معالم منهجـية لتطوير التعليم (1)

الأستاذ: قاسم بن حمو حُجاج
قسم العلوم السياسية والعلاقات الدولية
جامعة وارجلان
مقـدمـة:
إن النقاش والتجارب(2) التي تشهدها أوساطنا حول واقع ومصير التعليم القرآني والتعليم الرسمي العام والخاص بكل مراحله، بمدخلاته ومخرجاته، يندرج ضمن ديناميكية صحيَّة لتطوير أداء مؤسسات التربية والتعليم والتكوين الجارية هنا وهناك داخل ميزاب وخارجه. نقاش وتجارب يتطلبان من القائمين عليهما، الخائضين فيهما، المزيد من العلم والإخلاص والعمل المتواصل والتنسيق والتخطيط للوصول بها إلى نتائج ترضي الله وتساهم في صنع حضارة إنسانية، إنسانية الجوهر، ربانية المصدر والغاية، وترفع مردود العملية التكوينية في أوساطنا، لأن المنظومات التربوية عبر الأمم المتقدمة تعمد للتطوير المستمر، الدوري، لتلك العملية في مختلف مستوياتها وأبعادها، لأن البشرية عموما بصدد استعدادات حثيثة لمواجهة المنافسة الشديدة بين المنظومات المجتمعية.

ألم يكن الرسول صلى الله عليه وسلم قدوتنا في ذلك عندما قام بصفقة مربحة استراتيجية لنصرة الإسلام وبناء دولته وحضارته، عندما قايض بعيد معركة بدر الكبرى، تحرير أسرى المشركين بتعليم كل واحد منهم القراءة والكتابة لعشر مسلمين. لقد أدرك أن المعركة بين الإسلام والكفر معركة معرفية، علمية بالأساس، ومن يريد حسمها لصالحه فعليه أولا بتحرير الإنسان أولا من أغلال الجهل والأمية بكافة أشكالهما. لأن تكلفة الجهل على الأمم أكبر من تكلفة التعلم.
واليوم يقول ليستر ثارو مدير المعهد الدولي للتسيير بواشنطن: " في عصرنا أصبحت المهارات والمعرفة هما المصدر الوحيد للتفوق النسبي." لأن عناصر القوة والتفوق تشظت ولم تعد متركزة لدى أي قوة في العالم.
كما عنونت منظمة اليونيسكو أحد تقاريرها الأخيرة بهذه العبارة المعبرة: "التعلم مدى الحياة". ويتداول اليابانيون مقولة معبرة مفادها: "تعليم أفضل ينتج حكومة أفضل" ويقول: بيل غيتس في كتابه "الأعمال بسرعة الأفكار": إن "الإنترنت يغير كل شيء: أسلوب العمل والحياة والتجارة والتعلم".
ولا ننطلق في عرض أهم معالم منهجية تطوير التعليم قبل أن نضع مسألة التطوير ضمن إطار التحول الحضاري الجديد الذي تشهده البشرية منذ حوالي ثلاثة عقود وهو ما يعبر عنه البعض: بـ"ديناميكية العولمة" وآخرون بـ"بناء مجتمع المعلومات" (انظر على الإنترنت محاضرات المؤتمرين الدوليين اللذين عُقدا على التوالي في سويسرا وتونس حول مجتمع المعلومات مؤخرًا).
وآخرون سموا هذه الديناميكية الجديدة بالتحول إلى "اقتصاد المعرفة". وآخرون يتحدثون عنه بعبارة: التحول على "المجتمع ما بعد الصناعي" حسب دانيال بيل، و"مجتمع ما بعد الرأسمالية" حسب بيتر دراكر. و"العصر الرقمي أو السيبري" حسب بيار ليفي مثلا.
ولكني لا أجد من تعبير أدق عن التحول الجاري أفضل من الرؤية المستقبلية لعالم المستقبليات الصناعي الأمريكي ألفن طوفلر الذي عبر عن هذا التحول الحضاري الجاري بـ"الانتقال إلى الموجة الحضارية الثالثة (التي رمز لها بثورة الحاسوب التي انطلقت منذ حوالي 1945م) تمييزا لها عن الموجة الحضارية الثانية (والتي رمز لها بالإنتاج النمطي الكبير، والمنطلقة منذ ثلاث قرون) وأخيرا بل أولا الموجة الحضارية الأولى (والتي رمز لها المحراث الخشبي، التي عرفتها البشرية منذ حوالي 10.000 سنة). وما تشهده المجتمعات المعاصرة من صراعات وتوترات وتغيرات ترجع بالأساس إلى الصدام بين هذه النماذج من الحضارات الثلاث التي تطبع بمميزاتها عوالم الاقتصاد والحروب والسياسة والإدارة والتعليم والإعلام والنقل والاتصال والأسرة والثقافة والدين.
وإذا تأكد لدينا أن التحول محسوس في مجتمعنا بدوره بمخاضاته وصراعاته، بفرصه ومخاطره، فإننا نتساءل بين يدي هذه المداخلة سؤالان اثنان نحاول الإجابة عنهما:
- ما هي أهم خصائص هذا الانتقال في ميدان التعليم والتربية والتكوين والتطوير والتنمية البشرية؟
- ما هي أهم معالم التطوير في منظومة التعليم استجابة لتحديات التحول الحضاري الجاري؟
أولا: أهم خصائص التحول الكبير الانتقالي في ميدان التعليم :
1ـ من المعارف الموضوعية شديدة التجزئة والمتخصصة 1ـ إلى المعارف التركيبية المتكاملة العابرة للاختصاصات
2ـ من مجتمع صناعي يرتكز على المواد الطبيعية ورأس المال والعمل العضلي كمصدر للقيمة المضافة 2ـ إلى مجتمع ما بعد صناعي يرتكز على المعارف كأكبر مصدر للقيمة المضافة
3ـ من القيام بالتدريس في عملية التعليم 3ـ إلى القيام بالتعلم خلال عملية التعليم
4ـ من تدريس بوسائل كلاسيكية غير تفاعلية 4ـ إلى تدريس بتكنولوجيات متفاعلية رقمية متعددة الوسائط
5ـ من الهياكل التنظيمية هرمية جامدة، في طور الاندثار 5ـ إلى الهياكل التنظيمية شبكية، في طور الاستكشاف
6ـ من تكاليف مرتفعة ومردودات ضعيفة 6ـ إلى تكاليف مرتفعة في البداية ثم مردودات متزايدة
7ـ من الرتابة والانغلاق على المحلية (اللاتفاعلية) 7ـ إلى الحيوية والانفتاح على العولمة (التفاعلية)
8ـ من البطء والجمود في البرمجة الزمنية 8ـ إلى السرعة والمرونة في البرمجة الزمنية
9ـ من تعليم جماهيري نمطي (ساحق للتعدد الثقافي) 9ـ إلى تعليم لا نمطي مشخصن (منفتح على التعددية الثقافية)
10ـ من تعليم مرتكز على التلقين والحفظ والتلقين للمعلومات 10ـ إلى تعليم مرتكز على الفهم والتفكير المنهجي الإبداعي
11ـ من تعليم مرتكز على المعلم والأستاذ والبرنامج 11ـ إلى تعليم قائم على مبدأ الشراكة: أستاذ ـ طالب، معلم ـ تلميذ
12ـ من التعلم تحت الكفالة في مكان وزمان محدد 12ـ إلى التعلم الذاتي في كل مكان وزمان
13ـ من موارد تعلم محدودة 13ـ إلى موارد تعلم هائلة (www)
14ـ من قطاع عام + خاص 14ـ إلى قطاع خاص + عام
ثانيا: غايات وتحديات وإشكاليات التعليم في ظل مجتمع المعلومات:
2ـ1)ـ الغايات الأربعة الكبرى للتعلم في عصر المعلومات حسب تقرير اليونيسكو المعنون " التعليم: ذلك الكنز المكنون" الصادر أواخر التسعينيات:
1ـ تعلم لتعرف
2ـ تعلم لتعمل
3ـ تعلم لتكون
4ـ تعلم لتشارك الآخرين
2ـ2)ـ التحديات الرئيسية التي تواجه تطوير التعليم في مجتمعنا:
1ـ الاقتصاد والتمويل
2ـ التكنولوجيا
3ـ المناهج والمحتويات التدريسية
4ـ الفلسفة والغايات
5ـ التدريب
6ـ التغيير التنظيمي والفعالية الإدارية
7ـ أساليب التدريس
8ـ التوجيه والتشغيل
9ـ التعلم الذاتي من خلال الإفادة من إمكانات غير محدودة للتعلم الإلكتروني الذي يعرف بأنه: " حالات حيث الحوار والتعاون الاجتماعي وتكنولوجيا الاتصالات المعلوماتية لها دور رئيسي في التعلم واكتساب المعرفة"(3)
2ـ3)ـ إشكاليات تواجه تعليم وتربية المستقبل: (تعليم وتربية المستقبل لا مستقبل التربية والتعليم الحالي)
هي إجمالا إشكاليات الإصلاح المعرفي والهيكلي والتمويلي والوسائلي..الخ، لكن يمكننا أن نعدد بعضا منها:
1ـ إشكالية ديمقراطية التعليم : المساواة الاجتماعية والثقافية (الداورينية الاجتماعية والتعليمية والاقتصادية) وأهمها المساواة في الفرص/L’égalité des chances
2ـ تطوير البحث العلمي التربوي
3ـ إشكالية التوجيه والموجهين
4ـ إشكالية القطاع العام والخاص
5ـ إشكالية التعليم العام والتقني
6ـ إشكالية التسرب المدرسي والجامعي
7ـ إشكاليات تمويل التعليم (التعليم مشروع اقتصادي أيضا)
8ـ السياسات الحكومية: التربية قضية دولة
9ـ التعليم والأيديولوجيا والسياسة والدين(العلمنة + الدين)
10ـ التفاوتات الجغرافية والجهوية
11ـ إشكالية لغة التعليم واللغات الأجنبية
12ـ دور وسائل الإعلام وشبكات المعلومات في التعليم والتربية (الإنترنت: مخاطر وفرص )
13ـ الاقتصاد والتربية والتعليم: إشكالية صناعة التربية والنشر والإعلام (سيطرة الاحتكارات ولغة الربح ومنطق التنميط)
14ـ دور البيت أو الأسرة في دعم المجهود التربوي والتعليمي
15ـ إشكالية الإدارة التعليمية
16ـ رهانات التخرج والتشغيل (سوق العمل: إشكالية المنافذ )
17ـ إشكالية الجنس والتعليم: المساواة ذكور وإناث+ التعليم والتثقيف الجنسي
ثالثا: أهم معالم التطوير في منظومة التعليم استجابة لتحديات التحول الحضاري الجاري :
يمكن الاستناد إلى نظرية تبلورت لدى التربويين الغربيين المعاصرين: وهي نظرية الأركان التسعة لتطوير التعليم(4) وتلخص بالأرقام بنظرية: 1+ 4 + 4 وفيما يلي بيان لها:
(1) =  الرؤية الاستراتيجية الواضحة +
+ (4)=  الأركان الأربعة للعملية التكوينية = المكون + المنهاج + الإدارة + الطالب +
+ (4) = الأركان الأربعة للقدرة التنافسية = تدريب المكونين + التكنولوجيا + الخدمة المتميزة + الإبداع .
وهذا شرح مفصل عن مكوناتها:
أولا: الرؤية الاستراتيجية+: وهي الغاية الكبرى التي ينشدها أي مشروع إنساني وينبغي أن تفصل على أهداف إجرائية/ عملية / جزئية دقيقة.
والهدف الإجرائي هو الهدف المرحلي الجزئي العملي الذي توضع بموجبه الرؤية الاستراتيجية موضع التجسيد العملي وتظهر ضمن مفاصل العملية التعليمية.
ومن شروط الهدف الإجرائي: أن يكون واضحا، محددا، واقعيا، قابلا للقياس.
ثانيا: الأركان الأربعة للتعليم = المكون(ة) + المنهاج + الإدارة + الطالب (ة)+
2ـ1)ـ المكون: (المعلم أو الأستاذ):
المكون أول أركان العملية التعليمية. ونحن نعلم أول مكون لأي إنسان هي الأم ابتداء من الأم الحامل : ففي عقد التاسع من القرن العشرين بدأت الأمهات " المدرسات" [اليابانيات] يتحدثن عن " التعليم في الرحم" حيث يفضي ترديد الأم الحامل للأرقام والكلمات إلى إعطاء الجنين ميزة بداية تعليمية مبكرة. وفي اليابان حيث التعليم ما قبل المدرسي إجباري بدأت تظهر للوجود مراكز خاصة بالفئة العمرية من عام إلى عامين.
وفي حصة بثتها مؤخرا قناة المجد القرآنية خلال ظهر يوم الثلاثاء 19 أفريل 2005م تم التعريف بالقراء النوابغ ومنهم طفلة في سن السادسة حفظت القرآن حفظا جيدا مع إتقان قواعد التلاوة وقد كانت دراستها ما قبل المدرسية في دار الأرقم بن أبي الأرقم القرآنية بالقاهرة وقد أثارت دهشة أمها ومعلميها حيث أنها كانت تحفظ القرآن على أمها التي تلقنها بدورها مرة إلى مرتين فتحفظ بداية الثمن والجزء وكانت تقول لأمها أنها كانت تشاهد حصة القرآن خلال منامها وترددها.
التعليم خلال اللعب والمفروض أن يكون الطالب هو أولها لأن العملية التعليمية في مدرسة المستقبل أصبحت ترتكز على الطالب وإن شئنا الدقة أكثر أصبحت علاقة شراكة: أستاذـ طالب.
ولابد للمكون من تكوين خاص حتى يتمكن من أداء مهمته النبيلة والحساسة على أفضل وجه، لأن فاقد الشيء لا يعطيه. إذا، إن أول ضمانات وشروط النجاح والتفوق للتلاميذ والطلبة هو المعلم الذي ينبغي أن يتخرج من مدرسة خاصة بتعليم المعلمين والأساتذة والتي عليها أن تزودهم بعلوم ومهارات التكوين اللازمة من تكوين نفسي تربوي تربويـ اتصالي تربويـ اجتماعي. كما تقتضي المتابعة الجيدة لمردود المكون التعليمي والتربوي خضوع المعلم للتفتيش المفاجئ الدوري. كما تقضي معايير التعليم المعاصرة تجديد الترخيص بالتعليم باستمرار كل أربع سنوات.
وكما تعتمد أعلى الشهادات لتدريس المستويات الأولى لكل مرحلة تعليمية فلا يقبل أدنى من شهادة الليسانس للتعليم الابتدائي (في سويسرا وفنلندا وسنغافورة يشترط مستوى أعلى من الليسانس للتعليم في المدارس الابتدائية كـ: الماستر والدكتوراه). كما تختص فئة المعلمين في مختلف المستويات التعليمية من الروضات إلى الجامعات بأعلى الرواتب مع توفير مستلزمات الاستقرار الأسري والتأمينات الاجتماعية والاستزادة العلمية المستمرة خلال ممارسة مهنته.
2 ـ 2)ـ المنهاج: إن المنهاج هو الطريق الموصلة إلى الهدف المرسوم. ويبنى المنهاج على فلسفة محددة ويوضع من طرف اختصاصيين في شتى الاختصاصات مع اشتراط تحكمهم في علوم التربية والاتصال واللغة.
فالمنهاج ليس هو الكتاب التعليمي كما يسود الفهم عندنا. إن الكتاب لا يمثل من المنهاج التعليمي سوى حوالي 40% ، أما الباقي منه فيتمثل في الوسائل البيداغوجية التي تمكن المتعلم من التعلم الذاتي والتعلم باستخدام الأجهزة والتكنولوجيات التعليمية.
والهدف من المنهاج هو تمكين المتعلم من طرق وكيفيات التعلم الذاتي (تعلم التعلم والتعلم للمعرفة) حاليا تهتم مناهجهنا بـ" ماذا؟" و تهتم قليلا بـ "لماذا؟" وبـ " كيف" أي تهتم مناهجنا بنقل المعلومة على المتعلم عبر المعلم لا بالهدف الوظيفي للمعلومة وبكيفية تيسير وصولها إلى المتعلم أو بالأحرى تيسر سبل وصول المتعلم إليها بتعليمه أساليب التعلم الذاتي. وتمكنه من مهارات استخدام وسائل التعلم الإلكترونية وغير الإلكترونية كالتجهيزات المخابر والكومبيوتر والإفادة الفعالة من الإبحار عبر الأنترنت.
2ـ3)ـ الإدارة التعليمية:
من عادة المؤسسات التربوية في منظومتنا التربوية أنها توظف في مناصب الإدارة التربوية معلمين وأساتذة قدماء فتنصبهم في منصب الناظر والمدير والمستشار التربوي دون أن يحصلوا على أي تكوين عال في علوم الإدارة والتنظيم التعليمي والتربوي (ماجستير). ومن معايير الإدارة التربوية المعاصرة أنها تمنع إسناد المهام التربوية إلى شخص تربوي.
2ـ4)ـ الطالب:
وهو محور العملية التكوينية، هو المدخل وهو المخرج، هو المادة الأولية الخام وهو المنتوج النهائي المنشود. إن المتكون إنسان متفرد رغم أنه عالمي، ينبغي أن ترعى الفروق النفسية والعقلية والاجتماعية والثقافية التي يتميز بها. وكما أن التكفل الاجتماعي الشديد به يجعله كسولا متراخيا على التحصيل، فإن توفير الشروط الأساسية للتفوق في التحصيل تقع على كاهل المجتمع: أسرة وعشيرة وجمعيات ومدرسة ووسائل إعلام وحكومة.
كما أن نظام القبول والانتقال من مستوى إلى آخر ينبغي أن يخضع لمقاييس موضوعية لا إلى المجاملات والمحسوبية والغش والعصبية. وهذا مشروط بصرامة مماثلة في عالم التوظيف والتشغيل أيضا. مع ضرورة الانتقال إلى إجراء الامتحانات عبر الحاسوب لتدريب التلاميذ على امتحانات القبول الحقيقية.
كما أن الأساس في الطالب أن يتعلم التعلم الذاتي ولا يهم حفظ المعلومة أكثر من أهمية معرفته أين توجد وكيف يصل إليها، لأن الإحصائيات أثبتت أن الطالب الحفاظة لا يتذكر مما تعلم بعد شهر إلا حوالي 15% مما حفظ فما بالكم بسنة وسنتين وأكثر. كما أن أسلوب التعليم المرتكز على التلقين والتحفيظ وإملاء المعارف (التعليم = نقل المعرفة) وتكديس أكوام من الحقائق المتفرقة التي يطلب منهم ترديدها واستعادتها عند الطلب كالببغاوات والمسجلات الإلكترونية البلهاء. إن تعليما مبني على هذا الأسلوب ينتج مواطنين (قطيعا) تابعين معتمدين على الآخرين وعلى السلطة القائمة. بينما التفكير فعل استقلالي إبداعي ابتكاري يعتمد على قدرات الخرجين الذين تعلموا التفكير المستقل والعصامية واستقلالية الشخصية والثقة في النفس مع عدم الرقابة المفطرة على الذات وتركيب عقدة الذنب إزاء ما يفكرون فيه. فالنهضات الحضارية تحتاج إطلاق عنان الطاقة التفكيرية إلى مديات قصوى حتى يتم الإقلاع وتجاوز حلقات تنمية التخلف التي ترزح فيها مجتمعاتنا.
إن السر في استمرار النهضة الأوروبية منذ حوالي ثمانية قرون وريادة الأوروبيين لقيادة قاطرة العلم والتكنولوجيات هو: التفكير الحر المفتوح حسب طوبي هف، صاحب الدراسة المقارنة المهمة حول تاريخ وسوسيولوجية العلم في الحضارات: الصينية والإسلامية والغربية: كتاب: فجر العلم الحديث، الصينـ الإسلامـ الغرب. 1993م.
إذا، المنافسة القائمة بين الأمم هي في بناء المنظومات التي تتيح لمتعلميها تنشئة وتنمية وتربية وتعليما يحفز وينمي شخصيتهم الفردية الحرة ولا يمسخهم نسخا مكررة نمطية، شخصيتهم تذوب في الجماعة التي يراد لها الاستمرار في التفكير على شاكلة تفكير السلف. فشخصية الطالب والاهتمام بالبعد الإنساني له أولوية على الامتحانات، وتعليم يتيح الاختيار وينمي روح الإبداع والمبادرة ويحرر الفكر ويحترم التنوع والتعدد ويتسامح مع المختلف.
لماذا؟ لأن التعامل مع عالم شديد التحول والتغير والترابط والتعقيد والتشابك والتفاعلية يتطلب خصائص فكرية تتلاءم مع طبيعة عصر المعلومات الذي نلجه رويدا رويدا. فمما ينبغي أن تتخلص منه منظومة التنشئة عامة تلك الخصائص النمطية للفكر السائد في الوطن العربي بالعمل على غرس الخصائص النمطية التي يتطلبها عصر المعلومات والعولمة (5).
عينة من أنماط فكر عصر المعلومات والعولمة || عينـة مـن أنمـاط الفكـر العـربي السائد
فكر ابتكاري Creative || فكر تقليدي Traditional
فكر مفهومي Conceptual || فكر سطحي Superficial
فكر خلافي Controversial || فكر دوجماتي Dogmatic
فكر تفنيدي Contradictive || فكر استسلامي Submissive
فكر علمي Scientific || فكر لا علمي Non scientific
فكر منظومي Systemic || فكر دمجي Monolithic
فكر استشرافي Progressive || فكر رجعي Retrospective
فكر حدسي Intuitive || فكر قاطع Deterministic
فكر مبادر Initiative || فكر سلبي Passive
فكر محدد Concrete || فكر غير محدد Non concrete
فكر متوازن Concurrent || فكر توفيقي Compromising
فكر جمعي Collective || فكر فردي Individualistic
فكر عولمي Global || فكر محلي Local
فكر بدائلي Combinatorial || فكر أحادي Oneـdimensional
فكر حوسبي Computational || فكر سردي Narrative
فكر تواصلي Communicative || فكر انطوائي Introversive
فكر توليدي Generative || فكر الأمثلة Exemplative
ثالثا: الأركان الأربعة للقدرة التنافسية = تدريب المكونين + التكنولوجيا + الخدمة المتميزة + الإبداع
3ـ1)ـ تدريب المكونين:
إن التدريب والتكوين المستمر أضحى ضرورة حيوية للجميع. وهو أمر استراتيجي أكثر حيوية بالنسبة للمنظومة التعليميةـ التربوية. فالمعارف متجددة باستمرار، وكمها متضاعف في مدد قصيرة، مما يعرض ما يكتسبه المعلمون والأساتذة للاهتلاك والتقادم. ومن هنا، فإن التربويين يضعون معيارين لقياس مدى اهتمام المؤسسات التعليمية بقضية تكوين المكونين وهي:
أ)ـ معيار الميزانية الخاصة لتكوين المكونين: وهي مقدار المال المخصص لتدريب المعلمين والأساتذة وهو مقدار لا حدد حده الأدنى بنسبة 3% من ميزانية التعليم الإجمالية. ولكن تشير الإحصائيات في العالم العربي أنه من النادر أن تزيد ميزانية التدريب أكثر من 0.5% من مصاريف التعليم.
ب)ـ معيار الحجم الساعي المخصص للتدريب: ويحدده المختصون بمعدل 3 دورات تدريبية كل سنة. على أن لا يقل المتوسط الزمني لدورة 3 أيام مدة كل دورة أربع ساعات يوميا. أي بمجموع سنوي يصل حوالي: 36 ساعة.
بينما الحصيلة عندنا في العالم العربي هو متوسط دورة كل ثلاث سنوات وأحيانا دورة لكل 10 سنوات.
3ـ2)ـ التكنولوجيا:
إن تكنولوجيات التعليم والإدارة والتدريب والإعلام والمعلومات في تطور متزايد تصغيرا وتوفرا من حيث التناقص المستمر لأسعارها وسهولة ومرونة استخدامها. فقد أضحت التكنولوجيات امتداد لعضلات الإنسان وذكائه وذاكرته وزمانه، وأصبحت أداة لزيادة فعالية المنظومات الاجتماعية المختلفة وخاصة منظومة التعليم، سواء في إدارة المدرسة وفي علاقة المدرسة بالبيت أو علاقة الأستاذ بالتلميذ والطالب.
وبدأ العمل بالتعليم عن بعد وبالتعليم الإلكتروني والتفاعلي والمحاكاتي (التعلم بمحاكاة الواقع الخائلي/ الافتراضي)، وأضح الوصول على تعليم نوعي وكمي فوري سهل متاح في كل مكان وزمان، بوسائط تكنولوجية مكتوبة، سمعية، وسمعية بصرية بمختلف المؤثرات، أمرا متاحا بشكل متزايد: إجابات فورية على الامتحانات في الكومبيوتر، الواجبات، الشهادات، التواصل مع الأولياء، مع المكتبات الإلكترونية عبر العالم بكل اللغات المتاحة لدى المتعلم والمعلم والإدارة مما يعزز قدرات التعلم للجميع.
3ـ3)ـ الخدمات المتميزة:
يقصد بها الخدمات المرتبطة بالتعليم والتكوين: فالمؤسسات التعليمية تقدم خدمة أساسية لمرتاديها هي التعليم والتربية. ولتقدمها تقديما نوعيا تساهم في رفع مردودها أو مخرجاتها فينبغي أن تهتم بـ:
أ)ـ المبنى والمرافق الأساسية: لابد أن يتوفر الهيكل المعماري الذي تتم فيه العملية التعليمية، على مواصفات تقنية وجمالية تعزز العملية التعليمية ولا تعيقها مثل: الاتساع والتهوئة وملعب ومساحات خضراء ومخابر ومقهى ومطبخ وقاعة للفنون والمسرح والمنظر الجمالي والإنارة والمياه ودورات المياه الكافية والمصلى والمكتبة متعدد الوسائط (مكتبة الطلبة ومكتبة للمعلمين) ومساكن للمعلمين والإداريين ورواتب مزجية وخدمات تأمين لهم وغيرها من الخدمات كالنقل المدرسي.
فمثلا حدد المعدل العالمي لعدد للكتب التي ينبغي إتاحتها في متناول المتمدرسين في مؤسستهم هو: 200 كتاب لكل طالب، بينما عندنا المكتبة بـ 300 طالب بينما المكتبة بـ 500 كتاب. في معظم مدارسنا لا تجد في مكتبة المدرسة الخاصة بالطلبة حوالي 50 كتاب على الأكثر. طبعا المشكلة هي توفير كم الكتب ونوعية أفضل ووسائط متنوعة للمطالعة والتثقيف الذاتي للمتعلمين مع التركيز على الكتاب التعليمي فالتثقيفي. وإجراء مسابقات لتحبيب المطالعة وتدريبهم في دورات خاصة على فنون المطالعة الفعالة لتكوين أجيال من القراء الأوفياء للكتاب الذين يكتسبون المعرفة ذاتيا بعيدا عن المنطق السائد وهو المطالعة النفعية الاضطرارية من أجل تحصيل نقطة والتفوق في المعدل دون التمتع بملكات أدبية ولغوية وتأليفية وإبداعية تحصيلية ذاتية.
ب)ـ خدمة الأخصائيين : الاجتماعيين والنفسانيين والصحيين: حيث تحدد المقاييس الدولية متوسط أخصائي لكل 200 متعلم. مع تمكن من اختصاصه ومتابعة فعلية للحالات الاجتماعية والنفسية والصحية لكافة المتمدرسين.
ج)ـ خدمة تقوية الضعاف: بالمتابعة الفورية للحالات التي تكشف عن تخلف تحصيلي وسلوكي، فقد دلت الدراسات المقارنة أن منظومة التربية والتعليم الفنلندية من أقل المنظومات من حيث عدد المكررين والمتسربين لا يتجاوز حوالي 6 في المائة. والحال يكشف عندنا كوارث التسرب بنسب مخيفة ومن لم يصدق فلينظر لعدد المسجلين كل سنة في التعليم الابتدائي والذين يتخرجون من التعليم الثانوي.
ومن هنا أهمية تقديم خدمة المدارسة الجماعية لمشكلات الطلاب المتأخرين في جميع أو بعض المواد، حيث ينبغي أن يتشكل الفريق من: الطالب المتأخر دراسيا+ المعلمين المدرسين + الناظر + الأخصائي الاجتماعي أو النفساني + الولي.
3ـ4)ـ الإبـداع:
يقول المفكر الفرنسي دانتون: " إن الهدم يتم بالمعول، ولكن البناء لا يتم إلا ببركان من الذكاء والعبقرية". ونقول بدورنا إن تخريج جيل من المبدعين والعباقرة والمفكرين والمجددين والمرجعيات والرواد (حملة العلم) رجال علم ودعوة ودولة وحضارة أمر استراتيجي حيوي آخر يلقى على كاهل المؤسسة التعليمية التي يتهمها الكثير من خبراء التربية والإبداع بأنها أضحت مقابر للإبداع والمبدعين الافتراضيين في سن الطفولة اليافعة.
فالتعليم المتمركز على المعلم لا على الطالب، على الوسائل والبنايات لا على تنمية شخصية المتعلم، على الحفظ لا على التفكير الحر... لا يمكن إلا أن ينتج بضاعة مكررة، مفتقرة للثقة بنفسها، جبرية، مستسلمة للأمر الواقع. وهو تعليم يكرس منطق إعادة إنتاج الوضع القائم ولا يتجاوزه لأرقى منه أو أبدع.
ومن الطرق التي تمكن المؤسسات التعليمية على زيادة القدرات الإبداعية الابتكارية الاكتشافية الاختراعية القيادية لدى الخرجين:
1ـ إنشاء بنك للمعلومات في المؤسسة التعليمية.
2ـ ربط التعليم بالواقع الاقتصادي والإداري والإعلامي والسياسي بإيجاد فرص الاحتكاك الميداني بالعاملين النشطاء في جميع ميادين صناعة الحياة.
3ـ العمل مع كل طال على رسم خطة بناء الشخصية وضبط برنامج سنوي لمتابعة إنجازه للوصول بهم إلى مستويات من الإنجاز للخطة.
4ـ إنشاء نوادي متخصصة في فنون التحرير الصحفي والإعلاميين السمعي والبصري ونادي الأنترنتيين والتدريب على استخدام الكومبيوتر وعلى الإبحار بكفاءة في الإنترنت وتصميم موضع مؤسساتية وشخصية ومتخصصة على الويب وتكوين نوادي الفلكيين نادي المستقبليين وآخر للمخترعين الشباب وربطهم بالصناعيين والمستثمرين..الخ
وغيرها من الوسائل المحفزة على إطلاق الحرية والخيال المبدع لرجال ونساء الغد. لأن الاستعداد لمجتمع 2030 إلى 2050م يقتضي المراهنة المخططة على جيل يكسب التحدي بجدارته ومهارته وإيمانه وتوكله.
في الأخير نقول إن هذا غيظ من فيض و"أحلام اليوم حقائق الغد، وأحلام الأمس حقائق اليوم"، كما يقول الإمام الشهيد حسن البنا. فنحلم بتعليم مغاير للنمط السائد في مجتمعاتنا، ولنسع دون خلفيات إلى نقاشات جادة حول مصيرنا التربوي والتعليمي. ولنعط الفرصة لتتنافس التجارب الجديدة مع المتجددة والجديدة مع الجديدة. ولكن لنضع الأساس المشترك للنماذج التي يجري تجريبها هنا وهناك من خلال الاتفاق على الحد الأدنى لخصائص إنسان المستقبل، مستعينين بخبراء تطوير الشخصية المسلمين والغربيين، علنا نصل على ذلك الحد الأدنى من الاتفاق حول خصائص الفرد الإباضي 2050م ذكرا وأنثى بنظرة شاملة متكاملة بين دوائر هويته المتعددة الأبعاد بحيث لا يغلب بعد بعدا آخر. لأن المنعطف الذي يمر به المجتمع الإباضي الجزائري وتمر به البشرية كلها يلح على ضرورة الإصلاح بل التثوير لمنظومات التعليم والتربية حتى نتلافى مستقبلات متشائمة لا قدر الله. والله المستعان.
--------------------
الهوامش
(1) – الموضوع عبارة عن محاضرة ألقاها الكاتب خلال الأسبوع الثقافي الرابع والعشرين لجمعية الوفاق ببسكرة، خلال أيام 15-20 ربيع الأول 1426هـ/22-29 أفريل 2005م، تحت شعار: التعليم والتعلم...واقع وطموح، بنفس هذا العنوان.
(2) – تجربة المدرسة العلمية الجديدة بالحميز وكلية المنار للدراسات الإسلامية وكلية الدراسات المنهجية بالحميز ومعهدي الحياة بالقرارة والإصلاح وعمي سعيد بغرداية والمعهد الجابري ببني يزقن وغيرها من المحاولات التجديدية الكائنة والمرتقبة والمأمولة في ميزاب وخارجه.
(3) - انظر على الإنترنت: أنيتا فيورك. " تحديات التعلم الإلكتروني"، محاضرة لها في مركز التعليم عن بعد، الندوة الدولية، أوسلو- السويد، 5 يونيو 2001م.
(4) - انظر حوار خاص مع الدكتور طارق سويدان. حول موضوع تطوير التعليم. حصة آفاق. قناة اقرأ الفضائية. يوم 27 ديسمبر 2004م. بتصرف وإثراء من المحاضر.
(5) - د. نبيل علي، الثقافة العربية وعصر المعلومات، رؤية لمستقبل الخطاب الثقافي العربي، العدد 265 من سلسلة عالم المعرفة، إصدار المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت.يناير 2001م.ص166.

نشر المقال بدورية الحياة، العدد: 09، 1426هـ/2005م، ص183.

اسم الكاتب