الدكتور: مصطفى بن صالح باجو
جامعة الأمير عبد القادر، قسنطينة
مقدمة:
تتجه الجهود الطيبة لعلماء الأمَّة ومحبِّي الخير لها إلى تجسيد مبدإ القرآن الخالد «وَأَنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمُ أُمَّةً وَاحِدَةً»، وقد عُقدت مؤتمرات، وأنجزت بحوث ودراسات عديدة في هذا المجال.
وكثير من تلك الجهود كانت خطوة جادة نحو تحقيق حلم طالما راود الصادقين من الغيورين على هذه الأمة الطيبة، الساعين للمّ شعثها ورأب صدعها، وتجسيد وحدتها التي دعا إليها القرآن وشرف بها أمة محمد صلى الله عليه وسلم، حين جعلها أمة واحدة، وأقام دينها على عقيدة التوحيد، ورغب في جهود التوحيد، ومساعي الإصلاح، {لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمُ إِلاَّ مَنَ اَمَرَ بِصَدَقَةٍ اَوْ مَعْرُوفٍ اَوِ اِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَّفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَآءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُوتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} [سورة النساء: 114].
ومساهمة مني في إثراء هذا المشروع رأيت أن ألفت الانتباه إلى معالم هادية لتحقيق هذه الوحدة الشاملة من منظور قرآني مع استبيان خطوات تجسيده عمليا، ومقاربة واقعية للاطلاع على مدى تحقق هذه الوحدة في التاريخ الإسلامي وما يقوم اليوم من عوائق في سبيل إعادة الوحدة إلى الواقع المعيش.
ورأيت تقسيم الموضوع إلى المحاور الثلاثة الآتية:
المحور الأول: مرتكزات الوحدة في القرآن الكريم. «التأصيل»
المحور الثاني: مرتكزات إصلاح الفكر لتحقيق الوحدة. «التطبيق»
المحور الثالث: مشروع الوحدة تاريخا وممارسة. «العوائق»
------------------------------------
المحور الأول: مرتكزات الوحدة في القرآن الكريم.
"التأصيل"
عالمية القرآن:
لا يجادل اثنان في عالمية القرآن، وأنه كتاب الله الخاتم للبشرية جمعاء، لم يخص به العرب أو أمة الإجابة وحدها، بل هو دعوة للعالمين جميعا، للانضواء تحت لوائه، حتى يحققوا أمنهم واستقرارهم، وينالوا سعادتهم المشودة، وينجزوا رسالتهم في الاستخلاف والتمكين.
ولا ريب أن أمة الإجابة التي شرفها الله باسم الإسلام تكون أول محقق لعالمية القرآن حين تمثل تعاليمه واقعا معيشا، فيكون في سلوكها قدوة لغيرها، ودعوة لسائر الأمم أن تهرع إلى حمى الكتاب، وتلتزم تعاليمه وتستنير بهديه.
وهذا المنطلق العالمي يقتضي من المسلمين وعيا بأهمية دورهم، وخطورة مواقفهم، ومصيرية قراراتهم، ومرجعية سلوكهم، باعتبارهم الأمة الوسط، والنخبة الرائدة للبشرية. وهذا ما يدعوهم لتجسيد الوحدة في كل شؤونهم جليلها وحقيرها، عامها وخاصها، جليها وخفيها. وأن لا تغيب عنهم هذه الحقيقة طرفة عين، وإلا كانت غفلتهم عنها بداية الانحدار، وشرارة النار، تأتي على بنيان الأمة من القواعد، وتنفر الناس عن هذا الدين، حين يبصرون في أتباعها التمزق والتشرذم، والتواكل والتآكل، والتدابر والتناحر.
ومهما أطال الخطباء، وأطنب الأدباء، وأسهب الكتاب والعلماء في بيان ضرورة الوحدة، فلن يجدي هذا فتيلا إذا لم يجد الناس لهذه الكلمات تحققا على صعيد الواقع المعيش للأمة الإسلامية.
أهداف القرآن
ليس ثمة من غاية قصوى ولا من هدف قريب لهذا الكتاب المنزّل إلا هداية البشرية إلى طريق السعادة، والأخذ بأيديهم إليها، فهو دليل أتباعه التأصيلي والتفصيلي، الذي يصحبهم في مسيرتهم إلى سعادتهم في كل المراحل، بل ويقف إلى جنبهم يذلل لهم الصعاب، ويؤمّنهم من العثار، ويحذرهم من الانحراف، ويمدّهم بالعون في كل خطوة، حتى يصلوا غايتهم سالمين.
وتعاليم القرآن كلها تتمحور حول هذه الحقيقة الناصعة.
ففي كل آية معلم من معالم الهداية، ولافتة توجه السائرين، وتنبه إلى بنيّات الطريق، وتحذر من مخاطر المنعرجات، مثلما يرى المسافر في الطرق الحديثة، لافتات آمرة، وأخرى ناهية، ونوعا آخر منبها أو محذرا، ولا يفتأ يسترشد بها حتى يصل مبتغاه، وإن أعرض عن هذه اللافتات، أو خالف توجيهاتها، لقي عنتا في سيره، أو أخطأ هدفه، أو تعرض لخطر يأتيه من سيارته، أو من طريقه، أو من السائرين، أو نالته عقوبة من حرس الطرق والموكلين بأمن المسافرين.
ولله المثل الأعلى في هذا الدستور الكامل، فقد وضعه لخير البشرية جمعاء، وأراده مرشدا ومحذرا، وداعيا ومنبها، يرقب مسيرة الإنسان في رحلته إلى الله، ويرصده في رحلته حتى يأمن العثار والانكسار، والانحراف ذات اليمين أو ذات اليسار.
وكان من تعاليم هذا الدستور وحدة المؤمنين به، باعتبارها ركنا رئيسا لضمان سير القافلة، فلا يشذ عنها راكب، ولا يتخلف عنها أحد. وإلا افترسته السباع، واختطفته الصقور.
منطق القرآن:
أما منطق القرآن، فهو المنطق المتزن، الواقعي، الوسطي، الذي أقام البرهان على ضرورة الوحدة، وخطر التفرق.
وفي غير ما آية نجد تعاليمه قائمة على الدعوة إلى الوحدة، من مثل قوله تعالى: {وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكمُ إِذْ كُنتُمُ أَعْدَآءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ ءَايَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ وَلْتَكُن مِّنكُمُ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَلاَ تَكُونُواْ كَالذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جآءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [سورة آل عمران: 103-105]
ففي هذه الآيات حقائق ناصعات لا يجوز أن يذهل عنها كل من يهمه أمر وحدة الأمة.
وتتمثل هذه الحقائق في القضايا الجوهرية المصيرية الآتية:
- الأمر الصريح بالاعتصام بحبل الله،
- وأن يكون هذا الاعتصام موقفا موحدا من جميع من تظلهم راية الإسلام،
- ثم النهي الصريح عن التفرق؛ لما فيه من محاذير تزعزع عقيدة التوحيد،
- والتذكير بنعمة الله بهذه الوحدة، والتأليف بين القلوب، بعد أن اكتوى العرب بخاصة، والبشرية بعامة بنار الفرقة والخصام، حيث استحالت حياتهم جحيما على الأرض، ومقدمة لشقاء أبدي "وكنتم على شفا حفرة من النار". ثم أدركتهم نعمة الله فأنقذهم منها.
- بيان رسالة الأمة وهي نشر الحق وهداية البشرية إلى النور، ولكن بعد ضرب الأمثلة في هذا الاهتداء. وتخصيص فئة متميزة تتمثل حقائقه واقعا معيشا، لا شعارات وادعاء. فهم فئة يدعون إلى الخير، ويرصدون المسيرة من الانزلاق والانحراف، فيأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر. ولا كالوحدة خير للمسلمين، ولا كالتفرق شر وبلاء لهم.
- بيان أن الفلاح رهن تحقيق هذه الرسالة الرائدة: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فالفئة القائمة بهاتين الفريضين هم المستحقون للنصر والتمكين والفوز، "وأولئك هم المفلحون" لا سواهم. ومن حاد عن نهجهم حرم نعمة الفلاح.
- التحذير من التشبه بأمم أخرى داخلها فيروس التشرذم فتفرقوا. وكان ذلك بعد قيام الحجة عليهم، وسطوع البينات بحرمة هذا الفعل، وتبيّن خطره وسوء مصير أهله. ولكن هؤلاء الأقوام آثروا طاعة الهوى وسوّل لهم الشيطان التنازع فحق عليهم العذاب العظيم. إذ انقطعت أعذارهم حين ركبوا رؤوسهم بعد الحجة والبيان.
هذه الحقائق الناصعة كافية لترشيد كل مسلم عاقل، وتحذيره من مغبة هذه العاقبة، إن كان عمله أو دعوته خارج مسار التوحيد، إذ يعدّ سعيه زجًّا بالأمة في هذا المسير، ودفعا لها إلى هذا المصير.
ثم إن منطق القرآن الواقعي يبني القضية على الصبر، ليجلّي لنا أن الوحدة ليست باقة ورد تنال بالإهداء، ولا مائدة تنزل على أهلها من السماء، دون مرابطة ومصابرة وعناء، بل دون ذلك جهاد واجتهاد، وبدونه لا نتيجة ترتجى، ولا وحدة تتحقق، وسنام الأمر الاستعانة بالله لأن الله مع الصابرين.
وقد وضع الله أيدينا على مفتاح القضية في هذا المقام بقوله: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [سورة الأنفال: 46].
فقد ربط قضية العزة بالوحدة، حين بيّن نتيجة التفريط فيها بالتنازع، إذ يفضي التنازع إلى الفشل في مقاومة العدو، وذهاب الريح، وهو زوال القوة ونزول الوهن والضعف، وزمام الأمر كله منوط بطاعة الله ورسوله.
وتعاليم القرآن والسنة حافلة بالدعوة إلى الاستمساك بحبل الله ومجانبة سبيل الهوى والشيطان.
ثم أناط التوجيه القرآني القضية كلها في عروتها الرئيسة، وركنها الركين، ألا وهو الصبر. ودونه لا طاعة لله ورسوله، ولا تلاحم ولا وحدة، بل تكون المعصية والمخالفة لنهج الله، ثم التنازع وذهاب الريح، وفقدان معية الله، لأن معيته يختص بها الصابرون. وما يعقل هذه الحقائق الناصعة، والقوانين الصارمة إلا العالمون، وما يوفق إليها إلا المهتدون.
فالتنازع مآله الفشل، وضياع الجهود، وزوال الهيبة، وانعدام الوزن والخطر، وتجرئة العدو على الإقدام للاستيلاء على مقدرات الأمة، والاستهانة بها، وتعريض كرامتها للمزاد، ومقدراتها للابتزاز.
ودستور الوحدة الإسلامية لا يتحقق إلا بتركيز هذه المبادئ والتوجيهات في أنفس المسلمين خاصتهم وعامتهم، روادا كانوا أم تابعين، وبخاصة من يتصدر قافلة الأمة في شتى مواقع التوجيه الفكري: في منابر المساجد، ومدارج الجامعات، وقاعات الدرس في المدارس والثانويات، ومحطات التلفاز والإذاعات. ودون ذلك لن نرتجي وحدة ولا لمّ شمل ولا قوة ولا انتصارا على أعداء الأمة والدين، وما أكثر الأعداء المتربصين، والكائدين لهذه الأمة بشتى الأساليب والوسائل كل حين.
مبادئ القرآن
القرآن الكريم طوق النجاة، ودليل السعادة. هذه حقائق لا يجهلها ولا يماري فيه مسلم.
ومبادئ القرآن قائمة على ركنين أساسيين: توحيد الله، وتوحيد الصف. أو كلمة التوحيد، وتوحيد الكلمة.
فتوحيد الله إفراده بالعبودية والتعظيم، والدينونة له بالطاعة والقصد في كل الأعمال جليلها وحقيرها، والإيمان بيوم الجزاء موعدا لتحقيق العدل في سعي الناس في هذه الحياة. ودون الإيمان بالله واليوم الآخر لا يرتجى صلاح للبشرية ولا استقامة ولا أمن ولا استقرار.
وكل سعي خارج هذه المظلة، جهد مهدر، وعمل لا يثمر، {فَمَن كَانَ يَرْجُوا لِقَآءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} [سورة الكهف: 110]
أما من عمل لغير الله، وابتغى بسعيه مقصدا آخر فله ما نوى، {مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الاَخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُوتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الاَخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ} [سورة الشورى: 20]
والدعامة الثانية هي وحدة الصف. وقد سبقت الإشارة إلى أهميتها، وأن القرآن أولاها مقاما عليًّا، وجعلها صنوا لتوحيد المعتقد، ولازما له، وأي خلل في هذه الوحدة فإنه ينبئ عن خلل في توحيد الله، لأنه جمع المؤمنين به في زمرة واحدة، ودعاهم إلى عبادته صفا واحدا، وأمرهم بالتضامم ليجابهوا عدوهم الأكبر "الشيطان" وحزبه، إذ لا وجود لأحزاب في معيار القرآن إلا لاثنين، حزب الله وحزب الشيطان. وقد كتب الله الفلاح لحزبه، والخسار لحزب عدوه، تحقيقا لدعوة صاحب كل حزب. فدعوة الله إلى حيث النعيم والسلام. {وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلاَمِ وَيَهْدِي مَنْ يَّشَآءُ اِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [سورة يونس: 25]. بينما يدعو الشيطان أتباعه إلى حيث الجحيم والشقاء: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا اِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنَ اَصْحَابِ السَّعِيرِ} [سورة فاطر: 6].
أسلوب القرآن في ترسيخ وحدة الأمة:
يتبوأ القرآن قمة الإعجاز البياني، الذي به تحدى البلغاء، فأعجز فصحاء العرب عن مضاهاته، وثبت بذلك أنه كتاب حق من عند الله، وتحدّى الله العرب والإنس والجن قاطبة أن يأتوا بمثله، فأذعنوا لبلاغته، وكان ذلك سبب إيمانهم، إلا من اختار المكابرة حسدا وبغيا.
وكل هذه المعالم في تاريخ الدعوة مسجلة بتفاصيلها في آي القرآن، يقصر عن حصرها المقام.
ومن أجلى وجوه الإعجاز في أسلوب القرآن مزاوجته في الخطاب بين مقتضيات العقل، ومؤثرات القلب، فقد جمع في خطابه بين الإقناع العقلي والتأثير العاطفي، في أسلوب متوازن لم تعرف البشرية له نظيرا.
ومرامنا الإشارة في هذه النقطة إلى أسلوب القرآن وأدواته في خطاب المكلفين، وضرورة توظيفها في تحقيق أهدافه.
وقد وجدنا آي القرآن متنوعة، وأدواته متعددة في بلوغ الهدف وإيصال الفكرة إلى المخاطب، فتارة يستثير مشاعره، وطورا يوجه تفكيره، وأخرى يضع أمامه آية من آيات الخلق، وحينا يذكره بأصله، وأحيانا يحذره من سوء العاقبة، وفي كثير من الأحيان يفتح أمامه مشاهد يوم القيامة. وكل ذلك لضمان الاستجابة، وتأمين الاستمرار على الهداية، وتحصين المسلم من مخاطر الانزلاق، وعقابيل النسيان.
وفي مجال الوحدة، نجد هذه الأساليب والأدوات التعبيرية والتصويرية حاضرة في آيات القرآن، وهي جديرة بالتوظيف في منهج الدعاة اليوم، لتحقيق الوحدة المنشودة.
فقد دعا القرآن البشرية إلى توحيد الله، حين ذكرهم بوحدة أصلهم، وأن الله خالقهم جميعا، من أب واحد، {يَآ أَيـُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [سورة الحجرات: 13]
فذكرهم بأصلهم الأول، وأبيهم آدم، وخالقهم الواحد، وجعل نسلهم في أنساب تجمعها دوائر الشعوب، وتربطها أواصر القربي ونسب القبائل، وحدد هدفهم من ذلك كله ألا وهو التعارف، وما التعارف إلا مقدمة للتعاون على البر والتقوى، ثم بين أن سنام الأمر في هذا هو التفاضل بين أبناء آدم، ولا معيار لهذا التفاضل إلا التقوى، وهو معيار خفي لا يعلمه إلا خالق الإنسان العليم بأحواله الخبير بما يجنّه ضميره، ولا غرو فهو الخالق العليم بخلقه {أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [سورة الملك: 14]
ونجد النسق نفسه في مواضع من الذكر الحكيم، تربط بين التقوى وبين أصل الإنسان: {يَـآ أَيـُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبـَّكُمُ الذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَآءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الذِي تَسَّآءَلُونَ بِهِ وَالاَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [سورة النساء: 1].
فجعل لخلق الإنسان من نفس واحدة صلة بتقوى الله، وجعل في كثرة النسل دليلا على قدرة الله ونعمته على الإنسان، مما يدعوه إلى تقواه، ويحمله على مراعاة تلك الرحم الجامعة، فيحيي بذلك رقابة الخالق على أفعاله وتصرفاته، فلا يسعى لتقطيعها أو توهينها.
ولا يعني رابطة الرحم إلا مقدمة لرابطة الدين، وتوطيد لحمتها بوشائج التوحيد، لتكوين الأمة الرائدة المتلاحمة، وإلى ذلك يدعو الحق عز وجل عباده بقوله: {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمُ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ} [سورة الأنبياء: 92]
وقد جاء هذا البيان القرآني بعد ذكر مَن سبق مِن الرسل وذريتهم الطيبة، من إبراهيم وذريته إسحاق ويعقوب الصالحين، وداود وولده سليمان، وزكرياء وأهله وولدهما يحي، فختم قصص هؤلاء بالتنبيه إلى ضرورة ترابط لحمة النسب وقيامها على أساس الدين، حتى تتآزر الروابط، وتتحقق الوحدة المنشودة في المعتقد والموقف والسلوك، وتتلاحم وحدة الصف بكلمة التوحيد.
أما إن انتقضت كلمة التوحيد لم تشفع لأهلها روابط الدم والنسب، وكذلك كان حال إبراهيم مع أبيه، وحال نوح مع ابنه، وحال لوط مع امرأته. كما فصلتها مشاهد هذه السورة الجليلة.
وأكد القرآن هذه الصلة الوثقى بين توحيد الكلمة وتوحيد الصف، في سورة أخرى فقال: {وَأَنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمُ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ} [سورة المؤمنون: 52].
فجماع الأمر من هذا التوجيه تحصيل التقوى، لأنها مناط التكليف، وبناء عليها يتحدد مصير الإنسان.
ومنهج القرآن واضح جليّ، وهدفه محدد بارز، فقد ربط الله بين معيار التقوى، وبين مصير الإنسان، ألا وهو الوقوف بين يدي الله في موعد آت محتوم: {وَاتَّقُواْ اللَّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّكُمُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} [سورة البقرة: 203].
وقد ركز القرآن في غير ما آية على قضية المصير، لأنها تزيل كل أسباب التفرق والتنافر والتناحر بين البشر، وتذيب فوارق الجنس واللون والمنزلة الاجتماعية والطبقية، حين تربط الإنسان بمستقبله المحتوم، ليقف بين يدي خالقه يسأله عن أيامه التي منحها إياه في هذه الحياة.
فسؤال الإنسان هو الغاية من الحشر، ليتحدد مصيره الأبدي بعد ذلك، إما إلى دار رضوان ونعيم، وإما إلى جحيم مقيم.
وتحديد المصير رهن بما قدم في هذه الحياة، هل قضاها في الصالحات ونفع الناس وجمعهم على الخير، يصل ما أمر الله به أن يوصل، أم قضاها في مقارفة المآثم، والسعي لقطع ما أمر الله به أن يوصل، ونشر الفساد في الأرض؟.
وقد قدم القرآن عرضا تفصيليا لدور كل فريق وما سجله في ديوانه من عمل، ثم ما ترتب على ذلك من جزاء ومصير، وعرضه في لوحة حية تأخذ بمجامع القلب، وتستحوذ على اهتمام العاقل البصير ليقرر مصيره من الآن، ويسعى لرأب الصدع ولمّ الشمل، وجمع الكلمة، ووصل ما أمر الله به أن يوصل قبل فوات الأوان: {الذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلاَ يَنقُضُونَ الْمِيثَاقَ وَالذِينَ يَصِلُونَ مَآ أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُّوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبـَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ وَالذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَآءَ وَجْهِ رَبـِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلاَنِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيـِّئـَةَ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ جَنَّاتُ عَدْنٍ يـَدْخُلُونَهَا وَمَن صَلَحَ مِنَ ـ ابَآئِـهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيـَّاتِهِمْ وَالْمَلآَئِـكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُـقْـبَى الدَّارِ وَالذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُّوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الاَرْضِ أُوْلَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ} [سورة الرعد: 20-25].
المحور الثاني: مرتكزات إصلاح الفكر لتحقيق الوحدة.
"التطبيق"
الانطلاق من الفكر إلى الممارسة:
بناء على التأصيل القرآني لقضية وحدة الأمة، ووحدة الصف، في السرّاء والضراء، {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنـَّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوصٌ} [سورة الصف: 4]
فقد أصبح لزاما أن تترجم هذه المبادئ إلى حقائق واقعة، وتنتقل من الفكر إلى الممارسة.
ولا أضمن لهذه النقلة إلى عالم التطبيق من إحياء معاني القرآن في نفوس الأمة كلها، وتركيز الجهد على توجيه الخطاب الجماهيري في شتى المنابر لإحياء هذه المعاني في النفوس، ومجاهدة النفس لترجمتها إلى سلوك عملي، واعتبار ذلك من أشرف العبادات، وأجلّ القربات، بل ومن أكبر أنواع الجهاد، لأنها سبيل محفوفة بالمثبطات، تتوالى على المرء من داخل نفسه الأمارة بالسوء، النزّاعة إلى الفرقة، ومن خارجها من وسوسة الشيطان، ومن دعاته وأنصاره من الإنس والجان. وهذا ما يدعو المسلم الرباني إلى الحذر من هذه المخاطر، واستحضار يوم المساءلة الأكبر كل حين، حتى يغالب بتذكره وسواس النفس وهمزات الشياطين.
محاور إصلاح الفكر لتحقيق الوحدة:
وإصلاح الفكر الإسلامي لينسجم وتوجيهات القرآن لتحقيق الوحدة المنشودة يكون عبر المحاور الآتية:
أولا: ربط الإنسان بخالقه، وتذكيره بنعمة الإسلام، ومساءلة الإنسان غدا عن كل أقواله وأفعاله، فلا ينطق إلا خيرا أو ليصمت.
وهذا كفيل بلجام لسانه عن التفوه بما يغضب الله، ويرضي الشيطان، وفي مقدمة ذلك الكف عن كلمات التفريق، وأسبابه، وقد حذرنا المصطفى بقوله: «إياكم وفساد ذات البين، فإنها الحالقة، لا أقول تحلق الشعر، ولكنها تحلق الدين»(1). بل جعل دخول الجنة مشروطا بالإيمان، وبنى الإيمان على المحبة بين المؤمنين(2). فأين التفرق والتنافر من هذه التعاليم والأحكام؟.
ثانيا: التركيز على يوم الجزاء، وإحياء معاني المصير في نفس كل مسلم، حرصا على مداومة الرقابة الذاتية، فلا ينزلق به لسان أو تصرف أو مقال فيكرس به الفرقة أو يغرز بها سكينا في وحدة الصف، فيشرخها أو يقوض دعائمها.
ثالثا: عدم تقديس الآباء:
ومأتى كثير من المسلمين في تكريس الفرقة القائمة، ترديد المبدإ المنقوض بصريح القرآن: {إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىآ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىآ ءَاثَارِهِم مُّهْتَدُونَ} [سورة الزخرف: 22].
فما كان من خطإ في التاريخ الإسلامي لا يجوز أن يكون مرجعا للمسلمين، بل إن لكل امرئ عمله، وكل بشر يصيب ويخطئ، والحكم المرجع هو دستور المسلمين الخالد المحفوظ، وقد تبين لنا ما قرره في أمر الوحدة والتوحيد، بما ليس عليه مزيد.
ولئن أخطأ بعض من سبقنا، فلا يجوز أن نغض الطرف عن صواب كثيرين ممن مضى، وكانوا على بصيرة من دينهم وكتابهم، أفلا يجدر بنا أن نتخذ هؤلاء قدوة، لأنهم أهدى سبيلا، وأحسن فعلا وأقوم قيلا؟
والذي نأسى له أن نجد بعض المسلمين اليوم، وبخاصة من يتصدرون للتوجيه، من يعمد إلى انتقاء مقولات علماء سابقين، فيجعلها مستندا لتكريس التشرذم والفرقة بين أبناء الأمة، وما ذاك إلا عن عدم بصر بحقائق الدين، بل أكاد أجزم أنه استجابة لدافع سيء من النفس الأمارة بالسوء، ومن شياطين الجن والإنس ممن يزخرفون القول، ويلبسون الحق بالباطل، ويزعمون أنهم يريدون الحق وإليه يهدون، وهم عن الهدى بعيدون، وعن حقائق القرآن غافلون، وبها جاهلون.
رابعًا: عدم تحميل الأبناء تبعات السابقين:
مما يزيد الطين بلّة في مقام معالجة أسقام الأمة المكينة، وفي صدارتها داء الفرقة والتشتت، ما نجده في خطاب المنابر في مواقع شتى من العالم الإسلامي، إدانة الأجيال الحاضرة، بتصرفات بدرت من أناس مضوا في الأعصر الغابرة، وتحميل الأبناء جريرة الآباء، إن كانت تلك جريرة بحق ويقين، إذ كثيرا ما تكون روايات التاريخ مدسوسة أو مفتراة، لا تصمد أمام النقد العلمي النزيه. والحال أن القرآن في آياته، والإسلام في أحكامه، قد حسم المسألة بجلاء، حين قرر المسؤولية الفردية لكل إنسان عن عمله، في الدنيا والآخرة، فلا يعاقب أحد بذنب أحد، ولا يتحمل أحد جريرة أحد: {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ} [سورة المدثر: 38].
ونص القرآن صراحة على انقضاء من سلف بما أتى من أفعال حميدة كانت أم ذميمة، قد خلت، {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ اِلَى حِمْلِهَا لاَ يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى} [سورة فاطر: 18].
فعلامَ الإصرار على نقض كل هذه المبادئ، والتعمية على كل هذه الحقائق، لتأريث نار الفرقة، وإشاعة سوء الظنون، وتبييت النوايا السيئة بين المسلمين، حتى تدوم حالة الوهن، وتظل أمة صالحة للاستذلال والاستغلال إلى يوم النشور.
ولو حييت معاني الإيمان الحق في النفوس، والخوف من مساءلة الله يوم الجزاء، لعالجنا هذه الأدواء من الجذور.
خامسًا: اعتماد قاعدة «تلك أمة قد خلت»:
وهي قاعدة قرآنية قطعية، تنبني على مبدإ المسؤولية الفردية للجماعات والأجيال، تماما مثل مبدإ المسؤولية الفردية للأشخاص.
وهذا ما يقتضيه العدل الإلهي، ويقره منطق العقل والفطرة السليمة، فكما أنه لا يسأل أحد عن أحد، وكذلك لا يسأل قوم عن قوم، ولا جيل عن آخر.
بل إن الإسلام يقرر أن على المرء أن يشتغل بما لا يعنيه، وما دام ليس مسؤولا عمن مضى، فلا يجوز له أن ينفق عمره الثمين لنبش القبور ومحاكمة من أفضى إلى ربه، ولقي ما عمل.
وإن كان ثمة من مبتغى يرتجيه من دراسة الماضين فهو الاعتبار والادكار، والتأسي بالأخيار، وتجنب ما حدث من أخطاء، حتى يكون تأخره الزماني فرصة لتقدمه الإنساني في مضمار الرقي والاستقامة واتخاذ أسباب النصر والرشاد.
وتلك غاية ما قص لنا من قصص الأنبياء والأمم السابقة في القرآن، {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي الاَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِن تَصْدِيقَ الذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُومِنُونَ} [سورة يوسف: 111]
والحال أننا ذهلنا عن مقصد القرآن من استذكار التاريخ، واتخذنا ترداد التاريخ محاكمات للغابرين، ومخاصمات للحاضرين، وشغلا للفكر عن مهمات القضايا، وإهدارا للطاقات في توافه الدعاوى، وتكريسا للعداوات والبلايا.
ولو عقلنا معاني القرآن، والتزمنا مبادئه ما كان منا ما كان.
سادسًا: الاحتكام إلى العقل والمنطق:
لا شيء ينغص على الإنسان حياته، ويضيِّع عليه فرص النجاح، والتقدم، كالاحتكام إلى منطق العاطفة بعيدا عن منطق العقل.
وقد منح الله الإنسان هذا الميزان ليضبط به مسار حياته، ويوازن بين الأشياء، فيتضح له النافع فيقصده، ويتبين له الضار فيتقيه.
وخطاب القرآن للبشرية كان مبنيًّا على أساس الحوار العقلي وحجج العقل، وفي أحيان عديدة يمزج ذلك بالإثارة العاطفية حتى تتحرك دافعية الإنسان إلى الاستجابة والتأثر، فيترجم قناعة العقل إلى سلوك عملي.
بيد أن المسلمين في مساحات واسعة من حواراتهم، وكتاباتهم، وسلوكهم، غيبوا جانب العقل واحتكموا إلى العاطفة، فكانت نتيجة مسعاهم سلبية في أكثر الأحيان.
ووحدة الصف لن تعود إلى عافيتها دون تحكيم العقل في نتائج الوحدة على كل الأصعدة، وفي كل المراحل، وتجلية وخيم العواقب على الأمة حين تغيب الوحدة، وتستبدل بها النفرة والشقاق والتدابر، وكفى هذه العقابيل خسرانا قول المصطفى عليه السلام «فإنها الحالقة، التي تحلق الدين». وهل يرتجى خير لمن حلق دينه وزال عنه أساس سعادته في العاجل والآجل؟.
ودستور الوحدة الإسلامية يجدر به أن يركز على حقائق الوحدة، بالأرقام والإحصائيات، ويكشف عن أضرار التفرق بالأرقام والإحصائيات، ويعمم هذه النتائج على أكثر من صعيد، ويوجه المتصدرين للمنابر المتصدين لبناء العقل المسلم إلى ترسيخ هذه النتائج في وعي المسلمين حتى يستجيبوا لداعي الوحدة بكل صدق ويقين. ولا تظل الوحدة حلما يراودهم ساعة، ثم يخلدون إلى ما ألفوا من التنابز والتباغض وسوء الظن، والكيد لبعضهم، ويزعمون بعد ذلك أنهم أمة وحدة وتوحيد.
سابعًا: رفض الانسياق وراء تيارات الفرقة، والتأثر بها:
وحدة المسلمين غاية عزيزة المنال، ومما أغلى مهر تحصيلها تجار الفرقة وسماسرتها، وفي صدارتهم دعاة الشعوبية الحديثة، الذين ينعقون بالعصبية القومية، والأفكار المنافية للوحدة، مما يفرخ في عقول البشر التائهين عن هدى الإسلام. فتارة نسمع بالوطنية، وأخرى بالقومية، وطورا بالعرقية، وآخر بالمذهبية، وطورا بالديمقراطية، وآخر بالعلمانية، وحينا بالعالمية، والقائمة مفتوحة للتكاثر.
وبعض أبناء المسلمين لجهلهم أو سذاجتهم يصدقون بهذه الشعارات فينساقون وراءها، ويضحون بوحدة أمتهم في سبيلها. ويزيدون فرقتها، بما يضيفون من جديد علل إلى أدوائها، فيطيلون ليل بلائها، ويعسر على دعاة الوحدة رأب الصدع وعلاج الداء إلا بمضاعفة الجهد، وطول الزمن، وكل ذلك تفويت لفرص ثمينة، وتضييع لطاقات ومقدرات وجهود كان أولى بها أن تصرف في تشييد مجد أمتنا المنتظر. ولكن..
إذا لم يكن إلا الأسنة مركبا .:.:. فما حيلة المضطر إلا ركوبها
ثامنًا: تفعيل منطق الاحتمال «وإنا أو إياكم»:
من المبادئ التي قررها القرآن الكريم، واتخذها منهجا لنشر دعوته بين الناس، وتقرير الصواب في المعتقد وبيان خطإ التصورات والديانات المخالفة للتوحيد الصحيح، مبدإ الحوار والإقناع، وفتح جسور الجدل الهادف، دون إقصاء أو حكم مسبق، أو إغلاق الوجه أمام الرأي المخالف مهما اشتط في الضلال، واستبد صاحبه برأيه معتقدا صوابه إلى أبعد حدود الاعتقاد.
وقد كان لهذا المسلك أثره الواضح في استلال سخائم العداوة وأسباب رفض هذا الدين من قلوب كثير من الناس، وإحلال الإنصاف والاعتراف في نفوسهم، ففتح الله قلوبهم لنور القرآن، وانضموا إلى قافلة المؤمنين فاعتز بهم الدين، واستُنقذوا من براثن الجاهلية، وأصبحوا هداة مرشدين.
ذلكم هو منطق الاحتمال، وأعني به احتمال الصواب والخطإ في الفريقين معًا، وفق إرشاد الله في كتابه الحكيم، إذ وجّه إليه المؤمنين في حوارهم مع المشركين حتى يعترفوا بالله رازقا للخلق، فيذعنوا له بالعبودية والتوحيد، فقال: {قُلْ مَنْ يَّرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّآ أَوِ اِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى اَوْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} [سورة سبإ: 24].
ثم ترك المجال مفتوحا لكل امرئ وما اقتنع به، دون فرض وصاية على أحد، وإكراهه على معتقد بلا طمأنينة أو اقتناع. {قُل لاَّ تُسْأَلُونَ عَمَّآ أَجْرَمْنَا وَلاَ نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [سورة سبإ: 25]. لأن الحكَم هو الله، وإليه المصير ليسأل كلا عمّا فعل: {قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبـُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ} [سورة سبإ: 26].
ودائرة الحوار لم تنحصر في إطار معين، بل شملت المشركين وأهل الكتاب جميعا، {وَلاَ تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا ءَامَنَّا بِالذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} [سورة العنكبوت: 26].
ولئن كان هذا المنطق مهمًّا وضروريا مع غير المسلمين، وقضايا الخلاف فيه جوهرية تمس أساس التوحيد، ومصيرية يتعلق بها موقف المسلمين، ومصير البشرية جمعاء، أفلا يكون الأمر أكثر تأكيدا، وأخطر تأثيرا في خلافات المسلمين أنفسهم، فيتسع الصدر لها ما دام يحتملها نص الشارع، وتحتضنها مظلة الإسلام، ولا تمس جوهر الدين ولا قطعيات الشريعة السمحاء؟
إن كثيرا من القضايا الخلافية استغلت استغلالا سيئا لا لتبيان وجه الحق، بل لتمزيق الصف، وترسيخ الفرقة، وتأريث نار العداوة والشقاق بين أبناء الأمة الواحدة. وما أكثر هذه النماذج في تاريخنا الإسلامي القديم والحديث على حد سواء.
ولا ضير أن يقع الحوار الهادئ المتزن بين المسلمين فيما وقع فيه الاختلاف، شريطة أن يلتزموا أدب الحوار وقواعد الاختلاف، ولا يتخذوا من الظنيات أصولا وكليات يفرعون عليها أحكاما تناقض القطعيات، من استباحة عرض المسلم أو دمه أو ماله، ورميه بأشنع التهم وأقسى الأحكام، دون سند من الشرع الحنيف.
وجدير بكل من أوتي مسؤولية الكلمة أن يتنبه إلى هذه الحقيقة الناصعة، ويتخذها منهجا لإعادة وحدة الصف إلى وضعها السليم.
تاسعًا: رفض الإصرار على الفكرة دون حجة قاطعة:
تماشيا مع قواعد ترسيخ الوحدة، ونبذ أسباب الفرقة، يجدر أن تترجم الرغبة في الوحدة إلى خطوات عملية حقيقية، ومن أهمها لزوم الإذعان لصوت الحق إذا دعا المتناظرين، والترفع عن المراء والإصرار على الرأي إذا عري عن الدليل، أو لم يكن له وجه حق من عقل ولا دين.
وقد كان للإصرار على الآراء النشاز دور في تعثر جهود طيبة بذلت لتقريب الشقة، وتوحيد الصف، فكان لا بد من تصحيح هذا الخلل بالاحتكام إلى منطق القرآن الذي أنصف العقل حين استعرض حجج منكري التوحيد، ومنكري الإسلام، ومنكري البعث، وغيرهم ممن ألحد في الله، أو انحرف في السلوك، فبسط الله حجج الجميع، وبيّن خطأها، ثم أقام حقائق الدين الحق، وأثبتها بالبرهان، وألزم العقلاء أن ينصفوا من أنفسهم ويصيخوا لقولته الصادقة وحجته القاطعة.
والقرآن طافح بنماذج من هذا النسق الحجاجي الرصين، نجتزئ منه آية تكون أنموذجا وافيا بالمطلوب؛ مفضية إلى الغرض المقصود. إذ يقول الحق عز وجل: {اَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَاتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ فَإِ لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَآ أُنزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَن لآَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَهَلَ اَنتُم مُّسْلِمُونَ} [سورة هود: 13-14].
فقد عرض دعواهم واتهامهم رسوله محمدًا صلى الله عليه وسلم باختلاق القرآن، وردّ عليهم بلازم قولهم، أن تفضّلوا بمضاهاته فيما اختلقه، وفتح لهم فرص التحدي إلى أقصى الحدود، وأن يستعينوا بمن شاؤوا للإتيان بجزء لا يعدو عشر سور مفتريات. وإذا ثبت عجزهم لزمهم الاعتراف بكذب دعواهم أولا، ثم الإذعان لدعوى محمد وهي أن هذا وحي من عند الله، وحق عليهم الإقرار يقينا بصدق هذه الدعوى، وأن هذا كلام الله لا سواه. وهو المتفرد بالألوهية والخلق، والوحي وإرسال الرسل.
ثم جاءت النتيجة المنطقية الجلية، والخطوة العملية المرجوة: "فهل أنتم مسلمون"؟.
هكذا نريد من الحوار بين المسلمين أن يفضي إلى أمثال هذه المواقف الشجاعة المنصفة، ليقضي على أسباب الفرقة ودواعي الاختلاف والتنازع، وتضييع الجهود دون طائل ولا ثمرة ترتجى، في الدنيا ولا في الآخرة.
وكل تغييب لهذه القاعدة سيكون إطالة للأزمة الراكدة، بل ترسيخ للمصائب المتتابعة على أمة الإسلام. وحينها يصبح الجدل تهافتا وتهاترا، بل واستعراضا للعضلات، واستنزافا للطاقات والقدرات.
وقد أثبت القرآن خطر هذا المنهج على مصير الإنسان، في شؤون التوحيد، وكذلك الأمر يكون في سائر شؤون الحياة. {وَمَنْ يَّدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا ـ اخَرَ لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ} [سورة المؤمنون: 117].
المحور الثالث: مشروع الوحدة تاريخا وممارسة.
"العوائق"
محاولة إسقاط مبادئ القرآن على الواقع التاريخي الإسلامي:
بعد هذه النظرة التأصيلية لأرضية الوحدة الإسلامية وميثاقها من منظور قرآني، يجدر بنا أن نلقي نظرة عجلى على واقعنا التاريخي لنستجلي العبرة في مسيرة أمة الإسلام من هذه الضوابط، ومدى قربها أو بعدها عنها، حتى نضع الدواء على الداء، ويمكننا تفسير ما حدث وتعليل ما جرى، دون حيرة أو تردد أو استغراب.
ومن الإنصاف أن نعجل بذكر الحقيقة المرة، وهي أن المسلمين لم يحتفظوا كلهم بالمستوى الرفيع الذي رسمت معالمه التفصيلية تعاليم القرآن وهدي المصطفى عليه السلام، وجسدته سيرة الصالحين من أئمة المسلمين منذ عصر الصحابة الأجلاء.
فقد حدثت أخطاء عديدة في تاريخ هذه الأمة أورثت النتائج المنطقية السلبية بل المدمرة لوحدة الأمة، ولا يزال المسلمون يدفعون ضريبة هذه الأخطاء، ويتحملون أوزارها وتبعاتها، في نزيف غير محدود، لمّا ينته أمده بعد، وربما يبدو عند التشاؤم ممتدا إلى ما شاء الله من السنين أو القرون.
واللافت للانتباه أن تحدث هذه الأخطاء في منطلق مسيرة أمة الإسلام، بل إن بعضها نجم على عهد رسول الله، وقد حذر منها أصحابَه، ورفع أمامهم اللافتات الحمراء، لأنه يدرك بوحي الله أن تلك شرارة لا تلبث أن تغدو حريقا يأتي على بيت المسلمين، ويقوض دعائمه من القواعد.
وقد قطع الله العذر على الأجيال المسلمة، حين قدّر أن تقع هذه الأخطاء في زمن رسول الله، حتى يبين كيفية معالجتها، ويقدم النموذ العملي لتجاوزها، فكان في هذه النماذج حلول عملية، وخطوات رائدة تهدي الأمة للخروج من الأزمة إن وقعت.
فالنظرة التفاؤلية تحملنا على استبشار الخير بحدوث تلك السوابق، إذ كفانا رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم مؤنة العناء في بحث الحلول لها.
وقد زخرت سنة المصطفى عليه السلام بهذه المواقف الراشدة، تسديدًا لمسيرة الأمة، وتصويبًا لأخطاء الممارسة الواقعية لبعض الصحابة رضوان الله عليهم.
ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم «من قال لأخيه المسلم يا كافر فقد باء بها أحدهما»(3)، فبيّن خطورة هذا الحكم دون مبرر شرعي يقيني. لأن الحكم بالكفر ينتج عنه أحكام قاسية، من أخطرها استباحة الدم، ولذلك أنكر النبي صلى الله عليه وسلم على أسامة بن زيد حين قتل الرجل الذي نطق بالشهادة تحت سطوة السيف في المعركة، فقال له: أقتلته بعد أن قالها»(4).
والحال أن نطق الشهادة يعصم الدم والعرض والمال: «كل المسلم على المسلم حرام؛ دمه وماله وعرضه»(5).
وقد حذر المصطفى أمته بالغ التحذير من مغبة الانزلاق إلى منحدر التكفير وآثاره الوخيمة، فقال موصيًا في خطبة الوداع: «لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم برقاب بعض»(6).
ونبه إلى خطر العصبية وأنها من أسباب التفرق، ومن قيم الجاهلية المقيتة، التي اصطلى العرب بنارها أزمانًا، وأذاقتهم الويلات والمحن ألوانا، فقال: صلى الله عليه وسلم «دعوها فإنها منتنة»(7) وأنكر عليهم إحياءها، وتوجّس خيفة من عقابيلها.
ولكن هل وعى المسلمون هذه التحذيرات، فأيقظوا في ضمائرهم نذر الخوف منها، واجتهدوا لتنقية صفوفهم من دعاة الفتنة، وسماسرة التفرق؟ الكل يجيب والأسى ملء الحنايا: لا، وأيم الله، بل كان الأمر خلاف ما يرتجى. وقضى الله فيهم ما قضى، بما كسبت أيديهم. وهو محقق وعده لهم في الحالين استقامة أو اهتداء، {ذَالِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً اَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [سورة الأنفال: 53]
ولتحقيق هدفنا من الوحدة لزمنا جميعا في مختلف المواقع والمنابر تمثل هذه المبادئ، فنسعى لنغيّر ما بأنفسنا من أفهام وتصورات حول بعضنا، وما بنا من أخطاء وقصور في فهم ديننا، لنعمل لتمثل مبادئه وتحقيق مقاصده في الوحدة، حتى ننال وعد الله لنا بالتمكين، وكلنا يقين بصدق الله في كتابه الحق، {إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيـِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىا يُغَيـِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ} [سورة الرعد: 11].
دور كتب الفرق في تكريس الأزمة:
والذي زاد الطين بلة هو تكريس هذه الأزمة بفعل أقلام غير مسؤولة، تنقصها الأمانة في تدوين أحداث التاريخ، إذ كتبت تحت تأثير أفكار شائعة أو تيارات غالبة، فاتخذت كتاباتها مرجعا للاحقين، وغدت حقائق تعلو على النقد والتصويب، حتى أخذت طابع القداسة وكأنها تنزيل من حكيم حميد. فلا يجوز أن يتدارك عليها أو يردّ عليها بحال.
والواقع أن تلك الكتابات قد كانت إسفينا في جسد الأمة، إذ سعت إلى ترسيخ عوامل الفرقة بين المسلمين.
والأدهى في الأمر أن يغدو التحدث عن أخطاء هذه الكتب مجازفة غير مأمونة، ربما اتهم صاحبها في دينه، ورمي بكل نقيصة من الجرأة على الأئمة والسعي لإلغاء مصادر تاريخ المسلمين، وغير ذلك من التهم التي توزع بالمجان، وتكال بالجملة في كل مناسبة لنقد التاريخ وإلقاء نظرة موضوعية إلى وقائعه ووثائقه، بغية تصويب ما فيه من أخطاء وانحراف، باعتباره جهدا بشريا غير معصوم، واجتهادا يحتمل الخطأ والصواب، كما تقرر في بديهيات أحكام الإسلام.
فإذا ما أردنا رتق الفتق، كان لزاما أن نمتلك الشجاعة، ونتدرع بالأمانة لتصحح الأخطاء التي وقعت في تلك الكتب، فيزال منها ما لا يسنده التوثيق التاريخي والواقعي، ولا يدعمه منهج القرآن في التعامل مع الأخبار. وما كان من أخطاء وقعت فإنها توضع في إطارها وظروفها الزمانية والمكانية، ولا يجوز بحال أن تسحب على الأعصر اللاحقة، أو تتخذ قميص عثمان يتباكى عليه اللاهون، وهم في دم عثمان زاهدون.
دور السياسة و وسائل الإعلام:
كما لا تبرأ ساحة أهل القرار، ممن كان بيدهم مقاليد دفة الحكم، وتوجيه دواليبه لما فيه خير الأمة، بيد أنهم رضوا بالأدنى، وفرطوا في الثمين، لأجل متاع أو غرض عاجل، فنال من تشجيعهم لأفكار منافية لأسس الإسلام ترسيخ هذا السلوك واعتباره المرجع والأصل في تاريخ المسلمين.
وما أشبه الليلة بالبارحة فيما نرى من وقائع الحاضر الأليم لبلاد مسلمة يرعى حماتها الفرقة ويبشّون لها، ويتخذونها ورقة رابحة عندما تهدد عروشهم، فيرفعون هذا، ويضعون من ذاك، ويضربون هذا بذاك، حتى يخلو لهم الجو، وينشغل المتطاحنون عن تصرفاته ومحاسبته على سلوكه في حق الأمة ومقدراتها، وتضييع حقوقها، وإهمال مقدساتها.
وتتحمل وسائل الإعلام أيضا مسؤوليتها في تأزيم الوضع في بعض الأحيان، إذ نجد لبعضها دورا بارزا ومساهمة مفضوحة في زرع الفتنة بين المسلمين، كم لا ننكر جهود بعض تلك الوسائل في رأب الصدع، بيد أن نصيبا منها كان دوره صبّ الزيت وإذكاء الخلافات، ولا هدف لها إلا استقطاب المشاهدين، وكسب الشهرة والذيوع.
ولتفعيل دور الإعلام في تحقيق الوحدة، لا بد أن يستوعب القائمون عليها دورهم في هذا المسار، ويتشبعوا بتعاليم القرآن بخصوص وحدة الأمة، ويتمثلوا مبادئه حتى يجهتدوا في ترجمتها إلى إنتاجهم وبرامجهم، وما يبثونه للجمهور العريض. وهم على يقين أن لحصة إعلامية واحدة أثر يضاهي جهود جيش من الدعاة والمرشدين في منابر معزولة لا يحضرها سوى عدد محدود من الناس.
دور منبر المسجد:
أما عن دور العلماء، وأرباب المنابر في المساجد، حيث يصنع عقل المسلم، وتبنى شخصيته، فحدث ولا حرج. فكم من عالم وواعظ وخطيب اتخذ من التشهير والتمزيق مسبحته، وجعل الحديث عن افتراق الأمة ديدنه، وتزكية فئة على حساب فئة أخرى عبادته، حتى عدّها بعضهم من أجلّ القربات، وأعظم أعمال البر التي ترضي خالق الأرض والسماوات. لأنها عندهم أولى بالاهتمام من مجابهة أعداء الأمة المتربصين بها الدوائر، ونسوا أنهم بعملهم هذا قد منحوا للأعداء سندا لا يقدر بثمن، وفتحوا لهم الأبواب ليسوموا الأمة سوء العذاب.
وقد أصبح من بدهيات الدعوة أن نجاحها رهن نجاح القائمين على هذه المنابر، وأن بناء الأمة الراشدة لن يكون دون إصلاح هذه المنابر. فهي القلب في جسد الأمة الإسلامية، إن صلحت كان الخير والوحدة والعزة والتمكين، وإلا ظلت الحال كما هي بل زادت سوءا، وأودت بنا إلى درك الذلة وحياة الشقاء.
وما لم يع رعاة الكلمة في هذه المواقع هذه الحقيقة، ولم يترجموا وعيهم فعلا في الميدان، فلن نرتجي فجرا لوحدتنا، ولا تحقيقا لغايتنا.
ودور المؤتمرات تحقيق هذا الوعي ابتداء، والسعي لتنميته وتذليل سبل تفعيله في مناهج الوعظ والإرشاد، حتى يقود الأمة إلى غاية التلاحم والاتحاد.
دور عوام الناس:
ولا ينكر دور عوام الناس ومن لا بصيرة له بحقائق الإسلام، أو استنسخ ما يمليه عليه الخطباء والموجهون، فكان صورة طبق الأصل لفكر هؤلاء، بل ربما تجاوز بعضهم بدافع الغيرة والحمية حدود ما أملي عليه، فأظهر تنطعا في الخصام، وشدة في المواقف تجاه كل من يخالف مذهب إمامه، وربما أفضى به الأمر إلى رميه بالمروق من الدين ومخالفة كتاب الله وسنة رسول الله.
وقد كان للعامة أثر سيء في مسيرة الأحداث عبر التاريخ، إذا لم يكن لهم لجام من رجال علم راشدين، يكفكفون من غلوائهم، ويهذبون من حماسهم، ويمنعونهم من تجاوز حدودهم. بل قد نجد في بعض القاصرين ممن يتزعم الركب من يعجب بحماس الجماهير فيتخذه وسيلة لتكريس الخلاف، ونصرة فريق على آخر، لحاجة في نفس يعقوب، فيزداد البلاء اشتدادا، والسبل انسدادا، وتستحكم أسباب العداوة بين أبناء المسلمين، ولا يجد المخلصون إلا أن يقولوا: اللهم اهد قومنا فإنهم لا يعلمون.
دور أعداء الأمة والمتربصين:
وأما دور الأعداء فهو الدور المنوط بهم بحكم عداوتهم لهذا الدين، أن ينسفوا جهود أبنائه، ويبعدوهم عن هدي ربهم ما استطاعوا، فيجدون في نقاط الاختلاف مرتعا خصبا لزرع بذور الشقاق، ورعايتها حتى تؤتي أكلها، وما أكلها إلا التراشق بالتهم والسباب، والخصام والاقتتال، وذهاب الريح والفشل الذريع، ليخلوا الجو لأنصار الشيطان أن يسرحوا ويمرحوا كما يشاؤون.
ولهؤلاء الأعداء خطط وتدابير جهنمية محكمة الضبط، دقيقة الحساب، يعدّون لها الخبراء والمتخصصين، وينفقون في سبيلها كل نفيس. ولكن متى صحت العزائم على مقارعة مكايدهم، فلن يفلحوا في اختراق الصف ونشر الفتنة، وجهودهم وإنفاقهم لن يكون سوى صيحة في واد، أو نفخة في رماد. {إِنَّ الذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ} [سورة الأنفال: 36].
أخيرا:
فإن المطلوب من كل مسلم صادق الإيمان، مخلص القصد، راشد النظر، يرعى حق الله في ما يأتي وما يذر، ويدرك فريضة الوحدة إدراكه لسائر فرائض الإسلام، ويبصر جليل فوائدها، وعظيم نفعها على الأمة، وكبير خطرها في درء المفاسد وكبت أعداء الإسلام، أن يكون سعيه لهدف واحد يستجليه في كل حركاته وسكناته، ألا وهو تركيز الجهود للعودة إلى منطق القرآن وهدي المصطفى عليه الصلاة والسلام، وتجسيد الوحدة الحقيقية بين أبناء أمة القرآن، وتفعيل المبادئ والقواعد التي اتضحت لنا من خلال آي القرآن الكريم.
ومعقد الأمر كيف نترجم هذا المبدأ إلى ممارسة فعلية، ونحوّله إلى سلوك عملي حتى نبرهن على صدق مدّعانا، وإخلاص قصدنا في تحقيق هذه الغاية النبيلة لأمتنا الإسلامية.
ولا يجوز الغفلة عن معاول الهدم ونواقض الوحدة المتجددة في كل عصر ومصر، فيلزم القائمين على التوجيه التنبيه إلى مكامن الداء، وتحذير المسلمين من كيد الأعداء في الداخل والخارج. وأن القضية جهاد مستمر، انطلق على يد رسول الله وصحابته، حين كان المنافقون يكيدون ويخططون لضرب وحدتهم، بكل السبل، وبالأخص الدعايات والأراجيف، ولا يزال أنصارهم وورثة فكرهم يسعون لتحقيق غايتهم، فكان لزاما على العلماء والأئمة تبصير المسلمين بأن مقاومة هؤلاء من أقدس أنواع الجهاد، ومن أوكد الواجبات، فيظل الحبل موصولا بالقرآن، ضمانا لحصانة المسلم من مكائد الشيطان، وأعوانه في كل زمان ومكان. وتجسيدا لتعاليم الوحي الخالدة بالوحدة والاعتصام بحبل الله، ففيها وحدها طوق النجاة، ولا يجوز أن يغفل أبدا عن هذه الآية الجامعة {وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكمُ إِذْ كُنتُمُ أَعْدَآءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ ءَايَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ وَلْتَكُن مِّنكُمُ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَلاَ تَكُونُواْ كَالذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جآءَهُمُ الْبَـيِّـنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [سورة آل عمران: 103-105].
تلكم أبرز المعالم التي يجب أن يتضمنها ميثاق الوحدة الإسلامية في جوهره وفحواه ليقوم حصنا شامخ البنيان، ويسعى العاملون لتجسيدها بإخلاص على أرض الميدان، وتلك من مقتضيات الصدق في الإيمان.

-------------
هوامش
(1) – «عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَلاَ أُخْبِرُكُمْ بِأَفْضَلَ مِنْ دَرَجَةِ الصِّيَامِ وَالصَّلاَةِ وَالصَّدَقَةِ؟ قَالُوا: بَلَى، قَالَ: «صَلاَحُ ذَاتِ الْبَيْنِ، فَإِنَّ فَسَادَ ذَاتِ الْبَيْنِ هِيَ الْحَالِقَةُ». قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ، وَيُرْوَى عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «هِيَ الْحَالِقَةُ لاَ أَقُولُ تَحْلِقُ الشَّعَرَ وَلَكِنْ تَحْلِقُ الدِّينَ»، سنن الترمذي، كتاب صفة القيامة والرقائق والورع، باب منه، حديث 2509.
(2) – عن الزبير بن العوّام أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «دَبَّ إِلَيْكُمْ دَاءُ الأُمَمِ قَبْلَكُمْ: الْحَسَدُ وَالْبَغْضَاءُ، هِيَ الْحَالِقَةُ لاَ أَقُولُ تَحْلِقُ الشَّعَرَ وَلَكِنْ تَحْلِقُ الدِّينَ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لاَ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أَفَلاَ أُنَبِّئُكُمْ بِمَا يُثَبِّتُ ذَاكُمْ لَكُمْ؟ أَفْشُوا السَّلامَ بَيْنَكُمْ». الترمذي، كتاب القيامة والرقائق والورع، باب منه، حديث 2510.
(3) – موطأ مالك، كتاب الجامع، باب ما يكره من الكلام، حديث 1844. ووري الحديث في كتب السنة بألفاظ متقاربة.
(4) – يذكر أسامة بن زيد القصة قائلا: «بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْحُرَقَةِ، فَصَبَّحْنَا الْقَوْمَ فَهَزَمْنَاهُمْ، وَلَحِقْتُ أَنَا وَرَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ رَجُلاً مِنْهُمْ، فَلَمَّا غَشِينَاهُ قَالَ: لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، فَكَفَّ الأَنْصَارِيُّ فَطَعَنْتُهُ بِرُمْحِي حَتَّى قَتَلْتُهُ، فَلَمَّا قَدِمْنَا بَلَغَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا أُسَامَةُ أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ مَا قَالَ: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ؟! قُلْتُ: كَانَ مُتَعَوِّذًا. فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ أَسْلَمْتُ قَبْلَ ذَلِكَ الْيَوْمِ»، البخاري، كتاب المغازي، باب بعث النبي أسامة بن زيد إلى الحرقات من جهينة، حديث 4021.
(5) – صحيح مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم ظلم المسلم وخذله، حديث 2564.
(6) – صحيح البخاري، كتاب العلم، باب الإنصات للعلماء، حديث 121.
(7) – «عن عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ قَالَ سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَقُولُ: كُنَّا فِي غَزَاةٍ، فَكَسَعَ رَجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ رَجُلاً مِنَ الأَنْصَارِ، فَقَالَ الأَنْصَارِيُّ: يَا لَلأََنْصَارِ! وَقَالَ الْمُهَاجِرِيُّ: يَا لَلْمُهَاجِرِينَ! فَسَمَّعَهَا اللَّهُ رَسُولَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: مَا هَذَا؟! فَقَالُوا: كَسَعَ رَجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ رَجُلاً مِنَ الأَنْصَارِ، فَقَالَ الأَنْصَارِيُّ: يَا لَلأَنْصَارِ! وَقَالَ الْمُهَاجِرِيُّ: يَا لَلْمُهَاجِرِينَ! فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ»، صحيح البخاري، حديث 4527.


نشر المقال في دورية الحياة، العدد: 12، 1429هـ/2008م، ص 31-56.

اسم الكاتب