الاحتفال بختم كتابه ( القناطر ) في مسجد القرارة
مقال لفضيلة الشيخ عدون سعيد شريفي – رحمه الله - نشره بجريدة الأمة، للشيخ إبراهيم أبي اليقظان – رحمه الله -، السنة الرابعة عدد 162، وذلك بتاريخ: الثلاثاء 10 صفر 1357هـ / 12 أفريل 1938م ... يقول الشيخ عدون رحمه الله:
إن من أنفس كتب الإباضية وأجزلها فائدة وأعمها نفعا كتاب القناطر للفيلسوف العلامة الجليل الشيخ أبي طاهر إسماعيل بن موسى الجيطالي في علوم الدين وأسرار التشريع وفلسفة الأخلاق والاجتماع، وهو أشبه شيء بكتاب الإحياء للغزالي ...
يقع في ثلاث مجلدات كبار وضعه مؤلفه رحمه الله على نظام بديع ورتبه ترتيبا لم يسبق له مثيل؛ وأبدى فيه مقدرة عجيبة، وبراعة فائقة دلتا على تضلعه من علوم الدين وتمكنه من أصوله وفصوله، وغوصه على بدائعه وأسراره، وشهدتا على ما له من نظر عميق في الحياة وغور بعيد في الفلسفة.
كان هذا الكتاب يُدرَّس عندنا تدريسًا سطحيًّا لا يعدو المدرِّس فيه تفسير ألفاظه بالمعاني البسيطة الموضوعة لها، لذلك لم يحظ من المشايخ الذين يدرِّسونه بهذه الطريقة؛ باستنباط ما فيه من الأسرار، واستخراج ما فيه من الكنوز والدفائن، والتفنن في تقريب معانيه السامية البعيدة إلى الأفهام، وتصوير نظرياته الفلسفية العميقة في صور شائقة رائعة تستهوي الأفئدة وتسحر الألباب، ولم يصادف من المتعلمين والعامة -الذين يتلقونه كلمات مبهمة وجملا مفككة- قبولا ولا ارتياحا فزهدوا فيه؛ واستخفوا بشأنه ؛ والكتب –كالبلاد- تشقى كما تشقى البلاد وتسعد.
فبقي كنـزًا مطمورًا مبخوسَ الحق مهضوم الجانب إلى أن أتاح الله له شيخنا الحاج عمر بن يحي رحمه الله، ذلك المصلح الكبير وباعث حركة الإصلاح في القرارة، المتوفى سنة 1339هـ، فعرف من قيمة الكتاب وخطره ما لم يعرف منه من تقدمه من المشايخ ، فدأب على تدريسه في معهده وفي المسجد في أكثر الأحيان وأولاه عنايته واهتمامه وحظي منه بما لم يحظ به من قبله.
ولكنه _ رحمه الله _ لم يكن من توقد الذكاء وقوة العارضة وسعة الإطلاع بحيث يستطيع أن يبلغ بالكتاب من نفوس العامة ومريديه الهدف الذي يرمي إليه مؤلفه، والكتاب من حيث عمق الفكرة وسمو المعنى والإلمام بكل فن؛ والشحن بالحكم المنثورة؛ والأمثال المأثورة نثرا ونظما؛ يقتضي لفهمه وتفهيمه حِدَّة ذهن وبُعد نظر وسعة اطلاع وقوة عارضة وقدرة خارقة على الإبداع في حسن التصوير.
ولما تولى خطة التدريس في المسجد تلميذه النابغة وأستاذنا العلامة الشيخ بيوض سنة 1342 هـ، لم يجد كتابا يعتمد عليه في أداء أمانة التدريس -مقصودا به تربية الأخلاق وتهذيب النفوس- على أحسن وجه، وإبلاغ دعوة الإصلاح بأبلغ صورة وأقوى تأثير مثل كتاب القناطر، فاتخذه من أول يوم عدّته في أداء مهمته فجاءه على قدر، ووافق شنّ طبقة ووجد في مطاويه مجال القول ذا سعة؛ ووجد من نفسه قلبا ذكيا واطلاعا واسعا ولسانا قائلا، فغاص بذكائه الوقّاد على لآليه، وحلّق بنبوغه الطّمّاح في أوُجِّ معاليه، فاستمرّ به السَّيْر دائبًا على خطته؛ يغوص تارة ويحلّق أخرى ثم يعود إلى الناس في كل مرة بخير ما استنزله قَسْرًا من لوح الجو، واقتلعه كَرْهًا من قعْر البحر، إلى أن انتهى به الشوط بعد أربعة عشر عاما لم يقعد به في أثنائها عجز ولم تفتر له عزيمة، فكان لدروسه مفعولها البليغ في النفوس وأثرها الجلي في السلوك، وكانت مددا قويا وسندا متينا لحركة الإصلاح في القرارة؛ التي رسخت فيها أصولها وبسقت فروعها، وذللت قطوفها فآنت أكلها ضعفين ( والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه )
ثم كان ختام هذا الكتاب مِسكًا، فقد كانت ليلة ختمه في الأسبوع الفارط ليلة زهراء، حيث أقيم لمؤلفه بهذه المناسبة احتفال في المسجد لم يسبق له نظير؛ سبق الإعلان عنه فيه بيومين؛ ولما كانت الليلة الموعودة ليلة الأحد 17 محرم، هرع الناس إلى المسجد بعد العشاء فاكتظ بهم وغص -على سعته-، ومن حسن الصدف أن حضره صدفة واتفاقا وفود من غرداية والعطف وبريان، ولما أخذ الناس مجالسهم بعد الصلاة ألقى عليهم الأستاذ الجليل درسا حافلا، استهله بتمهيد في ذكر الغرض من إقامة هذه الحفلة، وفيما بُلينا به من غمط حقوق عظمائنا وزهدنا في تراثهم المقدس، وفي النعي على الجامدين العاكفين على قشور السيرة المعرضين عن لبابها .
ثم شرع في شرح حياة المؤلف وآثاره، ودرسها دراسة وافية من جميع النواحي، وحلل نفسيته الكبيرة وشخصيته العظيمة، متخذا من عبرها -في كل مناسبة- رُجُومًا يرمي بها دعاة الجمود وأعداء العلم الصحيح.
وحبذا لو كتب الأستاذ دراسته هذه للشيخ بقلمه ثم نشرها؛ وإذا لأفاد الأمة وأحسن إليها وأدى بعض الباقي من الحق للشيخ.
ثم وُزِّعت الصدقات المجموعة وأُهدي ثوابها إلى روح المؤلف، وانتهت الحفلة حوالي الساعة الحادية عشر ونصف ليلاً، ونحن موردون من هذا الدرس القيِّم ما توصلنا إلى اقتطافه، قال بعد دعاء الافتتاح وبعد شرح خاتمة الكتاب:
( قُرئ هذا الكتاب في 14 عاما، لم نتخلَّ عنه سوى سنة واحدة، قرأنا فيها كتاب نور اليقين في سيرة خير المرسلين، وإننا نحمد الله تعالى إذ وفقنا لدراسته وأمدنا بعونه حتى ختمناه في هذه الليلة، ونحن ننتهز هذه الفرصة لنحتفل بذكرى مؤلفه العظيم بمناسبة ختم كتابه الجليل.
نحتفل اليوم بعلم من أعلام الإباضية وفيلسوف كبير من فلاسفة الإسلام بقي كنزا مدفونا في مجاهل التاريخ لم يقيض له من ينبشه ويكتشفه وقد بلينا أكثر من غيرنا بجهل حياة عظمائنا ، وغمر تاريخهم الزاهر والزهد في آثارهم القيمة .
إن لدينا من العظماء من لو خدمنا تاريخهم وأزحنا عنهم ركام الأجيال والقرون المتراكم عليهم ودرسنا حياتهم وحللنا نفسياتهم وأبرزناهم في مطارف آثارهم وأعمالهم - لتعطرت بهم الدنيا ولكانوا في طليعة عظمائها وفحولها المبرَّزين، ولرفعنا رأس أمتنا عاليا بين الأمم، وأخرسنا ألسنة المتقوِّلين، فآمن منصف وكبت متكبر.
أما أنا فقد عاقني عن الالتفات إلى هذه الناحية والاشتغال بخدمتها أعمالي المتراكمة وأشغالي الضرورية وكلها في سبيل التعليم والإصلاح، ولم يبق لي وقت يتسع لها - وتعميم التعليم ونشر الإصلاح بين مختلف الطبقات اليوم -والأمة في فجر نهضتها- من أوكد الواجبات الفورية.
وخدمة التاريخ تتطلب ممارسة طويلة وتدقيقا في البحث وتحقيقا في الاستنباط وغنى في المواد اللازمة، وبعبارة أوجز: التخصص، غير أن رجاءنا في الشباب المتعلم وطيد، فعساهم يُوفَّقون إلى هذه الخدمة الجليلة فيسدون إلى الأمة معروفا، وإلى أسلافهم سيرة يقضون بها دينا عليهم، ويبرأون بها من معرة العقوق، فإن من التقصير الفاضح والغبن الفادح أن يبقى عظماؤنا جواهر مطمورة تحت أنقاض القرون الغابرة، مطموسة بغبار الإهمال والنسيان.
لا ينفعنا في هذا الصدد هؤلاء الجامدون الهارفون بما لا يعرفون، الداعون إلى اتباع سيرة الأسلاف وهم لا يعرفون منها إلا القشور ولا يتبعون منها إلا ما أبلته الأيام ونفته طبيعة الحياة مما لا يمت إلى الدين بسبب، أو مما ينافيه وينافي سيرة السلف الصالح، لا يعرفون منها إلا قولهم : " كن حلسا من أحلاس بيتك، كن كابن لبون لا ظهر يركب ولا ضرع يحلب " إلخ إلخ ، أما أن يبتدعوا ويخترعوا كما ابتدعوا واخترعوا، وأمَّا أن يأتوا في العلم بمعجزات كما أتوا ويشدوا إليه الرحال لعواصم الإسلام كقرطبة وفاس وتاهرت وتلمسان وبجاية والقيروان وتونس ومصر كما شدوا، ويتفانوا في خدمته تدريسا ونشرا وبحثا وتأليفا وتدقيقا وتحقيقا كما تفانوا، ويبرزوا في كل فن كما برزوا، ويجاهدوا في نشر الدين وإعلاء كلمة الله كما جاهدوا، ويتركوا في الدنيا دويًّا كما تركوا، فذلك شيء لا تحلم به عقولهم ولا تصل إليه مداركهم وذلك شيء مالهم إليه من سبيل. ( يتبع )