خطبة عيد الفطر المبارك
يوم الثلاثاء فاتح شوال 1427هـ
الموافق ل 24 أكتوبر 2006م
للأستاذ: يوسف بن سليمان كرشوش
معهد الحياة - القرارة
الله أكبرُ، الله أكبرُ، الله أكبرُ، الله أكبرُ، الله أكبرُ، الله أكبرُ، الله أكبرُ، الله أكبرُ كبيرًا، والحمدُ لله كثيرًا، وسُبحانَ الله بُكرَةً وأصيلاً.
الحمدُ لله الذي بنعمته تتِمُّ الصالحات، وبفضله وآلائه تَتَنزَّلُ الرَّحمَات، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أحمدُه سبحانه وتعالى، شرَع لنا الأعياد وأفاضَ السرور، ونوَّر قلوبنا بنور التقوى والحبور، لنشعُر بالبهجة والإكرام، ونَشكُرَه على إتمام فريضة الصيام، {وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} (سورة البقرة: 185). وأشهد أنَّ سيدَنا مُحمدًا عبده ورسُولُه، صلَّى الله عليه وعلى آله الأطهار، وأصحابه الأخيار، وسلَّم تسليمًا كثيرًا ما تعاقب الليلُ والنَّهار، أمَّا بعد؛
أيُّها الإخوة المؤمنون، اتقوا الله حقَّ التقوى، واشكروه جلَّ وعلا على ما حباكم به من الفضائل والنعمى، وبلوغ هذا اليوم الذي ميزه وشرَّفه، وجعله عيدًا سعيدا لأهل طاعته، يفيض عليهم فيه سبحانه وتعالى من جوده وكرمه، وبرِّه وإنعامه، فاشكروه على عدَّة الصيام، واذكروه وكبِّروه على ما منَّ به عليكم من نعمة الإسلام، واعبدوه حقَّ عبادته، وأخلصوا له الدين وحده، {يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ} [سورة آل عمران: 102]، تمسكوا بكتاب ربكم، واتبعوا هدي نبيكم (فذلك سبيل سعادتكم في دنياكم، وفلاحكم في أخراكم، يقول الرسول («أيها الناس، إني قد تركتُ فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا: كتاب الله وسنَّتي».
أيها الإخوة المؤمنون، ها قد انتهت الأيام المعدودات وهل هلال العيد، فخرجنا إلى مصلانا متحللين من قيود رمضان، تحلُّل الحاج من إحرامه، فهنيئًا لنا أننا أتممنا شهرنا صيامًا وقيامًا، وامتدَّ بنا العمر لنشهده مع أهالينا في صحة وعافية وهناء، وننال جزاءنا الموعودَ رحماتٍ ومغفرة، ونعمة أعظم وأجل أننا أصبحنا بمشيئة الله وفضله من عتقاء النار، فلقد ثبت في السنة أنَّ لله في كل ليلة عتقاء من النار، وأنَّ له يوم العيد من العتقاء قدر ما أعتقه في كامل رمضان. ويروى عن النبيء صلَّى الله عليه وسلَّم أنه قال: «إذا اصطف الناس في مصلاهم باهى الجليل جلَّ جلاله ملائكته فيقول: يا ملائكتي، انظروا إلى عبادي كيف صاموا وقاموا ابتغاء مرضاتي، ثم خرجوا إلي يرجون رحمتي، أشهدكم يا ملائكتي أني قد غفرت لهم»، فهنيئا لكم أيها المكرَّمون في هذا اليوم السعيد، صمتم شهركم كاملا غير منقوص، وغنمتم فيه ما غنمتم من ذكر تطمئن به القلوب، وعلم تصلحون به أمور دينكم ودنياكم، وأعمال خيرية حزتم بها رضى ربكم، فاحمدوه حق حمده، واشكروه أولاً وقبل أي أحد، واسألوه القبول والمزيد، وبعد ذلك ادعوا بالبركة في العمر والعلم لكل مشايخنا وأئمتنا وخطباء الجمعة الذين أحيوا لنا ليالي رمضان بما آتاهم الله من علم وحكمة؛ أذانًا وإمامة وتدريسا وفتوى، يركزون العقيدة وينشرون الفضيلة ويعالجون أمراض القلوب، بحلول مستقاة من تعاليم ديننا الحنيف؛
وكُلُّهُم مِن رَسُولِ اللهِ مُلْتَمِسٌ  غَرْفًا منَ البَحْرِ أو رَشْفًا مِنَ الدِّيَمِ
جزاهم الله عنا أوفر الجزاء ورفع درجاتهم في الجنة، وإنه لمما يثلج الصدر وتقرُّ به العين - أيها الإخوة المؤمنون - ويستحق كلَّ التشجيع، هذه القفزة النوعية في إمامة التراويح، والتي بادر بها مجموعة من معلمينا وطلبتنا الأعزاء، دفعهم إلى ذلك حبهم وغيرتهم على كتاب ربهم، فتوزعوا على المساجد، يرتلون القرآن ترتيلا، يشدون إليهم أسماع المصلين وقلوبهم، بما أوتوا من حافظة جيدة، وقراءة طيبة، وإن تفاوت البعض على البعض في الاثنتين، وهذا لا ينقص من أهمية المبادرة شيئًا، فهي لا تزال في بدايتها، وأصعب الأمور - كما تعلمون - مباديها.
والصورة الرائعة والمؤثرة التي قد لا يدرك بعضكم قيمتها، ذلكم الوقوف لمشايخنا الأجلاء - ومنهم من تجاوز الثمانين من عمره - مأمومين خلف أحفادهم الروحيين بين العاشرة والعشرين من أعمارهم، يتبعونهم في حركاتهم، ويؤمنون على دعائهم، إنه حقًّا مثالٌ للأبوة الرحيمة المتواضعة، والبنوة البرة الوفية الطموحة؛ وبورك في الشباب الطامحينا؛ أئمة شباب في العمر والتجربة، وشيوخ شباب في قلوبهم وأفكارهم! ثبَّت الله حفظهم، وزادهم علما، وجعلهم خير خدم لدينه وكتابه، وترحَّمَ وبارك على والديهم ومعلميهم الذين بلَّغوهم ذلكم المرتقى الكريم؛ فلك الحمد ربنا حتى ترضى ولك الحمد إذا رضيت، ولك الحمد بعد الرضا.
الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر كبيرًا، والحمد لله كثيرًا، وسُبحَانَ اللهِ بُكرَةً وأصيلاً.
أيها الإخوة المؤمنون؛
لقد تخرَّجتم في مدرسة رمضان برصيد هائل من الطهر والنقاء، كما يخرج المستحم من الحمَّام، لقد استلطفتم مجالسة الأخيار، واطمأنت قلوبكم بالأذكار، وأزيل ما تراكم على ظهوركم من الأوزار، ذلكم هو مكسبكم الثمين من الراحل رمضان، فما هو واجبكم بعده يا إخوة الإيمان؟ إنَّ واجبكم هو شكر المولى على هبة العفو والغفران، بالاستمرار على ما تعودتم عليه من طاعة واستقامة وانقطاع عن مواطن الرذيلة ومسببات الخزي والندامة، الحذرَ الحذرَ من النظر الحرام، والفروج الحرام والأموال الحرام؛ فإنها مفرقات الأسر والمجتمعات، ودركات الإفلاس للأنظمة والشركات، اجتنبوا كبائر الذنوب كالشرك بالله، وعقوق الوالدين، والدماء الحرام، وشهادة الزور، وترك الصلاة والزكاة، وتضييع حقوق الأزواج والأقارب والجوار، يقول الله تعالى: {اِن تَجْتَنِبُوا كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مَّدْخَلاً كَرِيمًا} [النساء: 31]، ويقول: {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى} [النازعات: 40-41].
أبناء هذا الوطن العزيز، وهذه البلدة الطيبة خصوصا، إنَّ الإسلام هو حبل الله المتين، وإنَّ التفاخر بالأنساب والأجناس والألوان والأفكار سلوك باطل مردود، لأن الخلق كلهم من آدم وآدم من تراب، فاتقوا الظلم بقلوبكم وألسنتكم وأيديكم وأجهزتكم السمعية البصرية، ووسائل نقلكم، وامتثلوا لدعوة ربكم الخالدة {إِنَّمَا الْمُومِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [سورة الحجرات:10]، وإلى حديث نبيكم: «كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه»، وقد سئل (عن العصبية فقال: «أن تعين قومك على الظلم» فاتقوا فتنتها، إنها نار، دعوها تأكل بعضها ولا توقدوها فتأكلنا، وإنها نائمة، اترُكوها تغطُّ في نومها العميق، ولا توقظوها فتُهلكنا، طهِّروا منها قلوبكم وأحياءكم وشوارعكم ومؤسساتكم وملاعبكم، إنها قذرة منتنة، واغرسوا بدلها بذور المحبَّة والتآخي والسلام، فلا خير ولا تقدُّم ولا ازدهار يرجى لنا وللأجيال إن انعدم صفاء القلوب واتحادُها، وغاب صدق الكلمة واجتماعها، وهُدِّد أمن البلدة وعافيتها.
إخوتي الأعزاء، اسمحوا لي أن أذكركم - لا للتباهي والافتخار، ولكن للوفاء والتأسي والاعتبار، وربي وربكم الله تعالى يقول: {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي الاَلْبَابِ} [سورة يوسف:111] - أذكركم بأنكم أحفاد جدود عباقرة أطهار أمجاد، وإن جذوركم لراسخةٌ في معين الدين والخلق الكريم، وإن بلدتكم قلعة من قلاع العلم والقرآن، وما أشرفها من صفة وما أعظمها من مسؤولية، فكونوا في مستوى هذه الميزة النبيلة تفلحوا، ولا تخونوا الله والرسول وتخونوا الأمانات التي تركها لكم أسلافكم الطيبون عليهم رحمة الله أجمعين، لقد ورَّثوكم نظامًا دينيا واجتماعيا بديعا، ومؤسسات عرفية وأوقافا متميزة داخليا ووطنيا ومن خارج الوطن تستفيدون من خدماتها وقتا ومالا وأمنا ما لا يقدَّر بثمن، عُضُّوا عليها بالنواجذ تضمنوا استمرارها لأولادكم وللأجيال من بعدهم، كفوا ألسنتكم وأقلامكم عما قد تلاحظون من هفوات، فالكمال لله وحده تعالى، وكل ابن آدم خطَّاء، وخيركم الذي يتخذ الحوار النزيه ومرونة التحرك والكلمة الطيبة والإقناع والاقتناع أسلوبا للإصلاح الناجح.
الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر كبيرًا، والحمدُ لله كَثيرًا، وسُبحَانَ الله بُكرَةً وَأَصيلاً.
أمَّا أنتم يا إطاراتنا وموظفينا المخلصين في مختلف الخدمات والمهن العمومية والخاصة، فشكرا لكم على جهودكم من أجل تخفيف متاعب الحياة اليومية على مواطنيكم، فأحسنوا استقبالهم، واصبروا على ما قد يصدر منهم من تجاوزات، والله يُوَفِّي الصابرين أجرهم بغير حساب.
إن دوركم أساسي وحسَّاس، أنتم يا مسؤولي الجمعيات الثقافية والرياضية والأحياء في حماية أبنائنا من السقوط في مستنقعات الانحراف والرذيلة بما تملأون به فراغهم من برامج مفيدة ومتنوعة، فاتقوا الله فيهم وتجنبوا إشغالهم في أوقات الصلاة خاصة الجمعة، وخلال فترات الامتحانات، أعانكم الله وأخذ بأيديكم وجعلكم صالحين مصلحين.
تجارنا وعمالنا الأعزاء، واسمحوا لي أن أخص المغتربين، فأقول: إن مدينتكم لتتشوَّق إليكم الشوق الكبير، وتفرح بكم الفرح الشديد، عند عودتكم إليها في كل حين، وخاصة في المناسبات السعيدة كيومنا هذا، وإننا لندعو الله أن يحرسكم بعينه التي لا تنام كلما قَدِمتُم إلينا أو عُدتم إلى مقرات أعمالكم، ويرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصا وتروح بطانا، ويبارك لكم في صحتكم وأهليكم وأموالكم فتحروا الكسب الحلال، وكونوا صورًا طبق الأصل لأجدادكم الطيبين الذين ضربوا أروع الأمثلة في الاستقامة والأمانة والعمل الجاد، أدهشوا الصديق والغريب وجعلتهم محل ثقة الجميع، جعلكم الله سحائب رحمة تسقي البعيد والقريب، وأنهارًا غزيرة عذبة تروي ظمأ المؤسسات والمشاريع العلمية والخيرية، وأخلف لكم ما تنفقون أضعافًا مضاعفة عاجلة شاملة من خزائنه التي لا تنفد، إنه سميع واسع الجود والعطاء.
وأنتم يا أولياء التلاميذ، أستثني القليل منكم، ما زلتم مقصرين كثيرًا في متابعة مسار أبنائكم التربوي والأخلاقي، ألزموهم الجلوس إلى طاولة المذاكرة وإنجاز الأعمال المنزلية في كل يوم، بالتحفيز والترغيب، وإن لزم الأمر فبشيء من الصرامة والتشديد، زوروا مؤسساتهم بصفة دورية، واطلعوا على أحوالهم من مصادرها، لبوا نداء إداراتها وجمعيات أوليائها، مالكم لا تتحركون إلاَّ بعد فوات الأوان!، راقبوا سمتهم وسلوكهم، فلقد بدأ بعضهم يتنكر للباسه الأصيل، ويستبدل به آخر غريبًا عنه، ذا صور ورموز وألوان أقل ما يقال عنها: إنها إشهار مجاني لمنتجيها، وقد يكونون أعداءً لدينه ووطنه، أما البعض الآخر فقد زحزح طاقيته البيضاء الجميلة قليلا إلى الخلف ليُبرز ناصيته المدهونة الممشوطة تباهيا، وزملاء لهم ذهبوا إلى أبعد من ذلك فتركوها في منازلهم وبالغوا في المشط والدهن، وآخرون مضَّاغون للعلك، وآخرون حمَّالون للهاتف النقال... «ما هكذا تورد الإبل يا سعد»، أليس من الأصلح لكم أبناءنا الأعزاء أن تصرفوا هذا الاهتمام المبالغ فيه بمظاهركم إلى الانشغال بما هو أسمى وأنفس؟ تدهنون أدمغتكم بمختلف المواد الدراسية التي تتلقونها فتمضغها عقولكم لتستخرج منها العصارة التي ستوصلكم إلى النجاح، وتقطعون كلَّ الخطوط الخارجية لتبقوا في اتصال مستمر ومجَّاني مع مصادر المعرفة أمامكم من أساتذة وكتب ودفاتر وسبورة؟ أم أنكم قد غرقتم إلى الآذان في أوحال التقليد التي تشاهدونها في وسائل الإعلام المرئية خصوصًا؟... إنَّ المسؤولية لكبيرة أيها الأولياء، فكلكم راعٍ، وكل راعٍ مسؤول عن رعيته.
جعلني الله وإياكم من {الذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمُ أُوْلُوا الاَلْبَابِ} [الزمر:18]، وحسبي وحسبكم من هذه الوقفات، ومعذرة إن نغصت عليكم فرحة العيد، وإلاَّ ففي القلب المزيد... تقبل الله منكم الصيام والقيام، وأعاد عليكم رمضان وأمثال أمثاله، ومتَّعكم بفرحتكم الأولى في هذا العيد السعيد، والعقبى للفرحة الثانية في جنَّات الخلود، ورحم الله موتانا الذين رحلوا عنَّا من قريب أو بعيد، وشفى مرضانا، وهدى ضالَّنا، ووفق شبابنا، وبارك لنا في علمائنا وشيوخنا، وحفظ مشاريعنا، وعزَّز أمننا، وأيد بالحقِّ ولاة أمورنا، وأصلح ذات بيننا، ونصر ديننا، وخذل عدوَّنا، وأعتق رقابنا من النار، وأدخلنا الجنة مع الأبرار، إنه عزيز غفَّار. آمين وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
   نشرت الخطبة في دورية الحياة، العدد: 11، 1428هـ/2007م، ص 263-269.

اسم الكاتب