حوار - إسلام عبد العزيز - عبد الله الطحاوي / 03-03-2010
د. كمال إمام يحاور مداركفي هذا الجزء -الأخير- ما زالت الذكريات تتداعى، ويطوف بنا الدكتور كمال إمام في عوالمه.. يحدثنا عن حياته بكل خبراتها..
والدكتور إمام بدأ حياته مذيعا في إذاعة القرآن الكريم، وكان صاحب نبرة وإلقاء متميز لا تزال إحدى سماته الرئيسية أثناء حديثه أو محاضراته.. كلمنا عن عصر عمالقة الإذاعة وازدهارها، وكيف نمت إذاعة القرآن الكريم من سويعات قليلة إلى بث لا يتوقف.
ثم دلف بنا إلى مشروعه الفقهي، وشرع في مطالعتنا على قواعد المنهج الذي يسلكه في مشروعه العلمي عن مقاصد الشريعة وعلوم الأصول وتقسيماته المختلفة لتاريخ الفقه الإسلامي؛ وهو تقسيم متميز مأخوذ من الإطار المعرفي للفقه وليس من الإطار السياسي الذي نشأ فيه؛ وهو ما يعتبر تحولا في دراسة تاريخ الفقه الإسلامي.
ومن خلال إعادة تاريخ حركة الفقه، بدأ في استكشاف الفكر المقاصدي، وتبين له أن المقاصد تبلورت كعقل، قبل أن تكون نظرية، وهي مغروسة في صلب الفقه الإسلامي في عصوره التأسيسية، وأن الظاهرة المقاصدية موجودة في القرن الهجري.
ويعكف الدكتور إمام على دراسة مذهب الإباضية وقراءة فقههم قراءة مقاصدية بعيدا عن المذهبية، وينوي إصدارها في 3 مجلدات.
وقبل نهاية رحلة التكوين -عبر ثلاث حلقات- نجدنا أمام مستخلص علمي هام ربما يذيعه لأول مرة عن علاقة المقاصد بالأصول: هل هي علاقة اتصال أم انفصال؟ أي أن المقاصد علم مستقل؛ حيث إنه جزء من الأصول.
التفاصيل يحملها حوارنا:
* من مشروعات عصر النهضة إلى مشروعات الدكتور كمال إمام نفسه.. ماذا عنها؟
- في أواخر 1969م اشتغلت بإذاعة القرآن الكريم، وكانت وقتها عبارة عن كابينة لتخزين الشرائط، ثم ذهبت إلى القوات المسلحة، وبعد عودتي بدأنا حركة تطوير حقيقية؛ لتحويلها من إذاعة للقرآن المرتل ملحقة بمراقبة البرامج الثقافية برئاسة محمود حسن إسماعيل، إلى إذاعة كاملة مستقلة اسمها "إذاعة القرآن الكريم"، منفصلة تماما عن البرامج الدينية الموجودة في البرنامج العام.
وفي 1976 -حيث كان عبد الحليم سرور رئيسا للإذاعة- تشكل لها لجنة برامج لأول مرة، وكانت هذه اللجنة تضم كلا من: الدكتور "كامل البوهي" رئيسا، والأستاذ "محمد المتولي"، والأستاذ "عبد الخالق محمد عبد الوهاب"، والأستاذ "محمد عبد العزيز"، و"محمد كمال إمام"، و"عزت حرج"، والأستاذ "سويلم شاهين"، منهم من ذهب إلى رحاب الله، ومنهم من لم يزل حيا.. هذه أول لجنة برامج يناط بها مسئولية استقلال إذاعة القرآن الكريم.
وأسست ثلاث مراقبات: "مراقبة المتابعة" ويرأسها الأستاذ "عزت حرج" بصفته مراقبا عليها، و"مراقبة البرامج" وكانت من اختصاص الأستاذ "عبد الخالق محمد عبد الوهاب"، و"مراقبة المذيعين" أو التنفيذ، وكنت "أنا" مسئولا عنها.
ومن خلال مراقبة المذيعين، وبمساعدة الأستاذة صفية المهندس، وبابا شارو "محمد محمود شعبان" وآخرين، وفقني الله في أن أستقطب مجموعة من المذيعين المتميزين، ومنهم رئيس إذاعة القرآن الكريم الحالي، ومنهم المرحوم الدكتور فوزي خليل، الذي كان نائبا لرئيس إذاعة القرآن الكريم.
وكنا نختار من يدخلون إلى مجال الإذاعة كمذيعين دون النظر إلى تخصصاتهم، فكان بعضهم من كلية الاقتصاد، وبعضهم من كلية الزراعة، ومن كلية الطب، ومن التجارة، ومن الإعلام، ومن اللغة العربية، ومن أصول الدين... إلخ
واستطاعت الإذاعة بدورها أن تستقطب جمهورا كبيرا، وأن تقدم مذيعين أكفاء، حتى إنه طلب مني -وأنا مدير للتنفيذ وكبير للمذيعين- بعض الأسماء لسد العجز في إذاعة البرنامج العام.
وفي الفترة الأولى كان كل منا مراقبا على نفسه، وكان أفضلنا حالا الأستاذ عزت حرج؛ حيث توفر له مراقب متابعة، وجهاز إداري، وموظفون، بينما أمسكت أنا بجهاز المذيعين وهو خال من المذيعين، وكذلك الأستاذ عبد الخالق محمد عبد الوهاب لم يكن لديه أي مقدمي برامج سواي وأستاذ عزت حرج، وكلانا مراقب مثله، فالتمست من رئيسة الإذاعة آنذاك انتداب مذيعين لإذاعة القرآن الكريم، فانتدب من إذاعة البرنامج العام مصطفى الزيادي، وهو الآن يعيش في النمسا، وانتدب حازم طه، وكان كبيرا للمذيعين، وانتدب لإذاعة القرآن الكريم كامل الفقي، وصلاح الدين مصطفى، وحمدي حسن، وهو الآن أحد أساتذة الإعلام في الجامعة المصرية.
كل هذا جزء من الفريق الأول الذي انتدب لإذاعة القرآن الكريم؛ لكي يتم تسييرها إلى أن يتم جذب مجموعة من المذيعين وتهيئتهم؛ لتبدأ إذاعة القرآن الكريم بمذيعين مستقلين.
وكانت إذاعة القرآن الكريم تبدأ في الخامسة صباحا وتنهي إرسالها في الحادية عشرة صباحا! حتى إن صلاة الجمعة كانت تذاع على جميع الشبكات إلا إذاعة القرآن الكريم؛ لأنها مغلقة، فطلبت من رئيس الإذاعة في ذلك الوقت أن يمتد الإرسال يوم الجمعة لتنضم مع شبكة البرنامج العام في إذاعة صلاة الجمعة، وهذا أمر منطقي وطبيعي؛ لأنها الإذاعة الدينية المتخصصة، فاستجاب على مضض، واشترط ألا يكون المذيع من إذاعة القرآن الكريم، وإنما من البرنامج العام، فأمسكنا بهذا الخيط، وأصبحت إذاعة القرآن الكريم يوم الجمعة ممتدة، تفتح 5 صباحا وتظل مستمرة إلى 11 مساء.
بعد هذا الجهد كانت ثمة رغبة لدى مذيعي إذاعة القرآن الكريم للمشاركة في تغطية الصلاة، ورفضت السيدة سامية صادق مديرة البرنامج العام وقتها رفضا باتا، فبدأنا حوارا مع الأستاذة بديعة رفاعي كبيرة المذيعين وقتها، والتي اقتنعت بعدالة مطالبنا، فأرسلت خطابا إلى رئيس الإذاعة في أحد أيام الجمعة التي ننقل فيها من مدينة قنا احتفالا بعيدها القومي، وأخبرته أن لديها عجزا في المذيعين، وليس لديها من يسافر إلى قنا، واقترحت عليه أن أسافر أنا فوافق، ومن هنا أصبح هناك حق شخصي في دور متناوب بيننا وبين البرنامج العام لإذاعة صلاة الجمعة.
الشيء نفسه حدث مع صلاة الفجر؛ حيث كانت تذيعها صوت العرب، ثم تبادلنا نحن والبرنامج العام إذاعتها معها بالتبادل كل أسبوعين إلى أن جاءت حرب أكتوبر، وتم ضم جميع الشبكات والإذاعات لإذاعة صلاة الفجر يوميا على الهواء مباشرة كجزء من الدفاع المعنوي، فكنا نذيع صلاة الفجر من مسجد السيدة زينب إلى أن انتهت الحرب وهدأت الأمور، ولم يعد من الممكن استمرار الإذاعة المجمعة لصلاة الفجر؛ لأن الإذاعات بعضها لم يكن يفتح، فأسندوا إلى إذاعة القرآن الكريم إذاعة الصلاة يوميا، فكان يومنا يبدأ بشكل رسمي من صلاة الفجر، وكان هذا عبئا ثقيلا، فلم يكن لدينا سوى مذيعين: الأستاذ عزت حرج رحمه الله تعالى وأنا، فكان من يختتم منا فترة المساء، في الـ 11 مساء يذهب لينام حتى يلحق الفجر، بينما يتواجد الثاني في مقر الإذاعة!
* ماذا بقي من المذيع؟ وماذا استفدت من هذه المرحلة؟
** أعطتني فرصة للاحتكاك العلمي والشخصي بعدد كبير جدا من علماء مصر ومثقفيها، فتعرفت إلى أكثر شعراء مصر، من خلال برنامجي "من فيض الإيمان"، الذي كان يذاع يوميا في ختام إذاعة القرآن الكريم، وهو عبارة عن 10 دقائق من الشعر الذي يلقيه الشاعر بنفسه، واستضفت فيه كل شعراء مصر: محمد التهامي، ومعوض الوكيل، وربيع الغزالي، وحسن كامل الصيرفي، وإبراهيم عيسى، ومحمود عبد الحي، وعبد الله شمس الدين، واستمر هذا البرنامج حتى بعد أن تركت الإذاعة يقدمه أحد زملائي.
* وهل مورست عليك ضغوط سياسية وأنت في الإذاعة؟
- لحسن الحظ لا؛ حيث كان لدي برنامج يسمى "قادة الفكر الإسلامي"، ولدي برنامج عنوانه "مأدبة الله"، أحدهما نصف ساعة، والآخر ساعة، وكلاهما كان يطرح قضايا لا يستطيع مذيع طرحها الآن، ولم يتوقف البرنامج ولو لمرة واحدة.
* وضيوفك؟
- الدكتور أحمد كمال عبد المعز، والشيخ محمد الغزالي، ودكتور محمد البهي، وعدد ضخم جدا من قيادات الفكر الإسلامي في مصر، حتى الدكتور زكي نجيب محمود دخل إذاعة القرآن الكريم، وسجلت له في أواخر أيامه عن حياته، وقراءاته الإسلامية في 23 حلقة، ولا تزال هذه الحلقات حتى الآن محفوظة عند الدكتورة منيرة حلمي زوجته، وبالمناسبة أول مقال كتبه الدكتور زكي نجيب محمود في حياته كان عن أبي بكر الصديق -رضي الله عنه- ونشره في أواخر العشرينيات، كما أنه كان حافظا للقرآن الكريم عن ظهر قلب.أيضا سجلت 28 ساعة صوتية مع الإمام محمد الغزالي، و24 ساعة مع الدكتور محمد زكريا، وقابلت راشد الغنوشي، وأربكان، ومحفوظ نحناح!
ولا شك أن الإذاعة مرحلة هامة في حياتي، وجزء أساسي في تكويني.
المنهج
*لو تكلمنا عن "المنهج" عند الدكتور إمام، من أين اكتسبه، وفيم أنفقه؟
- هناك منهج جزء فطري، وآخر تعليمي:
الفطري: بحكم تكويني أحب أن أضع تخطيطا للأشياء؛ أي أن أمنهجها، فحينما كنت ألقي حديث الصباح في الإذاعة المدرسية في المرحلة الابتدائية كنت أضع له نقاطا وخطة وتصورا.
وفي الجامعة كلفني أستاذي الدكتور عوض محمد، ونحن في السنة الثانية، بإعداد بحث في مادة ما، وفوجئت بعد مناقشتي للدكتوراه على يد نفس الأستاذ أنه ما زال يحتفظ بالبحث عنده؛ حيث جاءني به بعد مناقشتي الدكتوراه وحصولي عليها وقال لي: "هذه نسختك بتعليقاتي عليها، أعطيتها لي منذ سنوات طويلة، ولا تزال محفوظة عندي".
وحين قرأتها لم أجد فيها شيئا يستحق، إلا أن أستاذي لفت نظره أن منهجي في الورقة يعتمد على التفكير النقدي، وإخضاع الأفكار للأخذ والرد فاحتفظ بها.
والتعليمي: ما غرسه فيَّ أساتذتي: الدكتور عبد الحميد متولي، والدكتور عوض محمد، وأستاذي العلامة محمد مصطفى شلبي جميعهم نقاد في تخصصاتهم لا يشق لهم غبار، هؤلاء الثلاثة جعلوني أحس بأن العلم طريقة قبل أن يكون حقيقة، وهذه العبارة اقتطفتها من كتاب للدكتور أحمد أبو إسماعيل، الذي جاء بعد ذلك وزيرا للمالية، وكان أستاذا للاقتصاد بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية؛ ولهذا لا أهتم مع طلابي بالتفاصيل وإنما بالمنهج.
هذا فيما يتعلق بتكوين المنهج، أما فيما يتعلق بأسلمة المنهج، فأستطيع أن أقول إن مدرسة المسلم المعاصر -وفي مقدمتها الأستاذ الدكتور جمال عطية- كان لها تأثير كبير في هذا الاتجاه؛ لأنني منذ عام 1976 وإلى يومنا هذا وأنا ملتصق بهذه المجلة؛ فهذه المجلة تهتم بمدرسة المنهج، وهي جزء أساسي من تركيبتها الفكرية، ومن ندواتها التي عقدناها سواء في أم درمان في منتصف السبعينيات، أو في جامعة قسطنطينية بحضور العلامة الشيخ محمد الغزالي سنة 1989، وكانت حول المنهجية، وكتاباتي أيضا في ذلك الوقت كانت حول المنهجية.
وأذكر أني حينما بدأت تدريس الإعلام في جامعة الأزهر في سنة 1981، ولم أكن قد حصلت على الدكتوراه بعد، طلب مني أن أعد برنامجا لقسم الإعلام في جامعة الأزهر، أو لمادة الإعلام في جامعة الأزهر لا أذكر، فأعددت برنامجا دراسيا، فقيل لي لابد من تدريسه، فسألنا أهل الإعلام فقالوا نحن لم ندرس هذا، فكتبت كتابا بعنوان: «النظرة الإسلامية للإعلام»، وصدر عن طبعة دار البحوث العلمية في الكويت سنة 1981، وهو العام الذي حصلت فيه على الدكتوراه، هذا الكتاب ظل يدرس على مدى ثمان سنوات وأفادني ماديا، وجعل كثيرا من أقسام الإعلام في جامعات الخليج تتصل بي لأدرس فيها، خاصة في المملكة العربية السعودية.
وقصة الكتاب تبدأ حينما بدأت أعطي محاضرات للطلاب في جامعة الأزهر، وطلبوا مني أن أحدد لهم المراجع، فاضطررت أن أجلس في بيتي وأكتب الكتاب، وأذكر أن الدكتور عبد القادر طاش رحمه الله تعالى في أول مرة يقابلني -وكان مدرسا للإعلام في جامعة الإمام محمد بن سعود- سألني ونحن على الغداء في بيته: كيف ألفت هذا الكتاب؟ فقلت: لا أعرف، ولكني وضعت منهجا، ثم التزمت به في الكتاب.
وبالفعل لم أكن أعرف كيف كتبته، ولا كم استغرق مني، ولكني وضعت منهجا، ثم كتبته، لدرجة أن مجلة خاصة بالكتب -كانت تصدر عن الهيئة العامة للكتاب تقريبا- رصدت أهم 4 كتب في الإعلام على مدى ربع قرن، فكان هذا الكتاب أحد هذه الكتب الأربعة، وكان معه -حسب المجلة: "الإعلام في صدر الإسلام" لـعبد اللطيف حمزة، و"الإعلام الإسلامي" للدكتور إبراهيم إمام، ولا أذكر الكتاب الرابع.
وهذا ما يعود بي مرة أخرى إلى منهجي في كتابة تاريخ "الفقه الإسلامي" حينما كتبت في كلية الحقوق جامعة الإسكندرية تحت عنوان: "نظرية الفقه في الإسلام"، وعنوانه الجانبي: «مدخل منهجي»؛ حيث فكرت في أن عصور الفقه الإسلامي يمكن تقسيمها بأفكار مختلفة لاعتبارات عقائدية (الفقه في عصر الرسول)، ولاعتبارات سياسية (فقه الدولة الأموية)... إلخ.
كما يمكن تقسيمها بناء على علم الأصول، فقسمتها إلى ثلاثة عصور: "العصر الأول": عصر التأسيس وينقسم إلى مرحلتين: مرحلة الوحي، ومرحلة الصحابة، صحيح أن مرحلة الصحابة مرحلة استكمالية لكنها تعد أيضا مستقلة؛ لانقطاع الوحي، ولذلك قسمتها إلى مرحلتين هي الأخرى: مرحلة الوحي، ومرحلة الصحابة.
ثم "العصر الثاني" الذي أسميته عصر الازدهار وقسمته إلى مرحلتين: مرحلة المدارس الفقهية، ومرحلة المذاهب الفقهية، ثم "العصر الثالث" وهو عصر التقليد الذي لا يزال إلى يوم الناس، ولا أقصد بالتقليد الجمود، وإنما التقليد أن يدور عمل الفقيه داخل مذهب بعينه؛ فالغزالي مثلا مجتهد وفقيه عظيم، لكنه يعمل في دائرة الإمام الشافعي والجويني كذلك، فالتقليد هنا ليس الالتزام بقول الغير دون حجة، ولكنه التزام قواعد المذهب حتى مع البناء الاجتهادي الشامخ.
وهذه المرحلة قسمتها إلى "مرحلتين": مرحلة التدوين، ومرحلة التقليد، فمرحلة التدوين هي تدوين كتابات المذاهب وقسمتها إلى: مرحلة تدوين الكتب الفقهية، والكتب الخلافية، ثم مرحلة التقليد؛ حيث أصبح الفقه الإسلامي ملزما للقضاء، ووجدت في هذا التقسيم ما يستطيع أن يعيد كتابة وقراءة الفقه الإسلامي في ضوء هذه المعايير، فكانت المحاولة التي استرحت إليها وشاركني بعض أساتذتي, وفي مقدمتهم الأستاذ الدكتور جمال الدين عطية.
* أفهم من ذلك أنك تفضل التأريخ للعلم بناء على تطوره لا على زمن تأسيسه؟
- نعم.. فحتى تفهم الفقه لابد من أن تعيد الفرع إلى أصله، أي تخريج الفروع على الأصول، فلا يمكن لمرحلة التأسيس إلا أن ينظر إليها في ضوء فترة الوحي بعصمتها، وفترة الصحابة باجتهاداتها القريبة من عصر الوحي، بغير ذلك لا يمكن أن تفهم هذه المرحلة.
* تأثرك بالفلسفة واضح..
- أنا محب للفلسفة ولست دارسا لها، وربما هذا ما جعل كليات الحقوق تستعين لأول وآخر مرة بأستاذ من أساتذة الفلسفة حين مناقشة رسالتي للدكتوراه، وكان رأي أساتذة القانون الذين منحوني الدرجة أن رسالتي القانونية نصفها فلسفة، وأنهم لن يستطيعوا أن يحكموا إلا على الجزء القانوني, ولذلك لابد أن يأتوا بأستاذ فلسفة ليحكم على الجزء الخاص بتخصصه, وبالفعل جاءوا بالأستاذ الدكتور محمد كمال جعفر، أستاذ الفلسفة الإسلامية بكلية دار العلوم.
وأنا أعتبر أن الفلسفة هي دراسة في المناهج، كما أن أصول الفقه هي فلسفة التشريع، وبالتالي تصبح العودة إلى الفلسفة حين الوصول إلى التشريع عودة طبيعية، وستجدني دائما حينما أدرس أي موضوع أضع ثلاثة مباحث: الأصول الفلسفية، والمصادر الأصولية، والصدى التشريعي.
* هل حضور هذه الأصول الثلاثة شرط من شروط التجديد؟
- بالطبع؛ لأن التجديد ليس إلا محاولة للوصول إلى فكرة جديدة، أو حكم جديد يحتاجه الوضع الراهن على مستوى الفكر أو على مستوى التطبيق، فإما أن تحتاج إليه في البناء النظري، وإما أن تحتاج إليه في البناء الواقعي.
* وكيف طبقت هذه الثلاثية في مشروع المقاصد؟
- لم تطبق في مشروع المقاصد؛ وذلك لأن كل مجلد من مجلدات المشروع هو مقدمة لإيضاح دلالات الاستعراض الأفقي للكتابات التي كتبت قديما وحديثا في موضوع المقاصد، وما هي فكرتها المحورية.
فـ"المجلد الأول" مثلا كان تفكيرا في المشروع، و"المجلد الثاني" كان محاولة لمدخل مقاصدي جديد، و"المجلد الثالث" كان إعادة لكتابة تاريخ المقاصد، ونحن إذا تفحصنا الإنتاج الذي وصلنا فسنجد أن ثمة مسلمات كثيرة نقلت إلينا قديما وحديثا ليست صحيحة؛ وذلك لأن التوثيق التاريخي أثبت أن كل جهد وصلنا على أنه مؤسس سبقه جهود آخرين.
* معنى هذا أن ثمة أحدا سبق الإمام الشاطبي؟
- ثمة من سبق الشاطبي، ومن سبق الطاهر بن عاشور، وأتصور أن النظرة الأفقية للعقل المقاصدي في حركته عبر التاريخ ماذا كتب وماذا أنتج؟ هي نقطة البداية الحقيقية.
العقل الفقهي
* هل ترى أن أصول الفقه عقل فقهي أكثر منه علما له أسس وقواعد؟
- عقل فقهي موجود، استكشفته من القرن الثاني الهجري، وأشرت في مقدمات مشروعي إلى الظاهرة المقاصدية في القرن الهجري الأول لربط الأصول بالمصادر بالفروع، أو التطبيقات إلى أن وصلت إلى القرن الخامس عشر الهجري.
هذه هي المرحلة الأولى، ولذلك لابد من إعادة كتابة تاريخ المقاصد، ومجلداتي الـ 5 في هذا الإطار هي استنطاق لأكثر من 1000 عمل مخطوط ومطبوع ورسالة وبحث في المجال المقاصدي: كيف كان العقل المقاصدي يفكر؟
أما عن "المجلدين القادمين" فأحدهما عن مناهج علماء المقاصد، ومنهج كل عالم في التفكير المقاصدي، مع تطبيقات عملية لاستخدامه للمقاصد.
- والآخر عن تفعيل قواعد المقاصد؛ حيث استخرجت 150 قاعدة مقاصدية، أنزلها على المذاهب الإسلامية المختلفة، من خلال الفروع التطبيقية للقاعدة في كل من المذاهب الثمانية، وبعد الانتهاء سأعمل -إن شاء الله تعالى- على التوازي في قراءة عقل مقاصدي مذهبي وهو الفقه الإباضي.
* ولماذا الفقه الإباضي تحديدا؟
- لأن الإباضية يسعون إلى قراءة فقههم قراءة مقاصدية بعيدا عن المذهبية، وتلاقي الرغبات هنا سوف يساعد على إنجاز المهمة التي أنوي إصدارها في 3 مجلدات.
* من خلال هذا المسح وصلت إلى أن العقل المقاصدي عقل موجود في الفقه الإسلامي لا ينبغي أن نفصله عن أصول الفقه؟
- نعم.. كما أنه ليس علما مستقلا وإنما جزء، وهذا الكلام قلته مؤخرا في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، وقلته أيضا في محاضرة أذاعتها "إسلام أون لاين" يمكن الرجوع إليها.
المصدر: موقع مدارك - إسلام أونلاين على الرابط الآتي:
http://mdarik.islamonline.net/servlet/Satellite?c=ArticleA_C&cid=1235340109666&pagename=Zone-Arabic-MDarik%2FMDALayout