يعتبر الشيخ امحمد بن يوسف اطفيش(1238هـ/ 1821م/1332هـ/1914م) أحد أعلام الجزائر البارزين في العصر الحديث، الذين كان لهم أثر كبير في نهضة الجزائر، وإسهام في استنهاض الهمم للتغيير الشامل فكريا وعمليا؛ بما قدموه من أعمال وتضحيات في سبيل الرجوع بالمجتمع المسلم إلى أصالته وإنقاذه من ظلمات الجهل؛ ويعنينا في هذا المقام أن نلقي ضوءا على جهود هذا العالم في أهمّ ما شغل المجتمع المسلم واستنزف من طاقاته وقدراته وهو التوسع الاستعماري الغربي على الديار الإسلاميّة؛ ونحاول استجلاء موقف الشيخ من الظاهرة، وجهوده العملية فيها، ونظرته إلى المستقبل فيها.

الموقف من المستعمِر والمستعمَر
عاش الشيخ اطفيش الفترة الاستعمارية بالجزائر منذ بداياتها إلى مطلع القرن التاسع عشر حيث عرفت هذه الفترة من تاريخ العالم الإسلامي تقاسم الإمبراطوريات الأروبية أراضي المسلمين والسطو على ممتلكاتهم وسلبهم حقّ التصرف فيها والسيادة عليها ؛ وقد كان لهذا الوضع أثره الوخيم على المسلمين في كل جانب من جوانب حياتهم وما زال؛ واختلفت وجهات النظر في هذه الحال وطرق التعامل معها من شخصية إلى أخرى ومن عالم إلى آخر.
لم ير الشيخ اطفيش هذه الحال خاصة بالجزائر ولكنها جزء من واقع العالم الإسلاميّ؛ ينبغي الاهتمام به والعمل على تغييره من منطلق عقديّ ، يقضي بوجوب السعي للتمكين لدين الله تعالى في الأرض، ورفع الظلم عن العباد والعودة إلى المجد الأول الذي كان عليه الإسلام والمسلمون؛ وقد نشأ الشيخ منذ الصغر على االتربية الإسلامية التي تغرس في النفس نبذ الظلم والاستكانة للجور ووجوب العمل لتغيير المنكر والباطل؛ وتجسدت هذه المبادئ في منهج تعامله مع ظاهرة الاستعمار وكان مهتمّا بالواقع السياسيّ الذي عاصره، متتبـّعا للأحداث فأورثه هذا حسرة على واقع المسلمين وتذمّرا من جثـوّ الاستعمار على آراضيهم؛ وعاش على أمل التخلّص منه واسترجاع المسلمين لكرامتهم وسيادتهم وسالف مجدهم(1)؛ لقد كان هذا الشعور العاطفي والحماس الديني كافيين أن يدفعا بالشيخ إلى المبادرة بالمقاومة والاستمرار فيها مهما كلفه ذلك من ثمن؛ لكنّنا نجد الأمر عند الشيخ يختلف ويدلّ على شخصية مفكر واع بما حوله مستفيد من التجارب السابقة، يرى بعيدا ويعدّ العدّة لما تعمّ فائدته ويبقى أثره ولو لم يشهد النتيجة؛ وجرّب في البداية الجهاد المباشر بالقوة ثم غيّر بعد ذلك الخطة لتصبح عملا علميا ذكيّا؛ فقام أوّلا بوضع تصوّر سليم للحال التي يعيشها المسلمون وبيان لحقيقة الأطراف المعنيّة بالقضيّة، ثم انطلق في العمل حسب طاقته وجهده وفي الأخير ترك أملا بالخلاص مشروطا بضوابط.
أما عن المستعمر فقد احتار الشيخ بين ما يعرفه من خلال الثقافة القرآنيّة وبين ما يجده على أرض الواقع، فالقرآن الكريم ينبؤنا أنّ النصارى أقرب أهل الكتاب إلى المسلمين وواقع المستعمرين غير هذا، ولا شكّ في صدق قوله تعالى: { وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى}[ المائدة:82]، إذن لا يمكن اعتبار هؤلاء إلاّ أدعياء على النصرانية وأنهم في الحقيقة كفار فهم في معظمهم: " في عداوة المومنين كاليهود" (2) ، ولم يكونوا مقصودين بنص الآية، يعاملون معاملة غير التي فرضت على المسلم تجاه النصارى الحقيقيّين،وهذه النتيجة عند الشيخ مهمّة ترتكز على أسس عقدية ينبغي التأصيل لها قبل الخوض عن جهل، وبهذا تتّضح الرؤية ويبين منهج التعامل من غير ريب، ولا إفراط أو تفريط،لإزالة الشكوك والشبهات التي يحتمل أن يبثّها أهل الأغراض في الطريق إلى الخلاص.
وفي حقّ الطرف الثاني يتّجه الشيخ إلى تتبّع سنن الله تعالى في الخلق ، ولو كان الأمر يتعلق بالمسلمين فإنّ السنن الإلهية لا تحابي أحدا، ثمّ يتسائل عن هذه الحال التي آل إليها المجتمع المسلم، وعن مسؤوليتهم في القضية : فهل هم حقّا مظلومين؟ وباستقراء التاريخ يجد الشيخ أنّ المجتمع الإسلاميّ كان سائدا وهو الغالب والقوي، ولم يضعف ويهزم إلاّ لمـّا غـيّـر المسلمون ما بأنفسهم فغـيّـر الله أحوالهم، فإذا استعمروا فإنمّا كان هذا بما كسبت أيديهم(3).
ومن هنا يحدد الشيخ الأسباب الداخلية والحقيقية للوجود الاستعماري مستعينا بقبس من توجيهات القرآن الكريم والهدي الإسلامي، وينتهي إلى أنّ الاستعمار في الأخير ما هو إلاّ نتيجة لانحطاط المسلمين الذي أذهب شوكتهم وجعلهم هدفا وغرضا مغريا لأعدائهم؛ ويستند في هذا إلى قوله تعالى:{ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ}[الأنفال:46 ] ويحددّ الأسباب كما يلي:
أوّلها: تفرّق المسلمين وتفريطهم في الوحدة، فداهمهم عدوّهم في عقر دارهم.
ثانيها: كثرة نزاعاتهم فيما بينهم، واتسّاع الخلاف بينهم.
ثالثها:الـخيـانة فيما بينهم واستعانتهم بالاستعمار على بعضهم بعضا.
رابعها: سلبـيـّتـهم وتقاعسهم عن أمر الجماعة وانشغالهم بأنفسهم عن أهمّ الواجبات وهو الجهاد.
خامسها: اشتغالهم بالتعليم والتأليف(4).
فحقّ عليهم حكم الله وسنّـته في أنّه يسلّط عذابه على من نسيه ولم ينصر كلمته وانصرف عن الهدى(5)، وهذه الأسباب التي ذكرها الشيخ تجسّد حقيقة وضع المسلمين ودورهم في الظاهرة الاستعماريّة، إلاّ أنّ الشيخ لم يوضّح كيف كان الانشغال بالتعليم والتأليف من أسباب السيطرة الاستعماريّة؛ فلو نصر المسلمون العلم الحقيقيّ لسادوا ولكن انحط فكرهم وانشغلوا بسفاسف الأمور، واكـتـفوا بالتـقليد فلم يستطيعوا النهوض بالمجتمع وتخليصه من الجهل والاستعباد.
فالشيخ اطفيش يرى أنّ البلاد الإسلاميّة وقعت في يد الاستعمار بسبب أساسيّ هو فساد الأوضاع فيها فسادا يغري أعداءها على الاستيلاء عليها، ويحفزهم على البقاء فيها، وهذا الرأي نفسه نجده عند مفكّر جزائريّ آخر هو الأستاذ مالك بن نــبي الذي عرفت عنه نظرية القابليّة للاستعمار وقد عمّمها على كلّ البلاد المستعمرة(6).

يتبع ../ ..

muouinten2002@yahoo

- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

1) اطفيش: هميان الزاد إلى المعاد: ط1 المطبعة السلطانية زنجبار 1305هـ : 13/188، وانظر نهاية تفسير كل سورة تجد الشيخ يختم قوله بالدعاء لنصرة المسلمين وإبعاد المستعمرين؛ اطفيش: كشف الكرب : المطبعة الوطنية نشر وزارة التراث عمان 1405هـ/1985م: 2/207، 322.
2) اطفيش: هميان الزاد: ط2 مطابع سجل العرب نشر وزارة الثرات القومي عمان: 1980م: 5/546.
3) المصدر نفسه: ط1: 13/202، 203.
4) اطفيش: تيسير التفسير : ط2 البابي الحلي مصر نشر وزارة التراث عمان 1986م: 4/376؛ 377؛ انظر:أحمد توفيق المدني: كتاب الجزائر: المطبعة العربية الجزائر 1350هـ: 124.
5) اطفيش: الهميان: 2/158.
6) مالك بن نبي: شروط النهضة: سلسلة مشكلات الحضارة: ترجمة عبد الصبور شاهين، دار الفكر دمشق1986م: 152-155.

اسم الكاتب