التعرف على روح الحضارة الغربية:
في سنة 1930، غادر ابن نبي الجزائر إلى باريس لمواصلة دراسته، فحيل بينه وبين رغبته في دخول معهد الدراسات الشرقية، فتوجّه إلى مدرسة اللاسلكي، التي تخرّج فيها مهندسا كهربائيا في سنة 1935، وبعد فترة من وصوله إلى باريس هدى الله على يديه فتاة فرنسية إلى الإسلام تفاءلت باسم خديجة فاتخذته اسما لها، وجمع الله بينهما بالزواج، وكان لكل منهما أثر طيب في صاحبه.
أتيح لابن نبي في باريس أن يتعرف على مشكلات أمته، التي كانت صورة مكبرة عن مشكلات وطنه، فانغمس في النشاط الفكري السياسي في أوساط المغتربين –طلبة وعمالا- ابتداء من أول محاضرة ألقاها في أواخر ديسمبر 1931 بعنوان "لماذا نحن مسلمون؟"...

التي جاء رد فعل السلطات الفرنسية عليها سريعا، فقد استجوبه البوليس الفرنسي، وتم نقل والده من وظيفته الصغيرة في تبسة إلى مكان آخر، ورغب لويس ماسينيون –مهندس السياسة الفرنسية للشؤون الإسلامية- في رؤيته.
ومن النشاطات التي شارك فيها مالك بن نبي تأسيس "جمعية الوحدة المغربية"، وتمثيل الجزائر في "جمعية الوحدة العربية"، التي أسست في باريس بوحي من الأمير شكيب أرسلان، كما أشرف –فيما بعد- في مرسيليا على "نادي المؤتمر الجزائري الإسلامي"، الذي وأدته السلطات الفرنسية قبل أن يستوي على سوقه، ويؤتي أكله.
وفي باريس عاش تجربة غنية بالتعرف على الحضارة الغربية في روحها وأفكارها، لا في "مزبلتها" كما يفعل أكثر المثقفين التغريبيين المسلمين، وقد دخل ابن نبي إلى لب هذه الحضارة من عدة أبواب هي:
1- باب العلوم التي يقول عنها: ( أسكنتُ في نفسي شيطان العلوم).
2- باب "وحدة الشبان المسيحيين الباريسيين"، التي أتاحت له عقد الصلة بين القِيَم الاجتماعية وبين التقنية، التي يشاهدها ويتذوقها في الشارع وفي المدرسة، وربما كشفت له تلك الملاحظات عن جوانب في روحه المسلمة.
3- باب زوجته وأسرتها.
4- باب "المنطق المسيحي بما يتخلله من تعقيد".
إن الفهم الدقيق لروحيْ الحضارتين الإسلامية والغربية، والاستيعاب العميق لأسسهما الفكرية مكَّنا مالك بن نبي من الصمود في وجه الحضارة الغربية، فلم يجرفه تيارها الذي جرف كثيرا من مثقفي العالم الإسلامي، الذين "تراهم يُعانون مُركّب النقص نحو الثقافة الغربية"، و"تحرر من عبودية ذات وقْع أثقلت –وما تزال تُثقل- غالبا فكر المثقفين العرب تجاه عبقرية أوربا وثقافتها".
إن التجربة العميقة والعنيفة في الوقت نفسه، بأبعادها الروحية، والفكرية والاجتماعية، جعلت ابن نبي يعلم علم اليقين أن الإسلام بعقيدته المُوحِّدة، وفكره المنفتح على العقل منذ بدايته وهي "إقرأ"، وروحه الاجتماعي من مساواة، وتضامن، وأخوة ... أقدر على مواجهة الحضارة الغربية، والانتصار عليها، ولكن المشكلة هي في المسلمين ...
 

نقلة نوعية في الفكر الإسلامي الحديث:
لقد استطاع ابن نبي –بعد تلك التجربة الفكرية والميدانية- أن يُحدث نقلة نوعية في الفكر الإسلامي الحديث، وإن المنصفين ليعترفون بهذه النقلة النوعية التي أضافها مالك بن نبي، ألفاظا وتعبيرات مبتكرة، وأفكارا وفلسفة لم يسبقه إليها كاتب، و"يناقش بعض المشاكل، ويحدد مفهومها تحديدا علميا، لم يُتَح لكاتب في الشرق أوفي الغرب حتى الآن"، "ولذلك لا تجد لكُتُب مالك عموما شبيها في كتُب المشارقة".
إنني أذهب إلى أن هذه النقلة التي أحدثها مالك بن نبي في الفكر الإسلامي الحديث هي من أسباب الصحوة الإسلامية الواعية في طول العالم الإسلامي وعرضه، هذه الصحوة التي يعمل على إجهاضها طغاة المسلمين وجُهّالهم –ولوتعالموا- وأعداء الأمة الإسلامية، وإذا كان هؤلاء الأعداء غير ملومين على كيدهم للصحوة وتربصهم بها، فإن أولئك المسلمين هم الملومون، لأنهم يُصيبون منها ما لا سبيل للأعداء إليه.
من النادر أن نجد إنسانا آتاه الله بسطة في العلم والجسم، ونال من الشهادات العلمية أعلاها، وتخرج من أكبر المؤسسات وأرقاها، وعاش معيشة ضنكا. وقد كان هذا قََدَر مالك بن نبي، فلم يهنأ بالعيشة الرّغد، لا عن كسل في طبعه، ولا عن علة في جسمه، ولا عن قصور في عقله؛ ولكن لأن المستعمرين الفرنسيين –علماءهم وإدارييهم- قعدوا له كل مرصد، وأوصدوا في وجهه كل باب، لأنه أفلت من "الفكر الميّت" فلم يتدرْوَش، ونجا من"الفكر القاتل" فلم يتفرْنس، وظنوا أنه سيأتيهم صاغرًا، ولعفوهم طالبا، وفي رِضاهم راغبًا، ومن بطشهم راهبًا، ولكنه لم يزددْ إلا ثباتًا على مبدئه،  وتشبثا بأفكاره، وفضّل أن يبيتَ على الطّوى ويظَلَّه، على أن يستبدل الذي هوأدنى بالذي هو خير.
قضى الله أن لا يكون مالك –في هذه المرحلة- أبًا لأبناء الصَّلب، ووالدا لأفلاذ القلب، ولو رُزِقَ الولد في هذه الفترة الحرجة من حياته لَحَبا وأبَا، وربما وقع –بسببهم- وكَبَا، فتفرّغ إلى ما هيَّأتْه إليه الأقدار، فبدأ يُخرج الأفكار الخوالد، ويُنتج الآراء النوادر.
وإن تعجب فاعجب لبديع صنع الله، وبالغ حكمته، فقد قدّر أن تكون باكورة تلك الأفكار السديدة، والآراء الرشيدة هو كتاب "الظاهرة القرآنية"، الذي "هو نهج مستقل، أحسبه لم يسبقه كتاب مثله من قبل"، كما قدّر أن يكتب مالك هذا الكتاب في أرض قوم لم يألوه خبالاً، وودّوا لو يكفر كما كفروا، ولم يدّخروا وُسعا، ولا وفّروا وسيلةً لمحوهذا القرآن، وقدّر الله -مرّة أخرى- أن يكون هذا الكتاب سببًا في اعتناق أحد أبناء جلدتهم الإسلام، وهو الطبيب "بِنْوَا" وقد أشار الشاعر محمد العيد آل خليفة إلى ذلك في قصيدته التي هنّأ بها ذلك الفرنسي، ومنها:
بهرتك "ظاهرة" بدت من "مالك"  فجلّت دجاك ببرقها البسّـام.
... يُتبع
المصدر: محمد الهادي الحسني، أشعة الشروق، ط1: دار الأمة - الجزائر، 2005، ص 9-11. صدر المقال في: 30 أكتوبر 2001.

 

 

اسم الكاتب