مدخـــــل:

في التاريخ الإنساني حقب ومراحل، هي عند المؤرخين بمثابة "الفواصل الزمنية" أو "محطات الاستراحة" من عناء الطريق، وقد اتسمت هذه الحقب أو المراحل التاريخية بخصوصيات معينة، استمدت معالمها من واقع الإنسان في كل زمان ومكان، فطبعتها بالطابع الإنساني العام.
لذلك تلون التاريخ البشري، بلون العقل الإنساني أثناء تحديد عصوره، كان ما يعرف بالعصر الحجري، والعصر الجاهلي، نسبة إلى مدى تطور الإنسان ...

وكان ما يوصف بعصر الفتوحات عند المسلمين، والعصر المدرسي عند المسيحيين، وعصر التصنيع، وعصر النهضة، وعصر الحروب الساخنة والباردة عند الغربيين والشرقيين على العموم، وفي ضوء هذه المواصفات، يمكن وصف عصرنا الراهن "بعصر التدين" أو "الصحوة" عند البعض، وعصر "نهاية التاريخ" و "صدام الحضارات" عند البعض الآخر، أو "عصر العولمة" أو " النظام الأحادي الجديد" عند قسم ثالث.
وأيا كانت النعوت والمسميات التي تطلق على عصرنا، فإن اللافت لانتباه الراصدين للتطور الفكري الإنساني، هو موقع التدين عموما كظاهرة بارزة في الفكر الإنساني ومكانة الإسلام بصفة خاصة كحركة فاعلة في الخارطة العالمية.
إن الإسلام –على عكس ما يذهب إليه البعض- ليس مجرد ظاهرة فكرية أو اجتماعية، قد تظهر وتختفي، شأنها في ذلك شأن كل الظواهر الاجتماعية الأخرى، بل هو حركة قوية ما فتئت تنمو وتتزايد، متجاوزة حدود ما يعرف بالعالم الإسلامي، إلى كل نقاط المعمورة، لتحدث لنفسها موقعا متميزا في كل رقعة تصل إليها، ولعل ما يفسر هذه الحقيقة، الاهتمام المتزايد الذي يوليه مفكرو العالم للحركة الإسلامية، في محاولة لفهمها، واستبطان جوهرها، بغية التعامل معها من أجل سهولة احتوائها.
من هنا برز هذا الجمع الكبير من الباحثين المفكرين الغربيين في دراسة الحركة الإسلامية بتعليل عوامل نشأتها، وأسباب انتشارها، وجوانب القوة والضعف فيها، كما أثْروا القاموس السياسي المعاصر، بمعجم من المصطلحات تصب كلها في شلال النهر الإسلامي، مثل الأصولية، والإسلاموية، والتطرف، والراديكالية، والتقدمية، والتحديثية، واللائكية، ... الخ
إن القراءة المتأنية لهذه المصطلحات تفضي كلها إلى إفراز جملة من المفاهيم، فرضت على الثقافة العربية الإسلامية فأحدثت ما يمكن وصفه بصراع مفاهيم في عملية التعامل مع المصطلح، ذلك أنها مصطلحات نُحِتت في مصنع غربي خاص، وصيغت بقوالب مقدودة على قد طبيعة الثقافة الغربية ذات الإيديولوجية اليهودية المسيحية، فلما أريد تطبيقها على عقول ذوي الثقافة العربية الإسلامية، حدث هذا التوتر الذي غدا بمثابة الصدام الثقافي، المفضي إلى تصادم المفاهيم.

(يتبع)

اسم الكاتب