إخواني الأعزّاء المقيمين في سلطنة عمان، سلام الله عليكم ورحمة الله وبركاته، حفظكم الله ورعاكم، وسدّد خطاكم، ووفّقكم في أعمالكم ومشروعاتكم، وحقّق أمل الأمّة فيكم، في النّهوض بها إلى مراتب العلا والسّؤدد والفخار، وأنتم تعملون وتكدّون بعيدين عن الدّار.
إخواني اسمحوا لي أن أعبّر لكم باسمي وباسم مكتب جمعية التّراث عن خالص مشاعرنا الصّادقة، وعن أسمى عواطفنا الرّائقة؛ بما قدّمتم لنا من خدمات ومساعدات في أثناء إقامتنا في عمان، للمشاركة في معرض مسقط الثّالث عشر الدّولي للكتاب. لقد أنزلتمونا في قلوبكم سهلاً، وأحللتمونا بينكم أهلاً، وأسديتم لنا خيرًا وفضلاً.
تنافستم في خدمتنا، وتحمّلتم في سبيل ذلك الكلّ والإصر، بما قدّمتم من العون والأزر. وذقتم الوصب والتّعب، وجدتم بأوقاتكم، وضحّيتم براحتكم، وسخّرتم كلّ وسائلكم وإمكاناتكم من أجلنا... فما ذلك إلاّ إيمانا منكم بضرورة التّعاون على أداء الرّسالة، والقيام بالواجب؛ للتّمكين لدين الله في الأرض، والعمل على نشر التّراث الأصيل، والمشاركة في توطيد العلاقة بين المشرق والمغرب الإسلاميين ...
إنّ هذا هو الرّسالة التي تحمّلتها جمعية التّراث، فوجدت فيكم السّند والعون والمدد. فانطلقت بكلّ ثقة، وتحرّكت بكلّ قوّة، فحقّقت فوزًا كبيرًا، ونالت نصرًا عزيزًا. لمست آثارهما، ووجدت صداهما في إخواننا العمانيّين، الذين أقبلوا زرافات ووحدانًا، يقتنون إصدارات جمعية التّراث، ويقولون هل من مزيد، فإنّنا أكثر ممّا أتيتم نريد.
شكرًا لكم أحبّاءنا وسفراءنا في بلدنا الثّاني عمان. وهنيئًا لكم هذه الأريحية وهذه الحماسة في العمل الجماعي، والتّمسّك بخلّة التّعاون والمشاركة في أعمال الخير والإحسان. دوموا على العهد والوعد فالله معينكم وهاديكم إلى سواء الصّراط، إن يعلم الله فيكم خيرًا يهدِكم إلى الخير، ويُجْرِهِ على أيديكم.
إخواني جمعتنا بكم جلسات السّمر والسّهر، ولقاءات التّذكّر والعبر، ومجالس العلم والنّظر. سبحنا معكم في فضاءات المعرفة والمعلومات، وتجوّلنا معكم في حدائق الثّقافة والتّرفيه والتّسليات...فوجدنا فيكم الأهلّة التي تبشّر ببدور نيّرة، والفتيان الذين يصيرون رجالا تعتمد عليهم الأمّة الخيّرة. والفرسان الذين يعمرون الميادين بهمّة قوّية ...سيروا على هذا النّهج، وابقوا على هذا السَّنن، ودافعوا عن هذا السّبيل...فالتّوفيق حليفكم، والنّجاح عاقبة أمركم، والخير نصيبكم.
إخواني إن كانت هناك نصائح أقدّمها لكم – والدّين النّصيحة، وصديقك من صَدَقَك وليس من صدَّقك – فإنّي أكرّر عليكم ما كنت أقوله لكم دائمًا: استغلّوا أوقاتكم في الاستفادة من كلّ ما هو متاح لكم، بل ابحثوا عن الفرص إن لم توجد. فالعاقل من يتميّز بالمبادرة والمثابرة والمغامرة. وتذكّروا قول محمود سامي البارودي:
فيا قومُ هُبّوا، إنّما العمر فرصةٌ وفي الدّهر طُرْقٌ جمّة ومنافـعُ
سارعوا إلى تقديم الخير لغيركم، وأفيدوا من هو في حاجة إلى خدماتكم وتجاربكم، لا تبخلوا بما عندكم من رصيد منها: تملكونه أنتم، أو يملكه مجتمعكم الذي انتقلتم منه، لتمثّلوه في مهجركم. فذلك الخير هو من حقّ كلّ من يمكن الإفادة منه.
اعملوا على التّكوّن بقوّة علمًا وأخلاقًا، فالإسلام الذي ينتظر منكم خدمته قويٌّ، يطالب ممّن يقوم برسالته أن يكون قويًّا. ومجتمعكم الذي بعث بكم إلى تلك الدّيار، يرجو منكم أن ترجعوا إليه أقوياء أشدّاء عظماء كبراء. تقوَوْن على القيام بشؤونه، بما يتناسب مع التحدّيات التي تواجهه، وبما يتناسب مع التّطوّرات والتّحوّلات التي تحدث كلّ آن وميدان.
احرصوا على المحافظة على الوحدة فيما بينكم، لا تتركوا منافذ لشيطان الإنس والجنّ ينفث من خلالها في عقد الصّلات والعلاقات التي بينكم. فإن ينزغكم منه نزغ في هذا الشّأن فاستعيذوا بالله ينجدكم ويحمكم، إنّه سميع عليم. تجاوزوا عن الاختلافات التي تحدث بينكم. واعلموا أنّ حدوثها أمر طبيعي بين البشر، وبين من يعيشون متجاورين دومًا، وعُوا أنّ الاختلاف في الرّأي لا يفسد للودّ قضية. وتذكّروا قول سيّدنا عمر بن الخطّاب رضي الله عنه: " ليست كلّ البيوت تبنى على المحبّة، إنّما يتعاشر النّاس بالأخلاق ". فما أحوجكم إلى هذه الأخلاق وأنتم في دار الغربة، كونوا في التّحلّي بها دومًا على أهبة. وأنتم الذين تسلطّ عليكم الأضواء ممّن يريد لكم الخير، وممّن لا يرى لكم ذلك. وأنتم الذين توضعون في محكّ الاختبار والابتلاء. كونوا رجالاً يبرهنون على شهامة نفوسهم، ويعلنون عن عزّة مداخلهم. بالارتقاء إلى مصاف الخلال، والارتفاع عن درن الأوحال.
علمّوا أنفسكم التّأقلم مع المستجدّات؛ بما يخدم مصالحكم التي تنطلق من قاعدة مصلحة الجماعة قبل مصلحة الفرد. ومن قاعدة تقبّل الرّأى الآخر، والرّضا بما تقرّره الجماعة.حافظوا على أسراركم، ولا تفشوها لغيركم، ولا تشركوا أحدًا في معرفتها والتّصرّف فيها. فكلّ ما يخرج عن دائرتكم الخاصّة يجلب لكم المتاعب والمشاكل. الحرّ من تمتّع بالقدرة على التّحكّم في زمام أموره، وحلّ مشاكله بنفسه. أربأ بكم أن تتفرّقوا وتتشتّتوا، ويهجر بعضكم الجماعة، فإنّ الذّئب لا يأكل من الغنم إلاّ القاصية. المرء بإخوانه، والجماعة بكلّ فرد منها. أريد أن تسود بينكم المحبّة والمودّة الصّادقة، وأن يتحلّى كلّ واحد منكم بخلق العفو والصّفح، واحتمال الأعذار لبعضكم بعضًا. وتذكّروا قول النّابغة الذّبياني:
ولستَ بِمُسْتَبْقٍ أخًا لا تلمّــهُ على شَعثِ، أيُّ الرّجالِ المــهذّبُ؟
قال إمامنا الشّيخ إبراهيم بيّوض رحمه الله سنة 1948م، يخاطب أبناءه الشّباب: " وإنّ غرضنا أن ننشئَ لهذه الأمّة في طورها الجديد جيلاً كامل العدّة للنّضالِ والكفاحِ، في شتّى الميادين، فيحدث في الأمّة انقلابًا كبيرًا، ويدفعَ بها خطوات واسعة إلى مطمحها الأسمى، ولن نستطيع ذلك، ولن نبلغ غرضنا منه حتّى نضيفَ إلى تنوير العقول بالعلم، وتزكية النّفوس بالدّين التَّأليفَ بين القلوب بالحبّ الرّاسخ والودّ المكين. " ( نهضة الجزائر الحديثة وثورتها المباركة، ج3، ص: 197)
إنّ الأساس الذي بنى عليه شيخنا تنشئته أبناءَه كان الأخلاق الفاضلة، التي تنطلق من الودّ الصّادق، وتُحْتَضَنُ بالمحبّة الخالصة، وتنتهي بالأخوّة المكينة؛ فإنّ العلم وحده لا ينفع ما لَم يقرن إلى الأخلاق كما يقول حافظ إبراهيم:
لا تحسبنّ العلم ينفع وحده ما لم يتوّج ربّه بِخــلاقِ
في الختام أطلب الله العليّ القدير أن يحفظكم ويسدّد خطاكم، وأن يؤلّف بين قلوبكم، ويجمع بينكم دائمًا في خير. كما أرجوه أن يزيدكم بسطة في الأخلاق والعلم والعمل. وأن يعينكم على مزيد من العطاء في الدّعوة والتّعليم والتّأليف...
هدانا الله جميعًا إلى ما يحبّه ويرضاه، إنّه نعم المولى ونعم النّصير.
القرارة يوم الإثنين: 09 من ربيع الأوّل 1429هـ
17 من مارس 2008م
أخوكم: محمد بن قاسم ناصر بوحجام