من إيماني الراسخ بأن المطالعة هي وقود المعرفة، ولحاجة لي قادني الشغف هذه المرة إلى كتاب ضمن سلسلة بحوث منهجية مختارة تصدرها جمعية التراث أطال الله في أنفاسها، تحت عنوان: الفتاة في ميزاب تنشئتها وتعليمها بين الثابت والمتغير للأستاذ الباحث: بشير بن عمر مرموري. وأنا أبحر في غياهب الكتاب استوقفتني شخصية أقولها متأسفا من جهة ومعاتبا نفسي وكل من لم يطّلع عليها من جهة أخرى- لم أسمع بها قطّ- ،كيف لا ونحن نجهل الكثير الكثير من تراثنا التاريخي الذي لو اطلعنا عليه ودرسناه حق الدراسة لكفانا الجدل العقيم الذي كنا ولازلنا عليه في أمور شتى...

لن أطيل في المقدمة لأني مهما مهّدت لهذه الشخصية الفذّة لا ولن أفِيَهَا حقّها، وأتركك أخي القارئ لتطّلع وتفقه وتحلل وتسقط ذلك على واقعك. ولي أن ألقاك في موضوع لاحق منتهجا النقد والملاحظة العلمية، علّي أنذر الغالبية من قومي الذين يعلمون.

"نانا تابركانت السدراتية"

من قبيلة سدراتة العريقة في بلاد المغرب الإسلامي، تعرف على أنها امرأة عجوز ، عظيمة القدر، قوية الحجة، فصيحة اللسان، حصيفة الرأي، تعيش في جبل نفوسة العظيم بليبيا. كانت ملاذ الكثير من الناس للإحتماء بها عند الشدائد، حيث يزورها الطلبة والمشائخ من حين لآخر، يسترشدون منها النصيحة والرأي السديد في أمور الحياة، فلا تبخل عنهم، وكانت نصائحها مؤثرة وآراؤها وجيهة ... ولكن التاريخ لم يسجل لها إلا هذه الوصية الجامعة لكثير من فضائل الأعمال، والتحذير من السلوك المنحرف  ... إذ قالوا لها: أوصنا يا عجوز فقالت لهم: وكيف أوصيكم وأنتم الرجال، منكم الرسل، والأنبياء، ومنكم الوزراء والأمراء، ومنكم المؤذنون والأئمة!.
فقالوا لابد من ذلك، والذكرى تنفع المؤمنين، فأجابت لهم قائلة:
* إياكم وكثرة الكلام لئلا تكذبوا.
*وإياكم وكثرة الأيمان لئلا تحنثوا.
*وإياكم وكثرة الدلالة لئلا تسرقوا.
* وإياكم والتهمة لئلا تظلموا.
وعندما وجد الزائرون ضالتهم في كلامها، طلبوامنها المزيد فقالت لهم:
* زيارتكم طلب حوائجكم.
* ومصافحتكم مقارعة. 
* وأكلكم أكل النهمة.
* ومشيكم مشي الرضى.
* ونومكم نوم الموتى.
وفي هذه النصائح إشارة إلى سلوكات منحرفة حاولت ان تنبههم بها كي يصحّحوها لتنقلب إلى أفعال نبيلة، حيث تبين لهم أن الزيارة إذا كانت في الله فهي أكثر خيرا، والمصافحة فيما بينكم يجب أن تكون بالتي هي أحسن لا بالفوضى والعنف فتتحول إلى كراهية وتنهاهم كذلك عن كثرة الأكل لأنه من عمل البهائم، وتحثهم على أن يسيروا مشية الأقوياء المتواضعين. فأعجبهم هذا النصح وطلبوا المزيد فقالت لهم:
* شر الصدور صدر لا رأفة فيه. 
* وشر الأقدام قدم لاتزور في سبيل الله.
* وشر البيوت بيت لا يدخله المسلمون. 
* وشر المال مال لا ينفق منه.
وواصلت تحذيرهممن أربعة أشياء هي:
قساوة القلب وعدم التزاور ،والبخل بالمال في مواطن الخير، وغلق المنزل دون حوائج المسلمين، أو غلقه بالريبة التي تبعد المسلمين عن الدخول فيه، والقاسم المشترك لهذه الشرور هو رذيلة الأنانية التي ترد صاحبها أسفل سافلين.
وفسرت قول الحكماء في أربع كلمات:
* نقّ العمل فإن الناقد بصير. 
* جدد السفينة فإن البحر عميق. 
* كثر الزاد فإن السفر بعيد.
* خفف الحمل فإن العقبة كؤود.  

اسم الكاتب