هذا الخطاب توجّه به فضيلة الشيخ إبراهيم بن عمر بيوض رحمه الله إلى الحاضرين –أعيانا وطلبة وعامة- في الحفل الذي أُقيم لجمعية الحياة بالقرارة؛ بمناسبة تأسيسها وتكريما لجهود أعضائها، وذلك ليلة الأربعاء 28 شعبان 1356هـ/ 1937م، وهذا الخطاب ارتجله الشيخ ارتجالا، وقام أحد طلبته بتحريره واختصاره، ونُشر بجريدة الأمة للشيخ أبي اليقظان –رحمه الله- السنة الثالثة، ع 146، بتاريخ 26 رمضان 1356هـ / 30 نوفمبر 1937م.

قال الشيخ بيوض رحمه الله، بعد حمد الله والثناء عليه: ...

إن مجال القول فسيح ومناحيه متعددة، وكل ناحية منه تتطلب وقوفا طويلا؛ ولم يبق لي متسع من الوقت لإشباع القول وإطالته فأقتصر على ثلاث كلمات موجزة : كلمة لأبنائي التلامذة؛ وأخرى للضيوف الكرام؛ والثالثة للعامة المحتشدة.

فأقول للتلامذة: لقد قمتم بواجبكم قياما بيضتم به وجوهنا ؛ قياما تستحقون عليه الشكر والثناء، فلقد كنتم موفقين في أدواركم كلها سواء في خطبكم أو في قصائدكم أو في أدوار التمثيل على هنّات تؤخذ عليكم في بعض المواقف؛ وليس مما يؤبه له؛ ولكن لما كنا نتطلب الكمال دائما ولا نرضى في أعمال بأي نقص فقد تحتم علينا تلافيها، وإنني سأوقفكم عليها بعد، وذلك حق من حقوقكم علي فالتمسوه في وقت آخر.
أبنائي الأعزاء: لقد شدتم بهذه الجمعية، وعلقتم عليها آمالا كبارا؛ وإنني نيابة عن أعضائها الإداريين أعدكم وعدا صادقا بتحقيق هذه الآمال فإن حياتنا وقف على " الحياة "، وها نحن أولاء نعاهد الله أمامكم وأمام الناس أجمعين بأننا لا نألوا جهدا في تحقيق أغراض الجمعية ، فليس فينا من يبخل بماله أو يضن بجاهه أو يتقاعس عن خدمة هذا المشروع الخطير بكل ما أوتي من قوة .
لقد ارتكزت أصول الجمعية؛ وبسقت فروعها وهي وليدة ، وسترون في القريب كيف تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، وستكون " الحياة " منبع الحياة وسببا لكل خير، وستكون عند ظنكم  بها وعلى ما رجوتم لها؛ والله من ورائنا محيط وعلى عهودنا أمين .

وكلمتي للضيوف الكرام : إنني باسم جمعية الحياة وكل من حضر هذا الاجتماع أحيي فيكم هذه الحيوية ؛ فقدومكم للمشاركة في احتفال الحياة دليل الحياة؛ إن من ترك أعماله وضحى بأوقاته وتجشم مشاق السفر لا لغرض شخصي بل لمجرد المشاركة في مشروع حي ما هو إلا حي ؛ ولكن للحياة درجات؛ أخذ الله بأيديكم وأمدكم بروح منه حتى تتبوءوا أعلاها؛ فشكرا لكم على هذه العاطفة الشريفة، وهناء على هذا الشعور الحي وحياكم الله وبياكم.

وأقول للعامة : أعيذكم بالله أن يكون نظركم مقصورا على هذه المظاهر الخارجية ولا يتعداها إلى استبطان دخائلها؛ واستكناه أسرارها والتماس مواطن العبرة فيها؛ وأربأ بكم عن الطرب لهذه المشاهد ، والتصفيق لهذه المناظر من غير أن يكون قصدكم من ذلك تنشيط العاملين، وغايتكم إقامة الدليل على ما تجيش به نفوسكم من شعور وطموح.
لقد رأيتم مواقف ما عهدتموها ورأيتم مناظر ما شهدتموها وسمعتم من البيان الساحر ما لم تعرفه أسماعكم من قبل، فأظهرتم تأثرا كبيرا مما رأيتموه ومما سمعتموه، فلا شك أن ذلك سوف يترك في نفوسكم أثرا لا يمحى أبد الدهر، ولا نظن أن من يتأثر بهذه المظاهر يتناساها أو لا يبدو لها أثر في حياته في المستقبل.
لا شك أنكم قد أحطتم علما بأدوار الرواية، وفهمتم مراميها البعيدة ومغازيها السامية، وأدركتم عن يقين أثر التمثيل النزيه في تهذيب النفوس؛ وتنوير العقول وتربية الأخلاق، فلتبلغ من نفوسكم المبلغ المطلوب، ولتنل منها الغرض المقصود، ولا شك أنه قد أثرت فيكم براعة الممثلين وإبداعهم في تمثيل أدوارهم، مما يدل على فطرة نقية وجوهر صاف وروح طمّاحة ومواهب مكظومة؛ لو وجدت مجالا فسيحا  لرأيتم منها العجاب.
إن في أبنائكم نفوسا متطلعة إلى العمل مشرئبة إلى المعالي، وفيهم ذكاء كامل واستعداد للنبوغ، فأفسحوا المجال لهذه العقول النيرة وساعدوهم على الانقطاع إلى مهنتهم والاضطلاع بمهمتهم، فإنهم بهذا الاحتفال قد أقاموا الدليل على استعدادهم للكمال والنبوغ، فالذنب ذنبكم إن أهملتموهم بعد اليوم ولم تنشطوهم أو وأدتموهم وقتلتموهم .
ليست لي خبرة كافية بفن التمثيل فأعلمهم شيئا منه وألقنهم إياه، وليس لي أدنى مشاركة ولا سابق علم بما قاموا به مما قد شهدتموه؛ فيُظن أني هاديهم إليه وإنما ذكاؤهم الفطري هو الذي هداهم إلى ما رأيتم من إبداع في تصوير المناظر  الخاصة لكل فصل ومن براعة في القيام بأدوارهم، مما يدل على أذواق سليمة وعقول نيرة، أفتلقون على أمثال هذه الأذواق والعقول غبار الإهمال؟ أو تئدون أمثال هذه القلوب الحساسة والنفوس الطماحة؟ إذا كان العرب يئدون بناتهم خوف العار وعد ذلك منهم ذنبا عظيما فلعل وأدنا لأبنائنا أعظم جرما وأكثر إثما وأوخم عاقبة، هم يئدون بناتهم خوف الفقر والعار ولا يترتب على هذه الجريمة الخاصة إلا موت نفس واحدة قد تعوض بنفس أخرى، ولا تتوقف عليها حياة احد في الحال، أما نحن فنئد النبوغ والطموح والشعور، نئد نفوسا قد تتوقف على واحدة منها حياة أمة بأسرها فيترتب على هذه الجريمة العامة موت شعب كامل، فما مبلغ ضرر ينحصر في نفس واحدة إزاء قتل أمة كاملة؟.
إن من يرى في ابنه -وكل أبناء أمته أبناؤه- مثل هذه النفوس الطماحة، ثم لا تسخو نفسه ببذل ما عز لديه في إبلاغها إلى ما تصبو إليه من سمو وكمال، لا يستحق حياة مع الأحياء، وإن قلوبا لا ترق لهذه المناظر ولا تهتز لهذه المشاهد ولا تبعثها هذه الرقة وهذا الاهتزاز إلى التضحية والبذل لهي قلوب ميتة، تستحق -كما قال الأستاذ المدني- أن تُستل ثم تُلقى طعمة للكلاب، فلا عاش إنسان يحمل بين جنبيه قلبا ميتا.
انقضت أعمار أناس  ماتت قلوبهم فأنفقوا حياتهم فيما لا يجديهم نفعا، وشغلوها بالأكل والشرب وجمع الأموال ثم صرفها فيما قصروا أنفسهم عليه من شهوات بهيمية، أو خزنها إلى أن يستحوذ عليها الوارث فماتوا مفلسين مالا ودينا، فهل نفعتهم حياة أجسامهم مع موت قلوبهم شيئا ؟ ما لكم تشحون بدريهمات تنفقونها في سبيل الله وتبخلون بأوقات تصرفونها في سبيل الإصلاح، وتضنون بجهود تبذلونها في رفع مستواكم.
إن حياة الجبن والتواكل والشح والانزواء وقصر الهمة على الأكل والشرب لا يحياها إنسان عاقل أبي النفس، فهي بحياة الحيوان أشبه منها بحياة الإنسان، كاد يصدق علينا قوله تعالى ( ذرهم ياكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون ) وقوله ( إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا ).
نزلت الصواعق وصخّت الصّاخة واضطرب العالم وهبّت الأمم الحية تنشد حقها في الحياة، إلا نحن بقينا أشبه شيء بالجماد، على أن الجماد قد تحرك ونطق فهل من مدّكر ؟
   لقد انحططنا إلى أدنى الدركات، فيجب أن نرتفع إلى أعلا الدرجات، يجب أن ننشد حقنا في الحياة كما نشدته أمم قبلنا فأدركته، وما ضاع حق وراءه طالب.
ما اتخذنا اسم " الحياة " لجمعيتنا هذه إلا تفاؤلا بالحياة، وستحيينا بعون الله وتوفيقه إذا لبينا دعوتها والتففنا حولها، فاستجيبوا إذا دُعيتم لما يحييكم .
أيها الإخوان قد سردنا في الاجتماع الماضي من القانون الأساس للجمعية ما يتعلق بأغراضها وشرحناه شرحا وافيا أبان عن سمو غايتها، فنأسف أن لا يتسع الوقت اليوم -وقد انتصف الليل- لإعادته على من لم يحضره فعفوا ومعذرة ، بيد أن هنالك كلمة يجب الوقوف عليها هنيهة في هذا المجمع الحاشد لخطرها : إن بالقانون مادة تنص على أن للمجلس الإداري أن يعزل من الجمعية ويمنع من الانخراط فيها كل ساع في إيقاد نيران العصبية أو داع إلى الطائفية أو العنصرية، فلنحذر من ذلك فإن الجمعية للأمة بأسرها لا لطائفة دون أخرى، ولا لعشيرة دون أخرى، فالجمعية تتبرأ من العنصرية والطائفية، فإن من مبادئها محاربة هذه النزعات الخبيثة، فكل من تلفظ بنزعة منها أو دعا إليها كان عدوها الألد؛ إن كان عضوا فيها رفضته، وإن طلب الانخراط فيها دفعته، فإن من أدواء ميزاب الفتاكة، وعوامل خرابه: العنصرية الملعونة وهذه الطائفية الخبيثة البغيضة.
على أننا لا نكاد نجد في بلدنا _ والحمد لله _ أثرا لهذه النزعات فلا ميزة عندنا بين شخص وآخر إلا بالصلاح أو الفساد، فلا نعرف إلا صالحا أو مفسدا، وذلك بفضل جهود المصلحين منذ سنين طوال، بيد أن الحذر مطلوب وحراسة الثغر واجبة، إننا نتمنى أن لا يوجد بيننا مفسد وأن لا نصف فردا بفساد فضلا عن جماعة، ولكن التاريخ والواقع شاهدان بأنه لا يخلو مكان أو زمان من مفسدين، سنة الله ولن تجد لسنة الله تبديلا ، ولعل وجودهم  ضروري للإصلاح بأنهم يحركون الهمم الراكدة ويبعثون النشاط في النفوس الفاترة، كأن الله لم يخلقهم إلا لإيقاد نار العزيمة، فكلما أرادت أن تخبو أوقدوها، فحركتنا وتقدمنا يرجع كثير من الفضل فيه إليهم.
إن أقرب الناس إلينا وأعزهم عندنا وأولاهم بخالص الود منا من ناصرنا على فكرة الإصلاح وسلك طريق الدين القويم، وأعدى عدو لنا وأبعدهم منا من قاوم الفكرة وسلك سبيل الغي والضلال.
وأعتقد أن المنضوين تحت راية هذه الجمعية كلهم على هذا الرأي، وكلهم متشبعون بهذا المبدأ القويم، سدد الله خطانا وهدانا سبيل الرشاد وهو حسبنا ونعم الوكيل.

اسم الكاتب