إلى أستاذي الدكتور محمد بن قاسم ناصر بوحجام(1)
بقلم: يوسف بن أحمد بن سعيد امبوعلي (2)
الخوض، مسقط - سلطنة عُمان
لعل الكلمات التي سأكتبها لا تستوفي الحق الذي لك علي، ولا تكاد تصف عشر معشار ما في قلبي لك من محبة ومودة، ويعلم الله - سيدي - إنني لم أجلس على شرفة الأدب، ولم أرتشف قهوة الخيال الأدبي، ولم أفتش في حديقة الكلمات عن أسلوب الكتابة إليك، فلم أتكلَّف القول ولم أدبج الكلمات وألوي أعناقها حتى تكون رسالتي إليك آخذة بالألباب ساحرة للعقول، ولكنها رسالةٌ عفويةٌ ساذَجة تحوي مشاعر حبٍّ وإخاء كنتَ تسكبها في نفسي طيلة وجودك بيننا، فلما رحلت عنا وتركتنا هيَّجت برحيلك مشاعري التي لم يرقها الفراغ الذي خلَّفته فينا فانفلت زمامها ناثرة كلمات الصدق والوفاء على هذه الصفحات القليلة الخجلة التي أتقدم بها إليكم.
ولو كانت هذه الكلمات موجَّهة إلى ندٍّ لي أو نظير؛ لهانت المهمَّة في نفسي ولكتبت كلماتي وأنا عاصب العينين، غافي الفؤاد، إذ ليس فيها لمثلي كبير عناء، ولكني حين أخاطب البحر واقفا على شاطئه الهادر، حافي القدمين، عاري الصدر، كان لا بد لي أن استفز قدراتي واستنطق كوامني، مستعدا بكل جارحة من جوارحي التي ما فتئتْ تسبِّح الله خالقها وتلهج بذكره ليوفقها في مُهمَّة كانت تبدو لوهلة مستحيلة.
وَشيخًا في الشَّبَابِ وَلَيسَ شَيْخًا .:.:. يُسَمَّى كُلُّ مَن بَلَغَ المشِيبَا
قَسَا، فَالأُسْدُ تَفْزَعُ مِن يَدَيهِ .:.:. وَرَقَّ، فَنَحنُ نَفْزَعُ أَن يَذُوبَا
أَشَدُّ مِنَ الرِّيَاحِ الهُوجِ بَطْشًا .:.:. وَأَسرَعُ فيِ النَّدَى(3) مِنْهَا هُبُوبَا
فَلاَ زَالَتْ دِيَارُكَ مُشْرِقَاتٍ .:.:. وَلاَ دَانَيْتِ يَا شَمْسُ الغُرُوبَا
سيدي...
إنَّ الذكريات التي مازالت محفورة في مخيلتي والتي تداعب خلجات صدري بين الفينة والأخرى، تنقلني في يومياتها الحالمة إلى عالمٍ طالما تمنيت أن أعيشه عالم أمثالكم ساكنوه، عالم أنتم معلموه، وتلامذته، وأنتم تجاره وساسته، وأنتم نبلاؤه وعامته أنتم زراعه وحاصدوه، أنتم الكون والكون أنتم مازلت - سيدي - أذكر هذا العالم الذي رسمت له ملامحه وخطوطه وأنا واقف على شواطئكم الناعمة والشمس آية للسقوط، ما أجملها وهي تلقي بأشعتها الذهبية الرائعة على كل نسمة في الوجود، تمد خطوطها الحريرية لتضرب في صدور العالمين، تعانق خيالات العشاق، ترسم في وجوههم الأمل بلقاء الحبيب، تودع الدنيا في يومها، علها تشرق في يوم جديد على عالم أفضل، وحياة أجمل، ونفوس أزكى، وأحلام أرقى، عالم تسود فيه المحبة على النفوس وتتوج المودة ملكة القلوب.
سيدي...
إن الأيام دول والسنين قُلَّب، ولولا يقيننا بالمعاد لبكينا تقلب الزمان وشكونا فراقك لنا، ووالله لو كان الزمان ناقة تقوم وتبرك لتكالبت الأيدي لتمسك زمامها فتنيخها فترة من الزمان، نظفر بك لحظة وننعم بك لمحة، ولكن كما - قلت - هو يقيننا باللقاء مهما طال الزمان وبعد المكان، ناهيك أنك يطيب خلقك وخلاصة محتدك(4) أخذت - حين رحلت - قلوبنا معك.
كثير من الذكريات تضيع في غياهب النسيان، ويطويها الدهر في حافظة الزمان، فلا تفتح ولو كد المرء عقله، ونخل فكره، وما أكثرها! ولكن تبقى في النفوس قلائل من الذكرى عوالق النفس لا يزيلها دوران الزمان ولا كر الأيام، وإن ذكرياتنا معك لا نزال نمسي ونصبح على رحيقها العذب السلسال.
سيدي...
ألتمس المعذرة على تقصيري في حقك واستسهالي الكتابة إليك، على غير مقدرة مني أو كفاءة، ولكني علمت منك جميل الخصال ورائع الصفات والخلال، تسامح المذنب في حقك، وتغفر زلة المخطئ في جنابك، وعلمت أن علمك يسبق جهلي وحلمك يسامح نزقي.
إِذَا مَرِضْنَا أَتَينَاكُمْ نَزُورُكُمْ .:.:. وَتُذْنِبُونَ فَنَأْتِيكُمْ فَنَعْتَذِرُ
وأنت تعلم، أنَّ بداية خطأ التلميذ تظهر عند أستاذه، ومعلمه، وأنت دوما تدفعني إلى الكتابة وتحضني عليها؛ ليستسهل قلمي الطريق بالنقد والتحقيق، وها أنا ذا بعد لأي(5) أكتب إليك وأسأل عليك. فإن وجدت في قولي ما لا يفهم وفي تعبيري ما لا يعلم، فإني أسألك نقدي بالكتابة إلي كي أعلم المستحسن من المستهجن.
لا يزال لقاؤنا الأول يمثل أمامي وكأنه الساعة(6)، لم أدر أن الأيام ستصنع من ذلك اللقاء القصير باكورة صداقة حميمة، قل أن يجود الزمان علي بمثلها، وكيف لا تكون كذلك وأنت عمودها الضارب بأطنابه في عمق الأرض الشامخ بجريده في عنان السماء؟ كيف لا وأنت المناجي للخصال الحسنة، المناوئ لكل فكر يحاول أن يلبد سماء صداقتنا بفاحم غيومه وشائن عيوبه؟
لم أكن أعرف شخصك الكريم، ولكنني كنت أسمع عن اسمك يتردَّد في الساحة الثقافية، ويقرع آذان المنصتين فعل الداخل لسوق الصفارين في الحارة القديمة، فلا يستطيع أن يتجاهل الصوت ولو أدخل أصبعيه في أذنيه.
كنت يومها أعمل خلف طاولتي في الصباح الباكر، في قسم الأشعَّة في المستشفى(7) حينها وقفت أمامي وسلَّمت عليَّ بوجه صبوحٍ ندي، وناولتني ورقة كتب لك فيها طبيبُك طلبا بتصويرٍ صوتي(8) لجسدك الملائكي، تنبَّهتُ حينها من الاسم المكتوب على الورقة فقمتُ من مقعدي...
وقلت لك أنت الدكتور محمَّد بوحجام؟
قلتَ: نعم أنا هو...
قلت: إذن اسمح لي بأن أصافحك بشوق ونفس طالما تمنت لقاءك، فأهلا وسهلا يا أستاذ...
طالما سمعت عنك، وعن أخبارك، وعن أثرك في الساحة الثقافية - المتواضعة - في عُمان عامَّة، وفي نزوى(9) خاصة، فاسمح لي أن أدعوك إلى جلسة أدبية أقيمها - على استحياء - في بيتي.
قلت لي: ومتى ذلك إن شاء الله؟
قلت في اليوم الفلاني وعلى الساعة العلانية.
وكان ذلك اليوم واجتمعنا وكان لقاء مباركا مع نخبة من أساتذة الشعر والنقد والأدب.
أذكر من بينهم الشاعر العماني الأديب الشيخ أبو سرور الجامعي(10) والأستاذ الدكتور علال الغازي(11) والأستاذ الدكتور رشيد بلحبيب(12)، والأستاذ الدكتور إبراهيم قنديل(13)، والدكتور صلاح شحاتة(14)، والأستاذ الدكتور محمد عبد المنعم(15)، والأستاذ الدكتور محمد ناصر بوحجام(16) وغيرهم.
وهكذا سيدي مضت مسيرة اللقاء والتصاحب تكلؤها رعاية الله وتوفيقه، مضت كعروس مثقلة بالحلي والجواهر، تتهادي بين المهنئين، والبسمة تملأ شدقيها، والفرحة تغمر قلبها وكيانها، واثقة تمام الثقة باختيارها، داعية مولاها أن يظلل عليهما سعادة الدنيا وحب الآخرة.
مضت خمس سنوات كاملات أسمن - في ما أحسست - من سبع يوسف عليه السلام، عشنا فيها أياما أصدق من الصدق، وأحلى من الشهد، وأجمل من خيوط الشمس الأولى حين ترسلها على بساط أخضر مبتل بندى الليل في يوم خريفي بارد على جبال صلالة(17) الرائعة.
لم تكن السنوات الخمس إلا كنسم معطر زكي مر على آنافنا لحظة ساوت زمانا، رحلنا فيها بمخيلتنا إلى عالم المحبة الصادقة.
لم أحس بالأيام، ولم أشعر بمرورها، كان كل يوم فيها محطة للتزود فيها بوقود الطاقة الكامنة التي لم نكن ندري أننا نملكها.
انتهت السنوات الخمس، وفوجئنا بأستاذنا الفاضل يخبرنا عن إنهائه لعقده مع كلية التربية، وإنها السنة الأخيرة في البلاد.
ثُمَّ انْقَضَتْ تِلْكَ السِّنُونُ وَأَهْلُهَا .:.:. فَكَأَنَّهُم وَكَأَنَّهَا أحْلاَمُ
لم نكن نستغرب الفعل، فقد كان واقعا لا محالة، فكل طائر هجر عشه لا بد له يوما من عودة إليه.
ولكن الذي أحزننا ما علمنا من مآلنا بعده، وفعلنا في عدمه.
فأطرقنا إطراق المغلوب عل أمره، المتأسف أسف الذي بارت تجارته وضاعت صناعته، وفي ذهنه البداية من الصفر... ! فودَّعنا أستاذنا ولسان حاله يقول:
فَأَلقَتْ بِهَا عَصَاهَا وَاسْتَقَرَّ بِهَا النَّوَى(18) .:.:. كَمَا قَرَّ عَيْنًا بِالإِيَابِ المُسَافِرُ
وكانت الأيام الأخيرة... ، وفيها حاولنا أن نستغل كل دقيقة في قربه وكل لحظة في حضرته؛ آملين التزود منه بقدر المستطاع، والعب من معينه الصافي الزلال - وكي أكون صادقا - ليس في العلم والأدب وحسب، بل في كل مناحي الحياة، فقد كنا نطرح أمامه تصوراتنا وأفكارنا وخطوطنا العريضة في عالم التناقضات الذي نعيشه، ثم هو يعمل مبرد النقد والتهذيب لكل ما نطرحه، حتى ما يعن لنا في حياته الخاصة، ثم ما نلبث أن نجد الإجابة الكافية والشافية.
لا أدري - سيدي - هل أطلتُ في خطابك حدا تجاوز بي إلى الثرثرة والهذر وملء الفراغات، أم قصرت فيه؛ فلم أوف حقك علي ولم أجاوز في شأوك(19) أوله.
وليست الكتابة السبيل الوحيد لتفريغ شحنة العواطف المستكنة في القلوب، لكنك - سيدي - حلفتني إلا الكتابة إليك، ثم إنها حرفة أهل الأدب.
منذ ومن، وأنا أفتش عن قدوة صالحة لي، كنت أرسم لها في مخيلتي صورة، كنت أفقد الأمل بوجودها في أرضنا، وكنت أرسم لها روحا سامية صافية، لكني لم أجد كيانا يملأها أو جسدا يملكها حتى رأيتك وتعرفت إليك، ثم إن المدهش في الأمر، أنني عرفت بعد ذلك أنك واحد من جماعة وبعض من كل، فجميع من عرفت في طريقك كانوا يحملون المعاني الكريمة التي أدهشتني فيك وشدتني إليك.
ها أنت - سيدي - قد رحلت عنا، معلنا فراغا واسعا في حياتنا بعدما كنا ملأناه بك ومعك.
لم يعنا على تحمل فراقك يومها إلا قولك لنا:
«لن نفترق طويلا فلعلي أعود للزيارة أو أعود أستاذا زائرا» حينها استطعت - سيدي - أن تصب في قلوبنا الملتهبة المشوقة بعض ما يبردها ويزيل عنها ألم الفراق.
والآن وقد قارب انقطاعك عنا السنة ونحن نراه دهرا، أصبحنا نحس وكأننا حبسنا غيث السماء، والأرض عطشى، والناس هلكى ينظرون ري السماء، وَجُودَ السحاب.
أَلَمْ تَرَ أَيُّهَا الملِكُ المُرَجَّى .:.:. عَجَائِبَ مَا رَأَيتُ مِنَ السَّحَابِ
تَشْكِي الأَرْضُ غَيْبَتَهُ إِلَيهِ .:.:. وَتَرْشِفُ مَاءَهُ رَشْفَ الرِضَابِ
ووالله - يا سيدي - ما حللنا مجلسا ولا خرجنا في رحلة وما ضَمَّنا محفل إلا وذكرناك وتمنيناك بيننا ولسان حالنا يقول:
يُذَكِّرُنِي طُلُوعُ الشَّمْسِ صَخْرًا .:.:. وَأَذْكُرُهُ لِكِلِّ غُرُوبِ شَمْسِ
ما زلنا نذكر الرحلات الرائعة التي قمنا بها معا تجمعنا فيها دفء المحبة وحلاوة الصحبة ونقاوة القلوب الصادقة.
أذكر - سيدي - رحلتنا معا إلى الشرقية(20)، وكان يصحبنا فيها أستاذي العزيز والمربي الفاضل الدكتور رشيد بلحبيب، كانت رحلتنا يومها رحيقا من عسل مصفى، تشربه الحناجر الصادقة، ليزيدها رسوخا وعمقا ويغذيها صلابة وقوة.
رحلنا يومها للمضيى، وسناو، والحوية، وصور، ووادي بني خالد، وإبرا، والمضيرب(21) وغيرها... ، لم أحص ما تعلمته منكما يومها، فقد كنت أمسي في علم وأدب وأصبح عليهما. واذكر أنَّ زيارتنا تلك ضمت زيارة منتظرة إلى الأستاذ الباحث والشيخ المحقِّق سالم بن حرث الحارثي(22) - رحمه الله - ومتَّعنا بعلمه.
والرحلة الأخيرة لدولة الإمارات، والتي كنَّا فيها بصحبتك وصحبة أساتذتنا الكرام حافظ(23) ومروان(24) وسعيد(25)، وفيها - أصدقك القول - تعلمتُ الكثير من الأمور التي ما فتئت تعلمنا إياها فعلا أو قولا أو تقريرا.
وما زلتُ أذكر تلك الكلمة التي أصبحت كلمة السر بيننا والتي نحن فقط نعي ما تعني، لأننا نحن من ربطها بمعناه في نفوسنا ربطا خالدا بين كل معاني الجمال الكوني والنقاء الروحي والتحليق في عالم المدينة الفاضلة والتي نتعلم فيها وبها كيف نحب وكيف نسمو بمشاعرنا إلى مقام علوي رفيع نقلب أعطافنا فيه بين أغصانٍ فَيْنَانَه وقلوبٍ حنَّانه، ونفوسٍ زاكيه وعيونٍ باكيه.
هل أذكرك بها - سيدي - إنها (الرخام).
تُلاحِظُكَ العُيُونُ وَأنتَ فِيهَا .:.:. كَأَنَّ عَلَيكَ أَفْئِدَةَ الرِّجَالِ
مَتَى أَحصَيتُ فَضْلَكَ فيِ كَلاَمٍ .:.:. فَقَدْ أَحْصَيْتُ حَبَّاتَ الرِّمَالِ
هكذا أصبحنا، نستدعي الذكريات الرائعة معك لتضفي على عالمنا الكسول مسحة تفاؤل بلقائك ورؤيتك. وأصبحنا نتسمع أخبارك بين يوم وآخر من إخواننا وأصدقائنا الميزابيين(26) الذين - والحق أقول - كانوا نعم العون والسند ونعم الصديق والرفيق وعلى رأسهم أستاذي الفاضل الدكتور مصطفى باجو(27).
سيدي...
حين كنتَ بيننا، كنا نعرف عن صحتك بأنها تتأثر بين الحين والآخر بما ابتلاك الله به من مرض السكري - شفاك الله - وإذ كنت بيننا كنا نعلم ما يجد معك صحةً وسقما، لكنك منذ فارقتنا لم نسمع عنك شيئا ولم تذكر لنا حين هاتفناك خبرًا جديدًا عن صراعك مع هذا المرض العضال.
وقبل عشرة أيام من كتابتي لرسالتي هذه، فاجأني أخي الجليل الأستاذ إسماعيل عبود(28) بأنه قد بترت أطراف قدمك كلها، في الحقيقة فاجأني الخبر مفاجأة لم تكن في الحسبان، فنضحت في نفسي لواعج الشوق إليك والألم من أجلك، واختلطت في نفسي مشاعر لم أعد أميز طريقها، ولم أفسر مفرداتها، لكنها كانت تصب في مصب القلق عليك والحنين إلى معرفة حالك وأحوالك.
فقرَّرتُ من فوري الكتابة إليك، ثم ما لبثت أن فترت الهمَّة عن نفسي حين سمعتُ أنك ستأتي لزيارة البلاد بعد أيام.
وحدث فعلنا ما أملناه(29)، وتلقيناك بصدور وامقة، وقلوب عاشقة، وجلسنا معك أياما أعدنا فيها ذكريات الأمس الغائب، وذكرت لك ما هاج في نفسي من شوق إليك وما التاعت في نفسي من خواطر القلق عليك، وأخبرتك عن نيتي الكتابة إليك في صفحات الورق، فاستحلفتني إلا كتبت، وما عزمت عليه مضيت؛ لتبقى ذاكرة الورق حافظة لمشاعر الود والحب، ولكن ما حيلتي وقلمي عيي لا يسيل مداده، ولكن هاهي رسالتي إليك على استحياء.
سيدي وأستاذي الكريم الدكتور محمد ناصر بوحجام...؛
نبأ إلي خبر لم أستطع معه حبس كوامن نفسي؛ فانطلقت تنثر على هوامش الورق الأبيض مدادًا أسودَ، يشبه إلى حدٍّ بحيرة الحزن التي أعيش فيها منذ سمعت الخبر الأليم.
أَرَقٌ عَلَى أَرَقٍ(30) وَمِثلِي يَأْرَقُ .:.:. وَجَوىً(31) يَزِيدُ وَعَبْرَةٌ(32) تَتَرَقْرَقُ
جُهْدُ الصَّبَابَةِ أَنْ تَكُونَ كَمَا أَرَى .:.:. عَيْن ٌمُسَهَّدَةٌ وَقَلْبٌ يَخْفُقُ
مَا لاَحَ بَرْقٌ أَو تَرَنَّمَ طَائِرٌ .:.:. إِلاَّ انْثَنَيْتُ(33) وَلِي فُؤَادٌ شَيِّقُ
ولكن مهلا !! كيف أعجب وأنا أعرف جوارحك التي اشتكت كثرة الجهد منك؟ وعدم عنايتك بها والتفاتك إليها بالسكون والراحة؟ وكما قال القائل:
وَإِذَا كَانَتِ النُّفُوسُ كِبَارًا .:.:. تَعِبَتْ في مُرَادِهَا الأَجْسَامُ
وكنت أتذكر الأيام التي كنت كثيرا ما تراجع فيها المشفى للعلاج والاستطباب، وكان أهلك في كل مرة يرجونك العناية بنفسك ورعايتها، ويحضونك على الراحة والسكون، وأنت في كل مرة ترفض فكرة الراحة وعدم الخروج من البيت وكنت تصر على بذل الجهد وإتعاب النفس.
كل ذلك في سبيل الدعوة الصادقة التي آليتَ(34) إلا أن تحمل ثقلها، وتربية النشء الصالح الذي تحمل همه وخطوط مستقبله، وإيصال الفكر السليم إلى مريديه وطالبيه.
هنيئا لك سيدي هذه الروح الوقادة، هذه النفس الزاكية، وهذه الهمة العالية، والأمل المشرق الذي تحمله بين جوانبك.
هنيئا لهذه الأمة هنيئا لها بفارس شق غبار الجهل بسيف علمه المضاء، وأنار دروب الكون بنور وجهه الوضاء، فحق على الأمة والأميين أن يفخروا بك أستاذا مجاهدا في سبيل إحقاق الحق وإزهاق الباطل من أول باب ولجته.
عَلَى قَدْرِ أَهْلِ العَزْمِ تَأتِي العَزَائِمُ .:.:. وَتَأْتِي عَلَى قَدْرِ الكِرَامِ المكَارِمُ
وَتَعْظُمُ فيِ عَيْنِ الصِّغَارِ صِغَارُهَا .:.:. وَتَصْغُرُ فيِ عَيْنِ الصَّغِيرِ العَظَائِمُ
يقيني سيدي وأنا أخط لك هذه الكلمات - حزينا على ما جرى لكم - أن أصابعك التي بُترت عجزت أن تواصل مسيرة العطاء وكانت ببعد أن أمضت نصف قرن معك لا تراوح إلا بين جهاد وسجال وتعليم ودعوة وإرشاد وتوجيه وتربية.
وَمَا فيِ طِبِّه أَنِّي جَوَادٌ .:.:. أَضَرَّ بِجِسْمِهِ طُولُ الحِمَامِ
تَعَوَّدَ أَنْ يُغَبَّرَ فيِ السَّرَايَا .:.:. وَيُدْخَلَ مِنْ قَتَامٍ فيِ قَتَامِ
أنا على يقين أن أصابعك الشريفة ودعتك إلى عالم الآخرة لتلحق بها في نعيم الجنة وأنس المتن في دار الخلد بعد أن تكتمل صفحات المسيرة وتضوي شمعة الألف(35) الذي طالما اشتعل بين جنابتك فأنار به أصقاع الدنيا وعرفه من عرفك.
هنا وقفت إجلالا وإكبارا لروحك الشريفة ونفسك الأبية وألزمتُ نفسي الأدب بحضرتك.
هنا تذكرت ما ردَّده شاعر الجزائر الكبير مفدي زكرياء(36):
شَغَلْنَا الوَرَى وَمَلأْنَا الدُّنَا .:.:. بِشِعْرٍ نُرَتِّلُهُ كَالصَّلاَةِ
* تَسَابِيحُهُ مِنْ حَنَايَا الجَزَائِرْ *
آه سيدي...؛ كلما رأيت نفسي وقد سموت بها إليكم أحسست بقربي من مثالكم وارتشافي في رحيقكم، إذا بي أكتشف أني مازلت بعد على ساحلكم ومازال ماء بحركم البارد يقرص أطراف أصابعي فأفزع، ثم ما ألبث أن أعود، علَّ الله يكتب لي الإبحار في بحركم الواسع بكل ثقة واطمئنان.
أبت نفسك - سيدي - إلا أن تضارع الأولين من الدعاة والمجاهدين الذين باعوا أنفسهم وأموالهم في سبيل تحقيق حكمة الله في أرضه.
إن ما خفف عني الألم في مصابكم، واستل نوازع الشفقة من نفسي عليكم، أنني تذكرت ابتلاء الله لأوليائه الصالحين، وتذكرت قول الرسول (: «أشد الناس ابتلاء الأنبياء، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم».
وعلمت أن جائزة الله العظمى، ومنة الله الكبرى، لا تستحصل بالتواني والكسل، والخمول وترك العمل، لا والله.
يَا سَلْعَةَ الرَّحْمَنِ لَسْتِ رَخَيصَةً .:.:. بَل أَنْتِ غَالِيَةٌ عَلَى الكَسْلاَنِ
لله درك ! ما أعلى ما أملك ! وما أضنى عملك ! تعبت وأتعبت من جاء بعدك، أن يلتزم قافيتك، ويعزف على موسيقاك، ويرقص على نغمك.
ها أنت في جزائر الخير، تواصل العطاء، وتقطع من نفسك لتسدَّ ثغرة من ثغور الإسلام، وتُعنى بالدعوة كما عهدناك وعهدك من عرفك لا تكلُّ ولا تَمَل.
عَفْوًا بَني قَوْمِي فَلَستُ بِشَاعِرٍ .:.:. يُمْلِي عَلَى الكَلِمَاتِ أَمْزِجَةَ البَشَرْ
هَذِي جِرَاحُكُمُ التِي أَصْلَى بِهَا .:.:. أَشْدُو بِهَا شَدْوًا يُخَالِطُهُ ضَجَرْ
سَأَظَلُّ أَعْزِفُهَا عَلَى لَحْنِ الأَسَى .:.:. حَتَى أَرَى فيِ الأُفْقِ تَلْوِيحَ الظَّفَرْ
بَينِي وَبَيْنَ الشِّعْرِ عَهْدٌ صَادِقٌ .:.:. أَنْ نَجْعَلَ الإِسْلاَمِ مَبْدَأَنَا الأَغَرْ
سيدي...
نحن نعدك من هنا، من بلدنا الحبيب عمان، أننا سنواصل المشوار، ونكمل المسيرة، وننفذ البرنامج الكامل حتى يأذن الله لنا بالرحيل إليه والقدوم عليه. نعدك أن ننشر الخير ونحقق مراد الله في أرضه، ولن نألو جهدا في استنبات الصالحات، وإنجاب الأحرار، واستزراع الخير، لا في عمان وحدها وإنما في كل مكان وجدنا فيه، وفي أي أرض وصلناها.
سيدي...
في نهاية كتابتي إليك، لا أقول لك إلا أن تسامح قلمي على لعثمته، وقلة فصاحته، ونبو لفظه، وتهلهل معناه، وضمور قافيته، وفقر بلاغته ومسكنة أدبياته.
فما أنا - سيدي - بابن العميد(37)، ولا صاحبت يوما عبد الحميد(38)، وإن كان في خطابي بعض حسن وتصوُّغ، فما ذلك إلا لأنني كتبته صادق المشاعر، متقد العاطفة. قد أخذني الخيال إلى عالمه بفضل هيامي بك وذكرياتي معك، فكانت خلاصة ما أحسست ونصوح ما شعرت به. فلك الحمد ربي على ما أوليتني من لطفك وأسبلت علي من عطفك.
وأسألك - سيدي - ومن قرأ كتابي هذا إن وجد فيه ما لا يليق أو كان بالتصحيح حقيق إلا نبهني إليه ودلني عليه.
سبحانك ربي لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك ربنا فافتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين
**********************************************
*- كان بعض السلف إذا ذهب إلى شيخه تصدق بشيء وقال: «اللهم استُر عيبَ شيخِي عنِّي، ولا تُذهِب بَرَكة عِلمِه مِنِّي».
*-وقال الإمام الشافعي: «كنتُ أُصَفِّحُ الورقةَ بين يدي مالكٍ صَفْحًا رفيقًا هيبةً له لئلاَّ يَسْمَع وقعَها».
*-وقال الربيع بن سليمان: «والله ما اجترأتُ أن أشرب الماء والشافعيُّ ينظر إليَّ هيبةً له».
*- ومن وصايا الإمام الشافعي لطالب العلم:
اِصبِر عَلى مُرِّ الجَفا مِن مُعَلِّمٍ .:.:. فَإِنَّ رُسوبَ العِلمِ في نَفَراتِهِ
وَمَن لَم يَذُق مُرَّ التَعَلُّمِ ساعَةً .:.:. تَذَرَّعَ ذُلَّ الجَهلِ طولَ حَياتِهِ
وَمَن فاتَهُ التَعليمُ وَقتَ شَبابِهِ .:.:. فَكَبِّر عَلَيهِ أَربَعًا لِوَفاتِهِ
وَذاتُ الفَتى - وَاللَهِ - بِالعِلمِ وَالتُقى .:.:. إِذا لَم يَكونا لا اِعتِبارَ لِذاتِهِ
-------------
هوامش
(1) هو الأستاذ محمد ناصر قاسم بوحجام ولد في الجزائر عام 1951م، ونال شهادة الليسانس في الآداب ثم على الماجستير من جامعة الجزائر وعلى الدكتوراه عام 1994م، أعير إلى عمان للعمل كأستاذ في الأدب العربي في كلية التربية بنزوى، واستقال منها عام 2004، وهو الآن أستاذ بجامعة باتنة في الجزائر، له كثير من الكتابات منها على سبيل المثال:
*أثر القرآن في الشعر الجزائري الحديث.
*السخرية في الشعر الجزائري الحديث.
*الشيخ بيُّوض وقضية فصل الشمال عن الصحراء.
*التواصل الثقافي بين عُمان والجزائر.
(2) يوسف امبوعلي، شاب من مواليد سنة 1973م، بمدينة «فرق» ب«نزوى»، من سلطنة عُمان الشقيقة، موظف في المستشفى ب«الخوض» في العاصمة «مسقط».
(3) الندى= الكرم.
(4) المحتد= الأصل.
(5) بَعْدَ لأْيٍ= بَعدَ جُهد وتَعَب.
(6) كان ذلك عام 2000م.
(7) مستشفى نزوى.
(8) أي بالموجات فوق الصوتية.
(9) نزوى مدينة تاريخية قديمة كانت عاصمة عُمان في الماضي تبعُد عن مسقط 145كلم.
(10) هو الشاعر الفقيه القاضي عبد الله بن حميد الجامعي له ديوان شعر مطبوع وله مؤلفات منها:
*بغية الطلاب.
*الفقه في إطار الأدب.
*الفقه في النحو.
(11) الأستاذ الدكتور علاَّل الغازي أستاذ النقد الأدبي في جامعة محمد الخامس بالرباط وكلية التربية بنزوى وله كتابات كثيرة في النقد والبلاغة.
توفي في شهر ديسمبر سنة 2006م
(12) الأستاذ الدكتور رشيد بلحبيب أستاذ النحو والصرف في جامعة وجدة بالمغرب وكلية التربية بنزوى وله كتب:
* التقديم والتأخير في المبتدإ والخبر.
* المنظومة.
* تحقيق... النكت على كتاب سيبويه.
(13) الأستاذ الدكتور إبراهيم قنديل أستاذ الأدب العربي في جامعة المنصورة، وكلية التربية بنزوى.
(14) الأستاذ صلاح شحاتة أستاذ البلاغة في جامعة أسيوط، ورئيس قسم اللغة العربية في كلية التربية بنزوى سابقا.
(15) الأستاذ الدكتور محمد عبد المنعم أستاذ البلاغة في كلية التربية بنزوى.
(16) سبق التعريف به.
(17) صلالة: مدينة في جنوب عُمان تكون في أيام الصيف جنة الدنيا، تكسوها الخضرة وتتخللها العيون وتغيب عنها الشمس ولا تزال حبَّات الندى تتساقط.
(18) النوى البعد وهو مصدر لنأى ينأى.
(19) قدرك
(20) الشرقية منطقة في الجنوب الشرقي من عُمان وهما قسمان جنوب وشمال.
(21) بلدان ومناطق في المنطقة الشرقية لعُمان.
(22) الشيخ المحقق سالم بن حمد بن سليمان الحارثي له كتابات ومؤلفات كثيرة منها «العقود الفضية في الأصول الإباضية»، «المسالك القويمة»، توفي في مايو من عام 2006م.
(23) حافظ بن أحمد أمبوسعيدي: أستاذ اللغة العربية ومفتش في وزارة التربية.
(24) مروان محسن الذهلي: أستاذ اللغة العربية في مدارس عمان.
(25) سعيد بن علي البطراني: أستاذ اللغة العربية في مدارس عُمان.
(26) نسبة إلى وادي ميزاب بالجزائر.
(27) الأستاذ الدكتور مصطفى باجو أستاذ الدراسات الإسلامية في جامعة قسنطينة بالجزائر وكلية الحقوق في عُمان، سابقا.
(28) إسماعيل عبود مدرِّس قرآن وإمام مسجد تخرج من معهد القضاء الشرعي (العلوم الشرعية حاليا) بسلطنة عُمان.
(29)كان ذلك في شهر سبتمبر 2005م.
(30)الأرق: عدم المقدرة على النوم.
(31)الجوى: الشوق.
(32)العبرة: الدمعة.
(33)انثنيت: رجعت.
(34)حلفت و عزمت.
(35)كناية عن عزيمة الألف رجل.
(36)شاعر الثورة الجزائرية الكبير.
(37) هو أبو الفضل محمد بن الحسين المعروف بابن العميد فارسي الأصل من أهل مدينة "قم"، كان أبوه مترسلا بليغا يتولى الكتابة لنوح بن نصير السامرائي ملك بخارى فنشأ على الأدب ودربه على الكتابة وغذَّاه بالعلم فبرع في الإنشاء والترسل وتوسع في الفلسفة والنجوم حتى سمى بالأستاذ ولقب بالجاحظ الثاني، رحل إلى ملك آل بويه فاستوزره ركن الدولة وقصده العلماء فكان هو والصاحب بن عباد والوزير المهلبى روحا لنهضة العلم وقطبا لدائرة الأدب في ذلك العصر مدحه المتنبي في قصيدته التي مطلعها:
بَاءٍ هَوَاكَ صَبَرْتَ أَمْ لَمْ تَصْبَرِ .:.:. وَبُكَاكَ إِنْ لَمْ تُجْرِ دَمْعَكَ أَوْ جَرِيْ
(38) هو أبو غالب عبد الحميد بن يحيى الكاتب نشأ في الشام من سلالة غير عربية ونسب إلى بني عامر نسبة ولائية تقف الكتابة على سالم مولى هشام بن عبد الملك ثم أخذ يمارس تعليم الصبية، حتى استكتبه مروان بن محمد على أرشيقة ثم كاتبا له أيام خلافته حتى زوال دولته ومقتله قتل في عام 132هـ وكان صديقا حميما لابن المقفع. توفي سنة 160هـ.

نشرت الرسالة في دورية الحياة، العدد: 11، 1428هـ/2007م، ص 283-295.
اسم الكاتب