السلوك العقدي عند الشيخ صالح بزملال

د. مصطفى بن الناصر وينتن

المقدمة:

يقول الله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالاِنسَ إِلاَّ لِيَعْبدُونِ مَآ أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَآ أُرِيدُ أَنْ يُّطِعمُونِ إنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَاقُ ذُو الْقُوَّة الْمَتِينُ} (سورة الذاريات: 56-58)، تلخّص هذه الآية الكريمة المقصد الأسمى والرسالة الجليلة التي خلق الله تعالى من أجلها عباده من الإنس والجن، وهو تحقيق عبوديّتهم لله تعالى ربِّ العالمين؛ فكانت أسمى المراتب التي يصل إليها الإنسان أن يثبت هذه العبودية والإسلام لله تعالى، حتى يتحقَّق فيه كونه مؤمنا بربِّه عاملا في سبيل مرضاته.

وإنَّ العقيدة - في أيِّ دين ومذهب وفكر - هي الأصل، وعليها ينبني العمل، وبينهما علاقة تلازم؛ إذ لا يمكن التسليم بصحة الاعتقاد إذا خالفه العمل؛ كما لا يمكن أن يصدر العمل من فراغ سبهللا لولا أن له خلفية عقدية، قد لا يقصدها العامل عند مباشرته العمل ولكنه لا محالة يصدر عنها.

وقد كانت الغاية التي جاء الإسلام لإيقاظ الهمم للعمل لها هي تجسيد مفاهيم الخير والصلاح في السلوك الفردي والجماعي، وترجمة القيم الأخلاقية الدينية إلى أعمال منتِجة مثمرة، ينتفع بها العباد وتصلح بها دنياهم وآخرتهم.

والقرآن الكريم يربِّي الإنسان على أن يكون بصيرا بأمره، عالما بما له وما عليه، ويحذره من الضلال، {وَمَن كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الاَخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً} (سورة الإسراء: 72)، ورغَّبه في ذلك بالعمل في الدنيا: {مَن كَانَ يُريدُ حَرْثَ الاَخرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُوتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الاَخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ} (سورة الشورى: 20).

والعقيدة الإسلامية دافعة إلى العمل الصالح محفِّزة عليه بما رتبت من الأجر العظيم على العمل في الدنيا، من ذلك قوله تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ اَوُ اُنثَى وَهُوَ مُومِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّـبَةً وَلَنَجْزِيَـنَّهُمُ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} (سورة النحل:97).

وأنتجت هذه المبادئ ما عرفه التاريخ الإسلامي من رجال كانوا نماذج صادقة في الالتزام والوفاء بما آمنوا به؛ فكانوا زيادة قدوة لمن بعدهم إضافة إلى الاقتداء بالرسول صلى الله عليه وسلم ؛ ومن هؤلاء الذين كانوا أمثالا وحجة على غيرهم عمنا صالح بن عيسى بزملال رحمه الله تعالى، بما رزق من اليقين والصبر والقوة على العمل.

وقد ظهر أثر الإيمان والعقيدة جليَّين في حياة الشيخ صالح بزملال يتفطن لذلك من عاشره أو صاحبه ولو مدة يسيرة من الزمن؛ لأنه يبين ويفصح عن البعد الإيماني لأفعاله كل حين وفي أغلب مواقفه.

ولعل أهمَّ شيء مكَّنه من تبوء المكانة العظيمة المرموقة في قلوب الناس فأحبوه لذلك هو هذا الورع الذي اتصف به واجتهد في تحقيقه في نفسه وهو كذلك السبب الذي جعل آخرين يتبرمون من ملازمته، أو يتحرجون من مصارحته بآرائهم ومواقفهم لأنهم يعلمون فيه هذا الورع الذي أكسبه قوة في الشخصية وشجاعة وجرأة في الصراحة مع الغير حين يتنكبون عن الجادة.

فكانت حياته ـ رحمه الله ـ ومعاشرته للناس ترجمة لإيمانه وعقيدته تناقلها الناس بالتفصيل أحيانا وبالإجمال أحيانا أخرى، وكل يحتفظ لنفسه عن الشيخ بما يثبت هذا السلوك العقدي.

1- السلوك العقدي:

ونقصد بالسلوك العقدي جملة التصرفات والأفعال الإرادية التي يأتيها الإنسان صادرا فيها عن خلفية إيمانية، ومتتبعا توجيها عقديا، لولاه لكان له في الموقف نفسه وفي الظرف ذاته تصرف مغاير.

فإن المؤمن الحقيق إذا عمل، عمل باسم الله تعالى، ومن أجل الله عز وجل، وطاعة له؛ وإذا نطق اجتهد أن يرضي الله تعالى، يخشى أن يغضبه بقول، كما يخشى أن يسخطه بفعل، كما أمر سبحانه في قوله: {قُلِ اِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَآيْ وَمَمَاتِيَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَالِكَ أُمِرْتُ وَأَنَآ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} (سورة الأنعام: 162-163)؛ ويعرض نفسه على دينه وعقيدته مرارا؛ وهو بين خوف ورجاء؛ كما حصر الله تعالى شأن المؤمن بينهما وأمره أن يكون حاله وسطا: {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً اِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ وَلاَ تُفْسِدُوا فِي الاَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا اِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ}(سورة الأعراف: 55-56).

والسلوك بهذا الوصف (العقدي)، والنسبة إلى العقيدة، يتغير من شخص إلى آخر؛ فإن الناس جميعا يتعرضون مثلا للخصومة مع غيرهم لكن لا ينهون هذه الخصومات بشكل واحد وعلى حال واحدة إلا بقدر إيمانهم قوة وضعفا: فأحسنهم حالا وأرسخهم عقيدة الذي يذكر قوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه الربيع عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ فَأَقْضِيَ لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ مِنْهُ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِشَيْءٍ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ فَلاَ يَأْخُذْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنْ نَارٍ»(1)، فينصف من نفسه، ويعطي كل ذي حق حقه؛ ثم بعده من يخشى نتائج القانون الوخيمة والعقوبة الدنيوية فيعز عليه أن يلحقه الهوان فينصاع للحق رهبة من ذلك؛ ثم أسوأهم حالا الذي يعلم أنه ظالم فيصر على الظلم ويزداد عتوا.

وفي كل حال فإن الفعل أو الانفعال لم يخلُوَا من اعتبار عقدي إيماني تتفاوت قيمته بقدر تمكن العقيدة في القلب أو ضعفها وتبعا لذلك يظهر الأثر على السلوك.

2- أثر العقيدة على السلوك:

يقول الإمام البوصيري:

وإذا الهداية حلت بقلب

نشطت في العبادة الأعضاء

فالعمل أثر وثمرة من الاعتقاد والتصور والاقتناع والإيمان؛ والعقيدة الصحيحة المتينة تدفع بالضرورة إلى سلوك خاص يتماشى مع خصائص الإيمان والاعتقاد.

ومن خصائص الاعتقاد في الإسلام أن الإيمان ليس مجرد معرفة، فهو يبتعد عن التجريد والمثاليات قدر الإمكان ليختصر الطريق إلى الفعل الحضاري البناء؛ فالآيات والأحاديث آمرة بالعمل تقرنه بالإيمان ولا تفصل بين ذلك؛ وتكرر ذلك في مثل قوله تعالى: {الذِين ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ}، وقوله صلى الله عليه وسلم: «لاَ يُؤمِنُ أَحدُكُم حتَّى يُحِبَّ لأخِيه ما يُحِبُّ لنَفْسِه»(2).

وتبعا لهذا أثر عن علماء الإسلام قرن العمل مع الإيمان في التعريف، وجعله جزءا منه، لا يكمل إيمان إذا كان العمل غائبا، كما أثر عن الإمام مالك قوله: «لا أحب إلا ما تحته عمل».

ويهمنا خاصة المذهب الإباضي مذهب الشيخ صالح بزملال، الذي يرى أن الإيمان في حقيقته اعتقاد وقول وعمل، ولا فصل بين هذه الأجزاء، فمن أراد أن يكون مؤمنا وجب عليه أن يوفِّي بالإيمان معرفة بالله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم واعتقادا، وأن يظهر ذلك في أعماله بفعل الطاعات وترك المعاصي.

لذلك كان من الضروري والبدهي أن يكون لهذا التصور أثر واضح في السلوك، كما بدا واضحا الفرق بين أثر اعتبار الفعل في الإيمان من عدمه: «فسلوك المجتمع الإسلامي والفرد المسلم في الصدر الأول غيره بعد ذلك، وإنما ضعف المسلمون بقدر ضعف إيمانهم الحقيقي وبعدهم عن التصور السليم للإيمان، وابتعادهم عن حقيقته العملية إلى اعتباره مجرد شعور خال من الأثر العمليِّ»(3).

وهذا الفهم السليم هو الذي يبني الإنسان الذي هو أساس الفعل الحضاري، كما يقول المفكر محمد إقبال: «فالدين ليس أمرا جزئيا، ليس فكرا مجردا فحسب، ولا شعورا مجردا، ولا عملا مجردا، بل هو تعبير عن الإنسان كله»(4).

ونحن في هذا المقام مع نموذج من حياة رجل حاول أن يتمثل عقيدته في حركاته وسكناته، في أفعاله وأقواله مما أكسبه شخصية متميزة؛ لم يميِّزها سوى هذا الإيمان الراسخ وهذا الورع والتقوى التي وقرت في قلبه وظهرت على جوارحه -ولا نزكِّي على الله أحدا-  ولكن ما شهدنا إلاَّ بما علمنا، وبما عُلِّمنا، ونقلنا عمن عاشر الشيخ ولازمه مدة من الزمن، خاصة عمنا سليمان بن سعيد بكاي -حفظه الله-، ونعرض بعضا من هذا السلوك نماذج تحتاج إلى إثراء وتوضيح.

3- نماذج من السلوك العقدي:

  أ) رسوخ الإيمان:

أوّل ما ينبغي أن نشير إليه من السلوك العقدي عند الشيخ صالح بزملال ما كان أثرا عن تربيته ونشأته، حيث أُشرب العقيدة ولُقِّنها تلقينا، وأُفهمها فهما عمليا بما يراه من سلوك المربين والمربيات حَوْلَه، في جوٍّ لا يجد فيه تناقضا كبيرا وواسعا بين الفعل والقول، فكان كما قال مفدي:

شربت العقيدة حتى الثمالة

وأسلمت وجهي لرب الجلالة

سرت هذه العقيدة تصورات وأخلاقا من قلبه إلى سائر جوارحه عقيدة على المذهب الإباضي؛ لُقنها في مجتمع إباضي محافظ، يسهر فيه الوالدان على تنشئة الولد على الإيمان منذ الصغر وقبل التمييز على شكل أهازيج وترانيم، يسمعها ولا يعيها، ولكن يحفظها بألحانها، ثم تغوص إلى أعماق الذاكرة يسترجعها بعد ذلك، إضافة إلى ممارسات عملية تراقب الطفل فيما يقوله وما يفعله، فيؤمر ويُنهى - وهو دون البلوغ والتكليف - أن يتحرز من أخلاق السوء وسيِّئ التصرفات.

فأثمرت هذه التربية - إضافة إلى التعليم الذي تلقاه - شخصية راسخة الإيمان، شديدة القناعة، وثيقة الإيمان بما في قلبها، إيمان يقبل المناقشة مع غيره من أهل مذهبه وغيرهم، لكن لا يتزعزع و لا يحيد عنه.

  ب) إيثار الحق على الخلق:

ومن أهم الشمائل التي أُثرت عن الشيخ صالح بزملال أنه إذا علم الحق في مسألة اعتقده ولم يبال بما يخالفه وبمن يخالف، وهو الذي يرشد الباحثين بقوله: «إذا اعتقدت صواب رأي في مسألة فاصدع به ولا تبال»؛ وهو الهاجس الذي يساور الباحث العلمي، فكان موقف الشيخ هنا أكبر مشجع للباحث على المضي في البحث وتجاوز مرحلة التخوف والاعتبارات المثبطة.

وهذا الخُلُق من الشيخ نابع من قوة إيمانه بأن الحق أحق أن يتبع، استجابة لقوله تعالى: أَفَمَنْ يَّهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُّـتَّـبَعَ أَمَّن لاَّ يَهَدِّي إِلآَّ أَنْ يُّهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ}(سورة يونس: 35)، {فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلاَلُ فَأَنـَّى تُصْرَفُونَ}(سورة يونس: 32).

وتجلى هذا في مواقفه التي يحاول أن يبتعد فيها عن الاعتبارات التي تنغص عن معرفة الحق أو تزيغ عنه، وخاصة منها اعتبار الانتماءات المذهبية أو العرقية الضيقة.

فقد أشاد يوما أحد رواد مكتبة «الاستقامة» بانضباط مواعيد العمل فيها، وعرَّض في ذلك بمكتبات أخر تابعة لعشائر، فامتعض الشيخ من ذلك التعريض ولم يبد منه الرضا بما قال صاحبنا، وكان سكوته إنكارا بليغا عليه حيث مضت لحظات من السكون والوجوم، أشعرت القائل بسيِّـئ ما جاء من القول، وتمنى لو أنه سكت، واكتفى الشيخ بهذا القدر وهو أبلغ من محاضرة مطولة أو عبارة موجزة في الموضوع، وكأنه قال: «دعها فإنها منتنة».

فالاعتبار الوحيد الذي ينبغي الأخذ به هو القرب من القرآن وما يزيد الدين قوة في النفوس وانتشارا وتوسعا، ومما يحمد على الشيخ في هذا المجال أنه كان يعمل بقوله تعالى: {لآَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} (سورة البقرة: 256)، وقوله عز وجل: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبـِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالتِي هِيَ أَحْسَنُ} (سورة النحل: 125)، ولا يشتط ولا يعنف على مخالفه ولا يسف في الخلاف، بل يقدر رأي مخالفه وصاحبه، وغاية ما يظهر منه إذا لج صاحبه في الخلاف وأصر على رأيه أن يُعرَف بالتذمر في وجهه وبسكوته عن مواصلة الحديث في الموضوع، وقد يزيد فيُعرض ويغير الموضوع.

وظهرت هذه النزعة أيضا في قضايا أخرى منها الفقهية خاصة؛ مثل موقفه في إقامة صلاة الجمعة، لما رأى الصواب في ترك الجدل فيها والسعي لأدائها ولو خارج البلدة، أملا في صلاتها يوما بها، وقضى سنوات يلتزم الذهاب كل جمعة إلى أحد مساجد بلدة غرداية.

وموقفه من سجود السهو إذ لم يركن إلى القول به دبر كل صلاة، فكان لا يفعله إلاَّ إذا لزمه ولو فعله كل المصلين، وصاحبته هذه الروح وهذا الخلق طول حياته، مما أكسبه ثقة في النفس، وعزة وقوة في إبداء الرأي، وعدم التأثر بالنزعات أو الأهواء أو الضغوط.

ومن السلوك العقدي الناتج عن التربية ما تعلمه الشيخ من الاعتزاز بالله تعالى وإجلاله وتقديره فلم يكن يرى الذل والخضوع لغيره، بل العزة لله ولرسوله وللمؤمنين، فلا يكبر أحد أمامه و لا يعظم ولا ينبغي له ذلك، ولا يجل  إلاَّ من يجل الحق تبعا للحق الذي معه، ونلمس هذا في حديثه للناس، وهو مما زاده مكانة ورفعة فحق فيه أنه: من اعتز بالله تعالى أعزه الله ورفعه.

وهذا السلوك كان منه منذ نعومة الأظفار، مما يدل على أثر التربية السليمة فيه؛ فهو يذكر عن نفسه أنه لما كان يتتلمذ على شيخه(5) في القراءات الشاذة بجامع الزيتونة، وكان من عادة التلاميذ عند حضور الدرس أن يؤدوا تحية خاصة، تقتضي أن يجلس التلميذ أمام الشيخ على ركبتيه ويضع يديه على ركبتي الشيخ ثم يقبل يده، ولم يكن الشيخ يفعل ذلك حتى سأله الأستاذ:

- لم لا تفعل مثل زملائك؟ فقال: لا أرى ولا أدري ما يفعلون.

فبيَّن له الأستاذ كيف يفعلون، فقام الشيخ صالح وخرج وترك حلقة القراءة؛ حتى سأل عنه الأستاذ عند مسؤول البعثة الميزابية بتونس الشيخ محمد بن صالح الثميني(6)؛ ولما سأل الثميني الشيخَ صالح، قال: ربيتموني على ألا أخضع لأحد... ثم أخبر المقرئ، فأكبر تصرف التلميذ ورخص له أن يحضر الدرس دون تأدية مراسيم التبجيل.

وتنامت معه روح الاعتزاز بالله تعالى وعدم الخضوع لغيره؛ فكان لا يرى الوقوف لأحد ولا لشارة ولا لرمز ولا صمتا لميت، وعوض ذلك يقترح أن يتلى القرآن الكريم جلوسا.

  ج) تقدير القرآن الكريم:

إن المتعارف عليه بين الأمة أن القرآن الكريم كلام الله تعالى ورسالته إلى الإنسانية، أنزله على عبده ورسوله سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ليكون للعالمين نذيرا وليهدي الناس إلى الطريق المستقيم، يهديهم لما يحييهم في الدنيا، ويسعدهم في الآخرة.

ولن يصل الإنسان إلى الانتفاع بهذه النعمة الجليلة - التي هي من أجل النعم، ومفتاح الهداية - إلاَّ إذا تعامل مع القرآن الكريم تعاملا صحيحا سليما، يبتدئ من العقيدة السليمة في أنه كلام الله تعالى ورسالته، وحق الرسالة أن تقرأ قراءة صحيحة، توصل إلى إدراك المعنى المقصود من النص، أو على الأقل تقرب منه، أو تثير في القارئ السؤال للبحث عن المعنى.

ولما كانت جل العلوم خادمة للقرآن الكريم وفهمه، وفي مقدمتها حسن التلاوة، فقد اهتم الشيخ بذلك، فكان له نصيب وافر من العلم بالقراءات، وتحصل على الإجازات فيها، وكان بدهيا أن يلتزم آداب التلاوة وحسن التعامل مع القرآن الكريم.

وأثر عنه أنه لا يسأل أحدا من التلاميذ بعد التعرف عليه عن شيء من المعارف قبل أن يسأله عما تعلم من القرآن الكريم، وكان لهذا السؤال أثره في أن ينبه المسؤول إلى أعظم ما ينبغي الاهتمام به وهو القرآن الكريم؛ ثم هو يبتهج ويسر إذا علم بختم أحد التلاميذ للقرآن الكريم، ويكون أكثر ابتهاجا وسعادة عند حفظ أحدهم له، فيحضر حفل تكريمه ويشجعه، وينبه المتقاعس ويرغبه في الاهتمام بكلام الله تعالى.

وكان من المرتادين لمجلس تلاوة القرآن الكريم في المسجد، فإذا كان فيه ظهر أثره من حيث انسجام التلاوة بين القارئين، والخلو من الأخطاء لحسن حفظ الشيخ -رحمه الله-، ولم تكن هذه المجالس تراعى فيها ما يجب مراعاته من آداب تلاوة القرآن الكريم دائما، وخاصة من ذلك المزج بين التلاوة والحديث بين بعض الحاضرين، وأعظم من هذا توزيع الصدقات أثناء التلاوة مما يربك القارئين ويحل جوا من الاضطراب في التلاوة فكان استياء الشيخ ظاهرا وشديدا، قد يصل به الحال إلى التنبيه أو زجر من بجنبه وتذكيره بوجوب السكوت والكف عن ذلك، ويرى أن الواجب - كما تنص عليه آداب التلاوة -  السكوت والإنصات والاشتغال بالتلاوة والانشغال بها عن غيرها، كما قال الله تعالى: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْءَانُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} (سورة الأعراف: 204).

ولم يكن يحضر مجالس تلاوة ما يسمى بالمنتخبات أو تنجيم القرآن إلى أقساط وقراءتها متتابعة كأنها سورة واحدة، أخذا بقول القطب في منعه ذلك(7)، وكذا الشيخ إبراهيم بيوض، وكان يرى أن من ابتدأ سورة فعليه أن يتمها، وأن لا يتلو أطرافا من سور متتاليات كأنها نزلت سورة واحدة، لما فيه من خروج عن آداب التلاوة، والتجرؤ على القرآن الكريم الذي لا يجيزه الشرع ويأباه الشيخ.

  د) إنكار التهوين من أمر الدين:

من الأمراض العقدية التي أصيب بها المجتمع المسلم أن قل تقديره لله تعالى في نفوس أبنائه، ولم يعد ذكر الله تعالى يحدث في قلوبهم خشوعا ولا وجلا، ولا يثمر طمأنينة بسبب بعدهم عن الإيمان الحق، فران على القلوب، واتخذت ما يجب الإيمان به من الملائكة والرسل ومقدسات الدين هزؤا، وأخطر من ذلك نسجوا فكاهات حولها، وعقدوا جلسات السمر في التفكه بذكر هذه الأصول العقدية؛ وكان الواجب يقتضي إجلالها وتقديرها حق قدرها، وشجع على هذا تأليف البعض كتبا للفكاهة في الموضوع؛ وازداد الأمر خطورة فتجرَّأ أبناء المسلمين على أنواع من السباب تهوي بهم في دركات الجحيم.

ومن أهم عوامل انتشار ذلك سكوت أولي الأمر والنهي وسكوت الوالدين والناس - إلاَّ من رحم ربك - عن تقويم الوضع، وردع الأولاد بل الشباب عن هذا المنكر والزور من القول.

وقد كان الشيخ صالح بزملال من هؤلاء القلة، مدفوعا بقوة إيمانه وشدة غيرته على دينه، فكان يتطرق إلى الموضوع مرارا، ويشتد غضبه عند سماع مثل هذه المنكرات وخاصة إذا كانت من الصبيان ليس تهوينا لصدورها من غيرهم، ولكن لأسفه أن ينشأ المسلم الصغير على هذا المنكر والفحش في القول.

وفي هذا المجال أيضا هوان الأمة على أبنائها حتى أدى بهم تذمرهم من أوضاعهم أن يروا أو يلمحوا إلى أنه لو أسندت مقاليد الأمور إلى الأجنبي عوضا عن المسلم لصلح الوضع، ويبهرهم بريق الغرب فيظنوا أن الخير منه يأتي، وأن الفلاح في اتباعه، وكان الشيخ شديد الإنكار على من يبدي مثل هذا التخاذل، أو يتمنى أن لو كان أمره بيد الغرب المستعمر بالأمس الذي عاث في الأرض فسادا، فيقول الشيخ منكرا لمثل هذا الضعف العقدي: «لأن أتحمل ما أنا فيه طول عمري أحب إلي من أن أبقى ساعة تحت سلطة الكافر المستعمر»، فهو لا ينكر سوء الأوضاع السياسية وفساد أجهزة الإدارة والحكم، لكنه لا يرضى أن يبيع آخرته ودينه بدنيا زائلة ولذة ظاهرها رحمة لحظات وباطنها عذاب مقيم دائم؛ والشيخ هنا كان متأثرا بما تعلمه من عقيدته ومن العلماء الذين سبقوه خاصة منهم الشيخ امحمد بن يوسف اطفيش، الذي كان له الموقف ذاته من الاستعمار، فرفض المفاوضة معه، أو التنازل إليه بشيء من الذل أو الهوان(8).

وسعى الشيخ بالموازاة مع هذا في الدعوة إلى الغيرة على المجتمع المسلم أينما كان في أقطار العالم، فهو يتتبع أخبار المسلمين في كل مكان، شغوف أن يعلم بانتصار قضاياهم العادلة مشرقا أو مغربا، عزيز عليه أن يسمع بنكبة تلحقهم أو هزيمة يُمنَوْنَ بها، يظهر والبشر باد على محياه مستبشرا عندما يكتسب خبر انتصار هنا أو هناك، وكان هذا أيضا عينة من تأثره بالعلماء المهتمين بشؤون الأمة، ومنهم القطب رحمه الله تعالى الذي أثر عنه دعاؤه عقب كل مجلس بنصرة الحق على الباطل، كما نجده عند نهاية تفسيره لكل سورة في تفسيره «هميان الزاد إلى دار المعاد»(9).

وللشيخ موقف واضح وصريح من إحلال العاطفة الدينية بين الناس، وزرع الوازع الديني بينهم، فهو يقف ضد كل ما يفضي إلى التهوين من القضايا الدينية، أو الشعائر التعبدية، أو العادات والأعراف التي لا تصادم الشرع، ويشدد الرد على من يعتبرها مجرد تقاليد، بل ما دام فيها مصلحة المجتمع ولا تعارض النصوص الشرعية نجده يتشبث بها، ولا يقبل انتقاصها ولو بالوصف، كما فعل مع أحد المسؤولين لما سمع منه أنه وصف عادة اجتماعية بالفلكلور، فرفض هذا الوصف، ورفض أن يصبح الصالح العام وما فيه خير الأمة مما يدرج ضمن طقوس الفلكلور، الذي لا يعني في نظره سوى الممارسات الاستعراضية التي كثيرا ما اتخذها المسؤولون سببا لتجهيل الأمة، وتركها تخوض فيما يلهيها عن الرقي بها والاهتمام بالأهم من قضاياها الاجتماعية والسياسية، فيكون إنزالها إلى مظاهر فلكلورية سببا في الانتقاص من قيمتها ومن أثرها المرجو في حياة الأمة وواقعها. 

  هـ) العمل الاجتماعي:  

عمل الشيخ صالح بزملال في المجال الاجتماعي وكان له إسهام كبير في قضاء حوائج الناس، ومنطلقه في هذا قوله صلى الله عليه وسلم : «من لم يهتم بأمور المسلمين فليس منهم»(10)، وأنه من الواجب على المسلم أن يتضامن مع أخيه وخاصة مع ذوي القربى وذوي الأرحام، حتى أصبح ملاذ ذوي الحاجات ومقصد ذوي المعضلات، يفصل فيها برأيه السديد ويصلح بين الناس ما أمكنه الإصلاح.

 وكان لدوره في العشيرة الأثر الفعال في ذلك، سبَّاقا في التعهد بإيصال الأمانات إلى أهلها، وتوزيع الهبات والصدقات.

وكان الصالح العام مقدما عنده على كل الأعمال يتابع ويهتم لما يقع ولا يهنأ له بال ما لم يطمئن إلى سير عمل بدأه، أو أوصى به.

وله مع هذا موقف من الناس حسب التزامهم أيضا بالمسؤوليات الاجتماعية، ويرى أن خير الناس خيرهم لأهله وأنفعهم لعياله ولعباد الله تعالى، كما قال صلى الله عليه وسلم : «خَيرُكُمْ خَيرُكُم لأَِهلِه، وأنَا خَيرُكُم لأهلي»(11)، ولم يكن يتوانى في البراءة وعدم الاكتراث بمن ابتعد عن أهله وخاصمهم، أو كان غير مبال بأقاربه، ولا يصلهم.

وكان الشيخ سباقا إلى حضور أعمال العشيرة ومخلصا في أداء الواجبات ولم يتوقف منذ بداية تأسيس أول مكتب إلى آخر أيامه.

  و) الولاية والبراءة:

من السلوك الذي اشتهر به الشيخ صالح بزملال التزامه بمبدإ الولاية والبراءة، خاصة فيما يتعلق بولاية الأشخاص وبراءة الأشخاص بأعيانهم، ويرى ذلك واجبا عقديا يفرضه عليه إيمانه بالله تعالى وطاعته لرسوله صلى الله عليه وسلم وبما جاء به القرآن الكريم، من مثل قوله تعالى: {يَآ أَيـُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا ءَابَآءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمُ أَوْلِيَآءَ اِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الاِيمَانِ وَمَنْ يَّتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} (سورة التوبة: 23)، وقوله عز  وجل: {لاَّ تَجِدُ قَوْمًا يُومِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الاَخِرِ يُوَآدُّونَ مَنْ حَآدَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا ءَابَآءَهُمُ أَوَ اَبْنَآءَهُمُ أَوِ اِخْوَانَهُمُ أَوْ عَشِيرَتَهُمُ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الاِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ} (سورة المجادلة: 22)؛ وكان هذا المبدأ هو المسيِّر للشيخ في حياته وعلاقته بالناس، وكان معروفا بصرامته في تطبيقه، صرامة رآها البعض تشددا، وما هو في رأي الشيخ إلاَّ استجابة لداعي الله تعالى؛ وليس الالتزام بهذا إلاَّ انسجاما مع ما عرف عنه من اتباع الحق وعدم المساومة فيه، فإذا ثبت لديه موجب ولاية في أحد تولاه وأعلمه بذلك وشجعه، وإذا ثبت لديه موجب البراءة في أحد حاول إقامة الحجة عليه ودعوته إلى التوبة ونصحه، وإذا أصر لم يتوان الشيخ في البراءة منه ومقاطعته من أجل المعصية التي اقترفها وعلمها الناس فيه ولم يتب منها، ولا يجد الشيخ غضاضة في هذا ولا حرجا لأنه استجاب لداعي الله تعالى، ولو كان الأمر يتعلق بأقرب الناس إليه كما نص القرآن الكريم على هذا.

ولكن الذي تميز به الشيخ هو أنه لم يكن يرى في البراءة خاصة سببا للقدح في الناس كل الوقت، ولا أن يشهر بهم ويشتغل بمعاصيهم وأفعالهم، ولا أن يكيل لهم اللعنات والدعوات في كل ناد.

كما أنه كان يأسف كثيرا عندما يجد في المتبرإ منه أعمالا خير كثيرة لكنها لا تبيح ولايته بسبب المعصية التي تلبس بها فيقول عند طربه وفرحه بمثل هذا الصنف من الناس يقول قولا طريفا: «كدت أن أترحم عليه لولا ...»، وبالمقابل يظهر عليه الامتعاض والاشمئزاز عندما يرى الاستهتار وعدم الاهتمام بل أحيانا تعطيل هذا المبدإ بين الناس، ويرى أن سبب ضعف المجتمع وتفكك العرى والوحدة بين المسلمين يرجع إلى هذا التعطيل غالبا.

وكانت للشيخ خصوصية في الموضوع تظهر صعوبة التطبيق في هذا المبدأ إذ يأسف هو نفسه أن لو استطاع أن يطبقه بصرامة أكثر تصل إلى حد الإعراض عن العاصي إلى درجة رفض سلامه وعدم رد تحيته، وعدم الاستجابة لندائه، كما يقول عنه رفيقه وأخوه عمنا سليمان بكاي، وما كان السبب في هذا  إلاَّ كثرة أسباب البراءة حتى أصبح الملتزم أو مريد الالتزام حقيقة محرجا في أمره، إضافة إلى تغير الظروف والأحوال غير الأحوال والظروف السابقة أيام التنظير لهذا المبدأ في القرون الأولى خاصة في المذهب الإباضي.

كما زاد في صعوبة تطبيق المبدأ اتساع دائرة الخلاف مما يفرض إعادة النظر إلى الموقف من المخالف في الرأي خاصة، وإعادة طرح التساؤل: متى يكون الخلاف سببا للفرقة والتنافر بين المسلمين المتحدين الذين يلتقون في الإيمان بالأصول التي دعا إليها القرآن الكريم وبلغها الرسول صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: {لَيْسَ الْبِرُّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنِ الْبِرُّ مَنَ -امَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الاَخِرِ وَالْمَلآَئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيئِينَ وَءَاتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَءَاتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمُ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَآءِ وَالضَّرَّآءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُوْلَئِكَ الذِينَ صَدَقُواْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} (سورة البقرة: 177).

  ز) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:

كان للشيخ اهتمام كبير ونشاط في القيام بهذا الواجب العقدي يشعر به معاشروه، بل لمسوه ووجدوه متجليا في أعماله، فهو لا يترك فرصة تفوت دون أن يؤدي ما عليه من أمر بمعروف أو نهي عن منكر، حسب الأحوال التي تطرأ والتي يعيش فيها.

وخصائصه في هذا خصائص المؤمن الذي يرى الحق في دينه البصير بالصواب في كثير من المواطن والمواضيع عالم بأمر دينه يرشد إليه، فيعظ من رآه ويوجه من التقى بهم فرادى أو جماعات؛ وهذا ما أتاح له إمكان الأمر والنهي عن علم بما يقول وما يفعل وكيف يأمر وينهى بطريقة تثمر نتائج صالحة مفيدة.

فهو يلتقي بالناس خاصة في المكتبتين حيث يقصدونه أحيانا لشخصه وللاستفادة من المكتبة، فلا يضيع فرصة اللقاء حتى يسأل عن وظيفة الزائر، وأحواله وبلده، فينصحه بما يجب عليه مراعاته في محيط عمله ومسئوليته العملية أو الاجتماعية، سواء تعلق الأمر بعامل في إدارة أو مؤسسة في القطاع العام أو الخاص، في التعليم أو التجارة أو الفلاحة، فله في كل مجال ما ينصح به وما يعظ به صاحبه.

إن الذي أدى به إلى هذا السلوك والاهتمام البالغ به أن الوضع العام وحال المسلم المعاصر يحتاج إلى الكثير من استنهاض الهمم وتصحيح المفاهيم حول الدين والمسؤوليات والحقوق والواجبات؛ وأعانه على القيام بهذا الواجب تتبعه الأخبار واهتمامه بأوضاع المسلمين، والمجتمع العام والمحلي، يقصده الرجل فيذكر له الشيخ أهم ما يجري في محيطه، من أخبار سارة أو غيرها، فيوصيه بما يجب عليه أن يحافظ عليه وخاصة وحدة الصف وتماسكه، وأن يجتنب الخلافات، وأن يصدق في القول والفعل، ويخلص في الأعمال ويحافظ على النعم الإلهية وعلى الأمانات ويلتزم بالشعائر التعبدية خاصة.

ويبدي الأسف ويشدد في الإنكار عندما يعلم بتضييع شيء من أمور الدين ويسرد الآيات المرهبة والمرغبة في الموضوع ويعرف ذلك الشباب خاصة.

ثم في الأخير يحمل المسئولية مستمعه ليبلغ إلى من معه وينصحهم أن يتقوا الله في أنفسهم وفي غيرهم ويتذكروا أنهم مسؤولون أمام الله تعالى يوم يبعثون.

والشيخ في أدائه هذا الواجب لا يفرق بين الناس فكلهم سواسية في الحق، لا فرق في ذلك بين كبير وصغير ورئيس ومرؤوس، وقائم على هيئة محلية أو وطنية أو دولية، ففي كل مستوى ينبغي أن يسدي النصح، ويقدم الملاحظة ويطالب بمراعاة الحق، يشهد لهذا الموقف الذي وقفه وهو أمام رئيس الجمهورية - الشاذلي بن جديد - حين زيارته مكتبة القطب، وجدها الشيخ فرصة نقل فيها إلى الرئيس انشغالات عالِم، وهمومه واهتمامه بأوضاع رعية ومواطنين ومجتمع في حاجة إلى من يأخذ بيده، ويرفع عنه الظلم، ويقيه من أسباب الفساد الخلقي ويعمل على جعله حقيقا بخلافة الله تعالى في أرضه، وأطنب الشيخ في ذلك، ولما قال الرئيس: وما تطلبون من مساعدة؟ قال الشيخ: لا نطلب إلاَّ المحافظة على الدين...

والشيخ في هذا يذكر بخلق العالم الحقيق الذي يهتم لأمر المسلمين، وليست له من حاجة لدى أولي الأمر أكثر من الامتثال للنصح والعمل على التمكين لدين الله تعالى في قلوب المواطنين. ولا يخاف في هذا لومة لائم.

  ح) الدعوة إلى الله تعالى:

عاش الشيخ - رحمه الله - داعيا إلى الله تعالى ناشرا الخير بين الناس واعظا ومرشدا، ولم يكن له منبر مستقر لذلك  إلاَّ لقاءاته مع الناس الوافدين إلى المكتبتين، أو في مناسبات اجتماعية عائلية، خاصة منها المآتم والأعراس، لا يترك الفرصة المتاحة ولا ينفضُّ المجلس دون أن يستمع الحاضرون إلى كلمات مؤثرة مفيدة مضيئة من الشيخ رحمه الله تعالى.

وغالبا ما يكون الموضوع مستوحى من جو المناسبة وحال أهل الدار والحاضرين، ولا يتحرج أن يختار موضوعا ينفع أهل الدار مباشرة مما يتصل بحياتهم الاجتماعية أو إشكالا عاشته هذه الأسرة أو تلك، فيعظهم فيما يعانون منه، أو فيما وجد فتورا منهم من أمر الشرع والحياة الاجتماعية، حتى ينتفعوا حقا ولا يشعرون أن الكلمة الموجِّهة كانت من قبيل الوعظ العام فقط، ويشعروا أنهم معنيون مباشرة بالمسألة موضوع الدرس.

فقد أنكر جملة من التصرفات التي لا تليق بالمسلم منها:

- زيارة الأضرحة والمقابر وتشبث الناس بها والاعتقادات الفاسدة فيها وركون الناس إليها، كان يتحين الفرص لإنكار هذه الممارسات الضالة ويشدد النكير والوعظ لترك هذه الزيارات، ويتعجب خاصة ممن يقصد إلى المقامات والأضرحة المجهولة أصحابها وأحوالهم، من حيث التقوى وعدمها وربما كان عاصيا، مما يدل على إطباق الجهل.

وكان شديدا في هذا والحق أن المجتمع لم يكن مغرقا في هذه القضية إلاَّ بنسبة ضئيلة من بعض الاعتقادات الباقية، خاصة في كبار السن وكبيرات السن، ولكن كان يخشى من السكوت واستفحال المسألة واستشراء الداء.

- كان ينكر على القائمين على المجموعات الصوتية الفنية اقتباسهم ألحانا من الأغاني الرائجة في الأسواق، وخاصة منها المسفَّة في النغم المائع المائل المميل.

4- ملاحظات على السلوك:

بعد هذه الجولة والتفحص لبعض نماذج من السلوك العقدي لدى الشيخ صالح بزملال -رحمه الله- نلحظ جملة من المميزات التي امتاز بها الشيخ في هذا السلوك، تزيدنا معرفة بشخصيته وتعرفا على فكره، ومن هذه الميزات يمكن ذكر ما يلي:

  أولا: أصالة السلوك:

كان الشيخ ملتزما في أفكاره وآرائه بما جاء في الوحي من كتاب وسنة أو ما ثبت عن السلف؛ لذا لم نجده يأتي بشيء مستحدث في سلوكه، بل نلمس في كل نموذج منه أصلا أصيلا من عقيدتنا كما جاء بها الأوائل، وأما ما خالف فيه معاصريه إنما كان بسبب محاولته الرجوع إلى أصول القضايا والاحتكام إلى صحيح الأثر، فكان سلوكه نتيجة عن علمه بالأثر، سواء آثار المتقدمين أم المتأخرين، ومن أهم من تأثر به ووجدناه يتبع خطاه الشيخ العلامة امحمد بن يوسف اطفيش القطب - رحمه الله - وكان ذا معرفة دقيقة بحياة القطب، فهو يرويها أحيانا كأنه قد عاش معه وعاصره، لما يحفظ من المأثورات عنه وعن حياته، وكان مصدره في هذا تلاميذ القطب الذين عاصرهم وخاصة منهم الشيخ أبو إسحاق إبراهيم اطفيش، وأحد الحفدة محمد بن يوسف اطفيش(12)، إضافة إلى اطلاعه الواسع ودرايته بكتب القطب ورسائله وأعماله.

هذه الميزة أعطت لسلوك الشيخ وآرائه سمة الصحة والشرعية حتى غدا مرجعا لغيره وقدوة، وبهذا كان صورة ونموذجا لأثر العقيدة الإسلامية على العمل والواقع، وفي إطارها الإباضي خصوصا.

  ثانيا: [التحرر من مسؤولية الوظيف]:

كان الشيخ متحررا من المسؤوليات ومن العمل بالمعنى الوظيفي الصرف، ولهذا أثر واضح في سلوكه، إذ مكنه من التحرر من أي ضغط، ومن الخضوع لجهة، أو الالتزام باتجاه في الحياة يمليه عليه انتماؤه إلى مؤسسة أو إدارة، ولعله اختار التعليم أول أيام حياته العملية لهذا الغرض، ثم في غضون حياته رفض عروضا متعددة قدمت له لِيَلِيَ وظائف كان يتهافت عليها غيره، ولا شك أن العامل العقدي كان له أثره ووزنه في رفض هذه العروض المغرية محليا وخارجيا، ويدل على هذا التحرج الذي طبع حياته أنه أخذ على أحد المشايخ في إحدى الدول توليه منصب الإفتاء مع ما يعلم من الأوضاع المنافية للسيرة المرضية في الإسلام، ولم يرض من المفتي  إلاَّ لما أقنعه أنه ارتكاب لأخف الأضرار، وهذا الموقف منه يذكر بما ترويه كتب التراجم الإباضية عن تنزه الإمام جابر بن زيد عن تولي القضاء للحجاج(13).

وفي تصورنا أننا سنستفيد أكثر من حياة الشيخ وسيكون له شأن آخر في السلوك قد يحل به كثيرا من الإشكالات لو أنه تحمل مسؤولية إدارية أو اجتماعية أو سياسية أو دينية في مجلس العزابة وخاصة في مجلس عمي سعيد، يظهر فيها منهج التصرف من عالم مثل الشيخ صالح في مثل الظروف التي نعيشها.

  ثالثا: [حسن الخلق]:

إن من سمع عن الشيخ وما قيل في شخصيته وسلوكه من قوة الشخصية وشدة الالتزام يتصور أنه أمام شخص من طراز الذين لا يألفون ولا يُألفون، الذين يحسب للقائهم الحساب، ويتخوف من الخطإ أمامهم؛ والواقع غير ذلك بل كان الشيخ - إلى جانب هذا العلم الذي وهبه الله إياه - على درجة عالية من التواضع واللين مع المتحدث إليه، يبلغ من تواضعه أن يستحي محدثه ويخجل من نفسه من تواضع الشيخ ونزوله إلى درجة المتلقي بمجرد أن يشعر أن لمحدثه معلومة لم تصله، ولا يخفي آيات الرضا والدعاء الصالح من أي شخص يفيده بمعلومة أو يعينه في عمل يقوم به، ويدل على هذا هذه الأجيال من الباحثين الذين استأنسوا به وأخلدوا إلى مجالسته، وقضوا الأوقات الطوال في التردد عليه وعلى المكتبتين.

إضافة إلى روح المرح وطيب المزاج اللذين عرف بهما أيضا، زادهما ذوق رفيع للأدب وحب للشعر الأصيل منه خاصة، تجعل جليسه لا يستبدل بمجلسه غيره ولا يمل ولا يسأم من طول اللقاء إن طال.

رحم الله الشيخ صالح بزملال، وجزاه عن الدين  خير الجزاء بما اجتهد في حياته، وجاهد نفسه على الدعوة إلى الله تعالى بسلوكه الحسن وقوله الطيب، فكان مثالا للإنسان الذي آتاه الله تعالى آياته فانسجم معها وألزم نفسه بها حتى أتاه اليقين؛ فكان قدوة في حياته وبعد مماته بما أثر عنه من الفعل الجميل، والرأي السديد.

المراجع:

1- اطفيش امحمد بن يوسف: هميان الزاد إلى دار المعاد، ط1 المطبعة السلطانية زنجبار سنة 1305.

2- جمعية التراث: معجم أعلام الإباضية، نشر دار المغرب الإسلامي بيروت 2000.

3- الدرجيني: طبقات المشايخ بالمغرب، تحقيق الشيخ إبراهيم طلاي، مطبعة البعث، قسنطينة، د.ت.

4- الربيع بن حبيب بن عمرو الأزدي البصري (170هـ): الجامع الصحيح، تحقيق: محمد إدريس، عاشور بن يوسف، الطبعة الأولى، دار الحكمة، بيروت، ‏مكتبة الاستقامة، ‏سلطنة عمان، 1415هـ.

5- محمد إقبال: تجديد التفكير الديني: ترجمة عباس محمود، مطبعة لجنة التأليف ، القاهرة، 1955م.

6- مصطفى وينتن: آراء الشيخ امحمد بن يوسف اطفيش العقدية ، نشر جمعية التراث، القرارة، 1998م.

7- لقاء مع السيد سليمان بن سعيد بكاي، قيم مكتبة الاستقامة ببني يزقن.

8- لقاء مع السيد محمد بن عيسى سعيد أحد الطلبة الذين لازموا الشيخ مدة في السنوات الأخيرة.

9- لقاءات لجنة تحضير اليوم الدراسي حول شخصية الشيخ صالح بزملال.

10- مجموعة وثائق من تراث الشيخ صالح بزملال.

____________________

الهوامش

(1)   الربيع بن حبيب: الجامع الصحيح، كتاب الأحكام، باب الأحكام، حديث رقم 588، ص233.

(2)   البخاري: صحيح البخاري: كتاب الإيمان، باب من الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه، حديث رقم 13، 1/14.

(3)   مصطفى وينتن: آراء الشيخ امحمد بن يوسف اطفيش العقدية، ص 291 - 292.

(4)   محمد إقبال: تجديد الفكر الديني، ص 07، انظر آراء الشيخ اطفيش : 290.

(5)   نسي عمنا سليمان بكاي اسمه.

(6)   محمد بن صالح الثميني: (1314- 1390هـ/ 1897-1970م) رئيس البعثة العلمية الميزابية بتونس، انظر معجم أعلام الإباضية ترجمة رقم 829.

(7)   مصطفى وينتن: آراء الشيخ امحمد بن يوسف اطفيش العقدية، ص 34.

(8)   مصطفى وينتن: آراء الشيخ امحمد بن يوسف اطفيش العقدية، ص 37.

(9)   اطفيش: هميان الزاد إلى دار المعاد، ط1، المطبعة السلطانية زنجبار سنة 1305، انظر نهاية تفسير كل سورة. وانظر: مصطفى وينتن: آراء الشيخ اطفيش العقدية ص 36.

(10)  رواه الطبراني في الأوسط، حديث رقم: 7473، ج7/ص270.

(11)  سنن الترمذي: كتاب المناقب عن رسول الله، باب فضل أزواج النبي، حديث رقم: 3830.

(12)  محمد بن يوسف اطفيش: (1332- 1396هـ / 1914- 1976م) من مؤسسي مدرسة الاستقامة ببني يزقن، وأول مدير لها؛ انظر ترجمته في معجم أعلام الإباضية ترجمة رقم 866.

(13)  الدرجيني: طبقات المشايخ بالمغرب، تحقيق الشيخ إبراهيم طلاي، مطبعة البعث، د ت؛ 2/211.

 

اسم الكاتب