(آيات الاستواء نموذجا)

توطئة:               
وردت في نصوص الكتاب والسنة صفات لله تعالى؛ هي من نوع المتشابه الذي خَفِيَ معناه وأوهم بظاهره ما قامت الأدلة على نفيه، وهي صفات ليس من شأن العقل الاستقلال بإدراكها، فمصدر العلم بها هو الخبر الشرعي، ولذا سُميت أيضا بالصفات الخبرية، والجماع بينها أنها تثبت في حق الله تعالى؛ ما ظاهر لفظه أعضاء وأوضاع مادية، كالتي تُسند للإنسان ...

ومن هذه الصفات: اليدان كما في قوله تعالى: بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَآءُ (المائدة: 64)، والوجه، كما في قوله: وَيَبْقَى وَجْهُ رَبـِّكَ ذُو الْجَلاَلِ وَالاِكْرَامِ (الرحمن: 27)، والأصابع كما في الحديث: «إن قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن» ، والاستواء، كما في قوله تعالى: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (طه: 5)، والنزول، كما في قوله صلى الله عليه وسلم: «ينزل الله تعالى إلى السماء الدنيا كل ليلة جمعة، ويقول: هل من تائب فأتوب عليه» .
وانطلاقا من وحدانية الله تعالى ومخالفته للحوادث، وتنـزُّهه عن مشابهة خلقه، وبالنظر إلى ما تحمله تلك الصفات في ظاهرها من مشابهة الخلق، فإن تحديد مفهومها اللائق به تعالى، كان مناط خلاف شديد بين علماء العقيدة، مما نتج عنه وجهات نظر مختلفة، تعود في مجملها إلى وِجهتين أساسيتين: وجهة التفويض ووجهة التأويل ، فما هي نظرة الشيخ إبراهيم بيوض -رحمه الله- في هذا الموضوع الشّائك ؟ وكيف كان يتناول آياته في ضوء فكره الإصلاحي ؟

أولا/ موقف الشيخ بيوض من الصفات المتشابهة عموما:
نقرر بداية أن الشيخ يصنف المتشابه ضمن أصعب مواضيع القرآن بحثا ومعالجة فيقول: «إنه لمن أخطر المواضيع التي يصعب الحديث فيها: التي تتعلق بشأن من شؤون الله تعالى الخاصة به، والصعوبة تأتي من حيث إن الخوض فيها، أو في الآيات المتشابهة مزلَّة أقدام، لأنه سيْرٌ في أوعر الطرق، إذِ الإنسان لا يملك الحرية التامة المطلقة في التأويل والتفسير، فيذهب يمينا وشمالا كما يُصنع بكلام البشر، فيُقوَّل الشاعر ما لم يقل، والكاتب ما لم يكتب ... ولكن ليس الأمر كذلك بالنسبة للمواضيع التي تتعلق بشؤون الله الخاصة التي لا يمكن الوقوف على حقيقتها» .
فالشيخ لم يغلق باب التأويل، لكنه دعا إلى الحذر والتَّورُّع عند وُلوجه، مُبيِّنا وجه الخطورة فيه، وهو كون الإنسان –في تلك المواضيع المتعلقة بالغيب- مُقيَّدًا بما أخبر به الشارع؛ وليست له حرية تفسيرها، كما في كلام البشر.
وقد جاء موقف الشيخ من المتشابه موقفا وسطا بين الفريق الذي يفوِّض علم المتشابه إلى الله تعالى تفويضا مطلقا، وبين الفريق الذي يجيز للراسخين في العلم تأويله، إذْ يرى أنّه لا حَجْر على العلماء أن يبحثوا عن العلل والحكم والمعاني التي يحتملها اللفظ المتشابه، اعتمادا على القرائن، وأن يحاولوا إصابة كلمة الحق؛ جهد المستطاع، وما لم يصلوا إلى إدراكه فوَّضوا علمه إلى الله تعالى.
كما قيَّد الشيخ موقفه من التأويل بضابطين أو شرطين:
الشرط الأول: ألا يؤدّيَ التأويل إلى تجسيم الله تعالى –كما فعلت اليهود- أو إلى وصفه بأنه يأتي عليه زمان أو يحيط به مكان ، وبمفهوم المخالفة؛ أن يؤدي إلى تنزيه الله تعالى عن كل صفات النقص، ووصفه بكل صفات الكمال.
الشرط الثاني: ألاّ يُقطع في قول من الأقوال أنه المراد، يقول الشيخ: «ألاَّ يُعتمد قول من الأقوال، ويُعتقد فيه اعتقادا راسخا أن هذا هو الحق، وغيره هو الباطل، فلنا أن نتأول الكرسي أو الاستواء أو غيره بما نتأوله، ولكن ليس لنا أن نقول: إن هذا هو الحق وغيره الباطل، إذ يمكن أن يكون المعنى ما أدركناه واخترناه، واطمأنت إليه نفوسنا، وقد يكون غيره» .
بعد هذا التقييد لاستعمال التأويل، يحكم الشيخ على موقفه – من غير جزم - فيقول: «فإذا سلِمْنا من هذيْن الأمرين -أي مما ذكره سابقا- فلا بأس من التأويل، وإننا نظن أننا على الصراط المستقيم» .
ولعل هدف الشيخ من هذا التقييد يكمن في أمرين أساسيين:
1) إمساك العقل -أثناء التأويل- عن الابتعاد عن محكمات النصوص وظواهر الألفاظ، وعدم مصادمة أصول الدين ومقاصده.
2) تأكيد مبدأ: ظنية النص المتشابه دلالة، حتى لا يُقطع بوجه من وجوه التأويل، ويُرد علم حقيقته إلى الله، في نهاية الأمر...

يتبع

اسم الكاتب