بعون الله وتوفيقه شددت الرّحال إلى مسقط يوم الجمعة 15 من ربيع الأوّل 1432هـ الموافق لـ 18 من فيفري 2011م برفقة زوجي الوفيّة، والأستاذ عمر بن الحاج فخار؛ للإشراف على جناح جمعيّة التّراث في معرض مسقط السّادس عشر للكتاب (الذي أقيم في المدّة الممتدّة بين 22 من فيفري 1432هـ و 4 من مارس 2011م).
كانت رحلتنا - كما تعوّدنا - مع الخطوط الجويّة القطريّة. انطلقنا من الجزائر يوم الجمعة في السّاعة الثّانية وخمسين دقيقة بعد الزّوال، وصلنا الدّوحة في السّاعة العاشرة وخمس عشرة دقيقة ليلاً بتوقيت قطر، غادرنا مطار الدّوحة في السّاعة الواحدة قبل فجر يوم السّبت (19/2) وصلنا مطار مسقط الدّولي في السّاعة الثّالثة قبل الفجر بتوقيت سلطنة عمان. كان في استقبالنا الفاضل الأخ صالح بن قاسم الرّاعي، إمام بمسجد السّيّد ناصر بن خلفان البوسعيدي ببوشر (مسقط). 
أخذنا إلى منزله، وأكرمنا بخلقه الكبير، وغمرنا بكرمه الفيّاض، استسلمنا للنّوم العميق في شطره الأوّل، بعد رحلتنا الطّويلة من الجزائر إلى مسقط، التي دامت حوالي عشر ساعات. بعد صلاة الفجر، استأنفنا الشّوط الثّاني من النّوم. وفي حدود السّاعة التّاسعة نهارًا أيقظنا الأخ صالح، لتناول الفطور، بعدها قمنا بزيارة معهد العلوم الشّرعيّة بالخوير، وعقدنا لقاء مع مديره الفاضل الشّيخ عيسى بن يوسف البوسعيدي. قمنا بترتيبات الإقامة في شقّة المعهد الكائنة بمنطقة رويّ (مسقط). تطرّقنا في اللّقاء إلى مجموعة من الموضوعات، من بينها العلاقة الثّقافيّة بين الجزائر وعمان، وبخاصّة وادي ميزاب. وآفاق التّعاون بين البلدين، بالإضافة إلى تبادل الأخبار عن القطرين، وعن الأوضاع الرّاهنة، وتفاعلاتها في السّاحة العربيّة والإسلاميّة والعالميّة، وبخاصّة ثورات الشّباب في كلّ من تونس ومصر وليبيا، التي استحوذت على اهتمامات النّاس في كلّ أرجاء المعمورة. وكان بطل هذه الأحداث المجنون الغريب في أطواره وتقليعاته وتصرّفاته...والشّاذ في حكمه، الجائر في أعماله، والمتعسّف بشعبه، وفي ردّات فعله الشّديدة القاسية لانتفاضة شباب ليبيا... 
وجدنا من المدير العام الجديد (عيّن مديرًا للمعهد بداية من السّنة الدّراسيّة 1431 – 1432هـ/ 2010 – 2011م). ما كنّا نجده مع الشّيخ زيّاد بن طالب المعولي، الذي عُيِّن مستشارًا لوزير الأوقاف والشّؤون الدّينيّة. الذي زرناه في مكتبه بعد المدير العام. لم يختلف حديثنا معه عمّا تناولناه في لقاء المدير. وجدنا في مكتب الشّيخ زيّاد الشّيخ عاشور بن يوسف كسكاس التّونسي، المدرّس بمعهد العلوم الشّرعيّة منذ سنة 1984م. علّقنا على أحداث تونس بخاصّة، وقد وجدنا في الأستاذ عاشور تفاؤلاً كبيرًا بمستقبل تونس بعد سقوط نظام الطّاغية زين العابدين بن عليّ.
يوم الأحد 20/ 2/ قصدنا مكتب لجنة معرض الكتاب بوزارة التّراث والثّقافة، والتقينا بالأخ سويد بن حميد الرّبعاني، أحد المنظّمين في معرض الكتاب. للاطّلاع على ما يتعلّق بالمعرض والمستجدّات. وجدنا كلّ الأمور تسير على أحسن ما يرام، في الحقيقة ما يسجّل لمعرض مسقط حسنُ التّنظيم، ووضوح القوانين التي تؤطّره وتسيّره. ونلتقي - دائمًا - بالأخلاق العالية التي تميّز الأفراد الذين نتعامل معهم.
بعدها زرنا وزارة الأوقاف والشّؤون الدّينية، طفنا ببعض أقسامها؛ مسلّمين على بعض إخواننا وأصدقائنا الذين نعرفهم، ومستفسرين عن الجديد في الوزارة.
بعدها انتقلنا إلى مبنى المركز الثّقافي التّابع للدّيوان، التقينا فيه بالأستاذ محمد بن سالم الحارثي رئيس تحرير مجلّة (الثّقافية) التي تصدر عن مركز السّلطان قابوس للثّقافة الإسلامية، هو أيضًا عضو لجنة الإعداد لتأسيس كليّة اللّغة العربيّة للنّاطقين بغيرها، التي يعمل مركز السّلطان قابوس للثّقافة الإسلامية بسلطنة عمان على تأسيسها، ويكون مقرّها (ولاية منح). تناولنا موضوعات كثيرة، وعرضنا لورقتي التي قدّمتها لهذا المشروع، المتضمّنة مقترحات في المحاور الآتية: توطئة, الأهداف العامّة، الأهداف الخاصّة، الأهداف التّربويّة، ملاحظات عامّة، مدّة الدّراسة، مواد الدّراسة، استفسارات، مقترحات، كنت عضوًا في اللّجنة التّأسيسية للكليّة، التي أخذت اسم «كليّة السّلطان قابوس للّغة العربيّة». 
كما تطرّقنا لمجلّة " الثّقافية " التي تأسّست خلفًا لمجلّة (رسالة المسجد) التي كان يصدرها المركز. تحدّثنا عن محتوى أعداد المجلّة وآفاقها، وعن التّعاون في ترقيتها، بإسهام الأقلام المتميّزة فيها، وقدّمنا مقترحات لتطوير المجلّة. طلب الأستاذ محمد مشاركة الكتّاب المغاربة - بخاصّة - فيها.
لم يخلُ اللّقاء من أحاديث عن البحث والكتب والتّأليف والنّشاط الثّقافي، وتطوير وسائل التّعاون العلمي، وموضوعات كثيرة متنوّعة. فالأستاذ محمد الحارثي رجل معروف بثقافته الواسعة، ودأبه في طلب العلم، وخدمته ونشره، ومتميّز بحسّه الأدبي المرهف، ونقده المتّزن الواعي، وهو شاعر ملهم، لي الشّرف أن يكون أحد تلاميذي الذين درّستهم في كليّة التّربيّة للمعلّمين بنزوى. كان طالبًا متفوّقًا في دراسته، وبخاصّة في اللّغة العربيّة، هو الآن يعدّ رسالة الدّكتوراه، وفّقه الله وسدّد خطاه، وأنال به الأمّة الإسلاميّة الدّرجات العلا في الرقيّ والسّؤدد. كان معي في هذا اللّقاء الأخ عمر فخّار والأخ إدريس بن بابه باحامد إمام بمسجد في السّيب بسلطنة عمان. 
بعد العصر قصدنا مركز المعارض لتسلّم جناحنا في معرض الكتاب، والاتّصال بالمنظّمين، وتنظيم الجناح وترتيب الكتب التي بقيت من العام الماضي في الرّفوف؛ إذ لم نتمكّن من شحن كتبنا التي أعددناها لمعرض هذه السّنة؛ لأسباب تبقى مجهولة، إذ أنّ دار العباقرة للنّشر والتّوزيع في الجزائر التي تكفّلت بالقيام بإجراءات الشّحن لم تتمكّن من ذلك فللّه الأمر من قبل ومن بعد.
يوم الإثنين 21/2/ حضرنا ندوة علميّة في معهد العلوم الشّرعيّة أقامها لمشايخ ثلاثة بمناسبة الذّكرى المئوية لوفاتهم، وهم المشايخ: قطب الأيمّة الحاج امحمد بن يوسف طفيش الجزائري، ونور الدّين عبد الله بن حميد السّالمي العماني، وعبد الله بن يحيى الباروني اللّيبي، الذين توفّوا كلّهم سنة 1332هـ/ 1914م. قدّمها الأساتذة: سلطان بن مبارك الشّيباتي، من سلطنة عمان. وإبراهيم بن عليّ بولرواح، من الجزائر. وأحمد بن مهنّا مصلح، من تونس.
حضرنا الجلسة الأولى فقط، قمت بتعليق بسيط على المحاضرين، وذكّرت الحاضرين بتزامن هذه النّدوة في سلطنة عمان مع ندوة تقام يوم الغد، أي يوم الثّلاثاء 22/2/ بالجزائر العاصمة للشّيخ الحاج امحمد اطفيش بمناسبة ذكرى وفاته المئويّة، من تنظيم المجلس الأعلى للّغة العربيّة الجزائري، التّابع لرئاسة الجمهورية الجزائريّة. وذكرت أنّ أطروحة لنيل درجة الدّكتوراه، بعنوان: «الحركة اللّغويّة عند الإباضية في المغرب الإسلامي من القرن: العاشر الهجري إلى القرن الثّالث عشر» للباحثة: "عائشة يطّو" من جامعة وهران بالجزائر، قد نوقشت في جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلاميّة بمدينة قسنطينة بالجزائر، يوم 09 نوفمبر 2010م، وكان لي الشّرف أن أكون عضوًا في لجنة المناقشة. 
بعد خروجي من قاعة المحاضرات تقدّم إليّ الأستاذ أيمن النّعماني (أستاذ بمعهد العلوم الشّرعيّة) وطلب منّي معلومات عن هذه الأطروحة، قال لي: أنا أعدّ أطروحة الدّكتوراه عن الجانب اللّغوي في كتاب "شرح النّيل..." للشّيخ الحاج امحمد اطفيّش، فوعدته أن أحضرها له من الجزائر إن شاء الله. التقيت في المعهد بابني جابر الذي قدم من الجزائر، ملتحقًا بنا، ليكون معنا مشرفًا في جناح جمعيّة التّراث بالمعرض.
بعد صلاة العشاء حضرنا ندوة الأصول التي يقيمها أسبوعيًّا كلَّ يوم اثنين بعض أبنائنا الميزابيّين الأئمة في مساجد سلطنة عمان. تكون في منزل أحد روّاد هذه النّدوة بالتّداول. وهي ندوة مهمّة، تدخل ضمن برامج التّكوّن، وتعدّ أحد مجالس العلم، التي يلزم على طالب العلم أن يهتمّ بها، ويجعلها منهجًا من مناهج تعلّمه. وفّق الله الإخوة لمزيد من التفقّه في الدّين، وفتح عليهم العلم النّافع. كانت الجلسة العلميّة في دار الأخ سليمان بن إبراهيم بابزيز، إمام في مسجد بالخوير (مسقط).
يوم الثّلاثاء 22/2/ قمت بتفقّد جناحنا في المعرض، وإتمام الإجراءات النّهائيّة قبل الافتتاح الرّسمي له، الذي كان في المساء، في السّاعة السّابعة بعد المغرب. وكنّا ثلاثتنا حاضرين في الجناح ساعة افتتاحه، أنا وجابر وعمر. غداؤنا كان في منزل سعادة الشّيخ حمد بن هلال المعمري وكيل وزارة التّراث والثّقافة للشّؤون الثّقافيّة. 
كان حضورنا المأدبة رائعًا، زيّنه وجود أخي حمد بن هلال، عليّ بن هلال المعمري، هو أديب وروائي ورحّالة، مثقّف ومحلّل مقتدر، يمتاز بالمرح والنّكتة والدّعابة الظّريفة الهادفة, تطرّقنا معه إلى موضوعات كثيرة، وتناولنا أحداثًا عديدة، وبخاصّة ما يحصل في الأراضي العربيّة من ثورات وانتفاضات، وما يتململ فيها من إرهاصات، تبشّر بمستقبل واعد لتحرير الرّجل العربي المسلم من ربقة السّيطرة والهيمنة، وتعد بغد مشرق، يكسر حاجز الخوف من الجبابرة والطّغاة، وتعلن عن مبادرات جريئة للمطالبة بالحقوق المغصوبة، واسترجاع الإرادة المسلوبة...كما عرضنا للعلاقة بين الجزائر وعمان.
كان الشّيخ حمد المعمري يشاركنا الحديث بقوّة، وهو المعروف بانطلاقته وطلاقته في المحادثة والحوار، والمتميّز بخفّة روحه، وحبّه للثّقافة الأصيلة، وتفتّحه على الآخر. كان من ضيوف الشّيخ حمد في المأدبة الدّكتور عصام الزّعبلاوي الأردني، هو خبير في مؤسّسة المصارف العربيّة، حضر إلى السّلطنة في مهمّة خاصّة. فأضاف للجلسة متعة وروعة. بذلك جمعنا في هذه المأدبة بين الغذاء المادي والرّوحي والفكري, والحمد لله.
يوم الأربعاء 23/2/ كان لنا موعد مع السّيّد علي بن حمود البوسعيدي وزير ديوان البلاط السّلطان، قصدته أنا والأخ عمر فخّار، حملنا له كتبًا (هدايا) من جمعيّة التّراث، مع الأسف لم نجده، استقبلنا كاتبه، وناب عنه في تسلّمها. هذا الوزير أقيل من منصبه، بعد الاعتصامات والمسيرات التي شهدتها سلطنة عمان؛ احتجاجًا على الفساد واستغلال النّفوذ، وطلبًا بتحسين أوضاع المعيشة، وهي عمليّة تندرج ضمن سلسلة الأعمال والتّحرّكات التي تسود العالم العربي بخاصّة. بقيّة اليوم قضيناه في المعرض.
يوم الخميس 24/2: كان يوم اختتام مهرجان مسقط السّنوي، الذي دام شهرًا كاملاً، بينما معرض الكتاب حقّه أحد عشر يومًا. بعد العصر اتّجهنا صوب شاطئ القرم، حيث اللّقاء الأسبوعي الذي يجمع الجاليّة الميزابية المقيمة بسلطنة عمان.
اللّقاء يتنوّع عادة، بين لعب كرة القدم، والسّير على شاطئ البحر، وقراءة القرآن في ختمة جماعيّة، تكون بعد أداء صلاة المغرب جماعة. بعد قراءة القرآن توزّع الحلويات والمأكولات التي يحضرها الحاضرون في اللّقاء، إلى جانب الشّاي, يتخلّل ذلك سرد الأخبار والاستفسار عن المستجدّات، وتفقّد الأحوال، وتقدّم في هذا اللّقاء - أحيانًا - كلمات توجيهيّة، بخاصّة إذا حضره ضيف أو وافد جاء من بعيد.
شاركت هذه المرّة بكلمة قصيرة: كانت تعليقًا على حديث الرّسول صلّى الله عليه وسلّم: «اتّقِ الله حيثما كنت، وأتبع السّيّئة الحسنة تمحها، وخالق النّاس بخلق حسن». وضّحت العلاقات الثّلاث التي تحكم وتنظّم حياة المسلم: علاقته بربّه، وعلاقته بنفسه، وعلاقته بغيره... 
يحضر الأطفال والنّساء هذا اللّقاء المهمّ. للنّساء برنامجهنّ الخاصّ، ومكان اجتماعهنّ الخاصّ أيضًا وموضوعاتهنّ التي تخصّهنّ. هذا اللّقاء هو أحد ركائز برنامج الجاليّة وخصوصيتها في السّلطنة، تحافظ عليه، وتلتزم بتنفيذه، وقد أثمر نتائج طيّبة والحمد لله. وهو من أسباب الوحدة والتّعاون، والبقاء في الخطّ الاجتماعي الذي نشأ وتربّى وترعرع فيه وعليه أبناء الجالية الميزابيّة في الجزائر، اصطحبوه معهم وهم قادمون إلى سلطنة عمان، وهو المنهج الذي دأبوا عليه في أيّ مكان يكونون فيه. يعدّ هذا إحدى ثمرات الغرس الطيّب، وإحدى نتائج التّربية الاجتماعيّة المركّزة الصّحيحة الجيّدة.
يوم الجمعة 25/2/ قمنا برحلة إلى عين الثّوارة بولاية نخل، المشهورة بمياهها المتدفّقة من الرّوابي، لتسيل في الوادي، بين الجبال. على جانب الوادي بسطنا الخوان، وتناولنا فطورنا في جوّ رائع رائق، اجتمعت فيه ألوان من البدائع: طعام شهيّ، وماء نقيّ، ولحن شجيّ، وحسن بهيّ، وشعر طريّ، وتعريض ذكيّ، وشذى زكيّ... كان صنّاع هذا الجوّ وهذه الفسيفساء إخوة فضلاء وظرفاء وندماء وحكماء وأدباء... جمعهم حبّ بعضهم، وعشق الطّبيعة، وهواية الرّحلات، واستغلال الفرص لتجديد الحياة، والتّنوّع في أساليب التّحرّك والمشي في الأرض... هذه هي فلسفة الحياة، التي قوامها الجمال في كلّ مظاهرها، الذي قال عنه إيليا أبو ماض:
عش للجمال، تراه ههنا وهـنا وعش له، وهو سرّ جدّ مكنون
لا حين للحسن لا حدّ يقاس به وإنّما نحن أهل الحدّ والحــين
كان بصحبتنا أهلونا، وبهنّ وبهم اكتملت البهجة، وعمّ الحبور، وفاضت السّعادة من جوانبنا، تصرخ: هكذا فلتكن الحياة، وهكذا فليكن منهجكم فيها، أحيوها بما يريح أعصابكم، ويزيل أتعابكم، ويذهب عنكم الملل والسّأم، ويحارب الرّتابة، ويجدّد فيكم النّشاط...
واصلنا سيرنا إلى مدينة الرّستاق، قاصدين منزل الدّكتور محمد بن ناصر بن راشد المنذري (خبير إعلامي في إذاعة سلطنة عمان، وصديق قديم لنا) وجدنا فيه صديقنا العزيز الدّكتور خلفان بن محمد المنذري (أستاذ في كليّة التّربية بجامعة السّلطان قابوس، وخرّيج معهد الحياة بالقرارة) التقينا أيضًا محاميًّا مصريًّا يعمل في مدينة "سَناو" بولاية المضيبـي.
تناولنا القهوة قبل الذّهاب إلى أداء صلاة الجمعة، على الطّريقة العمانيّة، التي يتنوّع فيها الأكل والشّرب، فالقهوة في عمان تؤكل وتشرب!. وجود الأستاذ المصري معنا جرّنا إلى التّعليق على ثورة الشّباب في مصر، وملحمة ميدان التّحرير بالقاهرة. 
بعد صلاة الجمعة ذهبنا لتناول طعام الغداء في منزل الأستاذ ناصر العبري (واعظ في مساجد ولاية الرّستاق، وصاحب مكتبة وتسجيلات الهلال بالرّستاق) لم يخرج الحديث عن الأحداث الجارية في العالم العربي، و بخاصّة ما يجري في ليبيا، استمعنا إلى جزء من خطبة الشّيخ يوسف القرضاوي التي كان يلقيها في أحد مساجد الدّوحة، وقد خصّصها لثورة الشّعب اللّيبي ضدّ الطّاغية معمّر القذّافي، وفي ذات القائد الجائر، من جملة ما قال: إنّ دم القذّافي مهدور، وقتله واجب لسببين: 1 – لأنّه قتل، ومن قتل نفسًا بعير حقّ قُتل. 2 – لأنّ بقاءه على قيد الحياة يدعوه إلى مزيد من الإفساد والعسف والتّنكيل بالشّعب اللّيبي، وفي قتله راحة للبلاد والعباد، قال هذا، بعد أن عدّد مخازيه ومناكره وأعماله الجائرة. 
يوم السّبت 26/2/ زرنا الدّكتور يحيى بن محفوظ المنذري رئيس مجلس الدّولة. دار الحديث حول العلاقة الثّقافية بين الجزائر وعمان، والجديد في النّشر، والأوضاع الرّاهنة في العالم العربي. كلّ لقاءاتي بالدّكتور كانت تدور حول التّواصل الثّقافي بين عمان والجزائر، هو دائم الثّناء على أهل وادي ميزاب، والتّقدير لمشايخه وأساتذته، هو يدعو دائمًا إلى ضرورة تكثيف الجهود لخدمة العلم والتّنمية في البلدين، وخدمة الفكر الإباضي؛ بالتّعاون والتّنسيق بين العلماء في القطرين, يتميّز الدّكتور بالتّحرّر في الفكر، والأصالة في التّفكير، وبعد النّظر في القضايا، والحكمة والتّروّي في معالجة المسائل، والتّواضع لكلّ من يتعامل معه، كما يتميّز بكثرة المطالعة، زرته في مكتبه مرّات عديدة، سواء لمّا كان رئيس جامعة السّلطان قابوس، أم وهو وزير التّعليم العالي، وفي منصبه اليوم: رئيسًا لمجلس الدّولة... وكثيرًا ما أجده، حين أدخل عليه يقرأ في كتاب. هو مؤلّف وباحث، حصل على درجة الدّكتوراه، وهو وزير للتّعليم العالي، لم يشغله منصبه، ولم تمنعه أعماله الكثيرة، ولم يستنكف وهو في مقام سامٍ في الدّولة أن يستزيد من العلم، ويسير في دروبه. 
اغتنم ابني جابر (وهو مدير التّكوين في معهد المناهج بالجزائر) الفرصة فأفاد الدّكتور تعريفًا موجزًا بمعهد المناهج، وطلب منه تقديم نصائحه لتطوير العمل في المعهد، أبدى الدّكتور إعجابه وتقديره للخطوة المهمّة التي أقدم عليها المسؤولون في تأسيس لبنة صلبة في مجال التّربيّة والتّكوين، ومنهجة سبل الحصول على المعرفة، وكان جابر على الخبير وقع، فالدّكتور مهتمّ بالتّربيّة، ومؤلّفاته تجوب وتجول وتصول في هذا الميدان. 
تقدّم الأخ عمر فخّار (مسؤول العلاقات الخارجيّة في معهد الحياة) بدوره بطلب للدّكتور يحيى بن محفوظ، عرض عليه إفادته بمقترحات لاستفادة معهد الحياة من إمكانات سلطنة عمان في تطوير العمليّة التّعليميّة في المعهد، وقدّم التماسًا بمساعدة طلبة معهد الحياة للحصول على منح للدّراسة في جامعة السّلطان قابوس. رحّب الدّكتور بالطّلب، وقال: أفضّل أن يقدّم هذا الطّلب بشكل رسمي، بواسطة الشّيخ النّاصر بن محمد المرموري، وهو الشّخص المعروف والمحبوب في السّلطة، الذي لا يردّ طلبه.
كان اللّقاء طيّبًا، وهذه طبيعة اللّقاءات التي تجمعنا عادة بالدّكتور، وهو الذي يلومنا إذا لم نزره إذا حللنا بالسّلطنة، خرجنا من عنده – كالعادة – بهدايا. منها الكتاب الذي ألّفه باللّغة الإنجليزيّة بالاشتراك مع " قاري دُوُون Gari Donn" عنوان الكتاب: " Globalisation and Higher Education in the Arab Gulf States
بعد خروجنا من مقرّ مجلس الدّولة توجّهنا شطر مدينة إزكي وإلى منزل الشّيخ محمد بن النّاصر بن راشد الرّيامي، شيخ قبيلة بني ريّام، خرّيج معهد الحياة، وصديق أبناء الجاليّة الميزابيّة في عمان، صاحب المجلس المتميّز، والذي تؤمّ بيته فئات وأفراد من مختلف الجنسيّات. هو صاحب المجلس المفتوح على أنواع الأنشطة والمعارف والقضايا... إذ يتحوّل إلى نادٍ أدبي وعلمي وثقافي وترفيهي، على مدار السّنة، هذا ما أكسبه شعبيّة كبيرة عند النّاس، وأنزله منزلاً كريمًا في قلوب كرام القوم، وأحلّه محلاّ عاليًّا في نفوس كلّ العارفين لأهل الفضل أقدارهم.
بعد تناول الغداء عنده، وفي حدود السّاعة الرّابعة ظهرًا امتطينا سيّارة ديوان البلاط السّلطاني (التي كانت مركبتنا في تتقّلاتنا في السّلطنة، التي تكرّم بتوفيرها لنا تلميذنا الوفيّ الأستاذ محمد بن سالم بن عبد الله الحارثي جزاه الله خيرًا) سرنا إلى جامعة نزوى بمدينة بركة الموز، برفقة الشّيخ محمد الرّيامي، إذ كان لنا موعد مع رئيس الجامعة الدّكتور أحمد بن خلفان الرّواحي. موضوع اللّقاء كان التّحضير لزيارة وفد من كليّة المنار للدّراسات بالجزائر، في إطار التّعاون بين المؤسّستين.
استقبلنا الدّكتور الرّواحي في مكتبه استقبالاً رائعًا، قبل الشّروع في الموضوع، علّقنا على أحداث السّاعة في السّاحة العربيّة.لم تختلف طبيعة هذه التّعليقات عمّا كان يدور في اللّقاءات والجلسات السّابقة. في بداية الحديث عن برنامج الزّيارة المرتقبة، بادرنا الدّكتور الرّواحي بقوله: «البنت الميزابية مظلومة والله مظلومة، ظلمتموها في ميدان التّعليم» أي لم تهتمّوا بتعليمها، ولم توفّروا لها بيئة علميّة تتكوّن فيها.
طلبنا من الدّكتور أن يقترح برنامج الزّيّارة، ومجالات التّعاون، فقال: هذا يتحدّد بعد القيام بزيارة الوفد القادم لموافق الجامعة، والاطّلاع على مناهجها وبرامجها، ومجالات أنشطتها، وتخصّصاتها، إلى غير ذلك ممّا يتيح الفرصة لاقتراح مشروعات وإبرام اتّفاقيّات عمليّة. ثمّ قدّم لنا بعض المنشورات المعرّفة بالجامعة.
في اللّقاء تحدّثنا عن إجراءات الاستقبال في مطار مسقط الدّولي، والإقامة والتّنقّلات داخل السّلطنة، والتّأشيرات... تفضّل الدّكتور وقال: إنّ الجامعة تتكفّل بكلّ ذلك، جزاه الله خيرًا.
تناولنا موضوع استقبال جامعة نزوى لطالبات كليّة المنار لإكمال دراساتهنّ العليا فيها، وفي مرحلة الباكالوريوس (اللّيسانس)، هو مقترح تقدّمت به جامعة نزوى بواسطة الشّيخ محمد الرّيّامي، قلنا لرئيس الجامعة: إنّ هذا متعذّر، هل يمكن تحويل المقترح والمنح إلى الطّلبة، قال: هذا ممكن، ندرس ذلك لاحقًا.
قدّم الابن جابر تعريفًا بمعهد المناهج، وطلب التّعاون مع جامعة نزوى، رحّب الرّئيس بالفكرة، وقال: هذا جيّد وممكن. الموضوع نفسه عرضه الأخ عمر فخّار عن معهد الحياة، فقال الرّئيس: قدّموا مقترحاتكم. نحن مستعدّون لكلّ ما يخدم التّعاون بين الجزائر وعمان، ويدعم الجهود المبذولة في المسار الدّراسي.
ما ميّز يوم الأحد 27/2/:
 1 - زارنا في جناحنا بالمعرض الأخ سيّد مصطفى مطبعه جي أصفهاني (إيراني) اشترى منّا مجموعة كتب عن الفكر الإباضي، لمكتبة قُمْ العظيمة (هكذا تسمّى). حضر إلى المعرض لتزويد المكتبة بمختلف الكتب. ذكر لنا أنّ المكتبة تضمّ مائة ألف مخطوط (100000)، طبع منها العُشر، فبلغ مجموعها أربعين مجلّدًا. وطلب منّا التّعاون معه ومع مكتبة قُمْ العظيمة لتزويدها بمختلف الكتب. قال: يريد لها القائمون عليها أن تكون معلمًا ثقافيّا ومعرفيًا متنوّعًا، يرتفع عن المذهبيّة الضّيّقة، والتّفكير المنغلق، لتكون فضاء رحبًا للتزوّد بالمعرفة والعلم والفكر السّليم. أعطى لنا معلومات عن شخصه: عنوانه، هاتفه... وطلب منّا التّواصل معه. 
2 - حضورنا حفل توزيع الجوائز على الفائزين في مسابقة حفظ القرآن لطلبة مدرسة نور الإسلام التي يشرف عليها الأخ الفاضل: قاسم بن محمد حميد أوجانه (خلفًا للأستاذ مصطفى بن صالح الحاج مسعود الذي أدارها عدّة سنوات، قبل أن يقفل راجعًا إلى الجزائر) هذه المدرسة تضمّ تلاميذ ما قبل سنّ الدّراسة.
تضمّن الحفل أنشطة قدّمها تلاميذ المدرسة، وكلمة من الدّكتور سعيد بن عبد الله العبري (أستاذ بكليّة التّربيّة بجامعة السّلطان قابوس). وكذا تكريم المعلّمين الذين أشرفوا على المسابقة. وكان لي شرف تسليم الجوائز للتّلاميذ والتّلميذات.
يوم الاثنين 28/2: من بين أخبار اليوم زيارة الدّكتور ياسين صلواتي (إيراني) لنا في جناحنا، برفقة شاب يمثّل مؤسّسة عروج للطّباعة والنّشر ووكيل تسويق وبيع آثار الإمام الخميني. عرّفنا بهذه المؤسّسة، وبمؤسّسة تنظيم ونشر تراث الإمام الخميني. وقدّم لنا الدّكتور صلواتي كتيّبًا ضمّ قائمة الكتب التي عرضت في معرض طهران الدّولي العشرين للكتاب سنة 1428هـ. بعنوان: قائمة بأسماء الكتب المطبوعة، قسم الشّؤون الدّوليّة في مؤسّسة تنظيم ونشر تراث الإمام الخميني، ضمّت القائمة ستّة وسبعين ومائتي كتاب (276) مطبوع، بخمس وعشرين لغة، وأربعة وأربعين كتابًا قيد الطّبع بأربع عشرة لغة.
أعطى لنا الدّكتور استمارة طلب منّا ملأَها. وهي تندرج في صميم الدّعاية للتّعاون مع المؤسّستين المذكورتين لنشر الفكر التي تتبنّيانه؛ لمزيد من ربط الصّلات بالنّاشرين النّاشطين في حقل المعرفة. من بين الأسئلة التي تضمّنتها الاستمارة:
4 – يرجى تحديد المجالات التي يمكنكم من خلالها التّعاون مع مؤسّسة عروج للطّباعة والنّشر، ومؤسّسة تنظيم ونشر تراث الإمام الخميني، وذلك من خلال وضع علامة أمامها: التّرجمة / التّسويق عبر الإنترنت / النّشر / التّوزيع. 
5 – في حال أنّكم قمتم بنشر كتاب أو مقالة أو أثر علمي حول الإمام الخميني والثّورة الإسلاميّة الإيرانيّة، يرجى ذكر اسمه.
6 – في حال معرفتكم بأسماء كُتّاب ومحقّقين، يعملون في مجال التّحقيق حول الإمام الخميني والثّورة الإسلاميّة الإيرانيّة، أو أنّهم قاموا بالكتابة حول ذلك، يرجى تقديمهم من أجل التّعاون معهم.
كما تبادلنا أحاديث متنوّعة حول الحالة الفكريّة والثّقافيّة في العالمين العربي والإسلامي، والهجوم السّافر والمضمر على الفكر الأصيل، والثّقافة الصّحيحة، ورجا بعضنا بعضًا التّجنّد والعمل الجادّ الممنهج العلمي للتّصدّي لكلّ ذلك، كلّ في موقع الهيئة التي ينتمي إليها، ووفق النّهج الذي يختاره، مع التّنسيق والتّعاون فيما يخدم الأمّة الإسلامية، ويحافظ على وحدتها وأصالتها.
الدّكتور ياسين صلواتي كان أحد أعضاء السّفارة الإيرانيّة بالجزائر لمدّة أربع سنوات، وقد زار عدّة مدن في الجزائر، منها مدينة غرداية. هو الآن أحد أعضاء السّفارة الإيرانيّة بسلطنة عمان. منصبه الحقيقي: مدير العلاقات الخارجيّة ورئيس قسم اللّغة العربيّة في وزارة الشّؤون الخارجيّة الإيرانيّة.
على كلّ فرد يريد خدمة الفكر والثّقافة، وعلى كلّ شخص يشعر بذرّة من المسؤوليّة نحو نفسه وفكره وهويّته وكيانه، أن يتأمّل في هذا الحراك، وينظر في هذا النّشاط، ويتملّى هذا العمل الدّؤوب، ثمّ يقوّم عمله، ويحاسب نفسه، ويتحمّل واجبه المنوط به...
يوم الثلاثاء 1/3/ مرّ عاديًا، قضيت معظمه في جناحنا بالمعرض، بقائي في المعرض كان فرصة للقاء كثير من الأصدقاء والطّلبة الذين درّستهم في كليّة التّربيّة بنزوى، وكان مناسبة لتبادل الأحاديث والآراء في كثير من القضايا والمسائل. في الحقيقة إنّ الجناح يتحوّل يوميًا إلى منتدى ثقافي وفكري، يجمع كثيرًا من الوجوه الثّقافيّة، التي تحمل همومًا ثقافيّة وفكريّة متنوّعة. هذه إحدى الرّسائل المنوطة بالمعارض، وإحدى ثمرات التّلاقي والتّعارف.
في هذا اليوم غادرنا الابن جابر مع الفجر؛ عائدًا إلى الجزائر، ليستعدّ ليسافر إلى سورية ولبنان يوم الأربعاء في بعثة طالبيّة علميّة، تضمّ مجموعة من الطّلبة المنتمين إلى معهد المناهج، رفقة الدّكتور محمد بن موسى بابا عمّي، مدير معهد المناهج. 
يوم الأربعاء: 2/3/ كان لنا درس في مسجد عبد الرّضا سلطان برويّ. دار حول أهميّة العلم وضرورته للحياتين، الدّنيا والأخرى، جاء في نقط، منها ما كان موجّهًا إلى طالب العلم، ومنها ما يعني أولياء الأمور. وقد تعوّدت منذ سنوات المشاركة في نشاط المسجد، يوم الأربعاء، وهو الموعد الأسبوعي الذي يلتقي فيه الأبناء والأولياء في صعيد واحد ليستمعوا معًا إلى من يُدعَى لتنويرهم بالمعرفة والعلم النّافع. تحضر الحلقة العلميّة أسر كثيرة، منها أسرة الرّواحيّين وآل ابن عمير الهنائيّين بخاصّة.
هي طريقة جيّدة، ومنهج قويم في توجيه الأبناء، وتعليم النّشء، وتوعية الشّباب، والتّفقّه في أمور الدّين وشؤون الدّنيا، وتمتين اللّحمة بين الآباء والأبناء. إنّ القائمين على مسجد عبد الرّضا يطلبوننا دائمًا للمشاركة بكلمة في هذا اللّقاء الأسبوعي، كلّما حللنا ضيوفًا على سلطنة عمان، أحسن الله إليهم، وأكرم مثواهم، وجعل الجنّة مأواهم.
بعد صلاة العِشاء، يكون العَشاء في منزل أحد الإخوة الأفاضل، كان حظّي في كلّ مرّة أن أكون في ضيافة الشّيخ ماجد بن سعيد الرّواحي، ويفضّل – دائمًا - أن يضيّفنا في منزل والده المغفور له؛ برًّا به وإحسانًا إليه. هذه إحدى المكرمات التي يتميّز بها أهل الصّلاح والفضل والكرم.
يوم الخميس 3/3/ تشّرفت بزيارة أحد الأصدقاء الأوفياء لي، هو من الذين جمعتني بهم زمالة التّدريس في قسم اللّغة العربيّة بكليّة التّربيّة بنزوى مدّة أربع سنوات. بقي متواصلاً معنا بالمراسلة والزّيارات. إنّه اللّغوي والشّاعر الكبير، العراقي الأستاذ الدّكتور سعيد جاسم الزَّبيدي. سألت عنه وعن وجوده في السّلطنة، قبل القدوم إليها، فأكّد لي من سألته أنّه ما يزال في قسم اللّغة العربيّة بجامعة نزوى. هو بدوره قال لأمّ زيد (زوجه): إذا كان أبو عبد العزيز (أنا) موجودًا يستحيل أن لا يسأل عنّي. هذا ما حدث فعلاً، طلبته بالهاتف في منزله، فلم يردّ أحد. قال لي: كنت في ذلك اليوم خارج بيتي بنزوى، كنت وأهلي عند بنتنا في بيتها بمسقط. (هي طالبة في الطّب، في إحدى الكليّات الخاصّة).
من تمام صداقته المتينة الصّافية، أنّه كان كلمّا صدر له كتاب، إلاّ ويهديني نسخة منه، وكنت أصنع ذلك معه. هذه المرّة أهدى إليّ كتابه: «مذهب الاختيار في النّحو» الصّادر عن دار كنوز المعرفة، عمّان، الأردن، سنة 1432هـ/ 2011م. فشكرًا له على الهديّة، و سقيًا له هذا الوفاء، وهنيئًا له العطاء العلمي المستمرّ.
عشاؤنا كان على شاطئ البحر بالسيب، في ضيافة الإخوة: إدريس بن بابه باحامد، وجابر بن عمر وعلي، وعبد الوهّاب بن النّاصر الخرفي، وإبراهيم بن محمد أوجانه، وهم فتية تجمعهم حلقات العلم الأسبوعيّة في منزل أحدهم بالتّداول، وتحتضنهم حصص رياضيّة، وبخاصّة المشي، وتضمّهم جلسات أخويّة، وسمر ومرح واستجمام، في أجواء حميميّة رائعة، أدام الله لهم هذه الصّداقة وهذه الأخوّة.
قضينا ليلة رائعة، تنوّعت بين أكل اللّحم المشوي (الكباب) على جمر الفحم من إعداد عبد الوهّاب، وشرب الشّاي المنعنع، التي يشفي الغليل، من صنع إبراهيم. وألحان شجيّة من حنجرة إدريس، وتعليقات وتعريضات، وهي من تقليعات الجلسات التي يحضرها جابر وإدريس، تخلّل دلك أبيات شعريّة غزليّة، أسعفتنا بها ذاكراتنا، كلّ ذلك وخطرات النّسيم العليل المنعشة، التي تأتي من البحر تداعب وجناتنا، وتندّي أجسامنا وأطرافنا، وهدوء البحر وحركة مياهه الخفيفة، تثير أفئدتنا، وتحرّك أشجاننا، وتطرب آذاننا، وتغرينا بالبقاء على الشّاطئ، لولا أنّ النّوم كان يداعب أجفاننا، والتّعب كان يدبّ في أبداننا؛ لطول تحرّكنا بين المعرض والمقابلات والأعمال التي هي من واجبات الرّحلة والسّفر إلى عمان. بعد السّهرة البديعة، والسّمر الممتع، قفلنا عائدين إلى مضاجعنا، ولكلّ مأرب في مضجعه؛ بحسب ما يرغب فيه، وما ينتظره.
يوم الجمعة 4/3/ وجهتنا كانت مدينة سمائل الفيحاء، في ضيافة الصّديق العزيز الشّيخ محمد بن سيف الرّواحي، النّاشط في مجال التّوعيّة الاجتماعيّة، والنّشاط الثقافي، صاحب المبادرات الكبيرة في الأخذ بأيدي الشّباب، ودفعهم إلى الحركة والنّشّاط، وقد قمت بعدّة أنشطة، وإلقاء محاضرات في قرى ولاية سمائل بدعوة منه، وبإلحاح كبير منه. معرفتي به قديمة وجيّدة. همّه الكبير أن ينتشر الوعي في الأوساط، ويتحرّك الشّباب والمثقّفون ليقوموا بواجبهم في الدّعوة والنّصح والإرشاد، وخدمة الفكر الإسلامي بعامّة والفكر الإباضي بخاصّة.
ينفق الكثير من أمواله لشراء الكتب، وتكوين مكتبة في بيته، يسخّرها للباحثين والشّباب ليتعلّموا ويتكوّنوا ويتثقّفوا، فهو يرى فيهم أمل الأمّة، ومستقبل الوطن، وفّقه الله ليثبت في طريق الجهاد بالعلم والمعرفة، وسدّد خطاه ليواصل السّير في درب العمل الاجتماعي. عمله الرّسمي هو في مجال التّوعيّة الصّحّية والاجتماعيّة في القطاع الصّحّي بولاية سمائل.
غداؤنا كان في بيته، في منطقة المَدْرة. قبل ذلك وقبل الذّهاب لأداء صلاة الجمعة، طَلَبَنا الدّكتور عبد الله بن راشد السّيابي نائب رئيس المحكمة العليا في مسقط، دعانا لتناول القهوة عنده، في منطقة الغبرة، لبّينا الدّعوة، وحظينا في مجلسه بجلسة طيّبة؛ إذ كانت لنا معه مطارحات فكريّة وأدبيّة واجتماعيّة، لم تغب فيها أحداث السّاعة.
الدّكتور رحّالة، جاب وزار كثيرًا من أقطار العالم ، شرقًا وغربًا، من بين الأقطار التي زارها الجزائر، وبالضّبط القرارة ووادي ميزاب، مع وفد مهمّ ترّأسه الدّكتور إسحاق بن أحمد البوسعيدي رئيس المحكمة العليا العمانيّة، لتمثيل السّلطنة في مهرجان الوفاء، الذي أقيم في القرارة، ربيع 1430هـ/ 2009م، لتدشين المبنى الجديد لمعهد الحياة، وتأبين فضيلة الشّيخ عدّون رحمه الله. 
دوّن الدّكتور عبد الله السّيّابي رحلاته في كتاب سمّاه: «أدب الرّحلات»، وخصّ وادي ميزاب وجبل نفوسة بكتاب خاصّ بعنوان: «رحلتي إلى وادي ميزاب وجبل نفوسة»، وقد شرّفني الدّكتور عبد الله بوضع رسالتي التي أرسلتها إليه عن كتابه تقديمًا له. أهدى إلينا هذا الكتاب ومجموعة من كتبه، التي تنوّعت بين الفقه والقانون والتّاريخ والسّير، وغيرها.
بعد الخروج من الجامع بعد أداء صلاة الجمعة، سألت الشّيخ محمد بن سيف الرّواحي عن اسم الخطيب، الذي كانت خطبته رائعة: مضمونًا وأداء، ومراعاة لمناسبة ما يحدث في العالم العربي، فقال لي: هذا تلميذك خالد السّيّابي، فحمدت الله على هذا التّشريف، وهذا المكسب، أن يرينا الله ما تقرّ به أعيننا، وتنشرح له صدورنا، نرجو من الله القبول، ومزيدًا وفيضًا من النّعم.
بعد غداء دسم، ونوم خفيف شددنا الرّحال إلى مسقط، وإلى معرض الكتاب، لنلحق به في لحظاته الأخيرة. فقمنا بجمع ما بقي من الكتب (كانت قليلة) ووضعها في الكراتين، وتسليمها إلى مكتبة الجيل الواعد بالخوير، تبقى عنده ودائع، أو يبيع منها لمن يطلبها.
هكذا انتهت أيّام المعرض، ومضت على أحسن ما يرام، حسن تنظيم من لجنة المعارض، ومساعدة من إخواننا الجزائريّين المقيمين في السّلطنة، ورعاية من إخواننا العمانيّين، وإقبال كبير على الجناح: شراء واستفسارًا، وتبادل آراء في كثير من المسائل، وتقديم مقترحات، وطلبات لتطوير مشاركة جمعيّة التّراث في معرض مسقط للكتاب...
اللّهم لك الحمد على ما أنعمت وتكرّمت وأعطيت، ووفّقت وحفظت، اللّهم زدنا ولا تنقصنا، وأعطنا ولا تحرمنا، ووفّقنا إلى الأحسن والأفضل والأجدى والأقوم.
بوم السّبت 5/3/ كانت لنا زيارات لأداء الشّكر لمن كانت له أيادٍ بيضاء علينا، ومساعدات لنا. البداية كانت بمعهد العلوم الشّرعيّة ومديرها العام الشّيخ عيسى بن يوسف البوسعدي. ثمّ الشّيخ حمد بن هلال المعمري، وكيل وزارة التّراث والثّقافة للشّؤون الثّقافيّة في مكتبه في الوزارة. في مبناها، وفي طريقنا إلى مكتب الوكيل التقينا بصديق عزيز هو الشّاعر والكاتب والمهندس سعيد بن محمد الصّقلاوي الجنيبي، سرنا معًا إلى مكتب الوكيل، من دون موعد سابق، استقبلنا بكلّ حفاوة وحرارة، قدّمنا له بعض الكتب هدية لمكتبة الوزارة، من جمعيّة التّراث، وقدّم لنا هو اعتذاره عمّا يكون قد صدر منه من تقصير في أداء الواجب... على طبيعة العمانيّين، الذين لا يقنعون بما يقدّمونه للضّيوف من إحسان وخير، فكنت أقول لهم في هذه المواقف: «هذا تقصير عماني», أضيف: «هذا تقويم عماني»، لمبالغاتهم في التّقدير والاحترام. كان برفقتي الأخ عمر فخّار.
بصفة الشّيخ حمد بن هلال رجلاً يحبّ الحوار، ويجيد الحديث، فقد تطرّقنا معه في هذه الجلسة القصيرة إلى موضوعات كثيرة، أبرزها العلاقة بين الجزائر وعمان، وأهميّة التّواصل بين البلدين. من بين ما أتحفنا به تعليقه على فيلم "ذاكرة الجسد" الذي عرضه التّلفزيون الجزائري في شهر رمضان 1431هـ، هو - أصلاً - رواية للكاتبة الجزائريّة: "أحلام مستغانمي"، التي أبدى إعجابه بها، وبكتاباتها ومواقفها، وذكر أنّه التقى بها. قال لنا: إنّه كان يتابع حلقات المسلسل باهتمام كبير، أعجب بمضمون الرّواية، وأداء الممثّلين، وبمنظر مدينة قسنطينة (مدينة الجسور المعلّقة). وجود المدينة على هذه الجسور العجيبة أثار اندهاشه، وقال: سأزور الجزائر، وأقصد مباشرة هذه المدينة الجميلة إن شاء الله. كانت الجلسة طيّبة مع هذا الرّجل المتواضع المرح، المحبّ للثّقافة والمعرفة.
من مكتب الوكيل المكلّف بالشّؤون الثّقافيّة، إلى مكتب وكيل وزارة التّراث لشؤون التّراث الشّيخ سالم بن محمد المحروقي، أيضًا قصدناه من غير موعد سابق، قابلنا في البداية منسّق مكتبه الفاضل بدر بن عامر الخروصي، الذي زارنا في الجزائر سنة 2008، رفقة والده، وقد كان أخوه الأستاذ صالح مستشارًا في سفارة سلطنة عمان بالجزائر.
استقبلنا الوكيل بكلّ حفاوة؛ رغم ارتباطه بوعد مع وفد سوري، يلتقي به بعد دقائق، رحّب بنا ترحيبًا كبيرًا، وتحدّثنا معه في موضوع المخطوطات، الذي هو شغله الشّاغل، وهو المعيّن في هذا المنصب قبل ثلاثة أشهر، يبدو عليه الاهتمام بالشّؤون الثّقافيّة، وبالتّراث بخاصّة. دليل ذلك تبوّؤُه مناصب عديدة في هذا الميدان، منها ملحق ثقافي في نيويورك، ورئيس النّادي الثّقافي بالقرم (مسقط) التّابع لوزارة التّراث والثّقافة. اتّفقنا أن نلتقي به في مناسبة أخرى لمناقشة كيفيّة التّعاون في موضوع المخطوطات. أهدى لنا قبل توديعنا كتابين، كانا على الطّاولة، هما: مقدّمة في العقيدة الإباضية للأب بيار كوبرلي، مترجمًا إلى العربيّة، وكتاب: دراسات في التّاريخ العماني، للزّميل الدّكتور سعيد بن محمد الهاشمي.
ذهبنا بعد ذلك لزيارة الفاضل الأستاذ حمود بن عبد الله الرّاشدي مدير دائرة المخطوطات بالوزارة نفسها، لم يخرج حديثنا القصير عن مجال المخطوط، والتّعاون في خدمة التّراث الإباضي، وتكثيف اللّقاءات وتبادل الزّيارات لمراكز المخطوطات في عمان والجزائر، أشار إلينا أن تقدّم جمعيّة التّراث الجزائريّة طلبًا لوزارة التّراث العمانيّة توجّه من خلاله دعوة له لزيارة مراكز المخطوطات في الجزائر. تندرج هذه الزّيّارة في إطار العمل على تنشيط حركة التّحقيق ونشر المخطوطات. نطلب الله أن يكلّل مساعينا بالنّجاح، كما نسأله أن يعيننا على خدمة تراثنا خدمة جيّدة.
قبل مغادرة المكتب انضمّ إلينا الأستاذ محمد بن سالم الحارثي، الشّاب المثقّف الأديب الأريب، أفاض _ مباشرة بعد أن سلّم علينا _ في الحديث عن التآليف العمانيّة، وعن الكتب الجديدة، وغاص في الثّقافة العمانيّة. وهو المهتّم بالتّراث العماني بشكل كبير. كان الحديث معه آخر ما انتهى به اجتماعنا. افترقنا على أمل اللّقاء في فرصة قريبة إن شاء الله. أهدى لنا الأستاذ حمود الرّاشدي كتابه: «التّخصيص في الولاية والبراءة» للعلاّمة الشّيخ أبي بكر أحمد بن عبد الله الكندي (480 – 557هـ) دراسة وتحقيق، حصل به على شهادة الماجستير، نشر وزارة التّراث والثقافة، سلطنة عمان، ط1، 1432هـ/ 2011م. 
ليلتنا اليوم كانت مع الفاضل الأستاذ صالح بن عامر الخروصي في منزله بالموالح (مسقط)، المستشار السّابق في السّفارة العمانيّة بالجزائر. التقينا في بيته تلبية لدعوته لنا لمأدبة عشاء أقامها على شرفنا. ذهبنا بأهلنا ورفقة الإخوة صالح بن قاسم الرّاعي، وإدريس بن بابه باحامد، وجابر بن عمر وعلي، وعمر بن الحاج فخّار، وكان معنا أخو صالح بدر بن عامر, جمعنا في المناسبة بين الأكل والحديث في موضوعات علميّة وأدبيّة وثقافيّة، فكانت المأدبة ماديّة وروحية. استحوذ عليها الحديث عن العلاقة بين عمان والجزائر ثقافيًّا، وسبل مضاعفة الجهود وترشيدها للتّعاون في مختلف المجالات والأصعدة، لخدمة لهذا الجانب. 
ما يتميّز به أخونا صالح الجدّ والحرص على تقديم الخدمة لكلّ من يطلبها، وبخاصّة سبل التّعاون بين الجزائر وعمان. كان له فضل كبير في مساعدتنا على تصريف شؤوننا المتعلّقة بالمشاركة في معارض مسقط للكتاب. هذه السّنة صادفتنا مشاكل بسبب انتقاله من السّفارة ورجوعه إلى بلده. قلت له: مغادرتك الجزائر كانت كارثة لنا. الرّأي أو الانطباع نفسه وجدته عند الأستاذ سويد بن حميد الرّبعاني، أحد المنظّمين والمشرفين على معرض مسقط للكتاب. 
كما يعرف عنه الحرص على استغلال الفرص لمواصلة الدّراسة، فلمّا كان في السّفارة العمانيّة بالعراق، حضّر رسالة الماجستير وناقشها هناك، وحين انتقل إلى الجزائر قام بالإعداد لرسالة الدّكتوراه في التّاريخ العماني، وهو ينتظر تعيين تاريخ المناقشة، وفّقه الله للحصول على درجة مشرّفة.
يوم الأحد 6/3/ توجّهت رفقة زوجي العزيزة إلى مدينة نزوى؛ لأداء حقّ هذه المدينة التي قضيت فيها سبع سنوات كاملة؛ مدرّسًا في كليّة التّربيّة، وقد سجّلت فيها ذكريات طيّبة، يعبق منها أريج الكرم والإحسان والودّ والحبّ. تنقّلت بين ربوعها معزّزًا مكرّمًا، وارتدت مساجدها وأنديتها وأسواقها، ودخلت بيوتها وأقمت بين أهليها، خالطت رجالها، وتقرّبت من أطفالها، اندمجت في حياتها، حتّى غدوت فردًا من أهلها... كلّ ذلك يفرض عليّ واجب ردّ الجميل والوفاء لأهل الفضل... فأقوم بأضعف الإيمان، وهو زيارة هذه البقعة الطّيّبة.
إنّ هذا كان دأبي كلّما زرت عمان. إنّني أعدّ هذه الزّيارة باطلة إذا لم تطأ قدماي أرض نزوى الشّهباء. وبخاصّة زيارة أسرة الصّباحيّين، وبالأخصّ الأخ طلال بن هلال الصّباحي وأبيه. والزّوج – أيضًا - تؤدّي واجب الزّيارة لبيت الكريمين. فالابن طلال كان واحدًا من أفراد أسرتنا، حين كنّا مقيمين في نزوى، كان يخدمنا ويقضي مآربنا، وسيّارته كانت طوع إشارتنا، ووالده هلال كان نعم الصّديق، والرّجل التي أستعين به في كثير من شؤوني ومصالحي. بين أسرتَيْ بوحجام والصّباحي علاقة متينة، وصداقة قويّة، وصلة جيّدة، أدامها الله نعمة ومنحة وفضلاً.
قضينا يومًا كاملاً في بيت هؤلاء الكرام. في آخر النّهار، قبل مغادرة نزوى، والرّجوع إلى مسقط، طافت زوجي ببعض البيوت، مسلّمة على ربّات البيوت، اللاّئي كانت تلتقي بهنّ وتزورهنّ، حين كانت مقيمة في مدينة نزوى.
يوم الاثنين: 7/3/ قمنا بزيارة الدّكتور بدر بن هلال اليحمدي، مدير إدارة الشّؤون التّعليميّة والتّدريب بمركز السّلطان قابوس للثّقافة الإسلاميّة (ديوان البلاط السّلطاني)، في مكتبه. وهو المحقّق لديوان السّيف النّقاد للشّيخ إبراهيم بن قيس الحضرمي. 
حضر جلستنا الأستاذ خليفة بن عبد الله الوائلي، مدير معهد العلوم الإسلاميّة بخصب (مسندم) سابقًا، والدّكتور سلطان بن خميس بن عيسى النّاعبي، مدير دائرة تنميّة الموارد البشريّة (مركز السّلطان قابوس للثّقافة الإسلاميّة).ممّن حضر معي من الإخوة إبراهيم بن محمد لعساكر، إمام في أحد المساجد بالقرم، صالح بن قاسم الرّاعي، عمر بن الحاج فخّار.
كان الحديث متمحورًا حول المسائل التّعليميّة والتّربويّة، ومقرّرات الدّراسة في معهد العلوم الإسلاميّة، وتجربة معهد الحياة في التّعليم والتّربيّة، والتّكوين الأدبي والاجتماعي. اقْتُرِحَ أن يتمّ تبادل الزّيارات بين معهد الحياة ومعهد العلوم الإسلاميّة، وقبول بعثات من ميزاب للدّراسة في معهد العلوم الإسلاميّة، وكان الجواب هذا ممكن، بعد دراسة المقترح دراسة جيّدة وعميقة. أبدي الدّكتور بدر اليحمدي رغبته في زيارة معهد الحياة، فقدّم له عمر فخّار دعوة. نطلب الله أن ييسّر سبيل هذه الزّيّارة.
بعد هذا اللّقاء توّجهنا صوب مبنى قسم الإفتاء بوزارة الأوقاف والشّؤون الدّينيّة، وإلى مكتب سماحة الشّيخ أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي المفتي العام للسّلطنة، عقدنا معه لقاء سريعًا، نقلنا إليه أخبار وادي ميزاب والجزائر، ثمّ عرضنا للأوضاع السّائدة في العالم العربي، وبخاصّة ما يقوم به طاغية العصر معمّر القذّافي من الإفساد في بلاده، وتخريب منشآته، واستعانته بالمرتزقة لتقتيل شعبه!.
كما علّقنا على ما أدلى به الشّيخ أحمد في برنامجه الأسبوعي في التّلفزيون العماني "سؤال أهل الذّكر" يومي الأحد: 24/3/ و 1/4/ 1432هـ- 27/2/ و 6/3/2011م متحدّثًا عن أحداث المسيرات والاعتصامات وبعض أعمال التّخريب التي حصلت في السّلطة، وقد دعا فيهما إلى تحكيم العقل والمنطق والشّرع، وتغليب الحكمة على الطّيش، كما نزل فيهما على المفسدين والمنحرفين تقريعًا وتنديدًا، وبخاصّة شاربي الخمور، ومتعاطي الرّنجيلة (الشّيشة كما تعرف في عمان)، وقد كان صريحًا وشديدًا مع هؤلاء... جزاه الله عن الإسلام خيرًا. قلنا للشّيخ: إنّ توجيهاتكم وكلامكم هو حديث النّوادي والعام والخاصّ، أثابكم الله وأطال في عمركم. 
في اللّقاء قدّم لنا الشّيخ نسخة من رسالة بعث بها إلى أعضاء مجلس عمّي سعيد وأعضاء مجالس العزّابة، وسائر المعنيّين بالمؤسّسات العلميّة ومراكز الدّعوة والإرشاد بوادي ميزاب، تتعلّق بخطر الحشويّة على جسم أهل الحقّ والاستقامة. أشار فيها إلى ضرورة التّصدّي لهم.
من فقرات هذه الرّسالة (التي تعدّ ثلاث صفحات إلاّ قليلا): «فقد لاحظت في زيارتي الأخيرة للقطر الجزائري الشّقيق، إبّان وجودي بوادي ميزاب العزيز، وجود نابتة من الحشوية المجسّمة في جسم أهل الحقّ والاستقامة، وهي تتّصف بخصائص تلك الفئة المشؤومة البغيضة من التّنطّع على الحقّ وبذاءة القول والجرأة على تضليل أهل الحقّ والاستقامة، وتسفيه حلومهم، والتّشهير بخصائصهم الفكريّة والتّأريخيّة والعلميّة، وقد وجّهت إليّ أسئلة بعبارات، صاغتها عقولهم المأفونة، بتأثير أحقادهم الدّفينة، ولعلّكم اطّلعتم على إجابتي لهم، التي كشفت فيها عن حجج أهل الحقّ في مباينتهم لمن جانف الحقيقة، وتجافى عن الحقّ».
«...لذلك أهيب بكم وأناشدكم باسم الحقّ الذي أنتم ورثته وحماته، أن لا تألوا جهدًا في تعرية دسائس هذه الفئة الضّالة، وفضح مؤامراتها على الإسلام، وتحذير الجميع – لا سيّما الشّباب – من الاغترار بهم، والتّأثّر بدعواهم، وليس هذا الذي أدعوكم إليه أمرًا تحذر عواقبه، وإنّما الخطر المحذور هو استفحال شرّ تلك الفئة، وظهور دعوتها بينكم.
وأنتم بإمكانكم أن تدعوا أولئك الضّلال دعوة معلنة إلى المناظرة والحوار، وأن تضعوا النّقاط على الحروف، وتشخّصوا أدواءهم، وتبيّنوا لهم مواطن الانحراف والزّيغ في معتقداتهم، فإن استجابوا كانت تلك فرصة لكشف ما عسى أن يكون غير معروف عند عامّة النّاس من ضلالهم، وإن أعرضوا وتهرّبوا كانت هذه حجّة عليهم وبرهانًا على إفلاسهم من الحجّة، وتأسيس فكرهم على شفا جرف هار، وبهذا يمكنكم أن تحولوا بينهم وبين عامّة النّاس، الذين يحاولون التّأثير عليهم».
في نهاية اللّقاء أهدى إلينا نسخًا من كتابه: "القيم الإسلاميّة ودورها في تقديم الحلول للمشكلات البيئيّة العالميّة" أصل هذا الكتاب بحث شارك به سماحة المفتي في المؤتمر العام الخامس عشر لأكاديميّة آل البيت الملكيّة، الأردن، 18 – 20 من شوّال 1431هـ الموافق لـ 27 – 29 من أيلول (سبتمبر) 2010م. عنوان المؤتمر هو: "البيئة في الإسلام". محاور الكتاب هي: مقدّمة في تعريف البيئة لغة واصطلاحًا. المحور الأوّل: في قيم الإسلام. المحور الثّاني: تأثير القيم في المحافظة على البيئة. الخاتمة: نتائج وتوصيّات، وفهارس عامّة. الكتاب يقع في 222 صفحة، نشر وزارة الأوقاف والشّؤون الدّينيّة، سلطنة عمان. 
في اللّيل كنت على موعد لحضور ندوة الأصول الأسبوعيّة، أقيمت هذه المرّة في منزل الأخ مسعود بن عيسى سماوي، إمام بمسجد في مدينة البيرين، ولاية العامرات، الأخ مسعود خرّيج معهد القضاء الشّرعي والوعظ والإرشاد، وهو أوّل جزائري يلتحق بهذا المعهد.
ختام أيّام إقامتنا بسلطة عمان، كان مأدبة غداء دعانا إليها فضيلة الشّيخ أحمد بن حمد الخليلي في منزله برويّ، يوم الثّلاثاء: 8/3/ وهو اليوم الذي وصل فيه مسقط الأخوان الأستاذ الحاج بن عيسى فخّار رئيس جمعيّة قدماء التّلاميذ بالقرارة، وعبد الله بن يوسف حريز، ممثّلين لجمعية إحياء التّراث بالقرارة، بدعوة من وزارة البلديّات والبيئة وموارد المياه العمانيّة؛ بهدف الاطّلاع على تجارب عمان في المحافظة على الآثار، وتقديم تجربة الجمعيّة في هذا المجال، وعرض بعض مشاريعها على المعنيّين بقطاع التّراث في السّلطنة.
جمعتنا مائدة الشّيخ أحمد بهما، وبالإخوة الأستاذ عبد الله بابهون، والأخ يحيى أزغار، ممثّلين لمدرسة البيان بالحميز بالجزائر العاصمة، والأخ عبد الوهّاب (عيسى) بن رمضان، رئيس مركبّ المسجد العتيق بالجزائر العاصمة.
ألفنا وتعوّدنا من لقاءات الشّيخ أحمد بن حمد الخليلي ومآدبه، أنّها لا تخلو ولا تعدم الحوارات العلميّة، وبسط المعرفة، وتقديم التّوجيهات والإرشادات، ولا يسلم هو من أسئلة الذين يدعوهم لتناول الطّعام في بيته، يتحوّل – دائمًا – اللّقاء به (مهما تكن طبيعة اللّقاء) إلى مأدبة علميّة، وجلسة ثقافيّة، تتنوّع فيها أطايب المعرفة... زاده الله بسطة في العلم، وجعله ذخرًا للأمّة الإسلاميّة. 
أهمّ ما ميّز اللّقاء تقديم الأستاذ الحاج فخّار نبذة من نشاط جمعيّة إحياء التّراث. كما سلّم الشّيخ بعض المطويّات التي تقدّم نماذج من أعمال الجمعيّة، وبخاصّة ما يتعلّق بالمحافظة على البيئة، هنا ذكّر الشّيخ أحمد الخليلي الحاضرين ببحثه: "القيم الإسلاميّة ودورها في تقديم الحلول للمشكلات البيئيّة العالميّة"، وقرأ منه فقرات؛ بيّن من خلالها دور الإسلام في تنقية البيئة ممّا يضرّ بها. وقدّم نسخًا من هذا الكتاب هديّة لمن لا يملك منها نسخة.
من بين النّقط المعروضة الدّعوة إلى بذل الجهود في التّعريف بالفكر الإباضي، ونشر مبادئه، التي لا نشكّ أبدًا في قوّتها ومتانتها، وقال الشّيخ أحمد: «إنّ قوّة المذهب الإباضي تظهر في ثلاث نقط: العقيدة والفكر السّياسي والتّاريخ»، يجب التّركيز على هذه العناصر، وبخاصّة في هذه الأيّام، فإنّ ما يعصف بالعالم العربي؛ بسبب أخطاء وانحرافات من الحكّام والمحكومين، يفرض علينا تناول هذه الموضوعات من وجهة نظر الإباضيّة؛ لأنّها قويّة ومتينة في أصولها، وناضجة وواقعيّة في تقريرها، وفي المواقف التّاريخيّة كان الإباضيّون حضاريّين وحكماء. هذا ما استوعبته من حديث الشّيخ أحمد. لم يخلُ اللّقاء من عرض أسئلة في الاستفتاء عن أمور شرعيّة. 
في اللّيل كان عشائي عند الأخ جابر بن عمر وعلي، سمرنا بعدها مع الأخوين الحاج فخّار وعبد الله حريز ومجموعة من الإخوة الأفاضل، كان محور اللّقاء الختامي التّعليق على مشاركات جمعيّة التّراث في معرض مسقط للكتاب. وآفاق الجمعيّة في خدمة الفكر الإباضي بخاصّة. قدّمت مجموعة من الملاحظات المهمّة، التي ستعرض على مكتب الجمعيّة للنّظر فيها. منها ما هو تنظيمي، ومنها ما هو تحسيني، ومنها ما هو نقائص، نعمل على تلافيها، ومنها ما هو انتقاد أو سوء فهم وتقدير، ردّ عليه.
قبل فجر يوم الأربعاء: 9/3/ سار بنا الفاضل جابر وعلي إلى مطار مسقط الدّولي؛ للعودة إلى أرض الوطن الغالي، حامدين الله على التّوفيق والنّجاح في هذه الرّحلة العلميّة الثّقافيّة، والقيام بواجب التّعريف بالكتاب الذي يكتب ويطبع في الجزائر، عسى أن يسهم هذا في تقديم المعرفة لمن يبحث عنها، وتوفير أسباب التّعارف لمن يطلبها، وتسهيل سبيل الاعتراف لمن ييسّره الله لذلك.
نغادر عمان البلد الأمين والكريم شاكرين لكلّ فرد سعيَه المخلص، في سبيل خدمة العلم والمعرفة، ولكلّ هيئة ومؤسّسة تيسيرَ الأسباب للقيام بما جئنا من أجله، جزى الله الجميع، وأكرم الكلّ، وأفاض علينا نعمه، ووفّقنا وسددّ خطانا، وهدانا سبل السّلام.
ملاحظات عامّة 
سجّلنا بعض الانطباعات وبعض الملاحظات والمقترحات، جمعناها تحت عنوان "ملاحظات":
- تأليف كتب تعريفيّة تكون صغيرة الحجم عن الجزائر بعامّة، ووادي ميزاب بخاصّة: تاريخًا وحضارة، وعادات وتقاليد، وهيئات ومؤسّسات...
- التّعجيل بإكمال طبع تفسير الشّيخ إبراهيم ببّوض رحمه الله.
- تجليد كتاب في رحاب القرآن.
- تبسيط تفسير الشّيخ بيّوض، للتّلاميذ والطّلبة، وتقديمه في كتيّبات,
- ترجمة كتب إباضيّة إلى اللّغة الإنجليزيّة. عرض علينا أستاذ سوداني ترجمة كتب جمعيّة التّراث.
- وضع لوائح كبيرة تعرّف ببعض الكتب، توضع في جناح جمعيّة التّراث، كـ: تفسير رحاب القرآن، ومجلّة الحياة وغيرهما...
- حذف كلمة (إباضيّة) من عناوين بعض الكتب، وبعض الموسوعات والأعمال الكاملة (المكتبة الإباضيّة الشّاملة) مثلا؛ لضمان تسويقها ونشرها.
- دعم الكتاب الإباضي والأقراص والأشرطة...
- فتح فرع لجمعية التّراث لبيع الكتب في سلطنة عمان.
- تحوّل جناحنا كالعادة إلى منتدى فكري وعلمي وأدبي.
- الإقبال على المعرض كان أقلّ من السّنة الماضيّة، أمّا جناحنا، فقد شهد العكس، كان الإقبال عليه كبيرًا.
- قال طالب بن خلفان بن سالمين الضّامري: مشاركة جمعيّة التّراث في معرض مسقط دعم لنا في عمان، فقد أثّر إيجابًا؛ بإقبال العمانيّين على اقتناء الكتاب الإباضي.
- زار جناحنا الدّكتور عبد العزيز علي الحربي أستاذ القراءات والتّفسير، بجامعة أمّ القرى، مكّة المكرّمة، ومدير مركز إحياء التّراث الإسلامي. تصفّح أحد كتب تفسير الشّيخ بيّوض بسرعة، وسألنا: هل هذا المفسّر إباضي؟ قلنا له: نعم، فاشترى أجزاء من التفسير، واستفسرناه عن سبب شرائه أجزاء من هذا التّفسير، أجاب: قرأت صفحة من تفسير سورة سبأ - وأنا وصلت مع طلبتي في جامعة أمّ القرى في التّفسير إلى سورة سبأ - فوجدت الرّجلّ متحرّرًا في تفسيره، فاشتريت هذا التّفسير. أنا مع التّفسير المتحرّر، وأمقت التّفسير المنغلق. 
- زارنا في الجناح الأستاذ بشّار جاسم العكبري (من مملكة البحرين) متخصّص في برامج ثقافيّة، اشترى بعض الكتب، وعرض علينا المشاركة في معرض البحرين للكتاب، الذي يقام كلّ سنتين، سيقام المعرض القادم – إن شاء الله تعالى – في شهر مارس 2012م، وقال لنا: سنوجّه إليكم دعوة للمشاركة، ويكون الجناح مجّانًا.
نسأل الله القبول، ونطلبه المزيد من النّجاح، ونرجوه الحفظ والأمان، ربّنا آتنا من لدنك رحمة وهيّئ لنا من أمرنا رشدًا.

الجزائر يوم الاثنين: 09 من ربيع الثّاني 1432هـ
14 من مارس 2011م
الدّكتور محمد بن قاسم ناصر بوحجام 
رئيس جمعيّة التّراث

اسم الكاتب