إن الله خلق الإنسان ليعيش على هذه الأرض، وجعل له حاجيات يسعى لتحقيقها وتوفيرها، ومن أهمها وأعظمها الأمن والطمأنينة، فهي من النعم التي امتن الله بها على عباده، وهي ضرورية وأساسية للمحافظة على الحياة الإنسانية ونموها ورقيها، وعلينا السعي من أجل توفيرها...

 والإنسان يواجه مخاطر عديدة: في حياته، في شخصه، في أمواله وفي محيطه، فلا يستطيع مواجهتها لوحده، مما يتطلب تعاونا وتكاملا مع غيره .
لقد عرفت الشرائع والأنظمة أنواعا كثيرة من التكافل والتعاون لتفتيت المخاطر وتوزيع عبء الكوارث، ومن أجلِّها وأسماها ما عرفته الشريعة الإسلامية من أساليب التضامن، منها: الزكاة والعاقلة وغيرها من الأوعية التكافلية. وبتقدم الأنظمة الاجتماعية والاقتصادية استغل البعض هذه الحاجة، فاتخذوا أنفسهم وسطاء لتحقيق الأمن، فأنشئوا شركات تأمين تجارية، ترمي في النهاية لجني الأرباح، فحققت أرباحا مذهلة وثراء واسعا، مما جعلتها تسيطر على قسط كبير من الاقتصاد القومي والعالمي.
وقد فكر البعض في إيجاد البديل للحد من جشع هذه الشركات، فقاموا بإنشاء شركات التأمين الذاتي، والتأمين التعاوني بين مجموعة من الأشخاص المعرضين للأخطار المماثلة، فشكلت منافسا قويا لشركات التأمين التجارية الانتهازية، فانتشرت في معظم البلدان المتقدمة.
اختلف الفقهاء المسلمون في العصر الحاضر في حكم التأمين التجاري بصفة عامة، إلا أن أغلبهم يميل إلى تحريم التأمين التجاري، ويجمعون على جواز التأمين التعاوني، الذي يتماشى مع روح الشريعة الإسلامية ومقاصدها.
لقد تبنت كل المجمعات الفقهية هذا الرأي منها: مجمع الفقه الإسلامي (رابطة العالم الإسلامي)، ومجمع الفقه (منظمة المؤتمر الإسلامي)، ومجمع البحوث الإسلامية (جامعة الأزهر)، وكذا اتحاد المصارف الإسلامية. وقد أيّد وعزّز هذا الاتجاه مجلس عمي سعيد الهيئة العليا لمساجد وادي ميزاب، بالجزائر.
ومن الناحية القانونية فإن التشريعات المالية للدولة الجزائرية تسمح للقطاع الخاص الوطني والأجنبي بالاستثمار في المجالات المالية، بعد أن كان حكرا للقطاع العام قبل التسعينات من القرن الماضي.
وبعد ... لقد قامت الحجة الآن على الأمة الإسلامية وعلينا ـ جزائريين ومزابيين ـ للسعي من أجل إقامة تأمين إسلامي تعاوني يقوم على مبادئ الشريعة السمحاء، ويحقق التأمين للمواطنين ضد الأخطار المتعددة، ويضمن تعبئة واستثمار أموال الأمة، بطرق شرعية خالية من الربا، ويفتح المجال لتنويع الاستثمار والخروج من المجالات التقليدية إلى آفاق المجالات الجديدة .
لقد عقدت العزم مجموعة من أبناء الأمة -مثقفون وأساتذة وخبراء في الميدان- تجمع بين الالتزام الشرعي والخبرة العلمية، لتأسيس شركة تأمين تعاونية، لتقدم لنا البديل، وتزيل عنا الحرج والتردد، وتطهر أموالنا من الربا والغرر والمقامرة، وتتيح لنا فرص استثمار أموالنا بطرق الحلال الطيب .
بتوفر هذه العوامل كلها، لم يعد التأمين التعاوني جائزا ومباحا، بل أصبح فريضة عينية على كل فرد يسعى للتأمين ضد المخاطر بمختلف أنواعها، فلا مبرر لأيٍّ كان أن يلجأ إلى التأمين التجاري، بعد أن تبين خطره وحكمه خاصة مع توفر بديله.
إن الواجب على كل مسلم أن يسعى للتمكين لشرع الله في الأرض. ومن أجَلّ وأهمّ هذه المساعي إنشاء وتكوين مؤسسات اقتصادية تقوم على مبادئ  الشرع الحنيف، وتنبذ كل أنواع الربا، وتعوضه بالمضاربات والمشاركات.

                 
          

                                      

اسم الكاتب