أصول الفقه ومعادلة تجديد الفقه‎:‎
تأثر علم أصول الفقه بالركود الذي أصاب النتاج الفقهي، والاجترار والانفصال عن مجريات الأحداث، فآل ‏إلى المصير نفسه، ورأينا المؤلفات الأصولية تتناسخ في تطابق لا جديد فيه ولا إبداع، إلا استثناءات محدودة، كما ‏حدث في مؤلفات الشاطبي، والشوكاني، على سبيل المثال‎.

وكانت هذه الثمرات نتيجة لإغلاق باب الاجتهاد، فأصاب الفقه والأصول ما أصابهما، وتعطل العقل المسلم ‏عن الابتكار والإبداع‎.‎
ثم أفاق بعد سبات طويل، وطرق أبواب الحياة من جديد، فجاءت الدعوات لفتح باب الاجتهاد من جديد، ‏والسعي إلى تجديد الفقه الإسلامي، وهذا يقتضي بالضرورة تجديد علم أصول الفقه ليستوعب المستجدات، ‏ويستجيب للتحديات الكبرى التي تواجه المسلم في حياته، فردا وأمة، من النواحي الفكرية والتشريعية‎.‎
بيد أن الأطروحات النقدية الداعية إلى تجديد أصول الفقه، لم تقدم في مجملها منهجا واضحا، وبديلا متكاملا ‏لعلم الأصول وفق الصورة المأمولة‎.‎
وكان لهذا الغموض أثره في مسار حركة تجديد الأصول.‏
إذ تعاور القضية تياران، داع إلى التجديد بلا قيود، ورافض له جملة وتفصيلا، متهم للفريق الأول بالسعي ‏لإلغاء أساس الفقه، وهدم أعظم منظومة تشريعية عرفتها البشرية، بنقض مستندها، وهو علم أصول الفقه‎.‎
ودون إسهاب في الجدل الذي دار بين الفريقين، فإن المتأمل في الأطروحات النقدية للمنهجية الأصولية يجدها ‏تفتقر إلى إشكالية واضحة وموحدة، مما عاق عن تحقيق التجديد المنشود‎.‎
وقد اتجهت دعوات بعض المتأثرين بالتراث الوافد إلى إلغاء علم الأصول الموروث، ودعوا إلى استبداله ‏بالأنساق الغربية كالبنيوية والتفكيكية، والألسنية، وما إلى ذلك من ألوان الحداثة في المتناسخة التي اهتمت بتحليل ‏النصوص، ولكنهم تجاهلوا طبيعة اللغة التي نشأت فيها تلك المفاهيم، ومنطلقاتها الفكرية، وأنها غريبة عن لغة القرآن ‏ومفاهيم الإسلام، ونابية عن خصائص الشرع وحقائق العرف‎.‎
وإن وجدنا فريقا آخر يدعو إلى اطراح القديم وسلوك منهج التجديد ولكن دون استيراد النمط الغربي، بل ‏يدعو إلى استقاء الأحكام والاجتهادات من مصدر الوحي مباشرة، بدعوى أن النظر والتأمل في النص القرآني يغني ‏‎–‎حسب تصورهم - في استلهام الأدوات المعرفية الكفيلة اللازمة لفهم نصوص الشارع، وتحديد منهجية جديدة ‏للاجتهاد، وفق حاجة العصر ومقتضياته وطبيعة مشاكله وقضاياه.‏‎ ‎وهؤلاء المجددون لم يفصلوا لنا أساسيات هذا ‏المخطط المقترح، ولم يضعوا أيدينا على منهجية واضحة لهذه العملية، فتركوا العقل المسلم في تيه، لا أمسك بالقديم ‏المنقود، ولا أدرك الجديد الموعود. فزادوا الأمر تعقيدا حين وعدونا بالخروج من الفراغ التشريعي الكبير، فأوقعونا ‏في الفراغ المنهجي الخطير‎.‎
بينما كانت دعوة الغالب الأعم من المتخصصين في الفقه وأصوله إلى نقد نمط الكتابة الأصولية، وما شابها من ‏دخيل في المسائل والأسلوب، والمصطلحات والمنهج أيضا، فأطروحتهم تمثل نقداً للنتاج الأصولي من داخل المنظومة ‏الأصولية‎.‎
وهذه نظرة موضوعية سديدة تقتضيها ضرورة إعادة النظر في كثير من قضايا علم أصول الفقه، ومن ضمن ‏ذلك إعادة تحرير بعض المصطلحات وضبطها، وجعلها أقرب إلى الواقع العملي، مثل مفهوم الإجماع، والتنازل عن ‏بعض شروطه حتى يظل مفهوما مجردا في عالم المثل، نظريا لا يعرف إلى التطبيق سبيلا‎.‎
‎ ‎كما يقتضي التجديد في باب القياس إعمالَ الحكمة موازاةً مع العلة، واعتماد قياس المصلحة، والعدول عن ‏القياس الجزئي؛ وضبط شروط الاجتهاد واقعيا، بالاقتصاد في شروطه، وحذف الشروط التعجيزية المثبطة، حتى ‏نخلص إلى تحديد فعلي لأهل الاجتهاد‎. ‎
وفي عرض المادة الأصولية يقتضي التجديد إعادة تصنيفها وفق تقسيمات جديدة، توائم نمط التفكير، وآليات ‏العقل المعاصر في مناهج العلوم‎. ‎
ومن أبرز ما يجب مراجعته في هذا الصدد، إلغاء ما ليس من علم الأصول، وإعطاء الأولوية لمقاصد الشريعة، ‏وتنمية دراستها، والعمل على وضع قواعد وضوابط لها‎.‎
وبعد أن يصفّى علم الأصول من الدخيل، يكون النظر إلى الروافد المساندة له من العلوم الحديثة، فيكون ‏التجديد بتوظيف العلوم الحديثة الإنسانية منها والتجريبية في ضبط بعض مفاهيم وآليات أصول الفقه، مثل العرف، ‏والعادة، والمصلحة، والضرر، والحاجة والضرورة‎. ‎حتى تضبط هذه المفاهيم وتوظّف في مسايرة الفقه للواقع البشري ‏المعاصر‎.‎

تقنين الفقه الإسلامي:‏
لقد نالت قضية التقنين الأصولي اهتماما كبيرا، نظرا لمكانة علم الأصول ضمن مصادر الفقه والفكر الإسلامي ‏معًا. ونجتزئ من هذه القضية ضبطا لمعناها دون الدخول في تفاصيل الجدل الذي دار حولها، إذ لا يختلف في جوهره ‏عما حصل في قضية تجديد الفقه، لأن التقنين لا يعدو أن يكون وجها من أوجه هذا التجديد. ‏
فما مفهوم التقنين الفقهي. وما المراد منه؟ ‏
يقصد بتقنين الفقه صياغة الآراء والأقوال الفقهية في عبارات مختصرة واضحة، على شكل قواعد مضبوطة، ‏ومواد مرقمة، تتسلسل في اطراد، بحيث يأخذ بعضها برقاب بعض، وتشكل بمجموعها تصورها للموضوع ‏وأحكامه، مما ييسر أمر الرجوع إلى هذه الأحكام سواء للقاضي للفصل في القضاء، أم للباحث والدارس لمعرفة ‏الأحكام‎.‎
وقد انتصر لهذه الفكرة عدد وفير من العلماء والمفكرين، كما قام في وجهها فريق من المعارضين، فتجاذبها المد ‏والجزر بين الأنصار والخصوم، ولكن القضية لم تحسم بعدُ بين الفريقين، ولكل فريق رؤية وحجج تدعمه، ولا يزال ‏الحوار مفتوحا بينهما، ولكن اتجاه المؤيدين كان أقرب إلى الواقع، وأوفق بمقاصد الشارع، والحكَم الفصل هو ‏الميدان.‏
وبعد هذا العرض عن مسيرة التجديد في الفقه الإسلامي بعامة، والإشارة إلى تجديد علم الأصول، نعرج إلى ‏واقع الفقه العماني المعاصر وصلته بهذا التجديد. ‏

فقهاء عمان المعاصرون وتجديد الفقه‎:‎
إن الكتابة في معالم الفقه العماني المعاصر، وتجديد الفقه في هذا النتاج الفقهي، وأثر ذلك على تقنين الفقه، ‏موضوع بالغ الأهمية، نظرًا لوطيد العلاقة بين الفقه والواقع، وتشابك الصلات بين الفقه الإباضي بعامة، والفقه ‏العماني بخاصة وفقه المذاهب الأخرى منذ فجر التأليف، إلى العصر الحاضر.‏
وليس جديدا أن نذكر بأن الفقه العماني لا يختلف كثيرا عن نظيره من نتاج المدارس الفقهية الأخرى في ‏خصائصه العامة قديما وحديثا، باعتبار وحدة المصدر، واتحاد المنهج، ووحدة الغاية والوظيفة، فمصدره هو الوحي، ‏ومنهجه أصول الفقه وأدلته، ووظيفته أنه دليل المسلم في حياته على جميع الأصعدة والمجالات.‏
ومن الجدير بالتنبيه مفارقة الوفرة الكاثرة من الفقه العماني عبر القرون، والجهل المطبق به من قِبل جمهور ‏المسلمين. فكل مطلع على هذا الفقه يتملكه الاندهاش لما تميز به من ثراء وتنوع وشمول، ويرى كيف اتصل نهر هذا ‏الفقه غزيرا لم ينضب معينه،ولم تشح منابعه منذ الصدر الأول للإسلام حتى العصر الحاضر‎.‎
وغدا الحديث عن موسوعات الفقه الإسلامي التي سطرتها أنامل علماء عمان حديثا مكرورا، ومشهورا لدى ‏العام والخاص، امتدت من القرن الرابع كالضياء للعوتبي، مرورا بموسوعة "المصنف" لأحمد بن عبد الله الكندي(‏ ‏)، ‏و"بيان الشرع" لمحمد بن إبراهيم الكندي(‏ ‏)، التي كانت واسطة العقد في هذه المنظومة، وصولا إلى القرن الثالث ‏عشر في "قاموس الشريعة" لجميّل بن خميس السعدي"(‏ ‏).، و"معارج الآمال" وغيرها من مؤلفات الإمام نور الدين ‏السالمي(‏ ‏).  في القرن الرابع عشر. ‏
علمًا بأن هذا ما حفظته يد الأيام، وثمة الكثير سواه مما ذهب ضحية الفتن والمحن التي اجتاحت نصيبا موفورا ‏من نفائس الفكر الإسلامي‎.‎
وقد ظل الفقه العماني متسما بهذه السمة لم تنفك عنه ولم يتخل عنها، إلى اليوم، وإن تخفف منها معظم ‏المؤلفين المعاصرين مقارنة بمن سلف.‏
وحديثنا عن فقه عمان المعاصر، تأكيد لهذه الحقيقة في غزارة النتاج العماني في مضمار الفقه، وتنوع الكتابات ‏فيه بين موسوعية ومختصرة، وبين نثر ونظم، وبين شامل لأبواب الفقه ومتخصص في موضوع واحد لا يعدوه‎.‎

ولابد قبل بيان منهج التجديد في هذا النتاج، من التعرف عليه عن كثب وتقديم صورة وافية عنه، تمكن ‏القارئ من تصور هذا النتاج في أبرز معالمه ومؤلفاته‎.‎
والمساحة التي تتعرض لها هذه الورقة تنحصر في نتاج فقهاء عمان المعاصرين، وعصرهم تمتد من بعد الإمام ‏محمد بن عبد الله الخليلى(‏ ‏)، لتضم ثلة ميمونة من الفقهاء العلماء، أسهموا في إثراء المكتبة الفقهية بما أخرجوا من ‏مدونات فقهية شاملة، ومؤلفات في موضوعات محددة، ومنظومات فقهية، وفتاوى أجابت عن إشكالات السائلين، ‏فضلا عما يمكن أن يضاف إلى نتاجهم من البحوث الأكاديمية، والرسائل الجامعية، والمؤتمرات العلمية المختلفة، ‏والمقررات التربوية. ‏
ونظرا لغزارة هذا النتاج، فقد عمدنا في هذا العرض إلى التمثيل لا الحصر والاستقصاء، لأن ذلك مما تقصر ‏عنه هذه الورقات التعريفية الوجيزة‎.‎‏ وارتأينا عرضها وفق الترتيب التاريخي لمؤلفيها، بما يفيد في رصد تطور هذا ‏الفقه بصورة أوفى.‏

اسم الكاتب