مسلم بن أبي كريمة التميمي القفَّاف
(أبو عبيدة)
(ت ~: 145هـ / 762م)
هو أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميميُّ بالولاء، مولى لعروة ابن أديـَّة، أصله من فارس، كان آيـَة في الذكاء، أوتي المقدرة والكفاءة في التنظير، وحسن التدبير؛ سياسيٌّ محنـَّك، وعالم جليل، عرفت الإباضيـَّة على يديه أكبر إنجازاتها السياسية في المشرق والمغرب.
أخذ العلم عن الإمام جابر بن زيد الأزدي، وروايته عنه رواية تابعيٍّ عن مثله، وقد روى عن الكثير من الصحابة، منهم: جابر ابن عبد الله الأنصاريُّ، وأنس بن مالك، وأبو هريرة، وابن عَبـَّاس، وأبو سعيد الخدريُّ، وعائشة أمُّ المؤمنين؛ كما أخذ العلم عن صحار بن العَبـَّاس الصحابيِّ العمانيِّ، وعن جعفر بن السمَّاك؛ وكان يروي عن جابر وعن ضمَّام، وأكثر ما روى عن صحار العبدي.
كان أفقه من صحار وأبي نوح صالح الدهان، وكان المقدَّم عليهما، وَعلى جعفر بن السمَّاك. وطَّن نفسه على طلب العلم والاستفادة منه، فقد مكث في التعلُّم طالبا أربعين سنة، ثمَّ مكث بعد ذلك في التعليم أستاذا أربعين سنة أخرى.
ونظرا لنشاطه الدؤوب تعرَّضت له عيون الحجَّاج بن يوسف الثقفي، فأدخله سجنه، ولم يخرج منه حَتـَّى هلك الحجَّاج سنة 95هـ/713م، فأفرج عنه ليعود إلى نشاطه العلميِّ والدعويِّ، فتولَّى إمامة الإباضيـَّة بعد الإمام جابر بن زيد الذي توفِّي سنة 93هـ/711م. فإذا كانت الإباضيـَّة عرفت إمامتها العِلمِـيَّة في شخص الإمام جابر بن زيد الأزديِّ، وإمامتها السِّيَاسِيـَّة في شخص عبد الله بن إباض المرِّي التميميِّ، فَإِنـَّهَا عرفتهما معًا في شخص أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة، الذي بعثه الله على رأس المائة الثانية ليحيي لِهذه الأُمـَّة أمر دينها؛ فخلف جابر بن زيد وتابع أعماله وإنجازاته، ونظَّر للنجاحات الكبيرة التي حقَّقها الإباضيـَّة في خلال عهده في النصف الأَوَّل من القرن الثاني الهجريِّ.
أنشأ مدرسة في سرداب قرب البصرة، بعيدا عن عيون بني أميـَّة.
وإمعانا في التمويه ادَّعَى صنع القِفاف وتعليمها حَتـَّى سُمِّيَ بالقفَّاف.
أنكر أيَّ عمل مباشر ضِدَّ الدولة الأُمَوِيـَّة. وشكَّل شبه حكومة سرِّيـَّة، تولَّى فيها بنفسه مهامَّ شؤون الدين والدعوة.
وَفي مدرسة السرداب البصريـَّة تخرَّج مشاهير أَيمـَّة الإباضيـَّة ودعاتها، أمثال: الربيع بن حبيب الفراهيديِّ، وأبي سفيان محبوب بن الرحيل، وأبي يزيد الخوارزميِّ، وأبي حمزة المختار بن عوف الشاري، وعبد الله بن يحيى طالب الحقِّ، والجلندَى بن مسعود، وسلمة بن سعد، وأبي الخطَّاب عبد الأعلى بن السمح المعافري اليمنيِّ، وكلُّ هؤلاء مشارقة. ومن المغاربة: عبد الرحمن بن رستم، وإسماعيل بن درار الغدامسيِّ، وأبو داود القِبِلِّي النفزاويُّ، وعاصم السدراتيُّ.
عرفت الإباضيـَّة تحت إمامة أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة لأوَّل مَرَّة في تاريخها نشأة دولها في المغرب والمشرق، كدولة طالب الحقِّ باليمن والحجاز، ودولة الجلندَى بن مسعود في عُمان، ودولة أبي الخطَّاب عبد الأعلى بن السمح في إِفرِيقيـَّة...
وتـتـبـُّع تراجم الأعلام من تلامذته يبرز أَهَمـِّيـَّة الإنجازات التي تحقَّقت للإباضيـَّة في إمامة أبي عبيدة.
وفضلا عن جهاده التربوي والسياسي فقد ترك آثارا علميـَّة منها:
1. مجموعة أحاديث كان يرويها عن الإمام جابر بن زيد وجعفر ابن السمَّاك، وصحار العبدي.
2. كِتَاب «مسائل أبي عبيدة»، وَهو مجموعة من الفتاوى وَبَعض المحاورات.
3. «كِتَاب في الزكاة».
4. رسائل تعرف بـ«رسائل أبي عبيدة».
5. فتاوى في الفروع والأصول، وهي متناثرة في الكتب.
6. ناظر المعتزلة وأفحم زعيمهم واصل بن عطاء.
7. اعتبره الجاحظ من الخطباء البلغاء.
ولا غرو أنَّ دوره الفعَّال في مصير الإباضيـَّة، والنجاحات الكبرى التي تحقَّقت على يده جعلت الخليفة العَبـَّاسيَّ الثاني أبا جعفر المنصور (حكم: 136-158هـ/753-774م) يقول لَمـَّا بلغته وفاته: «أوقد مات؟! إِنـَّا لله وَإِنـَّا إليه راجعون، ذهبت الإباضيـَّة».
المصادر:
*الجاحظ: البيان والتبيين، 1/230؛ 3/214. *أبو زكرياء: السيرة (ط.ت) 1/55؛ (ط.ج) 59-60، 87. *الوسياني: سير (مخ) 1/34، 61، 117، 133؛ 2/157، 186. *أبو عَمَّار عبد الكافي: كِتَاب السير (مخ) 1ظ، 2و. *ابن مداد: سيرة، 9، 18، 19، 26. *الدرجيني: طبقات، 1/12، 19، 20؛ 2/238-246. *الجيطالي: قناطر، 1/65. *الشـَّمـَّاخِـي: السير (مط) 83؛ (ط.ع) 1/87. *مجهول: السير والجوابات، 2/71 (هامش). *القطب اطفـيَّش: الرسالة الشافية، 87، 88، 107-108. السالمي: شرح الجامع الصحيح، 1/6. *الزركلي: الأعلام، 8/120. *الباروني: مختصر تاريخ الإباضيـَّة، 30-31. *علي معمَّر: الإباضيـَّة في موكب التاريخ، 1/153-159؛ ح2/ ق2/ 27. *السيابي: إزالة الوعثاء، 9، 11، 33-38. السيابي: طلقات المعهد الرياضي، 43، 45، 47. *الجيطالي: قواعد الإسلام، تعليق المحقِّق، 1/74. *دبـُّوز: تاريخ المغرب، 2/383، 410، 432؛ 3/150-195، 653. *عوض خليفات: نشأة الحركة الإباضيـَّة، 103. *مهدي طالب هاشم: الحركة الإباضيـَّة بالمشرق، 63. *مُحَمَّد ناصر: الإباضيـَّة تاريخا وفكرا، 1/31-35. *المجذوب: الصراع المذهبي بِإِفْرِيقيـَّة، 106. *ناصر مرموري: مسند الإمام الفراهيدي، 4، 5. *الحريري: الدَّوْلَة الرستمية، 67. *رجب محـَمَّد: الإباضيـَّة في مصر والمغرب، 22، 23. *رجب محـَمَّد: العمانيـُّون والملاحة، 32. *سالم الحارثي: العقود الفضِّيـَّة، 139-149، 156. *بحاز: الدَّوْلَة الرستمية، 65-75، 335، 339 *محمد ناصر: منهج الدعوة، 115-122 *جهلان: الفكر السياسي، 38. *الجعبيري: البعد الحضاري: 1/104. *الجعبيري: علاقة عُمان، 13. *الجعبيري: دور المدرسة الإباضيـَّة، 27. *مهني التواجيني وآخرون: هذه مبادئنا، 49، 135. *مجهول: مسند الإمام الربيع بن حبيب وقيمته الحديثيـَّة (مخ) 14. *ليفتسكي: جماعة المسلمين بالبصرة (محاضرة) 4-5. ابن خلفون: أجوبة، تعليق المحقِّق، 120. *الحاج سعيد: تاريخ بني مزاب، 35. *جمعية التراث: دَلِيل المخطوطات: -فهرس آل يدَّر، مقامة الإمام أبي عبيدة بين يدي المأمون، ضمن مجموع، رقم 109.
*Ennami: New Ibadi manuscripts, 67.