تحت الرعاية السامية لفخامة رئيس الجمهورية السيد عبد العزيز بوتفليقة نظم المجلس الإسلامي الأعلى أيام 23، 24 و25 مارس الجاري الملتقى الدولي حول "التسامح في الإسلام" بمشاركة دكاترة ومختصين من الجزائر وآخرين أجانب، والهدف منه إبراز حقيقة الدين الإسلامي الحنيف، الذي  هو دين حوار وليس دين عنف.

واختار منظمو هذه الندوة  أن تكون الأشغال على شكل ورشات حيث أقيمت أربع ورشات خصصت لمناقشة مختلف أوجه التسامح في الإسلام وتطبيق هذا المبدأ عبر كل العصور.

خصصت الأولى للنصوص التي تطرقت لموضوع التسامح في القرآن والسنة، بالإضافة إلى اجتهادات العلماء في هذا الموضوع منذ بداية الإسلام• أما الورشة الثانية فخصصت للحديث عن الشخصيات الإسلامية البارزة، والتي عُرفت بالتسامح، على غرار الرسول صلى الله عليه وسلم، صلاح الدين الأيوبي، جمال الدين الأفغاني، ومحمد عبدو• والورشة الثالثة شبّهها الشيخ بوعمران بالنقد الذاتي، لأنها “دققت في كيفية تطبيق المسلمين لمبدأ التسامح على أرض الواقع”• والورشة الرابعة اختير لها محور “كيف ينظر غير المسلمين إلى موضوع التسامح؟”، حيث افتتح حوار بين الديانات والحضارات•
وقد استهل الدكتور بوعمران الشيخ رئيس المجلس الإسلامي الأعلى كلمته الافتتاحية بعد الاستماع إلى آيات من الذكر الحكيم والنشيد الوطني بالترحيب بضيوف المجلس من الجزائر ومن خارجها.وقال أبو عمران إن الهدف من تنظيم هذا الملتقى الذي دأب المجلس على تنظيمه في شهر مارس من كل عام  هو تصحيح مفهوم التسامح في الإسلام بالنسبة للمسلمين ذلك أن التسامح مصطلح ثابت في النصوص القرآنية والسنة النبوية العطرة واجتهاد السلف الصالح، كما يهدف الملتقى حسب المتحدث إلى تصحيح بعض المعلومات المغلوطة التي التصقت بالإسلام ومفاهيمه عند غير المسلمين من أهل الكتاب.
كما دعا رئيس المجلس الإسلامي  الأعلى الشيخ أبو عمران  إلى أهمية فتح الحوار مع كل الديانات الإسلامية المسيحية واليهودية كحل وحيد لتجاوز الصراع القائم بين هذه الديانات، الذي ساهم تصارعها في تقسيم العالم إلى طوائف وأحزاب وشيع، مشددا على أن الإسلام "ينبذ جميع أشكال التعصب" 
كما أكّد على أنّه من حقّ المسلمين الدفاع عن دينهم وإبراز الوجه المشرق للرسالة الخاتمة التي يريد الحاقدون إخفاء حقيقتها، مشددًا في هذا الشأن على أهمية الحوار مع الآخر وإيصال حقيقة الإسلام إلى غير المسلمين. وأوضح أنّ وسائل الإعلام والمؤسسات الدينية والثقافية العربية والإسلامية المنتشرة في مختلف جهات العالم يمكن أن تقوم بهذا الدور الحضاري وأن تكون همزة وصل بين المسلمين وباقي شعوب العالم على اختلاف دياناتها وعقائدها.
الجلسة الصباحية الأولى ترأسها الدكتور محمد شريف قاهر عضو بالمجلس وقد بدأت الأشغال بمداخلة الشيخ سالم بن ابراهيم بعنوان "التسامح من خلال القرآن والسنة واجتهاد العلماء الكبار"، وتلاه بعد ذلك الدكتور سليمان عشراتي وتكلم مطولا عن السماحة والتسامح في الإسلام مؤكدا أن الحروف التي يتكون منها الإسلام هي السلام. أما الدكتورة حدة سابق فقد اختارت عنوان مداخلتها  بـ"خلق التسامح في ضوء القرآن الكريم". والأستاذ عبد الكريم البكري من جامعة وهران تناول موضوع :"التسامح في الإسلام بين الأفراد والجماعات"، حيث أكد أن التأمل في مجريات الأحداث التي عرفها القرن الحالي يجعلنا ندرك بأن نجاح أي تحول سياسي، أو تطور اجتماعي يرتبط ارتباطا بمتانة الصلة التي ينبغي أن تكون بين ما نعده من مشاريع مختلفة وبين الأسس الروحية والفكرية التي تمثل طبيعة الإنسان فتفسر سلوكه وتبرر أعماله وتصاحب مسيرته الحضارية. 
وقد ألقيت عدة محاضرات ودارت كلها في محور واحد هو محاولة البرهنة على مدى سماحة الإسلام وقبوله وتعايشه مع الآخرين، فمداخلة الأستاذ سعيد رحماني من جامعة الجزائر تركزت حول التسامح بين الإسلام والمسيحية في فكر الشيخ محمد الغزالي، أشار فيها المتدخل إلى ما يعيشه العالم اليوم من مخاطر التطرف والإرهاب والحروب العرقية والصراعات الدينية، وأخرى سياسية واقتصادية تحت غطاء الدين، مشددا على ضرورة العودة إلى تحكيم الحوار وتفعيل التسامح بين الأديان والثقافات واعتبار التعايش السبيل الوحيد لاستتباب الأمن مستدلا بالمواقف التي وصفها بالمشرفة والفريدة للشيخ الغزالي في هذه القضية المتمثلة في التسامح ونبذ التعصب بين الإسلام والمسيحية. أما المتدخل الفرنسي الدكتور بيار قيشار، فقد خرجت مداخلته من السياق العام الذي سارت عليه الأشغال منذ انطلاقها فقد فضل التطرق إلى مرحلة معينة من وجهة نظرة أسس العلاقة بين الديانتين، حيث إن الإسلام كانت له معرفة بالمسيحية في إطار ما وصفه بالتسامح المؤسساتي الشرعي الذي يرفض خاصة كل من المسيحية واليهودية.
الأساتذة والخبراء الذين تعاقبوا على المنصة في اليوم الثاني والثالث من الملتقى، تقاطع جميعهم في محور واحد وهو أن الإسلام دين تسامح وعفو ورحمة، وأن النصوص القرآنية والأحاديث النبوية تحث على الإحسان الذي هو أعلى مرتبة في سلم القيم المذكورة آنفا، ليخلص الملتقى إلى جملة من التوصيات، دعا من خلالها المشاركون إلى نشر ثقافة التسامح بكل الوسائل المتاحة وتضمينها من خلال نصوص من الكتاب والسنة في البرامج الدراسية في مختلف مراحل التعليم، كما حث المشاركون في الملتقى على ضرورة التعريف بسيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه "يمثل المثل الأعلى للسمو الأخلاقي والقدوة المثلى للتسامح وكذا التعريف بسيرة أصحابه والتابعين والصالحين من أمثال صلاح الدين الأيوبي و كذا الأمير عبد القادر الجزائري، وأوصى المشاركون بتناول المواضيع المتصلة بالتسامح في الخطاب المسجدي وفي الدروس والندوات التي تنظم في الزوايا والمؤسسات الدينية والتربوية والثقافية، كما دعوا المجلس الإسلامي الأعلى إلى وضع برنامج سنوي لنشر الثقافة الإسلامية في الجامعات والمؤسسات الثقافية، وفي السياق ذاته أوصى الملتقى بإرسال نخبة من الدعاة المؤهلين إلى ديار المهجر في الغرب لتقديم صورة الإسلام الصحيحة ونشر قيمه السمحة، وفي الأخير دعا الملتقى وسائل الإعلام السمعية والبصرية والمقروءة إلى إيلاء عناية خاصة بنشر ثقافة التسامح في الإسلام.

اسم الكاتب