إشعاع على العالم الإسلامي:
وفي سنة 1956، حطّ الرحال بالقاهرة، فأصدر كتابه "فكرة الإفريقية-الآسيوية". الذي وضع فيه الأسس النظرية، والمناهج التطبيقية لإبراز كتلة جديدة على المسرح العالمي والتاريخ البشري.
لا مرية في أن نية الأستاذ ابن نبي كانت طيبة في اقتراحه ذاك، ولكن الفكرة لم تكن قابلة للتطبيق، لفقدان عنصر "الانسجام" بين الأعضاء المدعوين لتجسيدها. وقد يكون ذلك من أسباب تأليف كتابه "فكرة كومنولث إسلامي"، الذي يتوافر على العنصر المفقود، وبالتالي فهو أقرب إلى التحقيق، خاصة أن التجربة التاريخية أثبتت ذلك ولو أن الظروف مختلفة.
وقد وجّه بعد وصوله إلى القاهرة رسالة إلى من قدّر لهم أن يكونوا قادة جهاد الشعب الجزائري ...

يضع نفسه تحت تصرفهم، لتكليفه بأية مهمة يرونه مفيدا فيها، ولكن أولئك القادة يبدو أنهم لم يجدوا فيه "ما ينفع"، فلم يكلفوا أنفسهم حتى مجرد الرد على رسالته لإشعاره بعدم الحاجة إليه، ورغم ذلك فقد راح المرجفون يذيعون ( أن ابن نبي رجل انعزل في برجه العاجي عن الثورة الجزائرية ولم يساهم فيها بشيء ).
لقد أراد ابن نبي أن يكون للجزائر، ولكن الله شاء أن يكون للعالم الإسلامي، فعُيِّن في سنة 1957، مستشارا في "المؤتمر الإسلامي"، وبدأ يعقد في القاهرة ندوة فكرية كل يوم جمعة، يحضرها الطلبة والأساتذة من مختلف الدول الإسلامية، وبدأت عملية ترجمة كتبه إلى اللغة العربية، فوجد المفكرون والأساتذة والطلبة في هذه المحاضرات والكتب مدرسة فكرية إسلامية لا عهد لهم بمثلها في المحتوى والمنهج، اتسمت بالعقلية الأفّاقة، والحيوية الدفاقة، في لفظ مفصل على قدر المعنى، وجملة مبنية بحجم الفكرة.
ونصر الله جنده، وحقّق وعده، وحطّم الهلالُ الصليبَ في الجزائر، فعاد مالك بن نبي إليها، فأسندت إليه إدارة التعليم العالي، ليستقيل منها في سنة 1967، متفرغا من جديد لتحصين الشباب المثقف بالفكر السليم، والمنهج القويم في ندواته المنزلية، وفي الجامعات والثانويات. ويرجع الفضل بعد الله إلى مالك بن نبي في إنجاز أمرين كان لهما أطيب الأثر في الجزائر:
أولا: التوفيق في فتح مسجد الطلبة بجامعة الجزائر، بمساعدة بعض أولي الأمر، وقد يقول قائل: وهل فتح مسجد ما؛ يعتبر إنجازا يُشاد بصاحبه ؟ ولهذا القائل نقول: إن ذلك –آنذاك- لم يكن أمرا هيّنا، ولكنه كان كمن يطلب الفص من اللص. وقد يذهب الخيال ببعض الناس فيتصور هذا المسجد واسع الأرجاء، عالي الصوامع، جيد التجهيز، حسن التأثيث، والحقيقة هي أنه عبارة عن قاعة صغيرة جدا، اقتُطع الجزء الخلفي منها لتؤدي فيه ثلة من الطالبات القانتات صلواتهن، مما كان يضطر كثيرا من الطلبة إلى الصلاة في ساحة صغيرة بجانبه تحت الشمس المحرقة أو الماء المنهمر.
وقد كان الأستاذ مالك يزور هذا المسجد الذي بارك الله فيه، فيلقي علينا دُررًا من الفكر غاليات، وفصوصا من الحِكَم بديعات، لا نفقه كثيرا منها، ونتخذ من القليل الذي نفهمه عُدّةً نواجه بها الإلحاد والضلال اللذيْن كانا منتشريْن في الجامعة.
ثانيا: فكرة ملتقيات "التعرف على الفكر الإسلامي"، التي بارك الله فيها هي الأخرى، فقد بدأت صغيرة كبذرة طيبة، سرعان ما ثبت أصلها ونما فرعها، وآتت أكلها، وصارت ملء سمع العالم وبصره، حيث كانت مخابر الصراع الفكري، شرقا وغربا، ترصد جداول أعمالها، وتحصي أفكارها، وتقدر نتائجها.
وقد كانت هذه الملتقيات لله فدامت واتصلت أربعة وعشرين ملتقى، واللهَ ندعو أن يُعيدها كما أنشأها أول مرة ولم تكُ شيئًا.
... يُتبع

المصدر: محمد الهادي الحسني، أشعة الشروق، ط1: دار الأمة - الجزائر، 2005، ص 14-16. صدر المقال في: 30 أكتوبر 2001.

 

 

اسم الكاتب