بيئته وتعلمه:
ولد فقيه الحضارة الأستاذ مالك بن نبي، في 5 ذو القعدة 1323 هـ (1 يناير 1905)، بمدينة قسنطينة، وانتقلت أسرته إلى مدينة تبسة، ثم لحق بها بعد فترة قضاها في قسنطينة عند أقاربه، وفي تبسة انتظم في حلقة لحفظ ما تيسر من القرآن الكريم، وأتم بها تعليمه الابتدائي والإعدادي.
رجع إلى قسنطينة لمواصلة دراسته الثانوية التي أنهاها في سنة 1925 م، وفي هذه الفترة بدأ وعيه يتكوّن، فقد كانت قسنطينة مركزا تقليديا للثقافة العربية الإسلامية منذ أشرقت الجزائر بنور الإسلام، وقد أصبحت –بعد الاحتلال الفرنسي- مركزا كبيرا لوجوده الثقافي والاقتصادي والاجتماعي...
وفي هذه الفترة –أيضا- بدأت في المدينة حركة إسلامية بقيادة الإمام عبد الحميد بن باديس، تتغيَّ تحرير عقول الجزائريين وتغيير ما بأنفسهم، وذلك بتخليصهم من "الفكر الميت" –بتعبير مالك بن نبي- أو "التراث الوثني"، كما سماه الدكتور عبد العزيز خالدي، هذا التراث المحروس من فئة فرضت على الجزائريين رهبانية ما كتبها الله، وأدخلت في الإسلام ما لم يأذن به، وتهدف إلى تحصينهم ضد "الفكر القاتل"، بصليبيته ولائكيته، الذي يستهدف محو الشخصية الجزائرية العربية الإسلامية، وقد اعتبر ابن نبي –فيما بعد- حركة الإمام ابن باديس "بداية معجزة البعث" في الجزائر، حيث "استيقظ المعنى الجماعي، وتحولت مناجاة الفرد إلى حديث الشعب"، كما سمى ذلك النهج الصغير الذي كان يوجد به مكتب الإمام ابن باديس "شارع الفكر".
يبدو أن إدارة المدرسة التي كان ابن نبي يزاول تعلمه بها شمّتْ في أقواله ولاحظت في تصرفاته ما ينبّئ بانفلاته من "الفكر الميت"، وتطعيمه ضد جراثيم "الفكر القاتل"، وهما ما يحرص الفرنسيون على أن يظل الجزائري أسير أحدهما أو كليهما، لأنهما الضامنان لبقائهم في الجزائر، فراحت تلك الإدارة تُحمِّله سَلفًا مسؤولية كل ما يحدث من "شر" في المدرسة، ولا شك في أن الإدارة المذكورة لم تكن تزعجها "الشرور المادية"، من تكسير وتخريب، بقدر ما كانت تقلقها "الشرور الفكرية"، فوضعت قراءته تحت المراقبة.
أول تجربة ميدانية:
في سنة 1927، التحق مالك بن نبي بمدينة أفلو للعمل في محكمتها، وفي هذه المدينة الصغيرة تعرف "على الجزائر المفقودة ... الجزائر البكر"، التي لم يطمث أصالتها الدخيل، فكانت تلك المدينة الصغيرة كما قال: "مدرسة تعلمتُ فيها أن أدرك فضائل الشعب الجزائري، وكانت هذه فضائله بالتأكيد في سائر أنحاء الجزائر قبل أن يُفسدها الاستعمار".
وقد يكون مالك بن نبي أراد أن يُعرّف سكان المنطقة بمرجع فكري يساعدهم على التمسك بتلك الفضائل عن وعي، ويجعلهم يعتصمون بها عن بيّنة، ويجادلون عنها بعلم، فأدخل إليها لأول مرة مجلة الشهاب للإمام ابن باديس، التي تحملت مسؤولية الدفاع عما بقي من تلك الفضائل والقِيَم، وإحياء ما مات منها، وإصلاح ما أفسده الاستعمار.
لقد لفت نظر ابن نبي في أفلو ظاهرة، ستأخذ مستقبلا حيّزًا هاما في تفكيره، هذه الظاهرة هي زحف الرمال على الأراضي الزراعية، وقد بدأ –منذ ذلك الوقت- يدق ناقوس الخطر، ويحذر من أخطارها على الأمن الغذائي للجزائر وللأمة الإسلامية، التي يعاني كثير من أقطارها من الظاهرة نفسها، وممن أثار معهم هذه المشكلة الإمام عبد الحميد بن باديس، وذلك في سنة 1928، وقد أصبح "التراب" أحد شروط النهضة، وعناصر الحضارة في مشروع ابن نبي لحل مشكلات الأمة الإسلامية.
لم تطل إقامة ابن نبي في آفلو فانتقل إلى مدينة شلغوم العيد، (شاطودان) غير البعيدة عن قسنطينة، وكان وجوده في هذه المدين فرصة ليقارن بين الإنسان الجزائري فيها، الذي فقد فضائله بسبب الاستعمار، حيث كانت المدينة "مركزا كبيرا للمستعمرين"، وبين الإنسان الجزائري في آفلو الذي احتفظ بتلك الفضائل، مما جعل ابن نبي يتأسف لأنه لا يستطيع (إصدار قانون يحرم جبل "عمور" على المستعمر، كما يمنع دخول متحف وضعت فيه أشياء ثمينة)، وبسبب الجو السائد في شلغوم العيد لم يلبث بها قليلا، فاستقال من الوظيفة نهائيا.
المصدر: محمد الهادي الحسني، أشعة الشروق، ط1: دار الأمة الجزائر، 2005، ص 9-11. صدر المقال في: 30 أكتوبر 2001.