فن الخاطرة في نثر الشيخ أبي اليقظان
د/ محمد زغينة
قسم اللغة العربية -جامعة باتنة

تمهيد:
إن المقال نوع أدبي محدد بحيز الجريدة، أو المجلة،يعالج مجموعة معينة من الأفكار وهو تقليد يعود إلى ظهور الصحافة(1) وقد اعتبر كثير من الأدباء بأنه جنس أدبي(2) رغم تعريفاته التي تختلف من كاتب إلى آخر حسب تصوره، ومذهبه، ومنابع مصادره(3)، ورغم ذلك يبقى المقال من أهم الأجناس الأدبية الحديثة التي يمكن أن يرتكز عليها الأدب الإسلامي المعاصر ليقاوم الفكر المادي؛ لأن الأمة الإسلامية تقف أمام أعتى الأعداء الذين تحصنوا بكل ما يمكن أن يتحصن به العدو، بل تقف أمام الحركة المضادة لأسلمة الأدب، إنها حركة العلمانيين، والانتهازيين، أذيال الاستعمار القديم، وأعوان الاستعمار الحديث، وهذه الحركة راسخة الأصول، مشبعة الفروع، تغذيها قوة عالمية لا يمكن مقاومتها إلا عن طريق توحيد الجهود وجمع ما تشتت من القوى، وما بذر من المواهب، ولن يحصل شيء من هذا بالأماني والأحلام، أو بمجرد القول، وفوار الفم، ولكنه يحصل بتوجيه العزائم، وتحريك الهمم، وصدق الطلب، والإخلاص في العمل، والصبر والثبات على المبدأ، لأن الأدب الإسلامي الآن له مجالات عديدة يجب سدها، وبخاصة مجالات النثر الذي أهمل في معظم كتابات الأدباء الإسلاميين الذين ركزوا على الشعر والقصة، والمسرح عموما.

كما أن أعداء أسلمة الأدب يشنون حروبا طاحنة عن طريق المقال الذي لبس مسوح التقدمية، والشعبية والحداثة، وما بعد الحداثة، فهذه الحداثة التي تعني عندهم التطرف، والتغالي في رفض الموروث الحضاري الأدبي -وغيره- وذلك بفصل الدين عن الأدب، ومعارضة كل فكرة أصيلة، ورفض الرؤى الإسلامية والإيمان بالدعوة إلى التعددية اللغوية، وتبني مواقف مشبوهة إزاء اللغة العربية، والترويج للنزعات العرقية والانحلالية والاستقلالية... إلخ، وكل ذلك لعزل الأديب الإسلامي عن الميدان وتنفيره من أفكاره، ومبادئه، وقلب موازين الرأي العام الإسلامي.
كل هذا استلزم مني أن أقف وقفة محتشمة أمام أدب رجل مسلم مجاهد، مات مشلولا وهو يعبر عن أحاسيسه الصادقة، استجابة لفطرته النقية التي كانت مصدره، ولحمته، وسدى أدبه في مقاله الخاطري، في تجليات إسلامية رائدة، ورؤى جليلة، في تصور شمولي للكون والحياة والإنسان تتوغل في فيافي حيرتنا، ومهامه افتراقنا، ومفاوز وجودنا، بإيمان راسخ، وعقيدة صلبة الجذور، عريقة الأصول، وارفة الظلال، بعيدة الأغوار، نقية في جوهرها، سامية في مطلبها، متوازنة في رؤيتها، ملتزمة بالقيم الإسلامية: العدالة، والإخاء، والحرية. متناغمة مع القيم الجمالية: الجمال، والحق، والخير، فكانت المقالة الخاطرية عنده: نبض حياة، ودفقة شعور، تستمد إشعاعاتها من تصوره الإسلامي الشامل، وإيحاءاتها من تجاربه اليومية، وأصالة أفكاره، بذوق رفيع، وإحساس عميق بدوره الرسالي وبحرية المؤمن، وطلاقة المدلج في ليالي الهم الحضاري؛ لا تيه، ولا ضياع؛ تعطره السنة، وسمو الآيات الربانية، وسبحات المتصوفة النقية؛ باستلهام المواقف الكبرى، ومعاضدة المؤمنين أينما كانوا، والترجمة العفوية لخلجات النفس، والتدرج في دوائر تتسع شيئا فشيئا حتى تشمل هموم أمته.
وإذا كان الأمر كذلك فما هي الخاطرة وما هي أهم خصائصها عند هذا الأديب المسلم الذي وعى حركة الفكر الحديث وصراع الأفكار في المجتمعات الإنسانية؟ هذا ما سنرى في هذا البحث.
2- مقال الخاطرة :
الخاطرة أو الخطرة هي الذكرة، ومنها خطرت خاطرة على القلب من ذكراك وهنا فما استطعت مضيا(4) وهي من الخاطر أي ما يخطر بالقلب من تدبير، أو أمر، أو رأي، وهو الهاجس(5) وجمعه خواطر، وهو ما يذهب إليه القدماء والمحدثون(6).
وهي «لمحة ذهنية خاطفة لحادث عرض، تحمل مشاعر الكاتب إزاءه، وتخلو من الأسانيد، ولا تحتاج إلى حجج على صحتها، ولا تتجاوز ـ غالبا ـ عمودًا في صحيفة»(7) بل هي موجة كهربائية تسري في المبدع، وإحساس مفاجئ، أو إعجاب معيّن، بل سُحُب تأتي وتمضي، لأنها «تجسد إحساسا مفردا حيال أحد الموضوعات ـ ما يقابل الفكر المركب ـ يتسم بالتأمل السريع لإحدى الظواهر، مع تسليط ضوء فكري مركز عليها، وحصرها في نطاق محدد من التناول، وتصاغ وفق عبارة «قصيرة» «مصورة» أي ذات انتقاء صوتي إيقاعي من حيث تجانس وتآلف الحرف والمفردة والفقرة، وذات عنصر تخيلي يعتمد الصورة أو المأثور اليومي تعبيرا عن الإحساس الذي تقوم عليه الخاطرة»(8) أو كما يقول المتصوفة: «ما يرد على القلب والضمير من الخطاب»(9).
وهناك فرق بين المقالة والخاطرة، فالخاطرة مقالة صغيرة تقوم على الانفعال الوجداني بالتجربة أو الموقف خالية من التقريرية، والمقالة تميل عادة إلى التقريرية؛ لأن الخاطرة تعبير عن تجربة شعورية خاصة، ينساب فيها الأديب مع أحاسيسه وانفعالاته بهذه التجربة، بينما المقالة تجمع بين المشاعر والانفعالات الذاتية والمشاعر والانفعالات العامة حول تجربة عامة، كما أن الكاتب في الخاطرة يتخير التعبير والصورة بظلالها ومعانيها حسب الجو الشعوري، والحالة النفسية التي خالجته عند الانفعال، كما أن الخاطرة لا توجد في نفس الكاتب فكرة مسبقة عما سيكتب، وإنما هو يصور لحظة شعورية فجائية أو انفعال ذاتي فجائي، أما المقالة فهي فكرة قبل كل شيء وموضوع يتطرق إليه الكاتب بوعي وفق عناصره المرسومة في ذهنه وليس وفق الانفعال الوجداني(10) وهذا اللون من المقال نشأ في ظل الصحافة(11) وهو على الرغم من صغر حجمه، عمل ميسر للذهن، وممتع في الوقت نفسه، فيه من الشعر خاصية التركيز، وعمق النظرة، وحدة الشعور بالأشياء(12) ويحتاج «إلى الذكاء وقوة الملاحظة، ويقظة الوجدان»(4) ويتناول «الحياة والعيش والانطباعات الذاتية والأحداث .......وتصوير الشخصيات، أو الذكريات، والأمور التي تتعلق بأحداث السياسة، والكون والاجتماع»(13) وعلى العموم إن المقالة نوعان «يتشابهان في الظاهر، ويختلفان في الحقيقة، فإحداهما انفعالية والأخرى تقريرية، ولعل من الأنسب أن نفرق بينهما في الاسم بدل أن نفرق بينهما في الوصف فنقصر لفظ المقالة على النوع الثاني، ونسمي النوع الأول «خاطرة»(14)وهذا النوع الأخير نبغ فيه كثير من الأدباء في العصر الحديث نتيجة لازدهار التعليم، وانتشار الصحافة، وانفتاحها على الموضوعات الإبداعية الحرة من جراء حركات التحرر والتنافس الإبداعي واستقرار الأوضاع نوعيا، ومن أشهر هؤلاء: مصطفى صادق الرافعي(15)، أحمد أمين(16)، والمازني(17)، ومحمد البشير الإبراهيمي(18)، وغيرهم كثير منهم «أحمد محمد الصاوي، وأنيس منصور، ومحمد زكي عبد القادر، وإبراهيم الورداني، ونعمان عاشور، ومختار الوكيل، وعبد الرحمن فهمي، وصلاح منتصر...» (19) وأيضا: ميخائيل نعيمة في «النور والديجور»، ومي زيادة، وكثيرٌ ممن كتبوا المقالة الخاطرة، لأن الخاطرة أصبحت في العصر الحديث ملح الجرائد، لأنها تقف في منزلة وسطى بين المقالة الجادة، والقصيدة الشعرية الكاملة لأنها تشكل نوعا أدبيا يعتمد الصياغة الجميلة بعبارات قصيرة مصورة مشرقة، تتناول حركة الإنسان، والمجتمع، والبيئة في شرائحها اليومية بنمو خاطف وعابر(20)، وهذه سمة العصر.
تلكم نظرة في الخاطرة، عند أولئك الذين يتسمون بانفعالية جمالية، ورؤية إنسانية تحررية عميقة، ولذا كانت الخواطر تلون بعض الجرائد: «كوادي ميزاب»، و«الأمة» بالجزائر إذ فيها مقالات تقترب من الشعر المنثور، لأن هذه المقالات ثمرة الذكرى، أو التأمل أو هي حصاد البحث والإيغال في عالم الكون والحياة، والسفر في مسامات التاريخ، موحية لنا بروح كاتبها المرحة، العاشقة للجمال، الباحثة عن الراحة الأبدية الولهانة إلى الحرية، المنطلقة إلى الفجر الآتي، وبخاصة حين تتحرر ألفاظه من المعنى القاموسي، فتفاجئك، وتدهشك، فتحس إزاءها بالانبعاث العاطفي المتأجج.
أما أبو اليقظان(*) فقد كتب بعض المقالات(21) التي نحس فيها لونا خاصا من ألوان المعانات، والمكابد الأدبية، ومنها، مقالات الذكريات الإسلامية سواء مولده صلى الله عليه وسلم، أو هجرته، أو الحج... ومن ذلك قوله: «في أرض الحجاز القاحلة، في بطن مكة المكرمة، تنفس صباح الإنسانية المعذبة عن أبرك مولود، أعز كل موجود، وأسعد كل مجدود، تنفس صباح هذا اليوم عن غلام اهتزت له السماوات والأرض، وامتلأ به سمع الدنيا، وردد صداه فم العالم؛ طلع فجر هذا اليوم عن محمد صلى الله عليه وسلم فكان بهجة للإنسانية، ويوم العرب، ومهرجان قريش، وعرس بني هاشم وزفاف بني عبد المطلب... »(22).
فالمتأمل في المشهد السابق يحس بتفاعل الكاتب بالموقف، وابتعاده عن تقرير الحقائق، ولذا نستشف منه المشاعر الإنسانية الفياضة والعواطف الوهاجة، وهي تتدافع وفق دفقات الشعور وانسياب الأحاسيس نتيجة لإلحاح الكاتب، وتكراره للفظة تنفس «القرآنية» وما لها من ظلال ورؤى، وإيغال في عالم الإشراق بمدلولاتها الصوفية الحرة. إذ أنها توحي بالفجر، والنور وزوال الهم، وقدوم نهار المستضعفين وفجر المقهورين في أرض الجزائر، كما كان فجر مستضعفي الأمس، مما يعمق الرؤية، ويرفع اللفظة إلى الرمز الصوفي في تجلياته، ولذلك كانت رحلة أبي اليقظان إلى عالم المثل عالم البراءة، والطهارة، هاربا من واقعه المرير، بكل مصوغات التسامي الروحي في مثل هذه المواقف الاستثنائية، حين يكتوي أديب محترق بنار الاستعمار، والغربة في موطن النبي العربي المحرر الأول للإنسانية من عبودية الإنسان.
إضافة إلى ذلك نحس كيف «ينسجم الأسلوب مع مضمونه ويتنفس بأنفاسه، ويتحرك بتحركه الفني، فنحن في ذروته الفنية الجمالية.. نحن أمام الكلمة التي تعيش على مستوى الفنون الجميلة .. في إطارها الذاتي وحقائقها الرؤيوية»(23)
إن هذا الهاجس -الحرية- هو الذي جعل الكاتب يحدق في التاريخ، ويلقي ببصره بعيدا، فإذا به أمام قوافل الأنبياء وهي تتلاحق «مرت مواكب الأنبياء والرسل كالكواكب والأقمار، وقد استنارت منها البشرية في مراحل حياتها كما يستنير الساري في مراحله منها، وتخللتها فترات تقف بالإنسانية أحيانا كما تقف بالساري تلك الفترات التي تخللتها لمعان البروق !!!
ثم أعقبتها دياجير حالكة كانت على الإنسانية أشد ما تكبدته من الأهوال والأخطار منذ خلقها الله، وقد سفلت بها إلى أحط من حضيض الحيوانات في عموم بقاع الأرض، فكانت تجأر إلى بارئها، وتستغيث به مما حاق بها من إطباق الظلم»(24).
هكذا يرحل أبو اليقظان يستحث الخطى، ويترسم التاريخ البشري بكل شفافية وإيمان بحثا عن أسرار النبوة، بعاطفته، وخياله، وهواجسه، ولذلك لا يملك إلا أن يرسم الرسول صلى الله عليه وسلم واقفا وصفوف الأنبياء تمر من بين يديه: «تتابعت صفوف الأنبياء والرسل أمام محمد صلى الله عليه وسلم كما تتابعت صفوف الجند وأمراؤها أمام مواكب الملك، فكان خاتم النبيين، وسيد المرسلين»(25).
فهذه الصورة متخيلة ناتجة مما وعته المخيلة، وما ارتسم فيها عبر الأيام من خلال دراسة السيرة، ولذلك كونت مشاعر الإعجاب، والحب، والشوق : «وفي وسط هذا الظلام الحالك، لاح من وراء الأفق شعاع النبوة، فبزغت شمس الرسالة المحمدية، فأضاءت الأكوان، وتشعشعت منها الأرجاء، فبعثت البشرية من جديد، وسرى ماء الحياة في كافة عروق الإنسانية»(26). إن أبا اليقظان تشي صوره عن انفعالاته: «ولا شك أن نفاذ الحس ليساعد على إطلاق الخيال، فهو غذاؤه وجناحه، يعمق الفكرة بأن ينور الإحساس بها فيشب بها الخيال، وتتداعى صور الحياة المتقاربة فيزيدها الحس نفاذا، وتتم بذلك الدورة، الحس يغذي الخيال، والخيال يغذي الحس»(27).
إن أبا اليقظان لا يقرر حقائق، ولا يمنطق ولا يحاجج، إنما هو يصور، ويرسم الصورة التي وعاها تاريخيا وتخيلها، ويصبو إليها في مثل ظروفه تلك، وظروف الاستعباد، ولذلك فهو يهفو إلى الحرية بكل ما فيها من بزوغ الشمس، والإضاءة، والتشعشع والبعث، والانبعاث، وسيران ماء الحياة، إنه البحث عن الحياة الإسلامية الحرة النبيلة الكريمة، حياة يتمناها من يعيش في ذل، ولذلك كان الموقف هنا، كالموقف «هنالك» إنه موقف المعانقة للحقيقة الربانية في عالم الاستبداد؛ لأن الواقع لم يسمح له بذلك، فعاشها فنيا(*)، ولذا فهو لا يعيش الواقع، ولا يقرر حقائق، فهو في حالة شعورية، حالة خواطر تنثال كما تنثال تلك الأفعال الاستشراقية متناسلة، متوالدة لتكون الصورة المثلى لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وليوم مولده، ويروح الكاتب في تجليات صوفية قائلا: «في مثل هذا الشهر ربيع الأنوار عام الفيل سنة 571 طلع إلى العالم في ذلك اليوم فجران في آن واحد: فجر اليوم الذي لو لم يطلع لما قدر أحد غير الله أن يأتيه بضياء إلى يوم القيامة، وفجر الرسالة الذي لو لم يشرقه الله لما استطاع أن يرسل شعاعا منه إلى يوم القيامة؛ أضاء بالأول عالم الأجسام، وأضاء بالثاني عالم الأرواح فأصبح العالمَان منغمسين في بحرين من الأضواء بعدما كانا حقبة من الزمن غريقين في بحرين من الظلام»(28).
بهذا التصور الإسلامي تغدو السيرة النبوية خواطر وأشواقا إيمانية، وتطلعات روحية، وشعورا فياضا، وإعجابا منقطع النظير؛ لأن «الجمالية في العمل الأدبي ليست مسألة شعر أو نثر، إنما هي الرؤية الفنية المجسدة بأسلوب تشكيلي إيجابي يجلو رؤية المحتوى، وفنية المضمون وبقدر ما تتكاثف هذه الفنية محتوى وشكلا في عمل أدبي يقترب العمل بهذا القدر من دائرة الفنون الجميلة»(29).
لهذا ابتعد أبو اليقظان عن المفهوم الفقهي الظاهري، وراح يستشرف الماضي، ويحلق في أجوائه بلغة جديدة ذات علاقات إيجابية، وليست لغة السقوط الذهني على الأشياء؛ لأن الخاطرة في النثر تقابل القصيدة الغنائية في الشعر، وتؤدي وظيفتها في عرض التجارب الشعورية التي تناسبها حين ينساب الكاتب مع أحاسيسه، وانفعالاته، وتجميع المشاعر المتناثرة حول هذه التجربة، والاهتداء إلى الصورة اللفظية التي تتفق بظلالها ومعانيها مع الجو النفسي، والشعور الذي يخالج الكاتب(30) فهذا التصور الانفعالي هو الذي جعل أبا اليقظان يتخيل وجود حقيقتين لوجود محمد صلى الله عليه وسلم، أو قل هو وجودان لحقيقته صلى الله عليه وسلم، حقيقة وجوده الظاهري، وحقيقة وجوده الباطني، أنه نور الأنوار، ومشكاة الحقائق، وأول الخلق، خلقه الله، ثم أفاض عليه بنوره، فظهر بعده آدم ثم انحدرت بقية الشجرة، وهذا ما يوضحه أبو اليقظان حين يوغل منسابا في تاريخ الإنسانية في خاطرته هذه «فتق به قلب الدنيا، فأخرجه رسولا إليها، وأسرجه بنوره، فأضاءها، وكان كمشكاة(*) فيها مصباح المصباح في زجاجة، الزجاجة كأنها كوكب دري، أرسله إلى العالم وقد انعكس النور الإلهي في مرآة قلبه، فأشرقه بنوره، وأضاءه بدينه؛ فعاش وهو يمرح في بحرين من النور واليقين»(31).
إن أهم ما يلاحظ على الصورة السابقة هي الصورة النورانية لمحمد صلى الله عليه وسلم المستمدة من القرآن، من خلال توظيفه توظيفا استيعابيا إضافة إلى تأثر الكاتب ببعض الصوفية كالبُوصَيري(**) في مدائحه، وبخاصة في الهمزية الشهيرة، مما يجعل هذه الخواطر عاطفة إسلامية إنسانية سياسية تدل على عالمية التصوير، ولذلك يؤكد أبو اليقظان هذا التصور قائلا: «وإن يوما كان للعالم مطلعا لفجرين، ومنبعا لسعادتين، جدير بالعالم كله أن يحتفل بذكراه كلما تجدد عليه مرآه، وليس خاصا بصنف من البشر دون سواه، فهو شمس طلعت من السماء على الأرض فأنعشتها، وأحيت مواتها، وألبستها ثوبا من العمران جديدا»(32).
وتتوالى أنوار هذا اليوم على نفسه كالبروق في اتصالها في الليلة الظلماء، فإذا به في رحلة للتجلي لأن «المحبوب في حب الصوفي متعاليا لا يدرك، وكان مثل هذا الحب حافلا بالأفكار والمعاني والأذواق»(33). ولعل هذا ما جعل أبا اليقظان يرسم مآثر الرسول صلى الله عليه وسلم بأسلوب عذب، رقيق، فتضافرت الصور والصيغ الشاعرية الأنيقة فإذا بنا أمام مشاهد تترى على الذهن، وتتابع وجدانيا مع حسن السبك، وبراعة التركيب مما يجعل المتلقي ينتشي ويعيش ذلك الواقع الوجداني بكل إيحاءاته، وظلال صوره ورؤاه، لأن أبا اليقظان كان في حالة روحية مشبعة بالخواطر والمشاعر، وبذلك فجر ما بداخله فأحدث إنزياحا في الفكر الديني الفقهي، فكان فنانا ذا إيمان قوي، ورؤية أدبية جميلة مما جعل الفن والدين في نثره يتناغمان، ولم يأبه بأولئك الذين يرون أن الاحتفال بالمولد النبوي بدعة، لأنه انساق وراء عواطفه وذكرياته، وتعالى على كل الأفكار المسبقة المحرمة للموقف، فعاش حيث كان يصبو أن يعيش، وراح يدعو الخلق لأن يحتفلوا بمولد سيد الخلق، لأنه نور الله، وشمسه، فهو كما يشرق على الكل يجب على الكل أن يحكموا بشريعته «أرسله بنظام العالم ودستور الأمم، وقانون الإنسانية الأساسي في سائر نواحي الحياة، صالحا لجميع البقاع، ملائما لكل العصور، لا تقدر ولن تقدر برلمانات العالم، ـ ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا ـ أن تنقض حكما من تشريعه، أو تأتي بآية خير من آياته»(34).
إن أبا اليقظان في هذه الفقرة يقرر حقائق مما أسقطه في فخ النثرية والمباشرة، فهوى بخاطرته إلى الفكر السطحي الخالي من التصوير المجنح، وهذا بسبب تحكم الثقافة التقليدية في العنان حين يستيقظ الرقيب مما يزيل تلك اللمسة الغامضة التي كنا نراها سابقا ولكنه لا يلبث أن يحاول العودة إلى الخيال، والانسياق وراء العاطفة فيقول: «أخرجه من أشد العالم جدبا وأقساها تربة، وأشحها نبتا، فعلَّم الناس أن الشرف، والسؤدد والعزة، والفضيلة الحقة لا تنبت على حافات الأنهار والبحيرات، وبين المزارع والحقول، وإنما تنبت حيث البساطة، وسلامة الفطرة، وطهارة الطبيعة...» (35).
وعلى كل فإن العاطفة، والانسياق وراء المشاعر إحدى خصائص الخاطرة في الأدب الذاتي بخاصة، ومن أهم ما يفرق بين المقال العام، والمقال الخاطرة.
ومهما يكن فإن لأبي اليقظان فلتات شعورية في كثير من مقالاته الخاصة بالمولد النبوي الشريف؛ لأنه الفجر المنتظر في حسه بالجزائر، فإذا به في تلك اللحظات يلتجئ إلى الانسياح في ينابيع النور بلغة رقيقة، وشعور فياض، كما نجد عنده أحيانا سبحات حين يعجب بموقف من المواقف، ومن ذلك هذا الشعور الفياض المستدر للتأمل، والمستدعي للإعجاب، الذي هزه من خلال إحياء إبراهيم بيوض لسنة العيد فيقول أبو اليقظان: «قاموا للصلاة صفوفا متراصة، وهم بأزياء العيد البيض كالملائكة حافين(36)حول أمر ربهم، وأمر رسوله، ولا تسأل عما غمر، ومازج القلوب، وفاض على الجوارح هناك من السكينة والوقار والروعة، والجلال، فإن ذلك أدق وأجل عن متناول القلم»(37).
بهذا الشعور يصور الكاتب أحاسيسه؛ لأن مقال الخاطرة لا يقتضي حشد المعلومات، ومناقشة الفكرة من جميع الوجود لإقناع الناس، وإنما هي عبارة عن نقل خواطر وهواجس خطرت على ذهن الكاتب في فترة من الفترات، حول قضية من القضايا، أو موضوع من المواضيع أو إبداء ملاحظة "خاطرة"، ذاتية عفوية، حيث ترد بسيطة ثم تنمو وتكبر حتى تصير خاطرة كاملة أشبه ما تكون بالمقال الأدبي الإنشائي إزاء موقف خاص، أو تأثره بسبب مشهد ما»(38). وهو ما نراه في بعض انطباعات أبي اليقظان إذ تتعانق فيه العاطفة والخيال، ويلفها الخوف، ويتخللها الترقب بخاصة تلك القضايا الإسلامية والوطنية الكبرى، ومن ذلك مقالته الخاطرية التي عنونها بـ: «من الجزائر إلى باريس»(39) حول المؤتمر الإسلامي(40) وسفر الممثلين الجزائريين إلى العاصمة الفرنسية: يقول أبو اليقظان: «بعد استفحال الظلم، وطيلة استمرار العسف على المسلمين الجزائريين، استفحلت في نفوسهم الآلام، وتراكمت في صدورهم الرغائب والآمال، ولهذا لا عجب –إذا كُسِّرت القيود، ورفعت الأغلال في عهد الكتلة الشعبية والجمهورية الديمقراطية- والمسألة هذه أن يكون سلكهم التواء وتعاريج ولا عجب أن يكون في صلب تلك الرغائب الغث والسمين، شأن المحبوس المكبوت حين تباغته تباشير الفرج وتفاجئه هزات الفرح دفعة واحدة، فإنه من شدة التأثر والانفعال النفسي، ومن شدة احتقان النفس بلواعج الآلام، ومن تدافع الآمال على جوانب الصدر تختلط أمامه الآلام الممِضَّة، بالآمال المنعشة فيقدِّم ما حقه التأخير، ويؤخر ما حقه التقديم، ويعظِّم ما حقه التصغير، ويصغِّر ما حقه التعظيم، ويقلِّل ما حقه التعظيم، ويكثِّر ما حقه التقليل، ويقلِّل ما حقه التكثير، ولا يعلم ماذا يقصد ولا ماذا يريد؟!!» (41).
تبدو –في هذا المقطع- الاعترافات جلية لأنها هواجس، وخواطر وليدة الشعور المصاحب بالأمل والقلق، والرجاء، والخوف، لأن الأديب المسلم مدرك لخطورة الموقف، وصعوبة المهمة الملقاة على أعناق الوفد وهي حالة انفعالية، ولذلك تكون مقالته بوحا بعيد الأغوار، بسيط التناول، تتعمق به التنمية الشعورية لأنه يفتح قلبه لأمته قائلا: «نحن لسنا –والحالة هذه- في حاجة إلى شرح هذه الخواطر فلها وقتها، وإبانها، وإنما نقصد من هذه كمال التنويه بهذا التصور الإسلامي الجزائري الجديد، وإلفات النظر، وتنيبه الهمم إلى اندفاعاته واتجاهاته»(42).
رغم هذه الاعترافات إلا أنه لا يستقر على حال، ولا يهدأ له بال إلا إذا حلق مع الوفد وسافر معه روحيا؛ لأن وساوسه تتدافع، وهواجسه تتلاحق، فلا يمكن أن يكف عن التحليق: «على بركة الله، وحسن عونه... امتطى متن البحر، وجهته باريس؛ الألم يدفعه، والأمل يقوده، آذان باريس مرهفة، وأعناق الجزائر مشرئبة، وأرواح المظلومين عليهم ترفف في حلهم وترحالهم؛ الموقف ـ والله ـ جلل، والمسؤولية خطيرة والمسألة ليست مسألة سياحة، ولكنها مسألة شعب، مسألة مستقبل، مسألة أجيال، فعسى الرؤساء والزعماء قد أدركوا هذا جيدا، فلا يخطئوا التقدير في تقرير المصير، وعسى الله أن يكلأهم برعايته وأن يحفهم بعزه ونصره، وأن يعززهم بتأييده، وتوفيقه... »(43).
هكذا تبدو مخاوف أبي اليقظان، ولذا كان جسمه في الجزائر وروحه ترافق السفينة إلى باريس، وترفرف على الجميع، وبذلك «تصبح الخاطرة عملا مثيرا للذهن، وممتعا في نفس الوقت نفسه، ففيه من الشعر خاصية التركيز، وعمق النظرة، وحِدَّة الشعور بالأشياء»(44)، ومن النثر القالب، والصياغة، وهنا يكمن الفرق بين المقال العام، والمقال الخاطرة، ولهذا نجد بعض المقاطع أشبه ما تكون بالشعر لأنها «شكل حر لا قالب له، ويعتمد تماما على حرية إحساس المقالي وعفويته ونجد هذا الشكل الحر في المقالات التي تغلب عليها العاطفة وتموج بتداعيات الوجدان، ولا شك أن نزعات العاطفة ونفثات الشعور لا يسهل إخضاعها لشكل محدد...» (45).
وهذا ما نراه لدى أبي اليقظان في بعض خواطره نحو الحج ومنها مقالته التي عنونها بـ: «ذكريات رائعة، وشعور فياض»(46). يقول فيها: «عدنا – والعود غير أحمد- من الحجاز مهبط الوحي، ومهوى الأفئدة، ومراح الأرواح؛ بقلوب كبيرة، ونفوس حزينة، وعيون تفيض عبرات، عدنا من أشرف البقاع، وأقدس الأودية، وأصفى الأجواء، من مقام إبراهيم، والبيت الحرام، ومأوى سيد الخلق وأشرف المرسلين، رجعنا بإيمان غامر، وشعور فيَّاض، ولوعة تتقد بها الأحشاء»(47). بهذه الهواجس ينقلنا أبو اليقظان من أرض الجزائر ليغرسنا في أرض الحجاز، بشعور فياض، وحس رقيق، لأن الموقف في ذهنه رهيب، والذكرى أعمق لأنها ذكريات الوحي، والتحرر، ومدينة السلام والأمن والعدالة، ولذلك يقدم إلينا وصفا لرحلته هذه كله نفثات، يقول: «فقد فاجأنا شعور غريب، غمر نفوسنا بأول نظرة رميناها على تلك الفجاج، وبأول خطوة خطوناها في تلك التربة الطاهرة؛ أحسسنا لأول مرة في حياتنا بعظمة الإسلام تدب في جسمنا وبخطرة تملأ نفوسنا روعة وجلالا حين علمنا أننا نزلنا أول تراب مس جلد نبينا العظيم، ونطأ أرضا وطئتها قدماه الشريفتان وننظر إلى مناظر اكتحلت بها عيناه الكريمتان، ونجول في شعاب أشرقت بطلعته الشريفة، ونستن بسنن سنها، ونقف مواقف وقفها، ونطوف مطافه حول أول بيت وضع للناس مباركا، وهدى للعالمين»(4).
إنه إحساس المؤمن المغلوب على أمره تحت وطأة الظلم والجبروت؛ إحساس المؤمن نحو أرض الرسالات، والأسرار، والذكريات، والانبعاث، والحلم الرباني الأبدي، والسياحة في ملكوت الله، ولذلك حمل في طياته دلالة مكثفة ذات أبعاد انفعالية أثيرية يقول: «تلك هي الذكريات الرائعة التي كانت ولا تزال مجال أفكارنا، ومسرح أرواحنا، ومتعة أنفسنا ولا تنفك تغمرنا بجلالها، أما المناظر التي تستفز المشاعر، وتأخذ بالألباب فهي هذه الأفواج من الخلائق الذين تسيل بهم بطحاء مكة، ويغص بهم المسجد الحرام، وتكتظ بهم عرفات ويفيض بهم المشعر الحرام، ويتماوج بهم منى، فلا ترى في هذه المواقف إلا لباس الإحرام على الأجسام، ورؤوسا حاسرة، وأشكالا من الخلائق مختلفي الألسنة والألوان، ولا تسمع إلا أصوات الملبين تشق أجواء الفضاء، وأدعية الذين ترتفع إلى عنان السماء، ونحيب المنتحبين تردده الأرجاء.!!» (48).
إنا أبا اليقظان وصاف ماهر، وتلك متطلبات الخاطرة، لأن «الوصف الحي... ينقل أحاسيس الكاتب، ومظاهر الطبيعة كما تتراءى في نفسه بصدق وأمانة، وإخلاص»(2) وتلك هي إسلامية الأدب وبخاصة حين يكون الكاتب أمام تيار متدفق من المعاني، والحقائق، والخواطر التي تسبح في ذهنه فيترجم بذلك عن وجدانه، وأحاسيسه بحسن الصياغة، ودقة التعبير وشمولية التصوير، ولذا كانت خواطر أبي اليقظان حديثا للنفس المؤمنة تفيض بمكنوناتها في لحظات الأشواق والتوهج فتبدو الهواجس، وتلوح الآمال، وتفيض الآلام، وتنبعث الأحلام على صفحات أوراقه، فإذا «الشعور الذي طما على كل شعور، وغمره، وبعث فينا النخوة العربية، وروح العزة الإسلامية، والذي تسكن إليه النفس، وتجد فيه اطمئنانها وراحتها وبهجتها وسعادتها إلى ما شاكل هذه الأوصاف النادرة الحصول، فهو شعورنا منذ ألقت الباخرة مراسيها في ميناء جدة بأننا تحت راية خضراء تشع على رقعتها كلمة التوحيد يحميها سيف منصلت، ويسهر عليها العاهل العربي ملك المملكة العربية السعودية، شعرنا لأول مرة – وعسى أن لا يكون آخرها – براية دولة إسلامية ذات سيادة عظمى واستقلال مطلق، تخفق فوق رؤوسنا، وتقع عليها أنظارنا أينما التقينا وحيثما توجهنا»(49) وفي مثل هذه الذكريات يتساوق الكاتب بشعوره مع الذكرى التي استوقفته بأسلوب مكثف، وألفاظ مفعمة بالمشاعر، والرذاذ الانفعالي الذي يسبح في النص كاشفا فرحته التي تمزق جدار الظلم، وتفتت أجواء الظلام، وتبدد مخاوف النفس بشعور فياض وعفوية بريئة، وآلام جسام، ورؤية شمولية.
وهناك نوع آخر من الخواطر عند أبي اليقظان، هي خواطر وذكريات ثورية تمتد إلى عمق مرحلة الشباب والدراسة في تونس، وتعرفه على عبد العزيز الثعالبي، وتتلمذه على يديه سياسيا، ومن ذلك المقال التي عنونها ب: «زعيم شمال إفريقيا المنتظر»(50) يستقبل بها عبد العزيز الثعالبي بعد عودته من منفاه: «عاد الزعيم الجليل إلى وطنه –وبلاد الإسلام كلها وطنه – بعد أن قضى في الشرق نحو خمس عشرة سنة وهو يتنقل في عواصم الإسلام كالبدر في أبراجه !!! عاد وهو يحمل صدرا يسع بلاد الإسلام، وعواصم الشرق !!! عاد! ... فكرا استنار من حكمة جمال الدين الأفغاني، وأشعة الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده، وتجاريب عظماء الشرق، وأساطين الإسلام!!! عاد وهو يحمل نفسا تعتز بعظمة الإسلام، ومجد العرب وسيادة الشرق!! عاد وهو يحمل بين جنبيه تجاريب الشيوخ، وقوة الكهول، وطموح الشباب»(51).
نحس بانثيال العواطف والرؤى وتلاحق الصور من هذا التكرار التصاعدي لفعل «عاد» الذي يحمل الأمل، والرجاء، وشروق الفجر، وغروب الظلام؛ لأن الأمل أشرق في سريرة أبي اليقظان من خلال هذه العودة للرمز مما جعله يحلق في أجواء لا تلونها إلا المبادئ والقيم الإنسانية الخالدة؛ لأن الأدب... تعبير موح عن قيم حية، ينفعل بها ضمير الفنان... لذلك من العبث محاولة فصل تلك القيم عن التصور الكلي للحياة والارتباطات فيها بين الإنسان والكون ... لأن هذا قائم في نفسه.. وهو الذي يحدد قيم الحياة في نظره، ويلون تأثراته بهذه القيم»(52).
ولذا انثالت عواطف الكاتب، وتوالت أحاسيسه بإيقاع تصاعدي، وتصور مبالغ فيه، وتلك إحدى خصائص الخواطر لأن الفنان لا يخضع إلا للأطياف، والرؤى ولغة المشاعر يرسلها كالجذوة ملتهبة شوقا، وحنينا وبخاصة حين تكون الذكرى تُدَوِّي بقوتها في نفسه، كما هي في ذهن أبي اليقظان وهو يستقبل شيخه وأستاذه، ومعلمه الإسلامي الذي رباه وغرس فيه هذه النار المتأججة.
ومهما يكن فإن أبا اليقظان في بعض مقالاته الخاطرية يعانق عنان الأمنيات بالحنين، ويرفرف بروحه في فضاءات واسعة، وآفاق رحبة، ومن ذلك قوله مضيفا في استقبال الثعالبي: «وليس ببدع أن يهتز لعودته الشمال الإفريقي أجمع من أقصاه إلى أقصاه، وأن تتيه "تونس" بعزيزها، وتلبس حلل الزينة الفاخرة بمقدمه الكريم، وتمشي في مواكبه الفخمة عشرات الآلاف من الشباب والكهول والشيوخ، وليس ببدع أن تهتف أسلاك التلفون، وتنبض عروق البرق، ويركض بريد البر، والبحر والجو، وتتحلى صدور الصحف والمجلات، وتهتز أعواد المنابر احتفاء بمقدم الزعيم الجليل الأستاذ الثعالبي»(53).
فهذه المبالغة ضرورية في مثل هذه التداعيات الحرة لأن أبا اليقظان كان مؤرقا بليل الاستعمار مُجهَدًا بدائه، فمن البدهي أن يكون الثعالبي هو المنقذ الإسلامي الذي كان ينتظره، والضالة التي افتقدها منذ سنوات، ولذلك يضيف أبو اليقظان قائلا: «قضيتم خمس عشرة سنة وأنتم تنتقلون بين أطباق المحن، وآلام العباد صامدين لكل ما يعترض أمامكم من العقبات بقوة الفولاذ، وقضى الشمال الإفريقي هذه الفترة وهو يتقلب بين جمرات العسف، والجبروت كالشحمة في المقلاة، ويتمايل بين أمواج الحوادث فيطفو تارة، ويرسب أخرى، فها أنتم أولاء قد عدتم إليه، وها هو ذا قد قام إليكم يستصرخ ويستغيث ويناديكم أن أفيضوا(*) علينا من الماء أو ومما رزقكم الله»(54).
هكذا تحوِّل العواطفُ المنفعلةُ المواقفَ، فيغالي الأديب إلى حد أن يصبح الثعالبي، وكأنه من أهل الجنة، والشعب من أهل الجحيم، يحترق ولا يرجو من الثعالبي إلا أن يفيض عليه بشيء من الماء لإطفاء حريقه وظمئه، وهذا هو طابع الخواطر الذكرياتية، حين تمتدُّ الأحاسيس صورًا إنسانية تشع عليها أضواؤها العجيبة لأن أرض الخواطر «أرض الفنية الجمالية الخصبة بالدرجة الأولى، وسماؤها سماء الانطلاق الشعري الصافي، ... وهذا النوع الوجداني ممكن في قالب الشعر، وممكن في قالب النثر على حد سواء، وعليه فالفنية الشعرية لم تعد رهنا بالوزن والقافية، بل رهن الموقف الذي يقفه الأديب الشاعر من الأشياء، وبرؤيته لهذه الأشياء، أهي رؤية ذاتية داخلية وبالتالي فنية؟ أم هي رؤية موضوعية تقريرية وبالتالي فكرية أو علمية؟»(55). هذا الذي جعل أبا اليقظان يكتب عن أستاذه بكل انفعالية ومبالغة لأن ينابيع الإبداع لا تكتسي خلودا إلا إذا كانت منبثقة عن تلك المبالغة الروحية التي تعانق سرمدية الوجود.
ومن أهم مقالاته الخاطرية تلك المقالات التي اتخذ فيها أبو اليقظان الموت منطلقا لعواطفه، واستكناه الحياة، وأسرار الفناء، يقول: «لم يخشع البشر أجمعون لقوة في الدنيا خشوعهم للموت، ولم يرهبوا موقفا من مواقف الحياة رهبتهم لجلال الموت، وموقفه الرهيب، يختلف الناس في الأديان والمذاهب والثقافات، وفي سائر منازع الحياة، ويختلفون كذلك في مصير الإنسان فيما بعد الموت ولكنهم يتفقون جميعا على جلال الموت ويستسلمون أمام موقفه الرهيب»(56).
فهذا النوع من المقالات الخاطرية التأملية «تعتمد على تأمل المقالي لمشكلات الحياة، وتتبعه لمجريات حوادثها وهي تنمي هذا التأمل بالوصول إلى نتائج مبنية على تحليل المقال لهذه المشكلات وتتعرض - عادة – لموضوعات الحياة والموت والوجود والعدم ...» (57) وهذا النوع يقوم على تصوير ما يقع تحت حس الكاتب وبصره في العوالم المحيطة به حيث يثير في الإنسان مشاعر الحزن، ويعبر عن أحاسيسه تعبيرا صادقا، فهو أعمق وجدانا وأصدق حسا؛ لأن هذا اللون نبضة حية من نبضات الحزن والألم على فراق عزيز، ودمعة صادقة من دموع الوفاء لرحيله ولذلك تكون بكائية حزينة، ومعزوفة شجية تتميز بالألفاظ الرقيقة الشفافة ذات الظلال القاتمة الحزينة(58)، ومثل هذه المواقف الإنسانية يمكن أن نطلق عليها "المقالة التأبينية" والتي تعتبر «حلم القلة القليلة من عظماء البشر الذين تغريهم ولا تقنعهم كل هبات الواقع، إن نفوسهم تطمح إلى ما هو أعمق، وأعظم إلى شيء يكسب الحياة معناها الأسمى والأجل هناك على الطرف الأقصى من العالم حيث ينابيع الخلق والنور المقدس الأبدي والذي بعناية يكتسي الفاني خلودا والعدم وجودا، هناك في الأباعد حيث يعانق الموت الحياة»(59).
ولذا يرى أبو اليقظان في خاطرته هذه أن الموت سبب من أسباب التوحيد ولا عجب في هذا «فكل تأمل هو إدراك أو محاولة لإدراك طبيعة العلاقات الكونية أو الإنسانية، وتوكيد الصلة بين الخالق والمخلوق أو بين مفردات هذا الوجود(60)»، ولذلك نرى أبا اليقظان يكرر هذا الموقف إذ يقول على جنازة أحد الأعيان: «فقد كان لروعته وجلاله – الموت – ما جمع حوله قلوب أمة موسى وأمة عيسى، وأمة محمد، وما ألف إزاءه بين قلوب ساكني ميزاب إباضيتها، ومالكيتها، وجعلها كتلة واحدة تحس بإحساس واحد، وتشعر بشعور واحد، ولو لم يكن للموت من النتائج الكبيرة إلا هذه لكفاه عظمة وجلالا، فقد بلغ من توحيد العناصر وتأليف النفوس، والتحام القلوب، وما عجز عنه الحكماء النطاسيون فهل من متعظ؟ وهل من مدكر وهل من مستفيد؟» (61).
هذه هي الصورة الإنسانية كما رآها أبو اليقظان أمام جلال الموت حين يتخلص الإنسان من ترابيته، وتذوب فيه الأنانية، وتغيب المسائل الاختلافية، فإذا الجميع ملتحم أمام جلال الموت ورهبته، دون اعتبار لأجناسهم ومذاهبهم، وهذا من الأدب الإسلامي، لأن الموت: «يمتد صداه العظيم، ويتغلغل في لفائف القلوب المتحجرة فيفعل فيها أفاعيل "الديناميت" في الجلاميد الصلدة، وتتلاشى أمامه الكبرياء، والغطرسة، والجبروت، وتذهب إزاءه سائر الفروق التي ألبست فطرة الإنسان الصحيح، فيبقى الإنسان في تلك اللحظة إنسانا على الفطرة التي فطره الله عليها لولا ما يلابسها بعد من العوارض والأمراض»(62).
إن أبا اليقظان يهزه الموت في خواطره إلى حد التوتر والانفعال الدافع إلى البكاء والتشنج؛ لأنه يدرك ما يفعله الموت، وما فعله به فعاش يتيما، وفقد أبناءه في أعز أيامهم؛ الواحد تلو الآخر أكثر من عشرة أفراد، إضافة إلى أن الوضع العالمي الإسلامي كان وضعا سيئا؛ لأن معظم الدول كانت تحت الاحتلال الأجنبي، ولذلك تراه إذا مات داعية أو أديب مسلم كبير إلا وملأ الدنيا ضجيجا وعويلا؛ لأن الموت يضخم أمامه الأشياء، ويهول الوقائع في حسه، ويضاعف الصور في مخيلته فلا يحتمل ذلك ويصبح عاجزا، حينذاك يروح معبرا عن تجربته محاولا توسيع أفق الحياة ولكنه لا يستطيع فتكون صرخاته المؤلمة؛ ومن ذلك هذه البكائية على محمد رشيد رضا(63). «خطب جلل، ورزء عظيم، ومصيبة فادحة، ونكبة أليمة، وداهية دهياء، لم تختص بها مصر أو الشام، ولكن أصيب بها العالم الإسلامي عامة !!
كيف لا يحزن كل فرد من أربعمائة وخمسين مليونا من المسلمين وقد سقط ذلك المنار الذي كان يرسل أشعته إلى قلب كل مسلم؟ كيف لا يبكي كل ناد إصلاحي، وكل معهد علمي، وكل مجلس شرعي، وكل منبر، وكل محراب في المشرق والمغرب وقد انهار طود من أطواده طالما اهتدى به في ظلمات المشاكل، واندكَّ عَلَمٌ من أعلامه طالما استضاء به دياجير المدلهمات، وغار بحر من أبحره طالما أمده بماء الحياة كما يمد النيل مصر والسودان في وقت أظلمت فيه السبل، والتوت طرق الحياة، وازداد لهف الإسلام إلى أمثاله من لفيح هذا العصر؟»(64).
إن الخواطر تتوالى، والعواطف تتدفق، والأحاسيس تنهمر، واللغة تتضوع في هذا النص لأن مثل هذه الخواطر صورة لذلك التوتر النفسي الذي عاشه الكاتب وهو يسمع الخبر، ويكتب عنه إلى قرائه الذين طالما قرأوا أفكار هذا "الركن" الذي خر راكعا ركوعه الأخير، فهز هذا الحادث أبا اليقظان، هزا عنيفا، فكان الحضور الكلي لحقيقة الموت، حضور الفاجعة في زمن الضيم، والاستعباد؛ فاجعة من كان أريجه يتضوع على كافة المسلمين، إنها فاجعة الذهول الكلي، وما ينبعث عنها، ولذلك يقف أبو اليقظان، وقفة تأملية عاطفية هي أقرب إلى الطابع الغنائي الحزين، فيقول عن مواكب الموت: «يمر الناس العاديون قوافل من هذه الدار إلى تلك الدار من غير أن يكون لمرورهم دوي في سمع الدنيا، بل يخرجون منها كما دخلوا، في سهو وغفلة من الناس؛ لأن آلافا من الأصوات المتتابعة ما هي إلى صوت واحد خافت لا يسمع له ركز، ولكنه مكرر!!!
ثم إذا مر من هذه إلى تلك رجل كبير ذو شخصية بارزة جمع إليه ما تفرق من آلاف غيره.. وكان لمروره دوي عظيم في سمع الدنيا يصم الآذان، لأنه صوت تجمع في خدمته آلاف الأصوات؛ فالأصوات المتتابعة لمرور الأولين في خفوتها كطلقات البنادق لا تستدعي نظرا، ولا تهز شعورا إلا بمقدار دائرة ضيقة لا تتجاوز آل الراحل... »(65).
بهذا التأمل الممزوج بالعاطفة والحزن تكتسي الخاطرة بعدا إنسانيا، وموقفا من الكون والحياة في قالب نثري قريب من الشعر، إذ بواسطتها –الخاطرة – يدخل روح العصر بآلامه، وأحزانه مما يؤدي به إلى الخروج عن الأدب المألوف، فتجيء خواطره تقطر ألما، وتنساب فكرا، وتحلق خلف أسرار الحقيقة التي نعيها ونحياها؛ كل ذلك بلغة رقيقة، موحية بسيطة لا تعقيد فيها، ولا ركاكة، ولا هنات؛ لأنها لغة الوجدان في انسيابها وانزياحها الغني بكل خلجات النفس، ووساوسها حين يلفها القلق، أو يعتمرها هجير الحياة، أو يهزها الفرح؛ كل ذلك لأن الخاطرة ابنة النفس، والوجدان، والشعور، ولهذا تعتبر من أدق ألوان الأدب الذي يكشف خبايا صاحبه روحيا، ووجدانيا، إذ يبدو كما هو في الواقع دون مواربة، لأن الانفعال يسربل عقل الكاتب، ويستولي على شعوره بكل حدة في تلك اللحظات الإنسانية، مما يجعله ينفعل انفعالا إبداعيا كله خوف، وقلق، وهذه حقيقة إنسانية وبخاصة حين يشعر الإنسان بالقلق، والظلم، يقول أبو اليقظان: «مسكين أنت أيها الإسلام، ما قل أنصارك، وأكثر أخصامك، جئت لإسعاد البشرية جمعاء، فرموك بالضيق والجمود، جئت لتضع عن الإنسانية إصرها والأغلال التي كانت عليها، فقالوا إنك جئت بالسلاسل والأغلال لتقيدها بها، جئت لتؤسس لهم تشريعا حكيما يلائم كل زمان ومكان؛ ينيلهم السعادتين الدنيوية والأخروية، فقالوا إنك دين الزهد والتواكل، والتقشف والبداوة، ولا تلائم غير أمة واحدة في عصر واحد في مكان واحد.
حسبوا حسناتك سيئات، وهناتهم حسنات، سلبوك مجدك وعظمتك، وألبسوك خرقهم البالية، وأسمالهم المرقعة، ظلموك وما أنصفوك، أجحفوا بحقك، وما احترموك، فلو كانت لك أنصار لقالوا: إنك دين المدنية، دين الحضارة، ودين العمران ولكن الله وليك، وكفيلك ونصيرك»(66).
نرى أبا اليقظان يحاور الإسلام محاورة عاقل لأن المبدع يخص المعنويات، ويجسمها فتبدو حية ناطقة تكلمه، وتسمع حواره مما يعمق فكرته، ويحرك انفعال الكاتب، وبذلك تكون هذه الموضوعات ذاتية تعبر عن هوية الكاتب، وتعبر عن شعوره في صفائه ونقائه، وبخاصة حين يمتزج بموضوعه، فتكون الأطياف الإسلامية السامية ويكون البوح العاطفي الرقراق المؤثر، بلغة هي أقرب إلى لغة النجوى والأسرار، والبوح منها إلى اللغة العادية، لأن الكاتب في مثل تلك اللحظات يقتات من نفسه، ويستقي من معين العاطفة، ويغرف من منابع الخيال، ويمزج الجميع بالحقيقة الخالدة، فتكون الخاطرة ابنة النور والديجور، ووسيلة الخلود والفناء، ولكن أبا اليقظان في الخاطرة السابقة هوى إلى النثرية، والتقريرية والمباشرة.
ومهما يكن فتلك رحلة في بعض مقالات أبي اليقظان التي نراها مقالات خاطرية في عمومها ـ رغم انزياحها أحيانا إلى النثرية ـ لما امتازت بها من ذاتية، ووجدانية وانفعالية، ومبالغة، وسرحات، خيالية، واعتمادها، على الدفقات الشعورية، وامتزاج عناصر الكون فيها بالنفس الشاعرة، التي تحترق من وهج الحياة، ونار الاستعمار والغربة، مما جعلها تهتز لنسيم الحرية، وتطرب للذكرى، وتتألم لوفاة أولئك الرجال الدعاة، وكل ما يسكب في جوانحه حسا شاعريا، وقد امتازت خواطره هذه ـ إضافة إلى ذلك ـ بأنها فقرات ومشاهد قد لا تجمعها وحدة عضوية، وإنما مربوطة بخيط شعوري رقيق. ولذلك كانت توغل بنا برفق، بأسلوب متموج كأمواج النفس العاتية وبخاصة في «المولديات» التي تفيض عاطفة، وتقطر وجدانا، وتلتهب شعورا، وتتدفق معاني، وتغزر أفكارا، وتتسربل خيالا؛ لأن موقف «المولديات» لا يضن عليه بأسراره بل يوحي إليه بكل الرؤى ويفيض عليه خيالا، ويمنحه قوة الاستجابة، وذلك بلغة رقيقة، وكلمات ثرة خصبة، مرهفة ثرية بالدلالات، والتدفق العاطفي، مفعمة بالذكريات، وصور تلتف حول الألفاظ والمعاني.
ولكنها قد تهبط أحيانا إلى النثرية، والتقريرية فتصبح أقرب إلى المقال العادي.
وعلى العموم فالخاطرة عند أبي اليقظان فن من فنون النثر عبر بها عن شعوره وإحساسه في المناسبات الكبرى، فكانت بذلك مرآة كبرى تعكس أعماقه، وهو يحترق بصهد الحياة، كما تعكس أهم اهتماماته الفكرية، والروحية التي تضرب بنسيجها في عمقه، وما يمليه على قلمه إحساسه بالأحداث.
--------------------
الهوامش
(1)- د/سعيد علوش، معجم المصطلحات الأدبية المعاصرة عرض وتقديم وترجمة، مطبوعات المكتبة الجامعية، الدار البيضاء المغرب 1984 ص105.
(2)- انظر المرجع السابق، وانظر معظم الدراسات المقارنة، وكذلك دراسات نظرية الأدب، ويطلق الجنس حينا على مصطلح نوع أدبي، وحينا آخر يؤتى بالمصطلح نفسه(جنس)؛ فمثلا؛ انظر؛ د/عبد المنعم تليمة مقدمة في نظرية الأدب، دار الثقافة للطباعة والنشر مصر 1973 ص146،
وانظر د/شكري عزيز الماضي، محاضرات في نظرية الأدب، دار البعث قسنطينة 1984 ص81.
وانظر د/ شفيق البفاعي، الأنواع الأدبية، مذاهب ومدارس، مؤسسة عز الدين للطباعة والنشر مصر 1973 ص146.
وانظر د/ فخري أبو السعود، في الأدب المقارب الهيئة المصرية للكتاب مصر 1997 ص55.
وانظر د/ محمد حامد الحضري، ماهية الأدب ومهامه دار الفكر الحديث مصر ط2، 1997 ص55.
وانظر روبارت شواتزوا وآخرين، نظرية الأجناس الأدبية، تعريب عبد العزيز شبيل، النادي الأدبي الثقافي السعودية ط1994 إلخ...
(3)- انظر تعريف المقال؛ د/ محمد يوسف نجم، فن المقالة، دار الثقافة بيروت لبنان ط 4: 1966 ص94، 95.
د/ عبد العزيز شرف، فن المقال الصحفي في أدب طه حسين، الهيئة العامة للكتاب بمصر 1982 ص22، 23...إلخ.
د/ سالم المعوش، في الأدب الحديث، الجامعة المفتوحة ليبيا 1993 ص90 وما بعدها.
د/ عبد القادر رزق الطويل، المقالة في أدب العقاد، الدار المصرية اللبنانية ط(1987) ص28 وما بعدها.
د/ جبور عبد النور، المعجم الأدبي، دار العلم للملايين ط1984 ص280.
عبد القادر محمد حسين، سيد قطب حياته وأدبه، الوفاء للطباعة والنشر المنصورة مصر 1986 ص 268.
د/ السيد مرسي أبو ذكرى، المقال وتطوره في الأدب المعاصر، دار المعارف مصر 1981 ص09 وما يعدها.
د/ نبيل راغب، فنون الأدب العالمي، الشركة المصرية للنشر لونجمان 1996 ص81 وما بعدها.
(4)- أحمد بن فارس، معجم مقاييس اللغة، تحقيق عبد السلام هارون، ج2دار الفكر للطباعة والنشر ط9، 1997، ص199.
(5)- د/ جبور عبد النور، المعجم الأدبي، دار العمل للملايين بيروت ط1979، ص101.
(6)- انظر د/ إبراهيم أنيس وآخرون، المعجم الوسيط، مكتبة القاهرة، مصر، دون تاريخ، ص243.
وانظر كذلك، أحمد رضا، معجم متن اللغة ، المجلد الثاني، منشورات دار مكتبة الحياة، بيروت، لبنان، ط 1958، ص 298.
(7)- د/ السيد مرسي، أبو ذكرى، المقال وتطوره في الأدب المعاصر، دار المعارف، مصر، 1982، ص 331.
(8)- د/ محمد البستاني، الإسلام والفن، مجمع البحوث الإسلامية، مشهد إيران، ط1409، ص 165.
(9)- ابن عربي، الفتوحات المكية، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ط1 دون تاريخ، 2/132.
(10)- انظر د/ عبد اللطيف السيد الحديدي، فن المقالة في ضوء النقد الأدبي، دار السعادة، مصر، ط1، 1996، ص 93 وما بعدها.
وانظر أيضا سيد قطب، النقد الأدبي أصوله ومناهجه، دار الشروق، بيروت القاهرة، ط4، 1980، ص 92 وما بعدها.
(11)- د/ السيد مرسي، أبو ذكرى، المقال وتطوره في الأدب المعاصر، ص331.
(12)- د/ عز الدين إسماعيل، الأدب وفنونه، دار الفكر العربي، مصر، ط1983، ص 229.
(13)- د/ السيد مرسي، أبو ذكرى، المقال وتطوره في الأدب المعاصر، ص358.
وكذلك؛ رابح لطفي جمعة، فن كتابة الخواطر، مجلة المجلة العربية ع63 س06 1983 السعودية ص16،17.
(14)-سيد قطب، النقد الأدبي، أصوله ومناهجه، ص 91.
(15)- انظر مصطفى صادق الرافعي؛
أ-حديث القمر، مطبعة الاستقامة، مصر 1953.
ب-رسائل الأحزان، مطبعة الاستقامة، مصر 1955.
ج-السحاب الأحمر، مطبعة الاستقامة، مصر 1955.
د-وحي القلم، مطبعة السعادة، مصر 1961.
هـ-أوراق الورد، مطبعة السعادة، مصر 1961.
(16)- انظر؛ أحمد أمين، فيض الخاطر، دار موفم للنشر، الجزائر 1989.
(17)- إبراهيم عبد القادر المازني: حصاد الهشيم، مطبعة الشعب، القاهرة، مصر 1969.
(18)- انظر؛ محمد البشير الإبراهيمي: جريدة البصائر الثانية أو آثاره، ج1، أو ج2، الجزائر.
(19)- د/ السيد مرسي أبو ذكرى، المقال وتطوره في الأدب المعاصر، ص 331.
(20)- د/ محمود البستاني، الإسلام والفن، ص 50.
(*)- هو إبراهيم أبو اليقظان (1888/1973)، كاتب وصحفي، وشاعر من جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وأحد أقطاب الدعوة الإصلاحية بالجنوب الجزائري، عاش أهم أحداث الأمّة الإسلامية؛ كتابة ومشاركة بالفكر والمال، وكان من أبرز الجزائريين في جمعية مساعدة فلسطين، منذ الأيام الأولى لاحتلالها، له أكثر من خمسين مؤلفا، كما أسس ثماني جرائد أغلقها المستعمر كلها... إلخ.
(21)- انظر أبا اليقظان، من سنة إلى سنة، وادي ميزاب: عدد: 65/20/01/1928.
المصدر السابق نفسه، الحج في هذه السنة، عدد: 85/02/06/1928.
المصدر السابق نفسه، ذكرى المولد النبوي الشريف، عدد: 98/25/08/1928.
وقعت الواقعة؛ مات شوقي!!، النور، عدد: 55/01/11/1932.
من رياض الجنة إلى بربروس!! البستان، عدد: 03/16/05/193
اليوم العالمي العظيم، المغرب، عدد: 11/05/08/1930.
شقاء الصحفي!! المغرب، عدد: 24/11/11/1930.
نظرة اعتبار في حادث انتحار ! النور، عدد: 23/0102/1932.
عيدان في أسبوع، الأمة، عدد: 17/15/01/1935.
يوم مشهود بالقرارة، الأمة، عدد: 18/19/01/1935.
(22)- يوم النبي، الأمة، عدد: 122/25/05/1937.
-مولد الوجود، الأمة، عدد: 29/18/06/1935
-وفد الله يسافر إلى بيت الله، الأمة، عدد: 64/25/02/19363.
-أبو اليقظان، الهجرة النبوية، الأمة عدد: 68/31/03/1936.
-أبو اليقظان، ماذا نستخلص من الهجرة من المواعظ، الأمة، عدد: 69/07/04/1936.
-أبو اليقظان، من الجزائر إلى باريس، الأمة، عدد: 82/21/07/1936.
- أبو اليقظان، مهرجان العالم الإسلامي، يوم النبي، الأمة، عدد: 122/25/05/1937.
- أبو اليقظان، زعيم شمال إفريقيا المنتظر، الأمة، عدد: 130/20/07/1937.
-أبو اليقظان، وعنت الوجوه للحي القيوم، الأمة، عدد: 134/17/08/1937.
-أبو اليقظان، العالم الإسلامي يحتفل بمولده الكريم، الأمة، عدد: 167/17/05/1938.
(23)- د/ ميشال عاصي، الفن والأدب، مؤسسة نوفل، لبنان، ط5 1980، ص 156.
(24)- أبو اليقظان، مهرجان العالم الإسلامي، الأمة، عدد: 122/25/05/1937.
(25)- أبو اليقظان، مهرجان العالم الإسلامي، الأمة، عدد: 122/25/05/1937.
(26)- أبو اليقظان، ذكرى المولد النبوي، وادي ميزاب، عدد: 98/25/08/1928..
(27)- الكريم الأشتر، النثر المهجري، دار الفكر، دمشق، سوريا، لبنان، ط4. 1984، ص 192.
(*)- «لأن المحب الصادق من انتقل إلى صفة المحبوب لا من أنزل المحبوب إلى صفته». ابن عربي، الفتوحات المكية 2/596.
(28)-أبو اليقظان، وادي ميزاب، عدد: 98/25/08/1928.
(29)- ميشال عاصي، الفن والأدب، ص 85، 86.
(30)- انظر سيد قطب، النقد الأدبي، أصوله ومناهجه، ص 91،92.
(*) - انظر النور/35. «بدأ الخلق الهباء، وأول موجود فيه الحقيقة المحمدية،» ابن عربي، الفتوحات المكية، 1/118، وهذا مصداقا لحديث جابر: «وأول ما خلق الله... إلخ».
(31)- أبو اليقظان، وادي ميزاب، عدد: 98/28/08/1928.
(**) - إن همزية البُوصيري والميمية، كانتا في المغرب العربي تُحفظان كما يحفظ القرآن، يقول الإمام البُوصيري (608-698هـ):
وكل آي أتى الرسلُ الكرامُ بها .:.:. فإنما اتصلت من نوره بهم
فإنه شمسُ فضلٍ همُ كواكِبُها .:.:. يُظهرن أنوارَها للنَّاس في الظُّلَمِ
انظر البُوصيري، الديوان، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1995، ص 168.
(32)- أبو اليقظان، وادي ميزاب، عدد: 98/25/08/1928.
(33)- د/ عبد الكريم اليافي، دراسات فنية في الأدب العربي، مطبعة دار الحياة، دمشق، سوريا، ط 1972، ص 306.
(34)- أبو اليقظان، وادي ميزاب، عدد: 98/25/08/1928.
(35)- أبو اليقظان، الأمة، عدد: 122/25/05/1937.
(36)- {وَتَرَى الملاَئِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ العَرْشِ} [الزمر:75].
(37)- أبو اليقظان، سُنَّة تُحيَى وبدعة تُغيَّر، الأمة، 112/09/03/1937.
(38)- د/ سيد مرسي أبو ذكرى، المقال وتطوره في الأدب المعاصر، ص96.
(39)-أبو اليقظان، الأمة، عدد: 82/21/07/1936.
(40)- انظر: د/سعد الله أبو القاسم، الحركة الوطنية الجزائرية، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، 1986(انعقد المؤتمر يوم: 07/07/1936م)
(41)-أبو اليقظان، الأمة، عدد: 82/21/07/1936.
(42)- أبو اليقظان، الأمة، عدد: 82/21/07/1936.
(43)- أبو اليقظان، الأمة، عدد: 82/21/07/1936.
(44)- د/ عز الدين إسماعيل، الأدب وفنونه، دار الفكر العربي، مصر، 1983، ص 229.
(45)- د/ محمود الشريف، فن المقالة، مكتبة دار العربية، الكويت، د.ت، ص 115،116.
(2)،(3)،(4)-أبو اليقظان، الأمة، عدد: 82115/30/03/1937.
(48)(2)-أبو اليقظان، الأمة، عدد: 130/20/07/1937.
(49)- سيد قطب، في التاريخ فكرة ومنهاج، دار الشروق، ط 04، 1980، ص 12.
(50)-أبو اليقظان، الأمة، عدد: 130/20/07/1937.
(51)-أبو اليقظان، الأمة، عدد: 130/20/07/1937.
(52)-سيد قطب، في التاريخ فكرة ومنهاج، دار الشروق، ط 04/1980، ص 12.
(53)-أبو اليقظان، زعيم شمال إفريقيا المنتظر، الأمة، عدد: 130/20/07/1937.
(*)- انظر الآية الكريمة: {وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنَ اَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَآءِ اَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ} الأعراف، الآية: 50. والفيض، الإملاء، الكتابة الآلية المتحررة، الانسيابية... إلخ.
(54)-أبو اليقظان، زعيم شمال إفريقيا المنتظر، الأمة، عدد: 130/20/07/1937.
(55)-د/ ميشال عاصي، الفن والأدب، ص 150.
(56)-أبو اليقظان، الأمة، عدد: 134/07/08/1937.
(57)-د/ محمود الشريف، فن المقالة، ص 125، 126.
(58)- انظر د/ عبد اللطيف السيد الحديدي، فن المقالة في ضوء النقد الأدبي، ص 45 وما بعدها.
(59)- د/ عبد الكريم الشريف، الرغبة المستحيلة، محاضرة بمدرج معهد الآداب جامعة باتنة، سنة: 1997 مخطوطة.
(60)-سيد قطب، في التاريخ فكرة ومنهاج، ص15.
(61)-أبو اليقظان، وعنت الوجوه للحي القيوم، الأمة، عدد:134/17/08/1937.
(62)-أبو اليقظان، وعنت الوجوه للحي القيوم، الأمة، عدد:134/17/08/1937.
(63)-انظر حياته محمد كامل حسين المحامي، سطور مع العظماء، دار البحوث العلمية، بيروت، لبنان، 1969، ص 45.
(64)-أبو اليقظان، الأمة، عدد:41/10/09/1935.
(65)-أبو اليقظان، وعنت الوجوه للحي القيوم، الأمة، عدد:134/17/08/1937.
(66)-أبو اليقظان، وادي ميزاب، عدد: 89/29/06/1928.

نشر المقال في دورية الحياة، العدد: 10، 1427هـ/2006م، ص157-182.

اسم الكاتب