كيف أبدأ ؟ بهذه الجملة التي أطلقها سيناتور أمريكي سابق بول فيندلي، والتي واجه بها الحملة الشرسة التي شُنّت ضده من إعلام أمريكي صهيوني : "نحن لا نريد من الإعلام أن يتحول إلى مؤسسة بغي!!" و هذا هدفنا أيضا. فحاجتنا إلى الكلمة الأمينة كبيرة وكبيرة جدا في زمن صار من الصعب التمييز فيه بين الإشاعة و الحقيقة ...
فلا يجوز أن تشوِّه بعض المنابر الأخبار ولا يجوز لها التشكيك في ثوابتنا.
التعددية الإعلامية في الجزائر لم تتجاوز إلى حد الساعة الصحافة المقروءة، ولم تصل بعد إلى السمعي البصري و لا نريد لها ذلك بصراحة، منذ الانفتاح على القطاع الخاص في المجال الإعلامي صرت أتابع إرهاصات هذه الولادة الحديثة مع العلم أن التعددية الإعلامية الجزائرية كانت واقعا إبان الاستعمار الفرنسي الهمجي، غير أن هذه التعددية التي ابتُلينا بها بعد صدور دستور 1989 أفقدتنا ثقتنا في مصيرنا؛ من جراء بعض إعلامنا تهدمت بيوت وتعطلت مصالح أناس ودولة، وصرنا لا نعرف من يكذب علينا؛ مسؤولونا أم إعلامنا ؟ كم من مرة لجأت إلى مصادر معلوماتي الخاصة لأتبيَّن صحة خبر صحفي، وفي كل مرة أتأكد من خبث و كذب هذا الإعلام الذي صار همه منصبا على جني أكبر قدر من الأرباح بأي ثمن، حتى و لو أدي الأمر إلي زج الدولة في حرب مع نفسها أو مع جيرانها !!!
تقضي إحدى قواعد الإعلام النزيه بما يلي : نشر المعلومة لا يكون إلا بعد التأكد التام من صحتها بنسبة مائة في المائة أو ثمانين في المائة، وليس ثلاثين في المائة أو خمسين في المائة، ونكون قد جمعنا الأدلة والبراهين المادية القاطعة، أما أن نبث خبرا بناءا على تخمينات وظنون واحتمالات فهذا عبث وجريمة، بينما صار بعض إعلامنا يفبرك الخبر من ألف إلى ياء ليطلع علىنا بخبطة صحفية مدهشة !!! أي إعلام هذا ؟ ثم أن نكتب بإيعاز من فلان أو طرف أو جهة معينة فهذا ليس إعلام. الإعلام مهمته الأولي إخبارية وعلىه فهو مطالب بتقديم أخبار صحيحة ومعلومات صحيحة وسليمة، وليس له أن يؤوّل كلاما أو يفشي أسرار مؤسسات دولة، أو يطلع القاصي والداني على أسرار بيوت.
أتذكر أنه في هذا العام تسنَّى لي قراءة خبر في موقع إلكتروني ليومية وطنية ناطقة باللغة العربية صُعقتُ لمحتواه ! فالخبر يقول بأن رئيس الجمهورية الجزائرية وأثناء مشاركته في القمة العربية الأخيرة بدمشق قابل هناك رئيس الحكومة المقالة في غزة السيد هنيَّة !! لا حول و لا قوة بالله العلى العظيم ، هكذا بقدرة صحيفة يومية جزائرية كَسَرَ السيد هنيَّة الحصار الصهيوني العربي المضروب على غزة، والتحق بدمشق ليقابل رئيس الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية السيد بوتفليقة !!! هل يُعقل أن يُنشر خبر مثل هذا في جريدة يومية جزائرية ؟ أين هي أخلاقيات المهنة؟ كيف راهنَّا الإعلام باعتبارات الربح والخسارة ؟ كان المواطن البسيط يشتكي من تجاوزات بعض المسؤولين الفاسدين، أما اليوم فقد صار مكبَّلاً أمام سلطان السلطة الرابعة: الإعلام، فأيُّ تطور ديمقراطي هذا وأي انتكاسة هذه ؟
بالإضافة إلى هذا نعاني من جانب آخر وهو خطاب التحريض على ثوابت الدولة الجزائرية من إسلام و عروبة، والذي تنتهجه بعض الصحف الجزائرية الناطقة باللغتين، فهناك صحف جزائرية تحارب قيم وأخلاق الإسلام، رأيناها في فضيحة أبو غريب تبث صور لمساجين عراقيين عراة ! أتذكر أنني قمت بالاحتجاج على صحيفة جزائرية ناطقة باللغة الفرنسية على نشرها بشكل يومي -في تلك الفترة الزمنية- مثل هذه الصور المخلة بالحياء فكانت ردة فعل المحرر: هل أنني أتصل من بغداد ؟!! فقلت له : - لا إنني أتصل من الجزائر العاصمة، فقال لي : - لماذا إذن تتكلمين باللغة العربية ؟!!
ففي عرف هذا الصحافي الجزائري على المواطِنة الجزائرية -التي هي أنا- أن تخاطبه باللغة الفرنسية ! فمَقْتُ الصحافة الجزائرية الناطقة باللغة الفرنسية للعربية رهيب حقًّا ! وكيف نفسر ترويج بعض وسائل إعلامنا لثقافة العُرْي ؟ فقد اعتاد الجزائري اليوم على رؤية أجزاء عارية من جسم المرأة، وهذه إحدى الأسباب التي قضت على الأخلاق في الجزائر.
ثم إنني قرأت منذ شهور تحقيقا في جريدة ناطقة باللغة الفرنسية، صاحب التحقيق يحتج على دولتنا تضييقها نشاط الخمارات ! ففي عرف هذا الصحافي العلماني أنه من حق الجزائريين أن يتناولوا الخمر ! وقام باستجواب بعض مالكي الخمارات، ووصف أحدهم بأنه مجاهد وهو صاحب خمارة؛ اضطر لغلق خمارته بأمر من السلطات لعدم احترامه دفتر الشروط، أتذكر أنني تمتمتُ مع نفسي مستنكرةً: هل نسمي مجاهدا من يفتح خمارة، ويعمل على إفساد مواطنيه وحملهم على معصية الخالق ؟
لماذا لا نطالب السلطة التشريعية بتقنين حرية الصحافة بإلزامها باحترام ثوابت هذه الدولة، فتسلِّطَ أقصى العقوبات على صحيفة نَشرتْ الرذيلة ببثها لصور الكاسيات العاريات، أو إذا ما ارتكبتْ جريمة التشكيك في ثوابت الأمة والطعن فيها، أو إذا ما تجرَّأتْ على قذف أبرياء أو توجيه تهم باطلة ؟ نحن معنيون بالدفاع عن قِيَمَنا، معنيون بإعلام نزيه، معنيون بالنقد الهادف، لهذا يتوجّب علينا إعادة النظر في قواعد عمل إعلامنا، وأن نعمل من أجل دفع بعض الصحف والصحافيين إلى تغيير ذهنيتهم التجارية والانتهازية، فتحصين حرية التعبير ليست حِكرًا على أصحاب المهنة، نحن أيضا لنا كلمتنا.