عـدُّونُنا فوق السِّـماكِ الأعزل
الشاعر الأستاذ: عيسى بن سليمان قـرقـر
من قدماء بعثة تونس الخضراء

إنَّ المثقف الضليع، ولا سيما الحصيف، شاعرًا أو ناثرًا، مهما حاول التعبير عن مزايا الشيخ عدُّون بن بالحاج شريفي(رحمه الله)، وعن فضائله، ومكرماته، فإنه لا يفيها حقها من البيان ولو بمعشارها، ناهيك بها كلّها، وها أنا قد حاولت بعض ذلك ولكن وجدتُني في خضمٍّ لا تطاق السباحة فيه، فاكتفيت بهذه الباقة الشعرية، مُهداة إليه، وإلى أهله، وإلى رعيله الأحمدي، وهي من شعوري الخالص المخلص فيه، عساها تُرضيه بعض الرضا، فإن فعلتُ فحبَّذا، وإلاَّ فهي من غَزْلِ متقدِّمٍ في السن... فمعذرة فمِغزلُه في تهاوٍ وتَردٍّ، وتلك سنَّة الله في عباده، والعذر عند كرام الناس مقبول.

*************

زَمنُ العجائِبٍ قَد أتَى لاَ تَذهَلِ .:.:. فإِذا ذَهلتَ فأنتَ غيرُ مُؤَهَّلِ

لاَ تَذهَلنَّ لِهاتِفٍ مُتَنَقِّلٍ .:.:. فَسِوَاهُ أذهَلُ للنُّهى لَم يُنقَلِ

يُدنِي البعيدَ إلى القَريبِ بِسُرعةٍ .:.:. وَيُريكَ منهُ مَا تَشاءُ بَأسهَلِ

فبِهِ البَريَّةُ في اتِّصالٍ عَاجلٍ .:.:. وَكأَنَّها في قَريَةٍ لاَ الـمَوصِلِ

عَجَبًا لَها ولِمَا لَديهَا مِن ذَكَا .:.:. سُبحان مَن يَهدِي بِها لِلأعْجَلِ

فَزَمَانُنَا زَمَنُ العَجائِبِ كُلِّهَا .:.:. فَالشَّيخُ مِنهَا في المقامِ الأَوَّلِ

لاَ تَذهلَّ لِبَاقَةٍ حَمَلَت لكُم .:.:. شَهْمًا رَفيعًا في السِّمَاكِ الأَعْزَلِ

فَلقَد حَوَتْهُ وَقلبُها مُتَلَهِّفٌ .:.:. لِلِقائِهِ لُقْيَى الخَميسِ الجَحْفَلِ

فالقَلْبُ إِن ضَمَّ الحَبِيبَ جَلاَلَةً .:.:. وَجَدَ الحَبِيبُ لَدْيهِ أَطْيَبَ مَنزِلِ

فَالشَّيخُ تَعشَقُهُ الضَّمَائِرُ كُلُّها .:.:. وَكَأنَّهُ مَلَكٌ أَتَاهَا مِنْ عَــلِ!

فَغَرامُهَا يَزدَادُ فِيه تَلَهُّفًا .:.:. فَلَهَا بِهِ مَا لِلنَّبِيءِ المُرْسَلِ

عَدُّونُنَا نَالَ الـمَحَبَّة جَمـَّةً .:.:. أَفَلاَ يَنَالُ بِتلكَ أَفْضَلَ مَوْئِلِ؟

سُبْحَانَ مَنْ ذَرَأَ المحَبَّةَ في الوَرَى .:.:. فَحَبَاهُ مِنهَا بِالنَّصِيبِ الأَكْمَلِ

لَو كُلِّفَ المشتَاقُ فَوقَ غَرَامِهِ .:.:. لَهَوَى إِلَيهِ البَدْرُ دُونَ تَمَهُّلِ

بَدْرٌ لِبَدرٍ وَالمحَبَّةُ هَالَةٌ .:.:. تَحوِيهِمَا مِثْلَ الإِطَارِ الأَجْمَلِ

يَالَلْجَلاَلَةِ وَالفَخَامَةِ وَالعُلاَ .:.:. بَدْرُ السَّمَا يَشْتَاقُ بَدْرَ المحْفَلِ

لاَ تَذْهَلَنَّ فُكُلُّ أَمرٍ وَارِدٌ .:.:. مَا دُمتَ تَحيَى في الزَّمَانِ المُذهِلٍ

لَولاَ التَّخَيُّلُ والخَيَالُ حَدِيقَةٌ .:.:. غَنَّاءُ فِيهَا مَا يَرُوقُ لِبُلْبُلِي

كَمْ طَارَ فكر للبرِيَّة طَائِرًا .:.:. حَتَّى أَنَاخَ عَلى المجَرَّةِ مِنْ عَلِ

فامْنَحْ خَيَالَكَ مَا تَشَاءُ مِنَ الفَضَا .:.:. فَمِنَ الخَيَالِ يَجِيءُ كُلُّ مُؤَمَّلِ

فَالشَّيخُ نَفسُهُ بِالخَيَال تَـــأَلَّقَتْ .:.:. آدَابُه بَأَنَاقَةٍ لَمْ تُوصَلِ

فَبِهَا أَطَلَّ عَلَى البَرِيَّةِ نَجمَةً .:.:. وَضَّاءَةً شَعَّتْ كَضَوءِ المشْعَلِ

مِنهَا اهتَدَينَا سَائِرِينَ إِلَى العُلاَ .:.:. حَتَّى ظَفرْنَا بِالمقَامِ الأَفْضَلِ

بُشرى لَنَا مِـمَّا حَوَاهُ مِنَ الحِجَا .:.:. وَمِنَ الخَيَالِ السَّاحِرِ المتَأَهِّلِ

فِيهِ تَجَلَّى وَجْهُ بَدرٍ كَامِلٍ .:.:. سَحَرَ الوَرَى بِجَلاَلِهِ الـمُتَرَفِّلِ

فَلِسِحْرِهِ هَبَّتْ إِليهِ مَشَاعِرِي .:.:. جَيَّاشَةً تَهْوِي إِلَيْهِ كَمَنْهَلِ

تَهْدِي إِلَيهِ هَدِيَّةً شِعْرِيَّةً .:.:. مَا غَيْرُهَا مِنْهَا بَأَرقَى مَنْزِلِ

نَرجُو القَبُولَ لَدْيهِ دُونَ كَفَالَةٍ .:.:. عَذْرَاؤُنَا مِنهُ بِغَير تَكَفُّلِ

رَيحَانُهَا مِنْ عِطْرِهِ وَزُهُورِهِ .:.:. وَقِطَافُهَا مِنْ رَوْضِ ذَاكَ المنزِلِ

نَفَحَاتُهَا تَسْبِي العُقُولَ نَفَاسَةً .:.:. وَقَدَاسَةً أَكْرِمْ بِهَا في المحْفَلِ

شَتَّانَ بَينَ رَوَائِحٍ مِنْ هَديِهِ .:.:. وَرَوَائِعٍ مِنْ سَوْسَنٍ وَقُرُنْفُلِ

فَالشَّيخُ أَدْرَى بِالَّتِي تُجدِي الفَتَى .:.:. فَعَنِ الخَبِيرِ وَعِطْرِهِ لاَ تَسْأَلِ

إِنْ غَابَ عَنَّا في العُيُونِ فإِنَّه .:.:. دَوْمًا نَرَاهُ في الفُؤَادِ الـمُقْفَلِ

مَا غَابَ مَنْ قَادَ الجَحَافِلَ مُفْرَدًا .:.:. أَعْظِمْ بِهِ مِن مُفْرَدٍ في جَحْفَلِ

يَا رَبِّ طَيِّبْ مَا عَلَيهِ مِنَ الثَّرَى .:.:. وَاجْعَلْهُ رَوْضًا ذَا بِسَاطٍ مُخْمَلِ

فَلَقَدْ أَتَاحَ لَنَا الحَيَاة خَمِيلَةً .:.:. خَضْرَاءَ تَأبَى أَنْ تُدَاسَ بَأَرْجُلِ

لَوْلاَهُ مَا عَرَفَ اليَقِينُ سَبِيلَهُ .:.:. لِقُلُوبِنَا فَهَدَاهُ مِثْلَ الـمِشْعَلِ

فَبِهِ عَرَفْنَا عُمْقَ مَا حَمَل الهُدَى .:.:. مِنْ رَوْعَةٍ في شَرْعِهِ المتَأَصِّلِ

وَبِهِ عَرَفْنَا مَا يُرَامُ مِنَ الدُّنَا .:.:. وَمِنَ العُلاَ، وَبِدُونِ أَيِّ تَوَاكُلِ
وَبِهِ عَرَفْنَا اللهَ في أَوْجِ الدُّجَى .:.:. إِذْ قَدْ جَلاَهُ لَنَا بِدُونِ تَوَغُّلِ

وَلِذَا نُحِبُّ لَهُ جَزَاءً كَامِلاً .:.:. يَوْمَ الجَزَاءِ مَعَ الرَّفِيقِ الأَمْثَلِ

فِرْدَوْسُ رَبِّكَ لَنْ يَكُونَ سِوَا الجَزَا .:.:. لِجُهُودِهِ وَجِهَادِهِ المسْتَبْسِلِ

يَا رَبِّ بَارِكْ جُهْدَهُ وَجِهَادَهُ .:.:. وَاجْعَلْهُ مَقْبُولاً لَدَيْكَ كُمُرْسَلِ

فَهُوَ العَزِيزُ لَدَى الأَعِزَّةِ كُلِّهِمْ .:.:. إِذْ صَانَهُمْ بِعَزِيمَةٍ لَمْ تَبْخَلِ

فَارْحَمْهُ رَبِّي رَحْمَةً مِغدَاقَةً .:.:. يَزْهو بِهَا عِنْدَ المقَامِ الـمُعْتَلِي

وَاجْمَع بِهِ الصَّحْبَ الكِرَامَ جَمِيعَهُمْ .:.:. وَاجْعَلْ لَهُمْ في الخُلْدِ أَعْلَى مَنْزِلِ

بِهِمُ الفَلاَةُ تَتِيهُ فَخْرًا بِالهُدَى .:.:. وَكَذَا العُلاَ، وَهُمَا رِهَانُ الأَجْدَلِ

وَصَلاَةُ رَبِّي لِلحَبِيبِ المصْطَفَى .:.:. ذَاكَ المفَدَّى بِالأَعَزِّ الأَكْمَلِ

مَا لاَحَ مِنْ نُورِ الصَّبَاح بَشَائِرٌ .:.:. وَمِنَ الرَّوَاحِ هِلاَلُ سَعِدٍ مُقْبِلِ

وَإلَى الرَّعِيلِ الأَحْمَدِيِّ تَحِيَّتِي .:.:. وَمَحَبَّتِي مَا عَاشَ حَوْلَ الـمَنْهَلِ

يَرْتَادُهُ مِن خَيْلِهِ وَرِكَابِهِ .:.:. مَا قَدْ يَكُونُ بِهِ الأَذَى فيِ مَعْزِلِ

يَرجُو لَهُ وَلأَهْلِهِ خَيْرَ الهَنَا .:.:. يَرْجُو لَهُ مَا قَدْ رَجَاهُ مِغْزَلِي

وَإَلَى اللِّقَاءِ أَحِبَّتِي في جَنَّةٍ .:.:. نُحْظَى بِهَا بَعْدَ الجَزَاءِ الأَعْدَلِ

وَجَمِيعُنَا فَوقَ الأَرَائِكِ شَاكِرٌ .:.:. نِعَم الإِلَهِ الوَاهِبِ الـمُتَفَضِّلِ

عَدُّونُنَا مِنْ بَيْنِنَا مُتَهَلِّلٌ .:.:. هَلِّلْ بِهِ في المكْرُمَاتِ وَجَلِّلِ

عَدُّونُنَا مِنْ بَيْنِنَا مُتَبَسِّمٌ .:.:. زَيِّنْ بِهِ دَارَ النَّعِيمِ وَجَلِّلِ
*************

وهران 04 ربيع الأول 1427هـ
الموافق لـ 02 أفريل 2006م

نشرت القصيدة في دورية الحياة، العدد: 10، 1427هـ/2006م، ص311-313.

اسم الكاتب