قال الله تعالى في محكم آياته من القرآن الحكيم:
{يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُواْ للهِ إِن كُنتُمُ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ إِنَّمَا حَرَمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ، فَمَنُ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلآَ إِثْمَ عَلَيْهِ، إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}(1).
وقال أيضًا في آية أخرى:
{قُل لآَّ أَجِدُ فِي مَآ أُوحِيَ إِليَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلآَّ أَنْ يَّكُونَ مَـيْـتَةً اَو دَمًا مَّسْفُوحًا اَوْ لَحْـمَ خِنزِيرٍ فَإِنـَّهُ رِجْسٌ اَوْ فِسْقًا اُهِلَّ لِغَـيْرِ اللهِ بِهِ فَمَنُ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ رَبـَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}(2)*.(3)
فقد أمرنا الله تعالى في هذه الآيات أن نأكل ونتمتَّع من طيبات رزقه، ونتجنب أكل الميتة والدم ولحم الخنزير... فهذا التحريم لِحِكَم يعلمها هو وقد نجهلها نحن فما علينا إلاَّ أن نمتثل لأوامره ونواهيه، فلا شكَّ أنَّ الله لا ينفعه طاعتنا كما لا تضرُّه معصيتنا، فما أمرنا إلاَّ بما فيه نفعنا، وما نهانا إلاَّ عمَّا فيه ضررنا سواء أدركنا ذلك أم لم ندرك.
فإذا خالفنا أوامره ونواهيه فلابدَّ أن نتضرَّر، فلنأخذ مثلاً الميتة والدم:

قد عمد الخبراء في أوروبا وخاصَّة في بريطانيا إلى إقحام الدم و هياكل الحيوانات والعظام في أطعمة البقر وهذا لاعتباره مادة بروتينية إضافية لترفع من إنتاج الحليب(4)، ولكنهم جهلوا أنَّ الله تعالى قد حرَّم أكل الميتة والدم.. فبدافع الجشع من هؤلاء الأوروبيين وسعيًا وراء جني الأرباح الطائلة يتخذون كلَّ الوسائل حتى المحرَّمة منها.
ولكن مع مرور الزمن تبين لهم أنَّ هذه المواد (الميتة والدم) يترتب عنها ضرر كبير وهو جنون الحيوان وخاصَّة البقر.
فلنتعرَّف بالتفصيل على هذا المرض:
مرض جنون البقر اكتشف لأوَّل مرة في بريطانيا في نوفمبر سنة 1986م وأصاب الأبقار الحلوب، وهو مرض جرثومي لا تسببه بكتيريا ولا فيروس ولا طفيلي.. ولكنه جزيءٌ أصغر من ذلك، وهو جزء من البروتين يدعى (Le prion) بحيث يعشش على سطح الأعصاب، وبالتالي يتسبب في موت بعضها(5)، وهذا يسبب ظهور بعض الأعراض العصبية لدى الحيوان المصاب، منها:
أ - تغيُّر طبع الحيوان بحيث يصبح عصبيًّا يضرب ويهاجم الإنسان والحيوانات الأخرى.
ب - صعوبة التحرُّك، والارتجاف.
ج - الحساسية المفرطة لأيِّ لمس، أو لأية حركة.
د - الحيوان يقوم بحكِّ رأسه بالحائط، لأنَّ الجرثومة تعشش في الجهاز العصبي.
عندما اكتشف العلماء هذا المرض لأوَّل مرَّة وضعوا عدَّة فرضيات عن مسبب المرض، وهي كالآتي:
1 - ظهور جرثومة جديدة تنتقل عن طريق استعمال المواد البيولوجية (لقاحات، هرمونات...)
2 - مرض وراثي جديد.
3 - ظهور جرثومة جديدة جاءت نتيجة استيراد الأبقار.
4 - انتقال المرض من الأغنام إلى البقر لأنَّ هناك مرضًا عند الأغنام يشابه هذا المرض.
5 - ظهور هذا المرض نتيجة لتناول الأبقار مسحوق من هياكل وعظام الحيوانات، ومسحوق من الدماء المجمَّعة من المذابح.
ومع مرور الزمن وتركيز البحوث أثبت العلماء صحة هذه الفرضية الأخيرة وبالتالي ألغيت الفرضيات الأخرى لأنَّهم وجدوا ما يلي:
أ - إنَّ كل الحيوانات المصابة قد تناولت هذه المساحيق ضمن أعلافها.
ب - أصيب حيوان ثدِّي في أمريكا (Le Vison)(6) بمرض مشابه لجنون البقر، وكان يتناول غذاء به مسحوق العظام والدم.
ج - حيوانان مجترَّان برِّيان في حديقة الحيوانات في بريطانيا أصيبا بنفس المرض سنتا 86 و87 نظرًا لأنَّ صاحب الحديقة كان يمزج غذاءهما بمسحوق العظام والدم.
هكذا قرَّر العلماء أخيرًا أنَّ هذه المواد (الميتة والدم) مضرَّة ويجب أن يمنع خلطهما مع أعلاف الحيوانات.
ولكن ألم ينه الله عن تناولها منذ أزيد من 14 قرنًا؟(7).
فقد قال تعالى: {يَآ أَيُّهَا النَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِي الاَرْضِ حَلاَلاً طَيِّبًا، وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطْوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ}(8).
لما غفل الإنسان عن أمر الله ونهيه، واتَّبع خطوات الشيطان أضلَّه وأغواه عن الطريق، لأن الشيطان قد اتخذ عهدًا لغواية بني آدم بحيث يقول الله تبارك وتعالى في محكم آياته عن الشيطان {لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا وَلَأُضِلَّنـَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنـَّهُمْ وَلآَمُرَنـَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ ءَاذَانَ الاَنْعَامِ وَلآَمُرَنـَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَّتَّخِذْ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِّن دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُّبِينًا يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُورًا أُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلاَ يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا}(9).
هكذا باتباعهم الشيطان أصبحت أبقارهم ”آكلة اللحوم النجسة“ بدلاً من أن تكون آكلة للأعشاب، وبذلك تحقَّق فيهم قول الله تبارك وتعالى: {وَمَنْ يَّتَّخِذْ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِّن دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُّبِينًا}.
سنبيِّن نموذجًا من الخسائر الجسيمة التي جنتها البشرية من جرَّاء هذه المخالفة:
1 - عدد الحالات المسجلة من الإصابة بمرض جنون البقر*:(10)
أ - بريطانيا:
ب - باقي دول العالم:
الدولة عدد الإصابات إلى غاية سنة 2000 الحالات المسجلة سنة 2001 الحالات المسجلة سنة 2002
بلجيكا 19 46 21
فرنسا 245 274 161
إيرلندا 603 362 361
إسبانيا 02 82 70
البرتغال 531 113 49
سويسرا 365 42 12
الدانمراك 03 06 01
ألمانيا 13 125 01
إيطاليا 02 50 60
النمسا 00 01 18
التشيك 00 02 00
هولندا 11 21 00
اليونان 00 01 12
اليابان 00 03 00
أوكرانيا 00 01 1
سلوفاكيا 00 05 00
كندا 01 00 05
عمان 02 00 00
2- القضاء على الملايين من رؤوس الأبقار، وبالتالي تضرر اقتصاد هذه الدول، ثم دفع فواتير باهضة لتعويض المربين المتضررين؛ بلجيكا مثلاً دفعت 4.8 مليون أورو بين سبتمبر 2000 ونوفمبر 2001 كتعويض للمتضررين، وفرنسا هي الأخرى دفعت 75.5 مليون أورو بين نوفمبر 2000 وديسمبر 2001(11).
3- تجهيز عدَّة مخابر بوسائل هامَّة لتقوم بتحليل لحوم الأبقار بعد ذبحها للتأكد من سلامتها من المرض، قد كلَّف الحكومات مبالغ ضخمة، فرنسا وحدها تجري 2500 تحليل في الأسبوع في 13 مخبر(12). على أنَّ فاتورة التحليل يدفعها المستهلك حيث كان يضيف المستهلك الفرنسي 1.5 فرنك لكلِّ 01 كلغ من اللحم الذي أجري له التحليل(13).
4- تخوُّف الناس من أكل لحوم البقر وبالتالي تراجعهم عن شرائه؛ في ألمانيا مثلا يوجد شخصٌ من بين كل اثنين لا يأكل لحم البقر(14). وهذا التخوف ولده التشابه بين مرض جنون البقر وبعض الأمراض التي تصيب الإنسان(15)، رغم أنَّ العلماء لحدِّ الآن لم يُثبتوا علميًّا طريقة انتقال هذا المرض من الحيوان إلى الإنسان. إضافة إلى هذا فإنَّ العديد من الدول غلقت حدودها ومنعت استيراد أي حيوان أو أي إنتاج حيواني من الدول التي أصاب المرض حيواناتها.
هذه عينة بسيطة من الخسائر المادية التي جناها الغربيون وبصفة أخص بريطانيا التي ظهر فيها المرض.
قال تعالى: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتَ اَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}(16)*.(17)
حقًّا هذا كلُّه بما كسبته أيديهم فليعتبروا، وليعتبر كلُّ مسلم من هذه الظاهرة.
المراجع:
1- القرآن الكريم.
2- مختصر تفسير ابن كثير.
3- تفسير القرطبي.
4- تفسير الشيخ بيوض (في رحاب القرآن).
5- جريدة: (Magwet) جريدة جزائرية شهرية ع: 20. أكتوبر/نوفمبر 1996.
6- (Le Point Veterinaire) مجلة فرنسية:
- Vol 31 N° 207 Mai 2000
- Vol 28 N° 179 Mai 2000
7- (Semaine Veterinaire) مجلة فرنسية:
- N° 1016 Mai 2001
- N° 1002 27 Janvier 2001
- N° 1001 20 Janvier 2001
- N° 1000 13 Janvier 2001
8- عناوين من الأنترنات:
www.oie.int
www.inra.fr
www.afssa.fr
www.mhr-viandes.com
www.centre-info-viandes.asso.fr
9- البقرة المجنونة، كتاب صدر عن وزارة الفلاحة الجزائرية.
10- (L’espace veterinaire) جريدة مغربية: - N° 27 Novembre/decembre 2000
11- L’alimentation de la vache.
12- (l’eleveur laitier) مجلة فرنسية: - N° 90 Mars 2002
13- الموسوعة الطبية الفقهية (موسوعة جامعة للأحكام الفقهية في الصحة والمرض والممارسات الطبية). تأليف د/ أحمد محمد كنعان. دار النفائس. بيروت.

----------------------
الهوامش
1 ـ البقرة ، الآيتان 172، 173.
2 ـ الأنعام، الآية 145.
* ـ يقول المفسرون بأن هذه الآية عامة دخلها التخصيص بقوله عليه السلام: «أُحلَّت لنا ميتتان: الحوت والجراد، ودمان: الكبد والطحال». وكذلك حديث جابر في العنبر مع قوله تعالى: ?أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ? (المائدة، الآية 96). يقول جابر (: «غزونا جيش الخبط وأميرنا أبو عبيدة فجُعنا جوعًا شديدًا، فألقى البحر حوتًا ميتًا لم ير مثله يقال له العنبر، فأكلنا منه نصف شهر...».
4 ـ وجد الباحثون أنَّ الأبقار ذات الإنتاج العالي يجب أن تتناول مواد بروتينية لا تتحلَّل بسهولة في المعدة (Le rumen) حتى تصل إلى الأمعاء وتستغلها الجراثيم الموجودة هناك لتقوم لإنتاج مواد بروتينية هامة للحليب، وترفع إنتاج الحليب. ومن أمثلة هذه المواد التي لا تتحلَّل في المعدة:
  - مسحوق العظام والدم: Les farines animales
  - مخلفات مصانع الخمر.
  - الفصَّة المجفَّفة.
لهذا السبب فإنَّ الدول الأوروبية تستعمل هذه المواد؛ فرنسا مثلاً تستهلك سنويًّا 400.000 طن من مسحوق الدم والعظام التي تمزجها بأعلاف الأبقار.
5 ـ عند مشاهدة قطعة من الجهاز العصبي للحيوان المصاب بالمجهر الإلكتروني نشاهد بقعًا إسفنجية وهي علامات لتعشش هذا البروتين (Le prion) وبالتالي علامات خاصة لاكتشاف هذا المرض.
6 ـ Le Vison: حيوان ثدي يشبه السنجاب في شكله، يربَّى في أمريكا وأوروبا من أجل فروه بحيث يستعمل في صناعة المعاطف.
7 ـ نشير هنا إلى أنَّ الله عز وجلَّ حرَّم على الإنسان أكل الميتة والدم وبالتالي يمنع أن تُطعم الحيوانات بها، وهناك نصوص تنهي عن تناول وأكل ما ينتجه أو يتولَّد من الحيوان الذي أكل محرَّمًا، ويسمَّى بالحيوان الجلال أو الجلالة.
وقد جاء في الموسوعة الطبية الفقهية ص 891 في موضوع النجاسة ما يلي:
«نجاسة الجلالة: الجلالة هي الدابة التي تتبع النجاسة وتأكل الجلَّة (البعرة والعذرة) أو هي الدابة التي تُعلف بالنجس وقد ذهب الجمهور إلى أن أكل لحم الجلالة وشرب لبنها وأكل بيضها مكروه إذا ظهر تغيُّر لحمها بالرائحة النتن في عرقها، واتفقوا على أنَّ الكراهة تزول بالحبس على العلف الطاهر على خلافٍ بين الفقهاء في مدَّة حبسها بحسب نوعها».
8 ـ البقرة، الآية 168.
9 ـ النساء، الآية 118 - 121.
* ـ هذه الإحصائيات حسب الديوان العالمي للأمراض (O.I.E) (L’office International Des Epizooties).
نلاحظ أنَّ العدد الكبير سجِّل ببريطانيا نظرًا لأنها كانت هي المنتجة للأعلاف الممزوجة بالدماء والعظام، وأغلب الدول التي ظهر بها المرض كانت تستورد الأعلاف من بريطانيا، أو كانت قد استوردت أبقارًا مصابة بالمرض.
11 ـ هذه الإحصائيات وردت بالعنوان التالي بالأنترنت: www.mhr-viandes.com
 وبالدينار الجزائري تكون بلجيكا قد دفعت ما يقارب 4012800دج، وفرنسا ما يقارب: 63118000دج.
12 ـ (Semaine Veterinaire) مجلة فرنسية: ع: 999. 30 ديسمبر 2000م
13 ـ (Semaine Veterinaire) مجلة فرنسية: ع: 1002. 27 جانفي 2001م
14 ـ (Semaine Veterinaire) مجلة فرنسية: ع: 1001. 20 جانفي 2001م
15 ـ مرض: Kurou، ومرض: Creus feldt Jakob: هذان المرضان وخاصة الأخير يتميَّز بأعراض عصبية يؤدي إلى موت الإنسان.
16 ـ سورة الروم، الآية 41.
* ـ جاء في صفحة 276 من تفسير الشيخ بيوض (في رحاب القرآن) تفسير سورة النور: «ليس هنالك سبب لظهور الفساد في البر والبحر إلاَّ عمل الناس، وما كسبته أيديهم من جرائم وكفر وطغيان وتنكبهم عن الصراط المستقيم وعبادتهم للأهواء والشهوات، ويعلله بقوله: ”ليذيقهم بعض ما عملوا“...»
 ويواصل في صفحة 282: «بما كسبت أيدي الناس لأنَّهم عصوا ولم يتَّبعوا طريق الله وعبدوا أهواءهم واتَّبعوا شهواتهم وطغوا بمالهم وتعدَّوا على الفقير والضعيف والمسكين، من ملك منهم مائة يود أن يملك ألفًا، ومن ملك ألفًا يودُّ أن يبتلع الدنيا بأسرها فيبيت يتألَّم من البطنة بينما يتضوَّر جاره جوعًا...».

أ/ إبراهيم بن محمد حمدي عيسى

نشر المقال بدورية الحياة، العدد: 07، 1424هـ/2003م، ص195.

اسم الكاتب