدير استعداده للتعاون، من جهتين:
- الأولى: إمكانية الاتصال شخصيا بوزارة الشؤون الدينية الجزائرية لمساعدة الإخوة النيجيريين على حفظ كتاب الله، لأن للوزارة اهتماما بالغا بالموضوع.
- الثانية: إمكانية إرسال فريق من التلفزيون للاطلاع على مساجد جنوب نيجيريا وأنشطتها.
 
 وبالمناسبة نقدم شكرنا الخالص للسيد المدير محمد عوادي على قبوله استضافة الداعية، وعلى حسن الاستقبال والتقدير الذي حظينا به جميعا، وللأستاذ عيسى ميقاري على حواره القيم، ولكل الطاقم جنود الخفاء على جهودهم المبذولة. فإننا كمشاهدين للقناة لم نكن نتصور تلك الطواقم والإمكانات البشرية والتقنية الكامنة وراء الستار، من مخرج ومصورين وتقنيين...
وبعدها ذهبنا إلى سفارة نيجيريا بالجزائر، فاستقبلَنا السيد القنصل، وكان مسلما، (مع العلم أن سعادة السفير مسيحي)، وعرضنا عليه فكرة إرسال ما أهدي لجمعية تعاون المسلمين من كتب عبر السفارة، أو مساعدتنا بما يمكنها في هذا الشأن؛ نظرا لأن ما يمكن للداعية داود أن يحمله معه في الطائرة محدود جدا، والشحن مكلِّف جدا. فاعتذر السيد القنصل عن المساعدة، لما تعانيه السفارة أيضا من صعوبات مع الملفات الإدارية (الجوازات وغيرها) فقط، فضلا عن الكتب التي تزن عشرات الكيلوغرامات. ومن قَدَرِ الله تعالى الذي أتقن كل شيء خلقه، أننا وجدنا مع القنصل أحد الرعايا النيجيريين (متزوج بجزائرية) جاء إلى السفارة لقضية شخصية، فلما سمع حوارنا تدخل واقترح علينا أن نقوم بإرسال الكتب بَرًّا، شأنها شأن البضائع التي تنقل من تمنراست إلى نيجيريا، بالطرق المشروعة الرسمية. فحبَّذنا هذه الفكرة، نسأل الله أن ييسر الأمور بهذه الطريقة.
وبعد وليمة الغداء التي تكرم بها قائد الرحلات السيد: رشيد بن فاروق بن قاسم بسيس، اتجهنا إلى حيث نزل الشيخ داود، وتركناه في هذه العشية لإجراء مراسلاته عبر الإنترنت، وقد وجد في بريده الإلكتروني 500 رسالة، في ظرف ثلاثة أيام فقط!.
كانت صلاة المغرب في مسجد الفرقان، بحي باب الزوار، رجاء أن نجد الأستاذ الشيخ عبد الحليم قابة، المختص في علم القراءات والتجويد، إلا أننا لم نجده لسفره. وانتهى اليوم المبارك بوليمة عشاء عند السيد: إبراهيم بن محمد بن قاسم بسيس.
* اليوم الرابع، الأربعاء:
كنا على الموعد بالضبط - والحمد لله، رغم زحمة الطريق - على الساعة التاسعة والنصف بإذاعة القرآن الكريم، وكان في استقبالنا أعضاء من طاقم الإذاعة، منهم السيد المدير: محمد زبدة. ثم تم تسجيل حوار مع الداعية داوود عمران، أجراه السيد: محمد الأمين، ودام حوالي 20 دقيقة، تناول فيه وضع المسلمين في جنوب نيجيريا، وتحديات التنصير الهائلة، مقابل إمكانيات المسلمين الضئيلة. وعرج على موضوع القدس وفلسطين، الهم المشترك لكل المسلمين. ثم انتهى الحوار بلقاء خفيف مع أعضاء من طاقم الإذاعة.
وكان لنا موعد مع السيد أحمد الإبراهيمي، منظم باخرة الجزائر في قافلة الحرية، وكان من المفروض أن يكون اللقاء في مقر حركة "حمس" لأن الشيخ داود رغب في زيارة رئيس الحركة: أبو جرة سلطاني، إلا أنه كان هو وجملة من قياديي الحركة في جنازة المرحوم الفقيه العالم الشيعي محمد حسين فضل الله، رحمه الله وأسكنه فسيح جنانه. ونظرا لذلك تغيَّر مكان اللقاء إلى المسجد العتيق بالمدنية، ولم نتمكن من الوصول إليه إلا بعد لف ودوران، وأخطاء في اتجاهات الطرق... وبعد تناول الغداء مع السيد الإبراهيمي، كان لنا معه حوار طفيف تناول فيه بعض مشاهد من القافلة، وصعوبة تنظيمها، ورحب بكل ما يمكن للشعب النيجيري المسلم أن يساهم به في فك الحصار على قطاع غزة؛ لأن لجمعية تعاون المسلمين مؤتمرا سنويا لنصرة الشعب الفلسطيني.
وبعدها عدنا إلى قناة القرآن الكريم للحصول على نسخة من الحصة المسجلة، تكرَّم بها السيدان الأستاذ عيسى ميقاري ومدير القناة مشكورين.
وعند العصر، في شركة "تيسكوبا" بالحميز، حيث وضعت كتب جمعية التراث التي تم إرسالها من القرارة، بشاحنة الشركة مشكورةً، اطلع الشيخ داود عليها ليختار منها ما يأخذه معه، نظرا لتجاوزها الوزن المسموح به عادة في الرحلات الجوية، فكان من الواجب البدء بالأهم قبل المهم، وعزل البقية لترسل لاحقا بالوسائل الممكنة.
وفي الساعة السادسة من عشية اليوم عُقد لقاء بمنزل الدكتور محمد ناصر بوحجام، حضره عدد من إطارات التعليم القرآني بالعاصمة وغيرها، بالإضافة إلى السيد: صالح بن عبد الله أبو بكر، النائب في البرلمان الجزائري. عرض فيه الداعية وضع المسلمين في جنوب نيجيريا وبعض أنشطة الجماعة، وإمكانيات مساعدتنا لهم.
 
وبعد صلاة المغرب، في دار القرآن الشيخ محمد البشير الإبراهيمي، بحي الدار البيضاء، عقدنا لقاء مع الأستاذ فريد شكيرو عضو شركة "تيديكلت"، المهتمة بموضوع التنصير في الجزائر. وقد عرَّفنا به الأستاذ عيسى ميقاري مشكورا. ومعنى "تيديكلت": راحة اليد، فعملُها يقوم على الدفع بالتي هي أحسن، كمن تدفعه براحة اليد دون تعنيف. ومن جملة أنشطتها طباعة كتاب: «كنت نصرانيا» لمحند أزواو. وفي لقائنا تم الوصول إلى عدة اتفاقات عملية، منها:
- أن يسعى أيضا مع مؤلف الكتاب للقيام بزيارة إلى جنوب نيجيريا، لإلقاء محاضرات في الدعوة إلى الله، والدفاع عن الإسلام في وجه التنصير.- أن يطلب من مؤلف الكتاب المذكور ترجمته إلى اللغة الإنجليزية، وهو مختص فيها، ليتسنَّى لجماعة تعاون المسلمين نشره على أوسع نطاق، فالإنجليزية هي اللغة الرسمية في نيجيريا.
- أن تقوم جمعية "تدكلي" بتصميم واستضافة مواقع لجماعة التعاون، نظرا لقصور إمكانياتها التقنية والمادية عن إنجاز هذا العمل.
- أن تستضيف بعضَ المهتمين من نيجيريا ليتلقوا في الجزائر تكوينا في الإعلام الآلي وتصميم المواقع، أي تعليمهم كيفية الصيد بدل الاكتفاء بإعطائهم سمكة.
- أن يسعى الأخ فريد مع جمعية الإعجاز العلمي بسطيف - وهو عضو فيها - لإقامة ملتقى للإعجاز في نيجيريا، لبيان صحة الإسلام، كما قال تعالى: {سَنُرِيهِمُ ءَايَاتِنَا فِي الاَفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمُ أَنـَّهُ الْحَقُّ} (سورة فصلت: 53).
ثم تكرم السيد شكيرو بإهداء 40 نسخة من الكتاب المذكور للداعية داود، ولمرافقيْه. وقد استمر هذا اللقاء المثمر إلى قرب منتصف الليل.
وانتهى اليوم المبارك بوليمة عشاء عند السيد: رشيد بن محمد بن قاسم بسيس، تقبل الله منه، وبارك له في رزقه وأسرته وأولاده...
* اليوم الخامس، الخميس:
في الصبيحة تركْنا الشيخَ داود لترتيب شؤونه قبل المغادرة. أما نحن فقمنا بطباعة قائمة الكتب المهداة، والتي اختارها الشيخ، بختم جمعية التراث، تحسُّبا لتعقيدات نقل الكتب بين الدول.
* محطات وعبر:
«اِجعلْها لله لا تَخِبْ» هذه هي المقالة التي قيلت قبل ألف عام، وسمعها الشيخ أبو عبد الله محمد بن بكر وتفاءل بها، لما ألَحَّ عليه شيخه فصيل بن أبي مسور لتأسيس حلقة العزابة، وهي تنطبق اليوم على ترتيبات زيارة الداعية داود ملاسا، فقد كنتُ قبل قدوم الشيخ متوترا؛ لعدة أسباب:
- لأن ترتيبات الزيارة مسؤولية كبيرة، فبعد أن كانت مجرد لقاء عابر على هامش ملتقى يتكفل بكل شيء، من استقبال وإقامة وتنقلات، صارت اليوم بعد إلغاء الملتقى كلها ملقاة على عاتقنا، لذلك فهي تقتضي منا تنظيما محكما، لاستغلال الوقت القصير للزيارة، التي كنت - ولا زلت - أعتبرها غير عادية.
- الاتصالات الكثيرة والعالية المستوى المطلوب منا إجراؤها.
- أن الداعية لم أعرفه من قبل عن كثب، ولنا في الجزائر حساسية تجاه بعض الحركات الإسلامية، نظرا لما عانيناه في العشرية السوداء، وبخاصة وأن الإعلام قد أعطانا صورة مشوَّهة عن المسلمين في نيجيريا.
استشرت بعض الإخوان، فكان جواب أحدهم: «يديروها الفيران ويحصلوا فيها الثيران. صرّفه بحكمتك... فأخبره أننا في الهم شرق»، ولكن لم يقنعني كلامه، بل أقنعني ما لقيته من دعم معنويٍّ من آخرين، وأخصُّ بالذكر: أستاذنا الدكتور محمد بن قاسم ناصر بوحجام (رئيس جمعية التراث)، والدكتور مصطفى بن الناصر وينتن (عضو مكتبها)، وكان دعمهما المعنوي حافزًا للمضي في ترتيبات الاستقبال والاتصال بالجهات المعنية. وقد يسَّر الله كثيرا من الأمور التي كانت تؤرقني، وقدَّر أشياء عدة لم تكن من تخطيطنا ولا جهودنا، ولكنها توفيق من الله وحده. ولا داعي لذكر تفاصيلها هنا.
ومن خلال هذه الزيارة الطيبة المباركة يتيقن المسلم أنه حين تسمو الأهداف، وتتحد في غاية واحدة، هي إرضاء الله تعالى ونصرة دينه، والذود عن حياضه، فإن كل الفوارق الضيقة تزول، سواء أكانت مذهبية، أم قبلية، أم جغرافية، فلا صوت يعلو على صوت كلمة التوحيد التي تجمعنا، لا كلام عن عربي أو قبائلي أو مزابي أو يوروبي (نسبة إلى قبيلة يوروبا النيجيرية)... ولا إباضي أو مالكي أو سني أو شيعي، ولا جزائري أو نيجيري، ولا أبيض أو أسود. مصداقا لقوله تعالى: {وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُم} (سورة الحجرات: 13)، وقوله صلى الله عليه وسلم: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَلاَ إِنَّ رَبَّكُمْ وَاحِدٌ، وَإِنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ، أَلاَ لاَ فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى أَعْجَمِيٍّ، وَلاَ لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ، وَلاَ لأَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ، وَلاَ أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ إِلاَّ بِالتَّقْوَى» (رواه الإمام أحمد).
كما أن هذه الزيارة مكَّنتنا من التعرف عن كثب على العاملين - بجد ومثابرة - في الحقل الدعوي، بعد أن كنا نسمع عنهم، أو نقرأ، أو نشاهدهم عبر التلفاز. وهذا يبرز نقص التواصل والتنسيق بيننا نحن الجزائريين، الأمر الذي يجب أن نعمل على تلافيه مستقبلا.
وفي هذه الزيارة اكتشفت عدة صفات تميز بها الداعية داود، منها ما يأتي:
- أنه إنسان بسيط يحب البساطة، ويرغب في أن يعيش مع بسطاء البلدان التي يزورها، ليقترب منهم أكثر.
- أنه متزوج بامرأتين، وهذا عندهم في نيجيريا أمر عادي، بخلافنا نحن الجزائريين، فأغلبنا "خوَّافون" كما قال تعالى: {فَإِنْ خِفْـتُمُ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً} (سورة النساء: 3).
- أن له تعلقا كبيرا بتحرير فلسطين، حتى إنه سمى أولاده بأسماء لها أكثر من دلالة، فأولهم: سيف الله، وبه يكنَّى، والثاني: حمزة (سيد الشهداء)، والثالث: عز الدين (ولا عزة لنا إلا بتحرير المسجد الأقصى)، والرابع: أحمد ياسين (المجاهد الشهيد)، وآخرهم بنت سمَّاها: مُحرِّرة، رجاء أن يكون تحرير القدس على يدها مع إخوانها...
- أنه يهوى ممارسة الملاكمة، والملاكمة الحرة (king boxing).
- أنه قليل النوم بشكل عجيب! فبعد أن نرافقه إلى النزل في حوالي منتصف الليل، ونحن مرهقون لليوم الطويل دون قيلولة، بينما هو يستمر بعد ذلك في كتابة مقالات إلى وقت متأخر من الليل. وعادته في بلده أن لا ينام إلا ساعتين قبل الفجر، وشيئا من العشية بعد صلاة العصر. وقد تعجبنا لهذا، ثم اكتشفنا سرَّ ذلك!...
- أنه قوي اليقين بالله، ومن مظاهر ذلك أننا كنا في مطار هواري بومدين عند مغادرته، وكانت الكتب التي أهديت له تتجاوز الوزن المسموح به، بالإضافة إلى لوحة إلكترونية بالفرنسية كتب فيها: «لا يسمح إلا بمتاع واحد في اليد، لا يزيد وزنه عن 7 كلغ»، ولكن متاع الشيخ كان أكثر من ذلك بكثير، فكنت معه في الطابور أقترح عليه حلولا لهذه المشكلة، وفي كل مرة يقول لي: «دعك من هذا، الله معنا...». وبالفعل فقد يسَّر الله نقل كل أمتعته دون أن يكلفنا ذلك دفع فلس واحد!.
* توصيات:
كانت الزيارة أساسا لربط العلاقات والتعارف أكثر من كونها لإبرام اتفاقات عملية؛ نظرا لأنها الأولى من رئيس جماعة تعاون المسلمين إلى الجزائر، ولكنها أثمرت جملة من التوصيات، كلَّفني بتبليغها، وهو في المطار قبيل مغادرته، والتي تنتظر من المحسنين المسلمين عموما، وفي الجزائر خصوصا العمل على تحقيقها، ونرجو أن تجد طريقها إلى التنفيذ، ولا تبقى رهينة السطور والطروس، كشأن أغلب التوصيات في ملتقياتنا. أذكر من أهمها:
1- ضرورة التكفل باستقبال أساتذة حافظين للقرآن الكريم، من نيجيريا، بغرض تدريبهم على التلاوة الصحيحة، وإفادتهم بطرق التحفيظ، وتنظيم الدورات التكوينية، والتربصات المغلقة لأجل خدمة كتاب الله، حفظا وفهما وتطبيقا في السلوك.
2- ضرورة إيفاد مبعوثين من جماعة تعاون المسلمين إلى الجزائر أو غيرها لتدريبهم على استخدام التقنيات الحديثة في الإعلام المرئي والمسموع والإلكتروني، نظرا لما يعانون به من نقص كبير في هذا الجانب؛ لأن تلك الوسائل بيد المسيحيين، ولا يسمحون بتوظيفها لخدمة المسلمين، ولا تكوين المسلمين فيها، ليمرروا مشاريعهم التنصيرية، وليبقى المسلمون دوما في الدركة الدنيا من حيث التقنية. ولكن كلمة الله هي العليا، ولو كره المنصرون!.
3- العمل على إنشاء مطبعة عربية في جنوب نيجيريا، تنشر تعاليم الإسلام السمحة، وتكون في مستوى مواجهة التنصير المتنامي. إذ لا يكفي إرسال الكتب فقط؛ لأن ذلك سيكلف الكثير من الجهد والمال، خاصة في ظل العراقيل المفتعلة أمام الكتاب الإسلامي المعيقة لحركته بين الدول الإسلامية بعامة والعربية بخاصة. كما أنه ليس من السهل تغطية طلبات ثلاثين مليون مسلم في جنوب نيجيريا!. لذا فإن المطبعة في تلك الربوع أصبحت من الأولويات الملحة، علما أنه لا توجد أيُّ مقررات مطبوعة للمدارس التي افتتحتها جماعة تعاون المسلمين والبالغ عددها 27 مدرسة، ولا توجد بها أي مكتبة عامة، غير مكتبة الخلافة التي أسستها الجماعة، والتي لا تزال فقيرة من حيث المصادر والمراجع.
4- أن لا ينسى كلُّ المسلمين في العالم إخوانهم في نيجيريا بالدعاء لهم عن ظهر الغيب، بالإعانة والتوفيق والسداد، وتوحيد الصفوف والجهود، لأجل إعلاء كلمة الله. وهذا أضعف الإيمان.
ألا هل بلغت؟ اللهم فاشهد.
 
مصطفى بن محمد شريفي
القرارة صبيحة الثلاثاء 2 شعبان 1431هـ / 13 جويلية 2010م.
 
--------------------------
هوامش:
(1) رسالة إلكترونية إلى جمعية التراث مؤرخة في 21 جمادى الأولى 1431هـ / 6 ماي 2010م.
(2) ينظر المقال على الرابط الآتي: http://www.tourath.org/ar/content/view/2138/48/
(3) ينظر المقال على الرابط الآتي: http://www.tourath.org/ar/content/view/2178/48/
(4) ينظر نص المقال على الرابط الآتي: http://www.tourath.org/ar/content/view/2177/48/
(5) ينظر نص المقال على الرابط الآتي: http://www.tourath.org/ar/content/view/2095/42/
(6) رسالة إلكترونية إلى الداعية داوود، مؤرخة بـ13 جوان 2010م.
(7) رسالة إلكترونية إلى جمعية التراث، مؤرخة بـ13 جوان 2010م.
(8) المصدر نفسه.
(9) المصدر نفسه.

اسم الكاتب