هذا المقال عبارة عن إجابة اقتصادية لأسئلة طرحها مكتب الدراسات العلمية حول شركة التأمين التعاوني التي أنشأها منتدى الاقتصاديين الميزابيين بمركب العالية بالجزائر.


       إن ما قام به مكتب الدراسات والمنتدى الاقتصادي من تنظيم لقاءات وطرح إشكالات حول كيفية إنشاء شركة للتأمين الاقتصادي، واستشارة أهل الاختصاص والخبرة، تعد الخطوة الصحيحة نحو بلورة فكرة واضحة المعالم حول أهم القضايا المعاصرة والتحديات التي تواجه الأمة الإسلامية عامة، والجزائر والمجتمع الميزابي خاصة ...

غير أن إنشاء وتأسيس المؤسسة التي تضطلع بوضع الاستراتيجية وإعداد الدراسات حول مجمل القضايا هي من أولى الأولويات، وضرورة من أوكد الضروريات، وهي التي تقوم بتعبئة طاقات وخبرات الأمة المشتتة وجهودها المبعثرة، غير أن الأمة لا تواجه نقص الإطارات والإمكانات بقدر ما يعوزها التكامل والتنسيق وتوحيد الرؤى والجهود.
      وأملنا كبير وثقتنا عظيمة في مثل هذه المجمعات والمنتديات الناشئة للتكفل بهذه المهمة الحساسة للأمة الميزابية.
 

مدخــل: آفاق إنشاء شركة تأمين تعاونية
     إن الظروف الاقتصادية والقانونية، والضرورات الشرعية كلها تصب في اتجاه الإسراع في التفكير في إنشاء شركات تأمين تعاونية، خاصة بعد أن ظهرت للعيان عيوب شركات التأمين التجارية ومخاطرها الاقتصادية التي تقوم على الاحتكار واستغلال أموال الملايين من المستأمنين بأيدي حفنة من أرباب الأموال، أما الناحية القانونية فقد سمحت التشريعات الأخيرة في الجزائر بدخول قطاع الخاص للاستثمار في هذا المجال الحيوي بعد أن كان حكرا على الدولة، ومن الناحية الشرعية فقد أجمع أغلب الفقهاء على عدم شرعية نظام التأمين التجاري، هذا العقد القائم على الغرر والجهالة والربا، وأجازوا التعامل بنظام التأمين التعاوني القائم على التبرع والتضامن، مما يدل على أن الشريعة لا ترفض نظام التأمين من حيث المبدأ، لكن ترفض نظاما معينا لما شابَهُ من محظورات شرعية عديدة.
الإجــابة عن الأسئـلة:
1) ما مدى مشروعية التأمين التعاوني ؟
      إن التأمين التعاوني من عقود التبرع التي يقصد بها أصالة التعاون على تفتيت المخاطر والاشتراك في تحمل المسؤولية عند نزول الكوارث، فهو لا يهدف إلى التجارة ولا إلى الربح، وإنما يهدف إلى التعاون والتضامن، فهو بذلك ليس جائزا فحسب بل هو مستحب ومرغوب فيه، وقد يرقى إلى درجة الوجوب لأن الشريعة السمحاء تحضنا على التكافل والتضامن، خاصة في أوقات الأزمات والمحن، ولنا من تاريخنا الإسلامي المجيد صور لهذا التضامن والتعاون.
2) هل إنشاء شركة للتأمين التعاوني واجب شرعا، وعلى من يتعين الواجب ؟ 
      نعم إن إنشاء شركة التأمين التعاوني واجب شرعا، خاصة بعد زوال العقبات القانونية والإدارية فقامت الحجة على الأمة عامة، وعلى من بيده مقاليد هذا المجتمع خاصة. وإذا كان  المجتمع الغربي استطاع إيجاد البديل للتأمين التجاري لتحقيق أغراض اقتصادية واجتماعية، فحريٌّ بنا أن تقوم بهذا الواجب لتقديم البديل الشرعي المنسجم مع مبادئ الدين، وإنقاذ المجتمع مما هو واقع فيه من خلال تعاطيه للتأمين التجاري القائم على الغرر والجهالة والربا.
3)كيف نجمع بين إلزامية التأمين، وبين الغرض التعاوني ؟
       يشكل هذا الوضع المتناقض تحديا قانونيا وإداريا على الشركة، إذ يصعب التعامل الشفاف والعلني في ظل المنظومة القانونية الرسمية، غير أنه يمكن إنشاء هيكلين للشركة: هيكل قانوني شكلي وهيكل حقيقي واقعي، وهذه الازدواج تعيشه ـ كما هو في الواقع ـ أغلب شركتنا الاقتصادية، فهي شركات تحت الظل، ولا يظهر منها إلا الوجه القانوني للعلن.
غير أن الإجابة عن هذا السؤال تصعب في غياب المعلومات القانونية والإدارية لنشاط هذه الشركات، فأهل الاختصاص هم أولى بالإجابة عليه.
4) ما مصير الفائض، هل يجوز أساسا أن يوجه إلى مشاريع خيرية ؟
      قبل الحديث عن مصير الفائض ينبغي الحديث عن مصير أقساط التأمين التي تتجمع بشكل ضخم من أول يوم، فعندما يدفع المستأمن أقساط التأمين، تكون تحت تصرف المؤمن، بينما الخطر قد يحصل بعد شهر أو أشهر، وقد لا يحصل أصلا، مما يولّد تجمع مدخرات ضخمة؛ ما مصيرها ؟
      ينبغي استثمارها في مشاريع استثمارية، ثم يحول جزء من أرباحها إلى المشاريع الخيرية، وجزء إلى المشتركين والمساهمين بعد خصم كل المصاريف الإدارية ودفع التعويضات للأضرار الحاصلة خلال السنة، كما يخصص جزء كاحتياطي لمواجهة طوارئ المستقبل، ولا تنفي الطبيعة التبرعية لعقد التأمين التعاوني من الاستفادة من الأرباح إذا حصلت، كما أنه إذا سجلت الخسائر فالكل يشترك في تحملها، مما يجسد معنى التضامن والتعاون.
      ولا أرى في هذا الشكل التعاوني شبهة عقدين في عقد، مادام توفر الرضا، وكانت نية المستأمن هو التبرع وليس طلب الربح، وما جاءت من أرباح فمن باب الإحسان، كما لا أرى وجها للغرر في ذلك.
5) يتأسس رأس مال الشركة من مساهمين في رأس المال ومن المستأمنين، فكيف يجازى أصحاب رأس المال في نهاية التقويم ؟
      أرى أن فتوى علماء ندوة البركة هي عين الصواب، فالمال المستثمر الذي يشكل حصص ميزانية الشركة، سواء كان رأس مال المساهمين أو أقساط التأمين، تعود أرباحه على كافة المشاركين كل حسب نسبة مساهمته من دون تمييز بين أموال هؤلاء وهؤلاء.
      إلا أني أرى التحدي الكبير الذي يواجه الشركة هو أسلوب وصيغة الاستثمار، فإذا كانت شركات التأمين التجارية تلجأ إلى البنوك وإلى الأسواق المالية لاستثمار فوائضها، فإن نظام التأمين التعاوني القائم على مبادئ الشرعية لا يمكنه استعمال تلك الأدوات القائمة على التعامل الربوي،  مما يستلزم التفكير جيدا في الأسلوب الأمثل والأسلم لاستثمار تلك الفوائض، وإذا استطاع هذا النظام أن يتخطى هذه العقبة فقد كسب الرهان.
وأقترح بألا تجازف الشركة باستثمارات طويلة الأجل، بل تقتصر -في المراحل الأولى من إنشاءها- على الاستثمار قصير الأجل مثل:
(أ) المساهمة في تمويل تشغيل صناديق المؤسسات الاقتصادية القائمة، والتي تتميز بمركز مالي جيد.
(ب) إيداع جزء من فوائضها في المصارف الإسلامية داخل أو خارج الوطن.
(ج) الاستثمار في مجال العقاري.
6) يدير الشركة خبراء واقتصاديون، فكي يتم تقسيم أجرتهم، وهل يجوز قياسها بالنسبة المئوية ؟ أم فقط بالمقدار؟
     يتم تقييم أجرة الخبراء والاقتصاديين الذين يقومون بأعمال إدارة الشركة بأجر المثل لذي يعادل ما يقوم به أمثالهم من الخبراء في مختلف القطاعات الأخرى، ويكون بالمقدار فقط، أو بنسبة مئوية فقط، ولا يجوز الجمع بينهما، فأحكام الشريعة في تحديد جهد العامل واضحة قاطعة.
      إما أن تكون أجرا ثابتا قاطعا، فهو العامل الأجير الذي لا يتحمل تبعات النتائج النهائية للمشروع سواء كانت إيجابية أم سلبية، وإما أن يكون عاملا مضاربا ـ ففي هذه الحالةـ تتحول الشركة إلى شركة مضاربة، فلا يأخذ العامل أجرا مقطوعا وإنما تكون حصته من الربح الحاصل بعد خصم كل التكاليف ووقاية رأس المال وهو عائد متغير، وقد ينعدم تماما.
أما إذا تفضلت الشركة (الجمعية العامة: المساهمون+المستأمنون) بمنح علاوات للموظفين القائمين بأعمالهم أحسن قيام، فهذا من باب الإحسان والتفضل الذي تحث عليه الشريعة الإسلامية
7) تقضي الضرورة بإعادة التأمين لشركات التأمين الصغيرة، مما يضطر شركات التأمين إلى التعامل مع شركات إعادة التأمين التجارية ؟ فما حكم هذا التعامل ؟
لا أميل إلى ما ذهب إليه الشيخ وهبة الزحيلي من جواز التعامل مع شركات إعادة التأمين التجارية، بحجة الحاجة والضرورة، لأن الضرورة تقدر بقدرها، ويحتاج تحديدها وتقديرها إلى بحث واستقصاء، غير أني أقول إن الأشياء تبدأ صغيرة ثم تنمو لتغدو كبيرة، فإذا استطعنا اليوم أن ننشئ شركات تأمين تعاونية صغيرة فتصير يوما ما كبيرة وتقوم بما تقوم به الشركات الكبيرة فلنفعل، ثم إننا في هذه المرحلة الأولى ينبغي حصر مجال التأمين في القطاعات التي تكون فيها احتمالات الخسارة صغيرة ومتوسطة، فلا تذهب مثلا إلى التأمين في مجال النقل الجوي والبحري الذي يتطلب تخصيص مبالغ ضخمة في حالة حدوث الخسارة.
8) في حالة الخسارة الزائدة، هل يجوز تكليف المستأمنين تعويض الخسارة ؟
      في حالة الخسارة الناجمة عن الكوارث الطبيعية والأوبئة، فالكل يتضامن في سد العجز الحاصل في صندوق التعويضات، فأهداف ونوايا المستأمنين -من البداية- هي التبرع والتضامن، ففي مثل هذه الظروف فإن النفوس تهفو إلى المساهمة في تخفيف آلام ونكبات المصابين، ولو لم تساهم أصلا في شركات التأمين.
       غير أنه ينبغي أن نضع في الحسبان خسارة من نوع آخر وهي المترتبة عن خسارة المشاريع التي استثمرت فيها أموال الشركة، ففي هذه الحالة يُحتكم إلى قاعدة "الغنم بالغرم والخراج بالضمان".
ملاحظة هامة:
       هذه مجرد آراء في مسائل طرحت للنقاش والإثراء ولا ترقى أبدا إلى الفتوى، فأسأل الله أن يعصمنا من الزلل والخطأ والتطاول على أحكام الشرع الحنيف.

اسم الكاتب